welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(59)

الآية الثانية: «وللرجال عليهن درجة»

قال سبحانه :«والمُطلّقاتُ يتربَّصنَ بأنفسهِنَّ ثلاثةَ قُروء ولايحلُّ لَهنَّ أن يكتُمنَ ما خلقَ اللّهُ في أرحامهِنَّ إن كُنَّ يؤمنَّ باللّهِ واليَومِ الآخرِ وبُعُولتُهُنَّ أحَقُّ بردّهنَّ في ذلكَ إن أرادُوا إصلاحاً ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ بالمعرُوفِ وللرجالِ عليهِنَّ درجةٌ واللّهُ عزيزٌ حكيم» (البقرة/228).

الآية متضمنة لبيان أحكام الطلاق الرجعيّ وتذكر الأُمور التالية.

1ـ المطلّقة تتربّص ثلاثة أطهار ولاتتزوّج فيها لئلا يلزم اختلاط المياه ويفسد النسل، والقُرء في الآية بمعنى الطهر، لا الحيض خلافاً للعامّة وذلك لأنّه من القَرء بمعنى الجمع، والدم يجتمع أيام الطهر شيئاً فشيئاً حتى يقذفه الرحم أيام الحيض والذي يدل على أنّه بمعنى الجمع، قوله سبحانه:«لا تُحرِّك بهِ لسانكَ لِتعجَلَ به* إنّ عَلَينا جَمْعهُ وقرآنَهُ * فإذا قرأناهُ فاتّبِع قُرآنَه»(القيامة/16ـ 18). وقال أيضاً:«وقرآناً فَرقناُه ِلَتقرأهُ على الناِس على مُكث»(الأسراء/106). وجه الاستدلال أنّه سبحانه عبّر بالقرآن، ولم يعبّر بالكتاب أو الفرقان أو ما شابهما، للتناسب الموجود بين الجمع والقرآن في الآية الأُولى، والقرآن والتفريق في الآية الثانية.

2ـ تحرم عليهنّ كتمان الولد في الرحم استعجالاً في خروج العدّة أو اضراراً بالزوج في رجوعه.

3ـ للزوج الرجوع مادامت هي في العدّة، وليكن الرجوع لغاية الإصلاح لا للإضرار.


(60)

4ـ ولهنّ مثل الذي عليهن بالمعروف أي أنّ الحقوق بينهما متبادلة ولو استحق الزوج شيئاً عليها، فهي تستحق شيئاً آخر عليه. قال الطبرسي: وهذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمّة وإنّما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة وترك المضارة والتسوية في القَسم والنفقة والكسوة كما أنّ للزوج حقوقاً مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له وأن لاتَدخل فراشَ غيره، وأن تحفظ ماءه فلاتحتال في إسقاطه.

5ـ وللرج(1)ال عليهن درجة: أي منزلة فضيلة عليهنّ مع كون الحقوق بينهما متبادلة، ولمّا كان ذلك موهماً ، لتساوي منزلتهما، دفع ذلك الوهم بأنّ للرجال عليهنّ منزلة وفضيلة وكون الحقوق متبادلة لايقتضي تساويها في جميع المراحل الاجتماعية ولأجل ذلك صار سهم الذكر ضعف الأُنثى في الميراث، وحقّ الطلاق بيد الزوج، والرجعة موكولة إليه ولم يكتب الجهاد على المرأة لعدم تلائمه مع فطرتها إلى غير ذلك من الأُمور التي تثبت، تقدّم الرجل عليها في مجالات خاصة.

هذا كلّه يرجع إلى توضيح جمل الآية إنّما الكلام في عمومية قوله:«وللرجال عليهنّ درجة» بالنسبة إلى القضاء وفصل الخصومة ويمكن منعه لأنّها قضية موجبة جزئية، تصدق بوجود المنزلة للرجال في موارد خاصة كالميراث والطلاق، والجهاد وغيرها ممّا عرفت ولايتوقف صدقها على حرمانها من القضاء فيكون التمسك بها في مورد المنع عن القضاء تمسّكاً بالدليل في الشبهة المصداقية.

نعم هناك وجه آخر للتمسّك ربّما يظهر من كلام العلاّمة الطباطبائي قدَّس سرَّه ويمكن تقريره بالنحو التالي:

إنّه سبحانه يقول قبل هذه الجملة:«ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف» فلو قلنا إنّ المعروف هو العمل المطابق بالفطرة تكون الخلقة ميزاناً لتمييز مالها عمّا


1 ـ الطبرسي، مجمع البيان: 1/327.


(61)

عليها، ولمّا كان أمر القضاء مما يطلب لنفسه العقل والدراية الكثيرة بخلاف الحضانة وأمثالها فيكون للرجل في القضاء عليهن درجة دون الحضانة.

