welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(93)

ب: في نصب المجتهد، المقلِّد للقضاء

فرغنا عن البحث في تصدي المقلّد منصب القضاء استقلالاً وقد عرفت عدم الدليل على جوازه ونفوذ قضائه إنّما الكلام في تصديه له بعد نصب المجتهد إيّاه للنظر في المرافعات، والقضاءفيها على وفق رأيه .

إنّ جواز النصب للمجتهد رهن أمرين:

1ـ أن يكون النصب جائزاً في نفسه بأن لاتكون الفقاهة شرطاً شرعياًللقضاء ونفوذ الرأي كالذكورة والإيمان وإلاّ فلا ، لأنّها لو كانت شرطاً لايجوز للإمام فكيف يجوز للمجتهد الذي هو نائبه؟!

2ـ إنّ كل حكم يجوز للإمام يجوز للفقيه الجامع للشرائط.

فالدعوى الأُولى بمنزلة الصغرى للثانية وهي كبرى للأُولى أمّا الأُولى فيمكن أن يقال إنّها غير ثابتة أي لانعلم أنّه يجوز للإمام نصب العامي للقضاء أو لا، والشكّ فيه كاف في الحكم بالمنع بالنسبة إلى المجتهد.

ومع قطع النظر عن ذلك نقول:إذا دلّت المقبولة والمشهورة على أنّ المأذون للقضاء من ينطبق عليه عنوان الناظر في الحلال والحرام والعارف بالأحكام، وفرضنا عدم انطباقه على المقلّد، يصير قضاء المقلّد، كقضاء المرأة فكما لايصح نصبها للقضاء، فهكذا العامي العارف بمسائل القضاء.

هذا كلّه على القول بدلالتهما على شرطية الاجتهاد في القضاء، و أمّا لو قلنا بعدم دلالتهما على شرطية الاجتهاد فنفس الشك في جواز نصبه المقلّد كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ لما قلنا إنّ الأصل عدم حجية رأي أحد في حقّ أحد إلاّ إذا قام عليه الدليل وبذلك ظهر أنّ لتبيين حكم المسألة مراحل ثلاث:

1ـ الشكّ في جواز نصب العامي للقضاء، لنفس الإمام وعدمه ومع الشكّ


(94)

فيه، لاتفيد أدلّة ولاية الفقيه إذ لا يتجاوز عن كونه منزّلاً منزلته. مع وجود الشكّ في المنزّل عليه.

2ـ مع قطع النظر عنه، إذا قلنا بدلالة المقبولة وغيرها على شرطية الاجتهاد، ومعه كيف يجوز للفقيه ، نصبه للقضاء؟

3ـ إذا كانت دلالتها قاصرة فنفس الشكّ يكفي في الحكم بالعدم أخذاً بحكم الأصل الأوّلي.

وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده سيّدنا الأُستاذ ـ قدّس اللّهسره ـ في ردّ الاستدلال حيث قال: إنّ المقبولة لاتدل إلاّ على نصب الإمام الفقيه للقضاء وأمّا كون ذلك بإلزام شرعي بحيث يستفاد منها أنّ الفقاهة من الشرائط الشرعية فلا.

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه لو افترضنا أنّ المقبولة والمشهورة ليستا بصدد بيان شرائط من له حقّ القضاء لكن نفس الشكّ في مشروعية قضاء العامي العارف بمسائل القضاء عن تقليد، كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ وذلك مثل الشك في جواز التعبّد بالظن، فإنّ نفس الشك كاف في الحكم بحرمة التعبد ولا يحتاج إلى دليل آخر.

ويمكن أن يستدل على عدم مشروعية قضاء العامي بصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «اتقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصيّ نبيّ».(1)

فإنّها صريحة في أنّ القضاء شرّع للأنبياء وأوصيائهم ولاينافيه ما دلّ على جوازه للفقهاء، لأنّهم أوصياء الأنبياء.(2) بوجه فتكون المقبولة حاكمة عليها


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3، من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 ص7 ; المستدرك: الجزء 17، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10و48.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.


(95)

بالتصرّف في الموضوع وتوسيعه وإدخال مالايدلّ عليه ظاهرها (الصحيحة) والعامي ليس وصياً لنبي. فلم يدل دليل على مشروعية قضائه.

ج: في توكيل المقلّد للقضاء

قد عرفت عدم جواز استقلال المقلّد للقضاء ولانصب المجتهد إيّاه للتصدّي، بقي الكلام في توكيله حتّى يقوم العامي المقلّد، بفعل المجتهد ويعمل عمله، لاعمل نفسه كما هو الحال في صورة النصب على ما عرفت الفرق بينهم.

والقول بالجواز مبني على ثبوت أحد أمرين على نحو مانعة الخلو:

1ـ أن يكون هنا دليل خاص من العرف وغيره على أنّ القضاء أمر قابل للتوكيل والنيابة ومع ثبوته بالخصوص، لايشترط في الوكيل سوى ما يشترط في غيره.

2ـ إذا لم يدلّ دليل خاص على أنّ القضاء أمر قابل للتوكيل وصارت النيابة فيه مشكوكة، ولكن كان في باب الوكالة دليل يدلّ على أنّ كلّ أمر قابل للنيابة إلاّ ما خرج بالدليل ومعه لايبقى شك في كونه قابلاً للنيابة وتعمه أدلّة الوكالة وعموماتها.

وبذلك ظهر أنّ المراد من الأمر الثاني، ليس مطلق عمومات باب الوكالة كعمومات باب البيع والعقود، التي لاتفيد عند الشك في كون شيء قابلاً للبيع أو العقد عليه، بل الدليل الخاص الدال على أنّ كل أمر قابل للنيابة إلاّ ما خرج وهذا غير عمومات باب الوكالة الناظرة إلى الحكم ، دون قابلية الموضوع كسائر العمومات.

إذا عرفت ذلك فالمسألة غير معنونة في كلمات القدماء فلنكتف بكلمات المتأخرين فقد قال المحقّق الرشتي: «الحقّ عدم الجواز وفاقاً للكل أو الجلّ لأنّ


(96)

التوكيل مشروط بعدم اشتراط المباشرة في تأثير الحكم وإلاّ لم يعقل فيه التوكيل واشتراطها هنا معلوم أو مشكوك والتمسّك بأدلّة الوكالة غير مجد في المقام.(1)

أمّا الأمر الأوّل أي الدليل الخاص فتوضيح المقام:

إنّ الموضوعات من جهة ترتّب الأثر عليها مختلفة وهي:

1ـ ما يترتّب عليه الأثر بملاحظة كونه قائماً بفاعل خاص كالمضاجعة فهي محكومة بالحلّية إذا كان المباشر لها هو الزوج لاغير.