ولكن تفسير المعروف بماذكره، غير واضح لأنّه كما يقول الراغب (1): كل فعل يعرف حسنه بالعقل أو الشرع والمنكر ما ينكر بهما. وكون القضاء أمراً معروفاً بالنسبة إلى الرجل دون المرأة أوّل الكلام.

***

الآية الثالثة: قوله:«وَ هُوَ فِي الخِصامِ غَيْرُ مُبين»

قالسبحانه:«أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا في الحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الخِصامِ غَيْرُ مُبين »(الزخرف/18).

لما ذكر قول المشركين بأنّ الله سبحانه اتخذ ممّا يخلق بنات و أصفاهم بالبنين ردّه سبحانه بوجهين:

1ـ كيف تصفونه بأنّه سبحانه اتخذ لنفسه بنات، مع أنّ أحدكم إذا بشر بها ظلّ وجهه مسوّداً وهو كظيم؟ فإذا كان اتخاذ البنات أمراً حسناً، فَلِماذا تتسوّد وجوهكم عند التبشير بها؟ ولو كان الإتخاذ قبيحاً فلِمَ تنسبونه إلى الله؟

2ـ كيف تصفونه سبحانه باتخاذ البنات، مع أنّ الأُنثى تنشأ وتشب في الحلية و في الوقت نفسه فهي في مقام المخاصمة والاحتجاج ضعيفة التقرير، والتعلّق الشديد بها آية كونها موجودة حساسة عاطفية، ضعيفة التعقّل ومع ذلك فكيف تصفون الله باتخاذهم بنات؟

وجه الاستدلال: إنّ قوام القضاء بالاحتجاج والجدال وتحقيق الحقّ وهو رهن منطق قوي وعقل واع، والمرأة فاقدة لذلك. لأنّ المتوسطين من الرجال أعقل من


1 ـ الراغب: 331مادة «عرف».


(62)

متوسطات النساء وأبين حجّة وأوضح بياناً فلاتصلح الثانية لها .

لكن كون القضاء رهن الاحتجاج والجدال غير واضح خصوصاً إنّ القضاء في المحاكم يتوقف على الدقة في كلمات المترافعين وما حول القضية من الأمارات والقرائن التي تثبت صدق دعوى المدعي أو كذبها ولاحاجة إلى جدال ولايقوم على المناظرة.

هذا كلّه حول الآيات ، واتضح عدم دلالتها القطعية على المراد وإليك البحث في الروايات الواردة في المقام.

الاستدلال بالروايات

1ـ ما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن حمّاد بن عمرو، وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر عن أبيه عن آبائه في وصية النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لعلي ـ عليه السلام ـ قال: يا علي! أُوصيك بوصية فاحفظها فلاتزال بخير ما حفظتَ وصيّتي ـ إلى أن قال: ـ ليس على المرأة جمعة ولاجماعة، ولا أذان ولاإقامة ولاعيادة مريض ولااتّباع جنازة ولاهرولة بين الصفا والمروة ولااستلام الحجر ولاحلق ولاتولي القضاء ولاتستشار(1) ببيان أنّه بصدد بيان نفي التشريع بقرينة بعض ما جاء فيها كالحلق.

لكنّها ضعيفة سنداً ودلالة أمّا الأوّل فلأنّ حمّاد بن عمرو سواء كان الصنعائي أو الكوفي مجهول. ومثله أنس بن محمد، وليس له رواية في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية(2) على أنّ في سند الصدوق إليهما مجاهيل يظهر من الرجوع إلى المشيخة فانّ فيها: «وما كان فيه عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمّد في وصية النبي لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقد رويته عن محمّد بن علي الشاه بمرو الرود، قال: حدّثنا أبوحامد أحمد بن محمّد بن أحمد بن الحسين، قال:حدثنا أبويزيد أحمد بن


1 ـ تنقيح المقال:1/155.
2 ـ الوسائل، الجزء 18، الباب 2من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(63)

خالد الخالدي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن صالح التميمي قال:أخبر محمّد بن حاتم القطّان، عن حمّاد بن عمرو عن جعفر بن محمّد الخ.

قال:ورويته أيضاً عن محمد بن علي الشاه، قال :حدّثنا أبو حامد، قال:أخبرنا أبو يزيد، قال:أخبرنا محمّد بن صالح التميمي قال: حدّثنا أبي قال:حدّثني أنس بن محمد أبو مالك عن أبيه عن جعفر بن محمّد.(1)

وأمّا الثاني فلأنّ الظاهر أنّ المرفوع هو الوجوب بقرينة أكثر ما جاء فيه من الأذان والإقامة واتباع الجنازة وعيادة المريض، إلاّ الحلق فإنّه محرّم عليها.

2ـ ما رواه جابر عن الباقر ـ عليه السلام ـ :«ولاتولّى المرأة القضاء ولاتولّى الإمارة(2) وهي مرسلة لاتصلح للاحتجاج.

3ـ ما في نهج البلاغة في الوصية التي كتبها الإمام لولده الحسن عند منصرفه من صفين بحاضرين:«ولاتملك المرأة ما جاوز نفسَها فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة» والمراد الأُمور الخارجة عن قدرتها. وكون القضاء من مصاديقه أمر مشكوك فلايمكن التمسّك به.

نعم قال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قُبيَل تلك الجملة: «وإيّاك ومشاورة النساء فإنّ رأيهن إلى أفن(3) وعزمهنّ إلى وهن».(4) ولكن النهي عن المشاورة بمعنى أن تقع طرف المشاورة، والقضاء يجرها إلى المشاورة، لا أن تكون طرف المشاورة.

4ـ ما رواه البخاري مسنداً واحتجّ به الأصحاب في الكتب الاستدلالية عن أبي بكرة قال:لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأُقاتل معهم قال:لمّا بلغ رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّ أهل فارس قد


1 ـ الفقيه، ج4 ، قسم المشيخة،ص134.
2 ـ المجلسي: البحار:103/254، الحديث1.
3 ـ الأفن ـ بسكون الفاء ـ: النقص وبالتحريك ضعف الرأي.
4 ـ نهج البلاغة، قسم الرسائل: الرسالة 33


(64)

ملّكوا عليهم بنت كسرى قال:لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.(1)

والرواية على فرض القبول لأجل استناد الأصحاب إليها في الكتب الاستدلالية، تنهى عن الحكومة العامة والولاية المطلقة على البلد والمدينة وأين ذلك من مراجعة النساء لحلّ العقد، إلى امرأة في قرية أو مدينة ومن المعلوم أنّ ثبوت الحكم في القوي لايلازم ثبوته في الضعيف.

إذا عرفت ذلك فلنا أن نقول ـ بعد هذا البحث الضافي ـ:

1ـ إنّ كل واحد من هذه الأدلّة وإن كان غير واف بالمراد، وغير صالح للاستدلال، لكن حكم المجموع غير حكم كل فرد، ولعلّ المجموع من حيث هو، كاف في إفادة الاطمئنان على عدم صلاحيتها للقضاء وهذه هي السيرة المستمرة بين الفقهاء في أمثال المقام إذ ربما لاتكون الأدلّة إذا لوحظت بانفرادها مفيدة للاطمئنان لعدم خلوّها عن المناقشة لكن إذا لوحظت بصورة المجموع، ربّما تكون قوة دلالة البعض جابرة لضعف دلالة الآخر وبالعكس، أي قوّة سند البعض جابرة لضعف سند الآخر فيتفاعلان ويؤثران.

2ـ التمسّك بالسيرة المستمرة بين المسلمين عبر القرون، فإنّ السيرة وإن كانت على الإيجاب في جانب الرجل، وهي بوحدتها لاتسلب الصلاحية عن المرأة لكن استمرارها على نصب الرجال دون النساء، ربّما تحمل بياناً سلبياً بالنسبة إلى المورد الآخر.

3ـ إنّ الأصل الأوّلي في باب القضاء هو عدم الجواز، فعلى القائل بالجواز إقامة الدليل، لاعلى النافي لما عرفت من أنّ الأدلّة الواردة في زمان عدم بسط اليد، واردة في مورد الرجل أو منصرفة إليها.

أضف إلى ذلك أنّ ممارسة القضاء للمرأة لاتخلو في زماننا هذا عن


1 ـ البخاري: الصحيح، ج6; كتاب المغازي/10 وغيره.


(65)

مضاعفات تحطّ من منزلتها وكرامتها وتقواها وتجعلها في مقربة ممّا لاتحمد عاقبته كما لايخفى إلاّ إذا حدَّدت أعمالها بتخصيص رجوع النساء إليها. ولذلك يلزم عليهنّ الاشتغال في مراكز تحفظ كرامتهن.

الشرط الثامن: الاجتهاد

هذا الشرط يعبّر عنه تارة بالاجتهاد المطلق وأُخرى «بالعلم بجميع ما وليه» و سيوافيك أنّ الشرط الواقعي هو صدور القاضي عن الكتاب والسنة مباشرة و هو لا ينطبق في الأعصار المتأخرة إلاّ على المجتهد دون المقلِّد وما يبدو منّا من كون الشرط هو الاجتهاد فهو من باب المجاراة للقوم في الاصطلاح و إلاّ فالشرط الواقعي هو ما ذكرناه.