2ـ ما يترتّب عليه الأثر بملاحظة أصل وجوده في الخارج من غير خصوصية للفاعل وذلك كتطهر الثوب بالماء فهو يطهر سواء كان المباشر للغَسل إنساناً بالغاً أو صغيراً أو غير إنسان بل حيواناً أو ريحاً. فالموضوع هو تحقّق الغسل بالماء كيفما كان.

3ـ ما يترتّب عليه الأثر المقصود بملاحظة قيامه بإنسان عاقل بالغ مباشرة أو تسبيباً كالبيع والإجارة، والنكاح والطلاق.

4ـ ما يشك في أنّه من أيّ قسم من هذه الأقسام، كالقضاء كما سيأتي.

فالأوّلان لايقبلان الوكالة، لاعتبار الفاعل الخاص في ترتّب الأثر في الأوّل ومثله لاينفك عن اعتبار المباشرة، وعدم لحاظ الفاعل في الثاني حتى يكون هناك نائب ومنوب عنه، والثالث يقبلها بلاشك.

وأمّا الرابع: فيمكن أن يقال: إنّه مع الشك يحكم بأنّه غير قابل للنيابة كنظائره والضابطة الكلية: إنّ كل عمل يتوقف على إعمال النظر والدقّة والعلم واليقين بالموضوع، وبالتالي اتخاذ عقيدة خاصة فيه فهو يقوم بالفاعل المباشر، ولاتصح نسبته إلى الغير الفاقد لهذه الأُمور ، وبالجملة: إنّ تشخيص كل واحد ينسب إلى نفسه و لاتقبل النسبة إلى غيره بالتسبيب .


1 ـ المحقّق الرشتي: كتاب القضاء1/52.


(97)

وعلى ذلك يترتّب عدم جواز الوكالة في الأُمور التالية:

1ـ الطبابة: فإنّ الطبيب بعد المعاينة والدقّة في أحوال المريض وأوصافه، يتبنّى عقيدة ونظراًفي حقّ المريض، فيأخذ بكتابة نسخة العلاج ويأمره بالاتباع فهذا أمرقائم بالطبيب ولا تصح نسبته إلى الشخص الآخر وإن أمر بالمعالجة وذلك لعدم وجود شيء من هذه الأُمور فيه حسب الفرض.

2ـ الحلف 3ـ الإقرار 4ـ الشهادة. فإنّ الجميع إخبار عن واقع بعلم جازم قاطع أخذاً بماهية هذه الأُمور، فلو تحقق في الوكيل دون الموكّل، لاتصح له نسبة هذه الأُمور إلى الموكّل لافتقاره مقوِّمها وإن تحقّق في الموكّل دون الوكيل، لايصح من الوكيل الإقرار والشهادة والحلف لتقوّمها بالعلم والاطلاع القاطع، وهو فاقد له وإن تحقق في كليهما، كلّ يقوم بعمل نفسه.

5ـ ومنه يظهر حال القضاء فإنّ مورده إمّا شبهة حكمية أو موضوعية، فالقضاء في الصورة الأُولى بنفس الإفتاء وهو قائم بالمجتهد دون العامي، كما أنّه في الثانية يتضمّن الإفتاء في مورد جزئي، والإفتاء لايقبل النيابة لأنّه فرع العلم بالحكم والعامي فاقد له.

وبذلك يعلم أنّ القضاء لايقبل الوكالة وإن كان الوكيل مجتهداً. سواء وكّله بالقضاء على رأي الموكّل أو رأي الوكيل، و إن كان يظهر من السيّد الطباطبائي جوازه حيث قال: «قد تكون هناك ما يوجب الحاجة إلى التوكيل كما إذا لم يرض المترافعان إلاّ بالرجوع إلى مجتهد وكان معذوراً في المباشرة فحينئذ يوكل مجتهداً آخر مع فرض عدم رضاهما بالإرشاد إلى ذلك الآخر وقالا إنّا نريد أن تكون أنت الفاصل بيننا بالمباشرة أو التسبيب ـ ثم ّ قال: ـ وهل على النائب حينئذ أن يقضي في المسائل الخلافية بمقتضى رأيه أو برأي المستنيب يظهر من المسالك الأوّل وانّه لايجوز أن يقضي إلاّ برأيه والظاهر جواز الأمرين وكونه تابعاً لكيفية التوكيل فإن وكّله في أصل القضاء فيعمل برأيه وإن وكّله في القضاء بينهما بمقتضى رأي


(98)

الموكّل فيعمل برأيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القضاء يتضمّن الإفتاء وهو لايقبل الوكالة، لأنّه إن قضى برأي نفسه، فقد قضى مباشرة لاوكالة وإن قضى برأي الموكّل، فهو فرع جواز الوكالة في الفتوى.

ولو رفضنا تلك الضابطة و افترضنا الشكّ في قابلية القضاء للوكالة فلايمكن التمسك في إثبات القابلية له بالعمومات الواردة فيه لعدم كونها بصدد بيان تلك الجهة.

و أمّا الكلام في الأمر الثاني أي وجود دليل في باب الوكالة يدلّ على أنّ كل موضوع قابل للنيابة إلاّ ما دلّ على اعتبار المباشرة فيه، فربّما يوهمه بعض الروايات التالية:

1ـ ما رواه الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنّه قال:من وكّل رجلاً على إمضاء أمر من الأُمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها.(2)

والإمعان فيها يعطى أنّه ليس بصدد بيان قابلية كل «أمر من الأُمور» للوكالة بل بصدد بيان أنّ عمل الوكيل نافذ إلى أن يبلغه العزل.

2ـ صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الأُمور وأشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال :اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة، فقال: إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبلَ العزل فإنّ الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل. كره الموكّل أم رضي.قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يَعْلَمَ العزل أو يبلغه أنّه قد


1 ـ السيّد الطباطبائي : ملحقات العروة 2/12.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 1 من أبواب الوكالة، الحديث 1، ص285.


(99)

عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟! قال:نعم قلت له: فإن بلغه العزل قبل أن يمضى الأمر ثمّ ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟! قال : نعم، إنّ الوكيل إذا وكّل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماض أبداً والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة.(1)

وهذه الرواية كسابقتها ليست بصدد بيان انّ الوكالة في كل أمرماض، وإنّما هي بصدد بيان مضيّ ونفوذ الوكالة في كل ما تصحّ الوكالة فيه، مالم يبلغه العزل بثقة، كما هو واضح. فإذا شككنا في انّ القضاء يقبل الوكالة أو لا فليس هنا دليل على صحّة التوكيل فيه.