ومعنى الشرط عدم صلاحية المقلِّد لتصدي القضاء ولا المتجزي، وهو معروف بين الأصحاب لم يخالف فيه إلاّ المحقّق القمي عند الاضطرار على ماحكاه المحقق الرشتي في قضائه(1)و يظهر من صاحب الجواهر جواز تصدّي المقلّد في موضع من كلامه(2) وقبل الخوض في الأدلّة نذكر كلمات الأصحاب:

1ـ قال الشيخ في الخلاف: لايجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً بجميع ما ولي ولا يجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به. وقال الشافعي:ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد ولايكون عامياً ولايجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه وقال في القديم مثل ماقلناه. وقال أبو حنيفة:يجوز أن يكون جاهلاً بجميع ما وليه إذا كان ثقة ويستفتي الفقهاء ويحكم به، ووافقنا في العامي انّه لايجوز أن يفتى به.(3)


1 ـ الرشتي: كتاب القضاء : 29.
2 ـ النجفي: جواهرالكلام:40/18.
3 ـ الطوسي : الخلاف، ج3، كتاب القضاء، المسألة 1.


(66)

2ـ وقال في النهاية:وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتّى يكون عاقلاً، كاملاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه، وعامِه وخاصِه وإيجابه، ومحكمِه ومتشابِهه، عارفاً بالسنّة وناسخها ومنسوخها، عالماً باللغة مضطلعاً بمعاني كلام العرب، بصيراً بوجوه الإعراب.(1)

3ـ وقال أبو الصلاح الحلبي في بيان شروط القاضي:العلم بالحقّ في الحكم المردود إليه، والتمكّن من إمضائه على وجهه، ثم قال:واعتبرنا العلم بالحكم لما بيّناه من وقوف صحّة الحكم على العلم، لكون الحاكم مخبراً، بالحكم عن الله سبحانه، نائباً في إلزامه عن رسول الله.(2)

4ـ وقال ابن البراج:والقضاء لاينعقد للقاضي إلاّ بأن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال، وكونه عالماً بأن يكون عارفاً بالكتاب والسنّة والإجماع والاختلاف ولسان العرب.(3)

5ـ وقال ابن إدريس: وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتّى يكون عاقلاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه إلى آخر ما ذكره الشيخ في النهاية بلفظها.(4)

6ـ وقال المحقّق :وكذا لاينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ولايكفيه فتوى العلماء ولابدّ أن يكون عالماً بجميع ماوليه وفسّره في الجواهر بقوله: أي مجتهداً مطلقاً كما فسره به في المسالك فلايكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد.

7ـ وقال (5)العلامة في القواعد: ولا المرأة إن أجمعت باقي الشرائط ولا ولد الزنا ولا الجاهل بالأحكام ولاغير المستقل بشرائط الفتوى ولايكتفي بفتوى العلماء


1 ـ الطوسي: النهاية، كتاب القضايا والأحكام :337.
2 ـ الحلبي: الكافي: 421ـ422.
3 ـ ابن البرّاج: المهذّب:2/597.
4 ـ ابن إدريس: السرائر: 2/154.
5 ـ النجفي : الجواهر، 40، قسم المتن :15.


(67)

ويجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه.(1)

8ـ وقال الشهيد في المسالك عند قول المحقّق:«وكذا لاينعقد لغير العالم» المراد بالعالم هنا المجتهد في الأحكام الشرعية وعلى اشتراط ذلك إجماع علمائنا ولافرق بين حالة الاختيار والاضطرار ـ ثمّ قال ـ والمراد بكونه عالماً بجميع ما وليه كونه مجتهداً مطلقاً فلايكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد.(2)

9ـ وقال العاملي في مفتاح الكرامة عند شرح قول العلاّمة:«ويجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه» فالاجتهاد دون التقليد قوة قريبة أو فعلاً فلايكفي التجزي إجماعاً كما هو ظاهر المسالك والكفاية.(3)

10ـ وقال في الجواهر عند شرح قول المحقّق:«وكذا لاينعقد لغير العالمالمستقل بأهلية الفتوى» بلا خلاف أجده(4) إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاقهم على شرطية الاجتهاد المطلق في القضاء وسيوافيك من بعضهم مايخالفه.

و قد اكتفى العلاّمة في المختلف بنقل كلام الشيخ في المبسوط على تفصيله و لم يزد شيئاً عليه.(5)

أدلّة القول بشرطيّة الاجتهاد

استدل القائل بشرطية الاجتهاد بأُمور:

الأوّل: الشهرة الفتوائية المحقّقة لو لم نقل بوجود الإجماع من فقهائنا عليها


1 ـ العاملي: مفتاح الكرامة ، ج10 ، قسم المتن :9.
2 ـ الشهيد الثاني: المسالك: 2/389.
3 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/9.
4 ـ النجفي: الجواهر: 40/15.
5 ـ العلاّمة: المختلف، كتاب القضاء، المسألة 3.


(68)

وقد ذكرناشيئاً من عبائرهم. لكن الاعتماد عليه مشكل لاحتمال استناد المجمعين على ما سيوافيك من الأدلّة النقلية.