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي نقل عن المسالك دليلاً على عدم الجواز ـ ولم نعثر عليه فيها ـ حاصله: أنّه يشترط في القاضي أن يكون مجتهداً ومعه لافرق بين النائب والمستنيب في ثبوت ولاية القضاء له فلامعنى لكون أحدهما وكيلاً عن الآخر فهو نظير توكيل أحد الوليين أو الوكيلين أو الوصيين للآخر فكما أنّه لغو فهكذا في المقام.(2)

يلاحظ عليه : أنّ ذلك خلط بين النصب والوكالة، فبما أنّ المنصوب مستقل في عمله يشترط فيه ما يشترط في الناصب ، وهذا بخلاف الوكالة فإنّ الوكيل يقوم بنفس عمل الموكّل كأنّ المجتهد، يقضي بواسطة وكيله. فيكفي وجود الشرط فيه من دون لزوم وجود شرط خاص في الوكيل سوى الشروط العامة في مطلق الوكالة.

فالحقّ في عدم جواز الوكالة منه ، لعدم ثبوت كون القضاء ممّا يقبل الوكالة، ولم يدل دليل عليه، لامن العرف ولاغيره.


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 2 من أبواب الوكالة، الحديث1.
2 ـ الطباطبائي اليزدي: ملحقات العروة ، كتاب القضاء، ج2/12.


(100)

د: نصب المقلّد للقضاء عند الاضطرار

ما تلوناه عليك من الأدلّة على عدم جواز تصدّي العامي للقضاء استقلالاً أو نصباً إنّما كان راجعاً إلى حال الاختيار وإنّما الكلام في حال الاضطرار، قال المحققّ:«إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته مراعاة للمصلحة في نظر الإمام ـ عليه السلام ـ كمااتّفق لبعض القضاة في زمن علي ـ عليه السلام ـ وربّما منع من ذلك.(1)

وقال في المسالك:إذا اقتضت المصلحة عند الإمام تولية من لم يستكمل شرائط القضاء بأن كان قاصراً في العلم أوالعدالة ففي جواز توليته عندنا وجهان:أحدهما المنع لفقدالشرط، المقتضي لفقد المشروط ـ إلى أن قال :ـ الثاني، الجواز نظراً إلى وجود المصلحة الكلية التي هي الأصل في شرع الأحكام ولوقوع مثله في زمن عليّ ـ عليه السلام ـ فقد كان ولّى شريحاً القضاء مع ظهور مخالفته له في الأحكام المنافية للعدالة التي هي أحد الشرائط.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التمسك بسيرة الإمام غير واضح، لعدم وضوح وجهة عمله ولعلّ القاضي كان صالحاً يوم ذاك!!، أو كان الإمام مضطراً في إبقائه في منصبه، لاشتغاله بالقضاء من عصر الخليفة الثاني إلى زمان الإمام ولايعني ذلك أنّ الإمام كان يعمل بالتقية، حتى يقال إنّه ما كان يعمل بالتقية، بل المصالح اقتضت الإبقاء وتصوّر أنّ المصالح كانت تقتضي إبقاء معاوية فلماذا رفضها؟ مردود بأنّ المبايعين الذين صدّروا عليّاً منصَّة الخلافة وبايعوه، كانوا هم المضطهدون المطالبون عزل ولاة عثمان الذين امتصوا دماء الأُمة، فعزل معاوية ـ مضافاً إلى أنّه كان واجباً شرعياً على الإمام ـ كان واجباً اجتماعياً وعلى كل تقدير يمكن تقرير الجواز بالوجه التالي:


1 ـ نجم الدين: الشرائع:4/863.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك، ج2/395.


(101)

إنّ حفظ الحقوق رهن فصل الخصومات ورفع المنازعات فإذا لم يتمكّن من الرجوع إلى المجتهد:ولم يجز نصب العامي للقضاء تقليداً لزم بعد ذلك ارتكاب أحد محاذير ثلاثة:

1ـ فإمّا أن يُرفع الشكوى إلى ديوان الظالمين وهو حرام.

2ـ أو يمنع من الترافع إلى الأبد وفيه إبطال للحقوق ورفع للأمان عن الدماء والأعراض والأموال.

3ـ أو يلزم الصبر إلى أن يتمكّن من الرجوع إلى الفقيه وهو موجب للعسر والحرج وربّما لايتمكّن المدّعي من إقامة الشاهد عند ذاك.

وعلى ضوء ذلك: لامناص للفقيه من نصب (العامي) للقضاء تقليداً في الشبهات الموضوعية والحكمية حفظاً للحقوق، إذاكان له المقدرة على التمييز والتشخيص في تطبيق الأحكام والكلّيات على مصاديقها.

فإن قلت: إنّ الرجوع إلى المحاكم العادية التي لاتحكم على وفق الكتاب والسنّة يحفظ الحقوق كما كانت الحال على ذلك قبل الثورة الإسلامية في إيران.

قلت: إذا دار الأمر في حفظ الحقوق بين الرجوع إلى المحاكم العادية، والنزول عند حكم المقلّد العارف بالأحكام الإسلامية عن تقليد، فالثاني هو المتعيّن، لأنّ حرمة الأُولى مطلقة متأكدة قال سبحانه:«ألَم تَرَ إلى الّذِينَ يزعُمونَ أنّهم آمنوا بِما أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتحاكَمُوا إلى الطاغوتِ وقد أُمروا أن يكفُروا بِهِ ويريدُ الشيطانُ أن يُضِلَّهُم ضَلالاً بعيداً»(النساء/60). ولأجل ذلك لامناص في حفظ الحقوق من اختيار قضاء المقلّد وتقديمه عليها.

وعلى ذلك فوجود المحاكم العادية وعدمها سواء فيتعيّن على الفقيه نصب العامي العارف بالقضاء لرفع الخصومات بين الناس، من غير فرق بين كون المورد من قبيل الشبهات الموضوعية أو الحكمية، وهو من القضايا التي قياساتها معها


(102)

لأنّ ترك المرافعة والقضاء، يؤدي إلى تضييع الحقوق والأموال وإيقاف الأمر إلى التمكّن من المجتهد، لاينفع إذا طال الزمان وما زالت الشكاوى والدعاوي تترى وتتزايد وشدّ الرحال إلى المجتهد النائي أمر مشكل وعندئذ فإذا كانت الشبهة موضوعية، يعمل بقواعد «المدّعي والمنكر» (التي مارسها مدّة على أيدي القضاة المهرة). وإذا كانت الشبهة حكمية مثل منجزات المريض وثبوت الشفعة إذاكانت الشركاء أزيد من ثلاثة، وتحريم عشر رضعات فبما أنّ القضاء فيها لايحتاج إلى إقامة بيّنة وجرحها وتعديلها يكفي العثور على رأي المجتهد والحكم على وفقه.