الثاني: إنّ الأصل في القضاء هو المنع ولم يخرج منه إلاّ العالم بالحكم لا الحاكي عن الغير.وتمامية الدليل يتوقف على دراسة ما ورد من الأدلّة في المقام وهي روايات معدودة ونأتي بالمهمّة منها:

الأُولى: مقبولة عمر بن حنظلة:

روى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحُصين عن عمر بن حنظلة قال:سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: « يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ » (1).

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران (إلى) من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فانّي قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله».

قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما،واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟قال:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولايلتفت إلى ما يحكم به الآخر ».


1 ـ النساء/60.


(69)

إلى أن قال:

قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟فقال:«ماخالف العامّة ففيه الرشاد».(1)

أمّا من جاء في السند فالكل غير الأخير أجلاّء ثقات وإليك ترجمتهم إجمالاً:

1ـ محمّد بن يحيى: هو العطار القمي شيخ الكليني وقد أكثر الرواية عنه.

2ـ محمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمْداني جليل من أصحابنا عظيم القدر، وكثير الرواية ثقة عين حسن التصانيف مسكون إلى روايته(2) المتوفى عام (262) الثقة.

3ـ محمّد بن عيسى العبيدي اليقطيني الذي وثقه النجاشي وإن راب في حقّه استاذ الصدوق ابن الوليد ولايعبأ به بعد توثيق النجاشي إيّاه وغيره.

4ـ صفوان بن يحيى، ثقة جليل توفي عام (210) غني عن الترجمة.

5ـ داود بن الحصين الأسدي هو أسدي الولاء كوفي المولد ، قال النجاشي:ثقة روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن وهو زوج خالة علي بن الحسن الفضال(3) وإن وصفه الشيخ بكونه واقفياً، إلاّ أنّ النجاشي لم يتعرّض لوقفه وهو أضبط، فلم يبق في السند إلاّ عمر بن حنظلة وهو لم يوثق وحاول الشهيد الثاني توثيقه بوجوه مذكورة في معجم رجال الحديث(4) ولكنّا في المقام في غنى عن توثيقه فقد تلقّى المشهور هذه الرواية بالقبول ولأجل ذلك سمّيت مقبولة، وعليها المدار في كتاب القضاء (5) وإتقان الرواية يكشف عن صدورها عن الإمام ـ عليه السلام ـ ، وقد


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11و 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ رجال النجاشي 2:220، برقم 898.
3 ـ رجال النجاشي1:367، برقم 419.
4 ـ الخوئي: معجم رجال الحديث 13/27 ، برقم 8720 فقد أتى بها وضعّفها كلّها، فلاحظ.
5 ـ ولعلّ ما رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20 عن داود بن r R الحصين عن أبي عبد الله بلا وساطة عمر بن حنظلة جزء من هذه الرواية، و ليس حديثاً مستقلاً سقطت الواسطة فيها.


(70)

قلنا في محلّه إنّ الملاك هو الوثوق بالصدور، لا الوثوق بالراوي.

هذا هو حال السند وإليك دراسة المتن فنقول:

والمستفاد منه أنّ القاضي لابدّ أن يتمتّع بشروط يجب الأخذ بجميعها:

1ـ يجب أن يكون شيعياً إماميّاً لقوله ـ عليه السلام ـ :«إلى من كان منكم» وبما أنّ الزيدية كانت منفصلة عن الإمام الصادق يوم صدور الرواية فلاتعمّهم الرواية ولاأضرابهم كالإسماعيلية ويكون المراد الفقيه الإمامي.

2ـ أن يحكم بحكمهم لقوله ـ عليه السلام ـ :«فإذا حكم بحكمنا» فلو كان موالياً لهم ولكن حكم بحكم فقهاء العامة، فلاينفذ حكمه.

3ـ أن يكون رواياً لحديثهم لقوله ـ عليه السلام ـ :«روى حديثنا»والمتبادر كونه ممارساً لأحاديثهم،لاأنّه روى حديثهم مرّة أو مرّات، ونقل الحديثمقدّمة للشرط الآتي.

4ـ أن يكون صاحب النظر والفكر في الحلال والحرام لقوله ـ عليه السلام ـ :«نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» وليس المراد من النظر، الالتفات إليهما سطحياً، بل النظر في الحلال والحرام والحكم الشرعي المروي عنهم بإمعان ودقّة قال سبحانه:«فَسِيروا في الأرضِ فَانظُروا كيفَ كان عاقبةُ المُكذِّبين» (آل عمران/137) وممّا يؤيّد ذلك، استعمال لفظ «عرف» فانّه لايستعمل إلاّ في المورد الذي سبقه الاشتباه والاختلاط و كل ذلك يخصّ المقبولة، بصاحب النظر المعبّر عنه بالمجتهد.

5ـ وبما أنّ الجمع المضاف يفيد العموم، فلايكفي العلم بواحد أو اثنين من أحكامهم، بل يجب أن يكون على حدّ يقال إنّه عارف بأحكامهم وهو الفقيه العارف باستنباط جميع ما يبتلى به، وعند ذاك تكون المقبولة ظاهرة في المجتهد


(71)

المطلق وقسم من المتجزئ.

6ـ ويؤيد ذلك الظهور قوله :كلاهما اختلفا في حديثكم فلو أُريد الاختلاف في مضمون الحديث فهو شأن الفقيه وإن أُريد الاختلاف في نقل الحديث فهو أيضاً لاينفك عن الاجتهاد غالباً وإن لم يكن دائماً كذلك.

7ـ ويؤيد أيضاً قوله:«فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما».

8ـ وقوله:أرأيت الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة.

والناظر في جميع القيود الواردة في المقبولة يقف على أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ نصب الفقيه الإمامي ـ الذي يمارس الأحاديث وينظر في الحلال والحرام ويعرف الأحكام الصادرة عن الأئمة ويصدر في فتياه عن الكتاب والسنّة،ـ قاضياً. وهذا لاينطبق إلاّ على الفقيه المستنبط لجميع الأحكام الشرعية او مايقاربه فيما تبتلي به الأُمّة في فترات مختلفة.

الثانية: مشهورة أبي خديجة الأُولى

روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة. قال:بعثني أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ إلى أصحابنا فقال قل لهم: «إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».(1)

والحديث لاغبار عليه من حيث السند فإنّ محمّد بن علي بن محبوب الأشعري ثقة عين فقيه كما قاله النجاشي و أمّا الباقون أعني أحمد بن محمّد،


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.


(72)

والحسين بن سعيد فلم يشكّ في وثاقتهما أحد وأمّا أبو الجهم فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ ولما بلغه موته قال في حقّه: أما والله لقد أنزله الله بين رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ (1)ومن أحفاده حسن بن الجهم.

ربما يقال: السند بظاهره مخدوش بوجهين:

1ـ كيف يصحّ أن يروي حسين بن سعيد الأهوازي عن أبي الجهم المتوفى في عصر الصادق ـ عليه السلام ـ فإنّ الحسين بن سعيد من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السَّلام وتوفي الإمام الرضا عام 203، والإمام الجواد عام 220 والهادي عام 254 فكيف تصحّ روايته عمّن توفي في عصر الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ الذي توفي عام 148 ففي السند سقط.

ولكن يمكن أن تستظهر الواسطة من سائر الروايات التي نقل فيها الحسين ابن سعيد عن بكير بواسطة أو بوسائط وإليك أسماءهم:

أ ـ حريز بن عبد الله عن بكير.(2)

ب ـ ابن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن بكير.(3)

ج ـ حمّاد بن عيسى عن حريز عن عبد الله عن بكير.(4)

د ـ صفوان عن عبد الله بن بكير عن أبيه بكير بن أعين.(5)

هـ ـ حمّاد بن عيسى عن عمر بن أُذينة عن بكير.(6)

و هؤلاء كلّهم ثقات


1 ـ الكشي: 181.
2 ـ التهذيب ، ج2، ص255، رقم 1012.
3 ـ الاستبصار، ج1، ص61، رقم 182.
4 ـ الاستبصار، ج1، ص248، رقم 892 ويحتمل أن يكون لفظ «عن »مصحف «بن» فالمراد حريز ابن عبد الله كما يحتمل أن يكون المراد عبد الله بن بكير.
5 ـ الاستبصار، ج1، ص430، رقم 1660.
6 ـ الاستبصار، ج2، ص270، رقم 960.


(73)

و ربّما يتخيّل أنّ المكنّى بأبي الجهم غير «بكير» وأنّ المراد هو «ثوير بن أبي فاختة» ولكنّه لايذب الإشكال لأنّه من أصحاب السجّاد والباقر والصادق وأبوه يروي عن علي. ولاطريق للتعيين إلاّ التميز عن طريق الراوي عنه، ولو مع الواسطة، وليس لحسين بن سعيد رواية عن أبي الجهم باسم ثوير بن فاخته، فتعين كون المروي عنه بكيراً.

2ـ إنّ سالم بن مكرم (بالفتح وإن كان المعروف على الألسن هو الكسر)، الذي يكنّى بأبي خديجة تارة وأبي سلمة أُخرى وقد كنّاه به أبو عبد الله عليه، اختلفت فيه كلمة الرجاليين.

قال النجاشي بعد ذكر كنيتيه: إنّه ثقة ، ثقة روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليمها السَّلام . (1)

وقال الكشي: سألت أبا الحسن علي بن الحسن عن اسم أبي خديجة قال:سالم بن مكرم فقلت له: ثقة؟فقال: صالح ، ثمّ ذكر أنّ أبا عبد الله قال له: لاتكنى بأبي خديجة. قلت: فبم اكتنى؟قال: بأبي سلمة.(2)

وعدّه البرقى من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ قائلاً: أبو خديجة ويكنى أبا سلمة ابن مكرم.