وإن شئت قلت: إنّ الشرط هو الصدور عن الكتاب والسنّة، فلامانع من سقوط شرطيته عند الاضطرار وفقد القائم به.

فإن قلت: إنّ القضاء في الشبهات الحكمية والموضوعية لايخلو عن إفتاء بالحكم الكلي أو الإفتاء بالحكم الجزئي وليس العامي أهلاً له.

قلت: يظهر حلّه بعد بيان ما تجب على العامي مراعاته من باب الاحتياط والأخذ بالقدرالمتيقّن وإليك بيانها:

الأوّل: إذا قلنا بسقوط شرطية الاجتهاد في حال الاضطرار لكن القدر المتيقّن للجواز هو العامي الذي ينصبه المجتهد لذلك المقام.وذلك لالوجود الدليل على الشرطية (لما عرفت من أنّه لايجوز نصب العامي للقضاء في حال الاختيار) بل لاحتمال مدخلية نصب المجتهد في هذه الحالة، دفعاً للهرج والمرج وحفظاً لنظام القضاء على الحدّ الممكن.

الثاني: للتأكد من إصابة الحقّ ، والتجنب من الاشتباه يلزم عليه التشاور في القضاء والسؤال عن سائر العارفين بالقضاء فإنّ الرأي الصادرعنده أقرب إلى الحقّ وألصق بالواقع، وحقّ الرأي للمنصوب فقط.


(103)

الثالث: إذا نصب المجتهد العامي العارفَ بالقضاء في زمان كان الرجوع إلى المجتهد موجباً للعسر والحرج، فهل يختصّ قضاؤه بخصوص لو كان مناط الرجوع موجوداً ، أو يعمّه وما إذا كان الرجوع إليه سهلاً ويسراً؟ وجهان:

1ـ إنّ الحكم النابع عن العسر والحرج يدور مدارهما فلو كان رفع الشكوى إلى المجتهد سهلاً، يلزم عليه إرجاع المتداعيين إلى المجتهد وإلاّ فيباشر بنفسه خصوصاً إذا قلنا بأنّ العسر الرافع للحرج هو الشخصي منه لا النوعي.

2ـ إنّ تحديد القضاء بوجود العسر الشخصي وعدم كفاية العسر النوعي يوجد الغموض في أمر القضاء و ربّما يزيد في العسر والحرج، والأوّل أحوط والثاني أقوى، خصوصاً إذا كان هنا نظام في القضاء يشتغل فيه أشخاص كثيرون، لايمكن تعليق عملهم يوماً دون يوم.

الرابع: إذا نصب المجتهد العامي للقضاء يجب عليه العمل بفتوى الأعلم وليس له أيّ تدخل في ترجيح الآراء بعضها على بعض، وتقديم المشهور على الشاذ، إذا كان فتوى الأعلم مطابقاً للثاني، أو ترجيح مايؤيّد بعض الظنون على الأُخر، لأنّ كل ذلك من وظائف أصحاب النظر فقط .

الخامس: إذا نصبه مجتهد للقضاء فهل له الصدور عن رأي الأعلم أو عن رأي المجتهد الناصب له، أو يتخيّر؟ فالأقوى هو الأوّل، كما عرفت لأنّه من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير.

السادس: إذا كان هناك من هو أعرف بموازين القضاء تقليداً من غيره وإن كان له أيضاًعرفان بالقضاء فيقدم الأعرف فالأعرف في مقام النصب إلاّ إذا لم يستعد الأعرف للقضاء فيتعيّن غيره.

السابع: إذا تعذّر النصب من جانب المجتهد، فعلى ا لمسلمين أن يختاروا أعرفهم بموازين القضاء، ولو عن تقليد.


(104)

الثامن: الذي يترتّب على قضاء العامي، هو لزوم طاعته وتنفيذ رأيه، وأمّا عدم جواز نقضه وعدم جواز تجديد المرافعة، لدى التمكّن من المجتهد فلا، لأنّ كلّ ذلك من آثار قضاء المجتهد، لا العامي العارف بالقضاء نعم لايصحّ النقض إلاّ من جانب المجتهد الناصب، لاغيره لأنّه يستلزم الهرج والمرج.

وبذلك اتضح جواب الإشكال السابق و ذلك لأنّ القضاء في المقام ليس قضاء حقيقياً حتى يعترض عليه بأنّ القضاء لايخلو عن إفتاء وهو شأن المجتهد دون العامي، بل عمل بالواجب بالقدر الممكن وإن كان مشوباً بالخلاف.

وعلى كل تقدير لو كان في هرم النظام مجتهد جامع الشرائط، فعليه أن يتكفّل بهذه الأُمور، وعليه النصب والعزل والنقض وليس للآخرين التدخل وإلاّ استلزم الفوضى في النظام.(1)

وبما ذكرنا يظهر أنّ المسوغ لنصب المقلّد العارف بالأحكام على القضاء ليس هو المصالح العامة الواردة في عبارة المحقّق وغيره حتى يقال:«إنّ الأحكام الشرعية لاتتغير بالمصالح المرسلة فلايجوز رفع اليدعن بعض شرائط النكاح والطلاق والمعاملات بمجرّد وجود مصلحة تقتضي خلافها، بل يلزم العمل بإطلاق أدلّة الشرائط فلايجوز رفع اليد عن شرطية العدالة، أو الاجتهاد في القاضي بوجود مصلحة ملحوظة في قضاء الشخص الفاقد لذلك الشرط».

وذلك لما عرفت من أنّ المسوّغ، هو أدلّة رفع الحرج في الشرع، أو كون الاضطرار مسقطاً لشرطية الشرط إذا كان في دليل المشروط إطلاق، وإلاّ فالمصالح المرسلة ليست مناطاً للتشريع في فقه الإمامية.

ثمّ إنّ بعض المانعين عن ممارسة المقلّد مهمّة القضاء عند الاضطرار قال:


1 ـ لاحظ رسالة القضاء للمحقّق ميرزا حبيب الله الرشتي(م1312هـ) فقد صدرنا في المقام عن تلك الرسالة الجزء الأوّل: باب :ما يختص بأحكام المقلّد المنصوب للقضاء، ص:60، 61، 62، 63.


(105)

إنّ التخلّص من هذه المشكلة الاجتماعية لاينحصر بذلك بل هنا طرق أُخرى تنحلّ معها عقدتها وإليك الطرق:

1ـ العمل بالبيّنة لو كانت، و إلاّ فيخلي سبيل المنكر، كما هو الحال بين الأُمم غير الدينية، من دون حاجة إلى الحلف.

2ـ العمل ببيّنة المدّعي أو أيّ دليل يقيمه بحيث يحصل العلم منه وإلاّ فيتوجّه الحلف على المنكر بناءً على عدم اختصاص الحلف بصورة وجود القاضي، ولمّا كان المفروض قبول المتنازعين الحقّ والحكمَ الشرعي فيمكن لهما العمل بذلك من دون حاجة إلى وجود شخص ثالث.

3ـ الرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف وليس مصداق العدالة أمراً خفيّاً.

4ـ العمل بالصلح القهري حيث يدور الحقّ بين شخصين.

5ـ العمل، بالقرعة في الشبهات الموضوعية لا الحكمية.

يلاحظ عليه: أنّ صاحب النظرية افترض المترافعين رجلين عادلين يريدانِ العمل بالحقّ المرّ، فعند ذلك يصحّ بعض ما افترضه رافعاً للمشكلة ولكن قلّما يتّفق ذلك وتصوّر أنّ موضوع البحث هو ما إذا لم يكن للإمام قدرة ظاهرية والدافع الى العمل بالحكم إيمانهما، ليس بمعنى أنّه ليس لقضائه في نفوذ الحقّ أيّ تأثير ، إذ ربّما يكون لقضائه تأثير في العمل بالحقّ وإن كانا يعرفانه قبل القضاء أيضاً بحيث لولا القضاء لما كان دافع تامّ للعمل بالحقِّ، مضافاً إلى أنّ موضوع البحث أعمّ من ذلك ويعمّ ما إذا قامت دولة إسلامية قاهرة ولكن كانت القضاة الجامعة للشرائط أقلّ ممّا تحتاج إليه الأُمّة فيقع البحث في نصب المقلّد العارف على القضاء فتكون للقاضي قدرة التنفيذ.

وعلى ذلك فالفرضان الأوّلان، لايتمشيان إلاّ في مجتمع أشبه بالمدينة الفاضلة التي صوّرها أفلاطون ولاينفعان في مجتمعنا، والرجوع إلى قاعدة العدل


(106)

والانصاف لاتفيد في الشبهات الحكمية وليس بأقرب إلى الواقع من العمل بقول المقلّد العارف، والطريق الرابع منحصر فيما إذا كان الحقّ بين شخصين خاضعين للصلح.وبالجملة اقتراح هذه الطرق، يعرب عن كون المقترح بعيداً عن المشاكل الاجتماعية، وأمّا العمل بالقرعة فلايتمّ إلاّ في مورد وجود حقّ مردد بين الشخصين لافيما إذا تردد الأمر بين وجود الحقّ وعدمه وهو الأكثر ولم ترد القرعة في المورد الأخير فلاحظ. وعلى أيّ تقدير فشكر الله مساعي كلّ من فكّر في رفع مشاكل الأُمّة الإسلامية.

الشرط التاسع :كونه ضابطاً

لاشكّ في شرطية الضبط في القضاء كاشتراطه في الإفتاء والشهادة ونقل الرواية، غير أنّ المهم تقديره، فاكتفى المحقِّق بعدم غلبة النسيان عليه، فلو غلبه النسيان لم يجز نصبه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ لازمه جواز نصب المساوي مع أنّه لاتجوز توليته. ولأجل ذلك عطف العلاّمة عليه في القواعد، مساواتهما وقال:«ولوغلب النسيان أو ساوى ذُكرَه، لم تجز توليته».(2)

والظاهر عدم كفاية مجرّد غلبة الذُكر على النسيان وإن كان قليلاً كما إذا زاد ذُكره على نسيانه بواحد بل لابدّ ـ مع ذلك ـ أن يعدّ إنساناً ضابطاً، لاناسياً ويكون نسيانه أمراً عاديّاً لاعلى خلاف العادة، والدليل على اعتباره ـ مضافاً إلى خطورة الموقف، وبناء العقلاء في المورد ونظائره ـ انصراف النصوص إلى الإنسان المتعارف، ومن غلب نسيانه ذُكرَه ، أو ساواه، أو غلب ذُكره عليه بمقدار قليل، لايعدّ إنساناً عادياً.


1 ـ نجم الدين: الشرائع: 67.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/100، قسم المتن.


(107)

الشرط العاشر: العلم بالكتابة

اختلفت كلمة الفقهاء في شرطية العلم بالكتابة وإن كان الاجتهاد، لاينفكّ عن العلم بها غالباً. وقلّما يتّفق لإنسان، بلغ قمّة الاجتهاد، ومع ذلك يقرأ ولايكتب.

قال الشيخ في المبسوط:فإن كان يحسن الكتابة انعقد له القضاء وإن كان لايحسن الكتابة قال قوم: انعقد له القضاء لأنّه ثقة من أهل الاجتهاد وكونه لايكتب لايقدح منه لأنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إمام الأئمّة ، ماكان يكتب ولم يُؤثَر ذلك منه وقال آخرون: الكتابة شرط لأنّه يحتاج أن يكتب إلى غيره وأن يكتب غيره إليه....(1)

وعلّله في المسالك بقوله:بأنّه ربّما يضطر إلى معرفة الوقائع والأحكام التي لايتيسر ضبطها غالباً إلاّ بها وهذا اختيار الشيخ والمصنف (المحقق) وأكثر الأصحاب والتمسّك بأُميّة النبيّ وأنّه كان لايكتب مدفوع بأنّه كان مصوناً بالعصمة المانع من السهو والغلط.(2)

وقد عرفت أنّ المسألة قليلة الجدوى جدّاً لعدم التفكيك بين الاجتهاد والكتابة ومع ذلك فليست الكتابة شرطاً لجواز التصدّي كالبلوغ والعدالة فلو نصب للقضاء في أُمور لاتتوقف على الكتابة والضبط صحّ نصبه وقضاؤه وإن لم يعرف الكتابة، غير أنّ القضاء في اليوم خصوصاً القضاء العام ، لاينفكّ عن الحاجة إلى الضبط بالكتابة ولايكون القاضي مصوناً من الاشتباه وغدر المترافعين، حتّى أنّهم قالوا: ينبغي للقاضي أن يتّخذ كاتباً بين يديه يكتب عنده الإقرار والإنكار.(3)


1 ـ الطوسي: المسبوط:10/119.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/389.
3 ـ الطوسي: المبسوط: 8/112.