هؤلاء الأقطاب الثلاثة من علماء الرجال اتفقوا على أمر وهو:

اتفق الكشي والنجاشي على أنّه ثقة وصالح.

إنّ أبا سلمة كنية نفس أبي خديجة أي سالم، وليس كنية لأبيه (مكرم) بل الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ كنّاه بأبي سلمة. وعلى رأي هؤلاء فهو مقبول الرواية.

وأمّا التضعيف فقد نقله العلاّمة عن الشيخ فقال:قال الشيخ إنّه ضعيف


1 ـ النجاشي: الرجال 1/421ـ 422، برقم 499.
2 ـ الكشي : الرجال/301، برقم 201.


(74)

وقال في موضوع آخر: إنّه ثقة ثمّ قال: الوجه عندي التوقف.(1)

والظاهر أنّ الذي ضعّفه الشيخ غير الذي وثّقه الكشي و النجاشي ويعلم بالمراجعة إلى عبارته في كتابي الرجال والفهرست.

قال في الأوّل: سالم بن مكرم أبو خديجة الجمّال الكوفي مولى بني أسد.(2)

وقال في الفهرست: سالم بن مكرم يكنى أباخديجة، ومكرم يكنى أبا سلمة ضعيف ـ إلى أن قال ـ في بيان طريقه إلى كتابه... عن عبد الرحمان بن أبي هاشم البزاز عن سالم بن أبي سلمة وهو أبو خديجة.(3)

ترى أنّ الشيخ جعل أباسلمة كنية أبيه (مكرم) مع أنّ الأقطاب الثلاثة اتّفقوا على كونه كنية لنفس سالم فتخيّل الشيخ أنّ أبا خديجة، هو سالم بن أبي سلمة الذي ضعّفه ابن الغضائري والنجاشي، قال الأوّل: روى عنه ابنه، لايعرف روى عنه غيره ضعيف جداً.(4)

وقال النجاشي: سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني حديثه ليس بنقي وإن كنّا لانعرف منه إلاّ خيراً له كتاب، ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب وانتهى إلى قوله: «حدّثنا محمّد بن سالم بن أبي سلمة عن أبيه بكتابه».(5)

والذي دفع الشيخ إلى تضعيفه تصوره اتحادهما، وأنّ سالم بن مكرم هو سالم ابن أبي سلمة الذي اتفقوا على ضعفه.

فأصبحت الرواية ـ بحمد الله ـ صالحة للاستناد.


1 ـ الخلاصة: القسم الثاني:227. سيوافيك تنصيص الشيخ في الفهرست على الضعف.
2 ـ الطوسي: الرجال/209.باب السين، برقم 116.
3 ـ الفهرست:105، برقم 339.
4 ـ العلاّمة: الخلاصة، القسم الثاني :228، برقم 4 في باب سالم.
5 ـ النجاشي: 1/427، برقم 507.


(75)

هذا كله حول السند

وأمّا دراسة المتن فالظاهر من قوله:«عرف» هو المعرفة الفعلية لكون مبادي الأفعال ظاهرة فيها، وقوله:«حلالنا وحرامنا» ظاهر في العموم ولو لم يصح حمله على الاستغراق العقلي لأجل عدم كون الرواة في ذلك الزمان عارفين بجميع الأحكام ، فلامحيص عن حمله على الاستغراق العرفي فيكون الموضوع هو العارف بالحلال والحرام فعلاً، على حدّ يقال في حقّه قد عرف حلالنا وحرامنا، وبما أنّ مادّة العرفان تستعمل في الموارد التي تشتبه في أوّل الأمر ثمّ يقف الإنسان على الصحيح، فالمراد منه من له قوّة عرفان الحقّ عن الباطل ومن يعرف من بين المشتبهات، الحقّ عن الباطل، والحلال عن الحرام وهو يعادل صاحب النظر فلايعم المقلّد .

وأمّا شموله للمجتهد المتجزئ فسيوافيك الكلام فيه.

الثالثة : مشهورة أبي خديجة الأخرى

روى الصدوق في الفقيه بإسناده عن أحمد بن عائذ أبي حبيب الأحمسي البجلي الثقة، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال:قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليمها السَّلام : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً فتحاكموا إليه» .(1) ورواه في الكافي غير أنّه قال:مكان (قضايانا) قضائنا.(2)

والرواية صحيحة وسند الصدوق إلى أحمد بن عائذ في الفقيه بالشكل التالي: عن أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.