(108)

الشرط الحادي عشر: البصر

قال الشيخ أمّا كمال الخلقة فيشترط أن يكون بصيراًفإن كان أعمى لم ينعقد له القضاء لأنّه يحتاج إلى معرفة المقِّر من المنكر، والمدّعي من المدّعى عليه وما يكتبه كاتب بين يديه، وإذا كان ضريراً لم يعرف شيئاً من ذلك.(1)

وقال المحقّق: وفي قضاء الأعمى تردّد أظهره أنّه لاينعقد لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم وتعذر ذلك مع العمى إلاّ فيما يقّل (2) وقد علم حاله ممّا ذكرناه في الكتابة ، وأنّه ليس كسائر الشروط من البلوغ والعدالة فيجوز نصبه لأُمور، لايتوقّف القضاء فيها على البصر لكنّه قليل جدّاً. والاضطرار إليه في أغلب الموارد، يجرنا إلى القول بعدم جواز نصبه.

الشرط الثاني والثالث عشر: السلامة من الصمم والخرس

قالوا باشتراط السلامة من الصمم والخرس، لكن وزانهما وزان ما سبق من اشتراط الكتابة والبصر. فلانطيل.

الشرط الرابع عشر: الحرية

وأمّا الحرّية فلادليل على الاشتراط أوّلاً وأنّ عدم الابتلاء به أغنانا عن البحث عنه ثانياً.


1 ـ الطوسي: المبسوط :8/109.
2 ـ نجم الدين: الشرائع: 4/861.


(109)

مسائل إحدى عشرة

الأُولى: في قاضي التحكيم والمأذون

قد تعرّفت انقسام القضاء بالنسبة إلى الإذن الخاص والعام إلى المنصوب والمأذون، فالأوّل هو المختصّ بزمان الحضور إذا بعث المعصوم، شخصاً معيّناًللقضاء، روي عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال: بعثني رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى اليمن قاضياً. وبعث عليّ ، عبد الله بن عباس قاضياً إلى البصرة.(1) وأمّا المأذون فهو من أذن له الإمام على الوجه الكلّي كما هو الحال في الفقيه الجامع للشرائط ولايختصّ بزمان الغيبة بل يعمّها والحضور، والفقيه الإمامي في البلاد النائية في عصر الأئمّة كانوا قضاة مأذونين حسب المقبولة وغيرها.فسيوافيك الكلام فيه بعد الفراغ عن البحث إنّما الكلام في قاضي التحكيم. فيقع البحث فيه من جهات:

الجهة الأُولى: في تفسيره وتبيين مفهومه

إنّ الهدف من القضاء هو تبيين الوظيفة للمتخاصمين من حيث الواقع إذا كانت الشبهة حكمية، أو من حيث التنازع إذا كانت موضوعية أوّلاً، وإلزامهما على الاعتناق بما حكم في ظلّ القوّة ثانياًـ وعلى ذلك ـ فقاضي التحكيم لايفتقد إلاّ الأمر الثاني، ويُتدارك باعتناق الطرفين ورضاهما بقضائه وإجرائهما حكمه وقد كانت القضاة في عصر الأُمويين والعباسيين منقسمين إلى رسميين وغير رسميين ، فكانت الدولة والحكومة وراء الرسميين دون غيرهم ، نعم كان وراءهم رضا الطرفين وطيب نفسهما بحكمهم. وبما أنّ القضاء من شؤون النبيّ أو وصيّه، (2)


1 ـ الطوسي : المبسوط: 8/82
2 ـ الوسائل 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.


(110)

قالوا: يشترط في ثبوت الولاية إذن الإمام ـ عليه السلام ـ ولو استقضى أهل البلد قاضياً لم تثبت ولايته. ثم استثنوا منه صورة قاضي التحكيم وقالوا : نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة فترافعا إليه فحكم لزمهما حكمه وإن كان هناك قاض منصوب بل وإن كان إمام .(1) وسيوافيك وجهه.

الجهة الثانية: في تصويره في زمان الغيبة

ربّما يقال انّ قاضي التحكيم مختصّ بزمان الحضور قال الشهيد: واعلم أنّ الاتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط، التي من جملتها كونه مجتهداً وعلى هذا فقاضي التحكيم مختصّ بحال حضور الإمام ليفرّق بينه وبين غيره من القضاة فيكون القاضي منصوباً وهذا غير منصوب إلاّ من جانب المترافعين وأمّا في حال الغيبة فسيأتي أنّ المجتهد يَنفُذ قضاؤه لعموم الإذن، وغيره لايصحّ حكمه مطلقاً فلايتصوّر في زمان الغيبة. قاضي التحكيم.(2)

يلاحظ عليه : أنّ الفقيه مأذون في القضاء بالإذن العام في زمان الحضور والغيبة مطلقاً، كما هو مقتضى المقبولة وغيرها وعليه فلايتصوّر المنصوب إلاّ في حال الحضور مع بسط اليد، كعصر الإمام علي ـ عليه السلام ـ ، وأمّا مع عدم البسط فزمان الحضور وعصر الغيبة سيّان في كون الفقيه مأذوناً ونافذاً حكمه من دون حاجة إلى التحكيم.

ومع ذلك يمكن تصويره في عصر الغيبة عندما قامت دولة إسلامية وكان على رأسها فقيه جامع للشرائط، كما في عصر الدولة الصفوية حيث كان يرأسها


1 ـ نجم الدين الحلي، الشرائع:4/68.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك:2/390، وقريب منه كلام المحقّق الأردبيلي في شرح الارشاد ، لاحظ ج 2/184 وسيوافيك نصه في الجهة الثالثة.


(111)

فقيه جامع للشرائط كالمحقّق الكركي وغيره و هكذا الأمر في الثورة الإسلامية المباركة في إيران فعند ذاك يمكن أن يقال إنّ كل فقيه وإن كان قاضياً حسب المقتضي لكن لأجل إيصاد باب الفوضى، يُمْنع الفقيه عن التدخل في القضاء إلاّ بنصب من جانب الحكومة الإسلامية. وعند ذاك يصبح تلك الظروف كعصر الحضور مع بسط اليد، فينقسم القاضي إلى منصوب وغير منصوب، فليس لغيره القضاء وإن كان واجداً للولاية بنحو الاقتضاء لكن تمنعه رعاية المصالح العامّة إلاّ بنحوالتحكيم.

نعم هنا وجهان آخران لتصوّر قاضي التحكيم في زمان الغيبة و إليك بيانهما:

1ـ ما أفاده المحقّق الأردبيلي بقوله: إلاّ أن يكون أعلم منه موجوداً و يتمكّن من الوصول إليه و إنفاذ حكمه وحينئذ يتعيّن ذلك بناءً على القول المشهور من تعيين الأعلم و حينئذ يتصوّر تراضي الخصمين بواحد من الرعيّة فتأمّل.(1)

و سيوافيك عدم وجوب كون القاضي أعلم في البلد بل يكفي الصدور عن الكتاب والسنّة فعندئذ تنتفي الفائدة.

2ـ ما سيجي من المحقّق الخوئي تبعاً لصاحب الجواهر من عدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم فتظهر الثمرة في غير المجتهد، فيصحّ حكمه بعنوان التحكيم دون المجاز و سيوافيك الدليل على شرطية الاجتهاد مطلقاً من غير فرق بين المأذون و قاضي التحكيم.

الجهة الثالثة:قاضي التحكيم في كلمات الأصحاب

قال الشيخ: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم


1 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/184


(112)

بينهما كان جائزاً بلاخلاف فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار.(1)

وقال في المبسوط:إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعيّة فرضيا به حكماً و سألاه أن يحكم لهما بينهما، جاز و إنّما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء و هو أن يكون من أهل العدالة و الكمال و الاجتهاد على ما شرحناه من صفة القاضي لأنّه رضي به قاضياً فأشبه قاضي الإمام.(2)

وقال المحقق: ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة فحكم لزمهما حكمه في كل الأحكام.(3)

وقال ابن سعيد الحلي: وإن اختار الخصمان رجلاً يحكم بينهما وله شروط القضاء لزمه حكمه.(4)

وقال العلامة :ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة وحكم بينهما لزمهما حكمه.(5)

وقال الأردبيلي: نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة أن يحكم بينهما بحكم الله ولم يكن مأذوناً ومنصوباً بخصوصه من الإمام ونائبه للحكم والقضاء، وحكم بحكم موافق للحق ونفس الأمر، بشرط اتصافه بشرائط الحكم غير الإذن من الاجتهاد والعدالة، صحّ ذلك الحكم ومضى حكمه فيهما وليس لهما نقضه بعده ولايشرط الرضاء بعد الحكم على المشهور ولايجوز لهما خلاف ذلك وهذا إنّما يتصوّر في زمان الحضور وإمكان الاستئذان. لاحال الغيبة التي لايمكن


1 ـ الطوسي: الخلاف،كتاب القضاء، المسألة 40.
2 ـ المبسوط: 8/164.
3 ـ النجفي: الجواهر، ج40، قسم المتن 23.
4 ـ ابن سعيد الحلّي: الجامع للشرائع، 530.
5 ـ العلاّمة الحلّي: إرشاد الأذهان :2/138، ط النشر الإسلامي.


(113)

الاستئذان ، إذ حينئذ كل من اتصف بما تقدّم من الشرائط فهو قاض وحاكم ولم يحتج إلى شيء آخر غير ذلك كما تقرّر عندهم.(1)

الجهة الرابعة :ما هو الدليل على مشروعيّته؟

استدل الأصحاب على نفوذ قضائه بوجوه قاصرة نشير إليها:

1ـ استدل الشيخ في الخلاف بما روي عن النبيّ الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: من حكم بين اثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله تعالى.(2)

يلاحظ عليه: أنّه ـ على فرض صحّة الاحتجاج به ـ يدلّ على أنّه يجب عليه الحكم بالعدل، وأنّه لو انحرف فعليه لعنة الله وأمّا أنّه ينفذ حكمه ويحرم خلافه فلا إذ من المحتمل أن يكون للمتخاصمين خيار بعد الحكم أيضاً.

فإن قلت: إذا افترضنا أنّه حكم بالحق، فلامعنى للخيار بعد الحكم به .

قلت: ذلك إذا حكم بالحق الواقعي لا الظاهري ، وحكم القاضي، حكم ظاهري لاواقعي، ولزوم الأخذ به مختصّ بالثاني دون الأعم منه ومن الأوّل وأمّا لزوم الأخذ بحكم القاضي لا لأجل كونه حكماً حقّاً، بل لأجل الروايات التي منها المقبولة.

2ـ ما مرّ من العمومات في الآيات والروايات من لزوم الحكم بالحق والقسط وما أنزل الله دون غيرها، وهو مطلق يعمّ كلا الصنفين، وقد دلّت الأدلّة على نفوذ حكمه إذا حاز ذلك الشرط.

يلاحظ عليه:عدم الإطلاق في العمومات من هذه الناحية فإنّها بصدد بيان لزوم كون الحكم على وفق ما أنزل الله، لاعلى وفق الحكم الجاهلي، وأمّا من هو


1 ـ الأردبيلي : مجمع الفائدة:12/184.
2 ـ الطوسي: الخلاف :3/322.


(114)

الحاكم وما شرائطه فليست بصدد بيانه حتى يتمسّك بإطلاقها.

3ـ إنّ الصحابة قاموا بعمل التحكيم، ولم ينكره الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ .

يلاحظ عليه: أنّه لم يدلّ دليل على أنّه كان بمرأى ومنظر منه. نعم لو كان وسكت كان دليلاً على السعة.

لكن الظاهر أنّا لانحتاج في إثبات نفوذ حكمه إلى دليل خاص وراء العمومات الدالّة على نفوذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لأنّ المستفاد منها، هو نفوذ حكم الفقيه مطلقاً، في زمان الحضور والغيبة،وتوهم اختصاصها بزمانها، غيرتام، لأنّ المقبولة تضمّنت حجية قول الفقيه في عصر الصادق وبعده فكيف تكون مختصّة بعصر الغيبة؟

غير أنّه إذا كانت للإمام المعصوم قدرة ظاهرية ، أو كان هناك حكومة إسلامية يرأسها الفقيه النائب عن الإمام المعصوم، يتوقف جوازالقضاء على النصب، لالعدم المقتضي وعدم الصلاحية بل لأجل وجود المانع وهو تسرّب الفوضى إلى المجتمع الإسلامي ، و ليس المقيّد دليلاً شرعياً حتى يؤخذ بإطلاقه وإنّما حكم عقليّ لغاية صدّ تسرّب الفساد في وجه الأُمة فلأجل ذلك يشتغل الفقيه المنصوب بالقضاء دون غيره حفظاً للمصالح ولكن الفساد رهن اشتغال غير المنصوب كالمنصوب، لاما إذا اشتغل به في واقعة أو واقعتين بصورة استثنائية، لأجل رضاالطرفين، فلايتسرّب الفساد وعند ذاك تكون العمومات شاملة له كالمنصوب، لوجود المقتضي وعدم وجود المانع.

الاستئناس بالآيات والروايات

ويمكن الاستئناس ببعض الآيات والروايات في إثبات مشروعيّته وإنّما عبّرنا به دون الاستدلال لعدم الوثوق بكونها واردة في قاضي التحكيم:


(115)

1ـ ما ورد في شقاق الزوجين من بعث الحكمين من جانبهما لينظرا في شقاقهما قال سبحانه: «وإنْ خِفتُمْ شِقاق بَيْنهما فَابْعَثُوا حَكماً مِنْ أهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أهْلِها إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما إنّ الله كان عليماً خبيراً»(النساء/35) وكأنّ الطرفين اتّفقا على أن يبعث كل حكماً حتى يتشاورا ثمّ يحكما، فالحكم بالتالي لكل من الطرفين، هو مجموعهما. ولو اتّفقا على رأي يكون نافذاً.

والذي يبعِّد أن يكون مفاد الآية من قبيل قاضي التحكيم، أنّه لو كان من ذاك لزم تواجد جميع شروط القاضي في الحكمين من الإيمان والعدالة والاجتهاد، وهو كما ترى إذ لو وجبت الرعاية لانسدّ باب التحاكم في أُمور الأُسرة.

2ـ ما ورد في تشاجر قبائل قريش عند بنيان الكعبة حيثما انتهى أمرهم في نصب الحجر الأسود في موضعه، فكل قبيلة أرادت أن ترفعه إلى موضعه دون الأُخرى حتى أُعِدّوا للقتال إلى أن اتّفقوا على قضاء «محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم» وهو ابن خمس وثلاثين سنة.(1)

3ـ لما انسحب جيش قريش ويهود خيبر عن المدينة وتركوا حليفهم «بني قريظة» في المدينة وهم قد نقضوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الأحزاب، حاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدتهم الحصارة وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقبله الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فحكم في حقّهم بما هو المعروف في تاريخ السيرة.(2)

4ـ ولعلّ نزول الإمام علي ـ عليه السلام ـ ومعاوية على حكم الحكمين مشروطاً بشروط، من هذا القبيل .

إنّ هذا المقدار من الشواهد التاريخية يثبت جوازها، أضف إليه ، أنّ الرجوع


1 ـ ابن هشام : السيرة النبوية 1/197.
2 ـ ابن هشام :السيرة النبوية 2/239.


(116)

إلى الحكم الحرّ أمر رائج بين الأُمم ومن البعيد أن يكون غير مشروع في الإسلام.

نعم هناك روايات ربّما تحمل على قاضي التحكيم:

1ـ روى أبوبصير عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّه فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء:كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجلّ:«أَلَمْ تَرََ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(1)، (2)

2ـ روى أبو بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : قول الله عزّوجلّ في كتابه: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ» (3) فقال:«يا أبا بصير إنّ الله عزّ وجلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أمّا أنّه لم يعن حكّامَ العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور يا أبا محمد! انّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت...».(4)

3ـ روى الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ :ربّما كان بين الرّجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا فقال: «ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».(5)

أقول: الروايات تحتمل وجهين:

1ـ إنّها واردة في قاضي التحكيم فإنّ مقوّمه عبارة عن أُمور ثلاثة: أـ كونه غير منصوب .ب ـ كونه جامعاً للشرائط.ج ـ تراضي المتخاصمين على قضائه. والموارد فيها جامع لها.


1 ـ النساء:60.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 2و3.
3 ـ البقرة:188.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 2و3.
5 ـ الوسائل:الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث8.


(117)

2ـ إنّها واردة في القاضي المأذون وهو يتقوّم بالشرطين الأوّلين ولايتوقف على التراضي، غير أنّ أخذ الثالث فيها لأجل أنّه لولاه لمايثمر الرجوع إليه إلاّ إذا كانا متدينين معتنقين وهو قليل.

والظاهر أنّها واردة في القاضي المأذون وأنّ وزانها وزان المقبولة وروايتي أبي خديجة حيث جاء فيها أيضاً، قيد التراضي وما هذا إلاّ لأجل أن يكون الرجوع مفيداًومثمراً وإلاّ سواء تراضيا أم لا فإنّ العمل بقولهم من واجبهم .

المقبولة و قاضي التحكيم

ولمّا بلغ الكلام إلى المقبولة وروايتي أبي خديجة فَلْندرسها فإنّ بعض الأعاظم، حاول تطبيق ما ورد في باب القضاء من إرجاع الناس إلى الفقيه الجامع للشرائط على قاضي التحكيم فلنبحث في المقبولة وغيرها.

أمّا المقبولة فالذي يوهم كون موردها من قبيل قاضي التحكيم أمران:

1ـ قوله ـ عليه السلام ـ :«فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(1)فإنّ رأي القاضي المنصوب و المأذون نافذ شرعاً رضيا به أم لا.

2ـ فرض تعدّد القاضي حيث قال :فإن كان كل واحد، اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم.

فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولايلتفت إلى ما يحكم به الآخر».(2)

وجه الدلالة: إنّ اختيار كل من الطرفين رجلاً لايصحّ في القاضي المنصوب


1 ـ الوسائل:الجزء 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل:الجزء 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(118)

بل يجب عليهما فيه الرجوع إلى قاض واحد، فالقاضي المنصوب وإن كان يتعدّد وجوداً لكن لايتعدّد رجوعاً.

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ المراد هو القاضي المأذون وبما أنّ قضاءه نافذ شرعاً، لاعرفاً وقانوناً وليست الدولة وراءه، أمر الإمام المتخاصمين بالتراضي حتى يكون جابراً لما يفوته من القدرة الظاهرية.

يلاحظ على الوجه الثاني: أنّه لو كان المختلفان في الرأي من قبيل قاضي التحكيم، لما وجب على أحد المتخاصمين الأخذ بالقول الأرجح، لأنّه رضي بالراجح لابالأرجح. وبعبارة أُخرى رضي بقضاء العادل الفقيه الصادق الورع لابقضاء الأعدل الأفقه الأصدق الأورع ، فإلزامه بالأخذ لايتفق مع كونه قاضي التحكيم ، فلامناص من إرجاعه إلى القاضي المأذون.

روايتا أبي خديجة وقاضي التحكيم

قد ورد في إحدى روايتيه: «فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(1) وفي الأُخرى: «اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(2)

وجه الدلالة أنّه أمرهما بجعله قاضياً فإنّ القاضي المنصوب والمأذون ، لايحتاج إلى جعل المتخاصمين.

يلاحظ عليه: أنّ الدعوة إلى الجعل، ليس لأجل مدخليته في مشروعية القضاء كما هو الحال في مورد التحكيم ، وإنّما هي لأجل تدارك ما يفوت المأذون من القوّة المجرية ، حتى يقوم إقدامهما بالجعل مقامها.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث6.

Website Security Test