(76)

الوشّاء، عن أحمد بن عائد.(1) والكل غير أحمد من أجلاء الأصحاب وعيونهم وأمّا أحمد فيكفي في وثاقته قول النجاشي في حقّه: «مولى ثقة كان صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه وعرف به».(2) ولايشك في وثاقة الحسن بن علي الوشاء إلاّ غير العارف بأساليب التوثيق في علم الرجال فإنّه وإن لم يصرّح بوثاقته ولكن جاء في ترجمته ما يفيد أنّه كان في الدرجة العالية منها وهذا النجاشي يعرفه: «بأنّه من وجوه هذه الطائفة». وقد قلنا في كتابنا «كليّات في علم الرجال» أنّ هذا النوع من التعابير، يفيد أنّه في الدرجة العالية من الوثاقة.

ثمّ إنّه يستدلّ بها تارة على شرطية الاجتهاد، وأُخرى على كفاية التجزي في الاجتهاد.

أمّا الأوّل فهو مبني على كون المقلِّد جاهلاً لاعالماً ولولا كونه كذلك لما وجب عليه الرجوع إلى العالم، أو تفسير العلم بالاعتقاد الجازم والمقلّد يفقده.

وكلا الوجهين غير تامّين، أمّا الأوّل فلأنّا نمنع كونه جاهلاً بعد الرجوع إلى العالم، وأمّا الثاني، فلأنّه مبني على تفسير العلم بالاعتقاد الجازم مع أنّه في لسان الأئمّة بمعنى الحجّة والمقلّد بعد الرجوع إلى العالم واجد له والحاصل أنّ استظهار شرطية الاجتهاد من الرواية مشكل.

نعم صدور هذا المتن بعد احتمال اتحاد الروايتين مشكوك، فلايمكن الاستناد إليه بعد اختلافهمافي شرطيّة الاجتهاد و عدمها والحاصل: لمّاكان المتن مشكوك الصدور فهي غير صالحة للاحتجاج لا في المقام (شرطية الاجتهاد و عدم كفاية التقليد) ولا في المقام الآتي اعني كفاية الاجتهادغير المطلق، وأمّا الثاني فسيوافيك في محلّه.


1 ـ الفقيه:4، قسم المشيخة،ص125.
2 ـ النجاشي: الرجال 1/249 برقم 264.


(77)

الرابعة : التوقيع الرفيع

التوقيع الرفيع الذي رواه الصدوق في كمال الدين، عن محمّد بن محمّد بن عصام، عن محمّد بن يعقوب، عن اسحاق بن يعقوب قال:سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان ـ عليه السلام ـ :«أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله».(1)

والاحتجاج رهن دراسة الحديث سنداً ومتناً.

أمّا محمّد بن محمّد بن عصام، فهو أيضاً «كليني» ومن مشايخ الصدوق كما هو ظاهره في كتاب كمال الدين، وقال في مشيخة الفقيه: وما كان فيه عن محمّد بن يعقوب الكليني فقد رويته عن محمّد بن محمّد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد ابن موسى، ومحمد بن أحمد الشيباني ـ رضي الله عنهم ـ (2) واعتماد الصدوق والترضية عليه لعلّه يعرب عن كونه ثقة عنده. وليس له في كتب الرجال عنوان سوى هذا.

وأمّا إسحاق بن يعقوب، فهو أخو الكليني وقد ورد السلام عليه في التوقيع بلفظ «والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب الكليني» (3) والتسليم وإن كان لايدل على شيء لأنّ الراوي هو نفسه لكن القرائن تشهد على الاعتماد عليه والتوقيع الذي يرويه.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
2 ـ الفقيه:4، قسم المشيخة ،ص116ط دار الكتب الاسلامية وفيه « السنائي» مكان الشيباني.
3 ـ الطوسي : الغيبة176، كمال الدين: 2/482.


(78)

وأمّا المضمون ففيه احتمالات:

1ـ المراد من الحوادث، ما يرجع فيه إلى الحكّام والقضاة كأموال الغُيَّب والقُصَّر.

2ـ ما يتفق من المسائل التي لايعلمون حكمها حيث كانوا يرجعون إلى الأئمّة فنص الإمام بلزوم الرجوع إلى الرواة.

3ـ حوادث خارجية معيّنة اتّفقت في تلك الأيام لاتعلم خصوصياتها.

والثالث ضعيف فيدور الأمر بين الأوّلين والاستدلال متوقّف على كون المراد ما يرجع فيه إلى الحكّام والقضاة نعم على فرض الثبوت لم تكن الرواة يوم ذاك أشخاصاً عاديين بل كانوا ممارسين للأحاديث وبالتالي كانوا علماء ولأجل ذلك استأهلوا أن يكونوا حجج الإمام ـ عليه السلام ـ .

الخامسة: مرسلة الحرّاني

روى أبو محمّد الحسن بن شعبة الحرّاني في كتابه «تحف العقول عن آل الرسول» عن الإمام السبط الشهيد الحسين بن علي عليمها السَّلام قال: ويروى عن أمير المؤمنين ومضمون الخطبة بأجمعها يدل على أنّهاألقيت في عصر السبط وممّا جاء فيها قوله:«... وقد ترون عهود الله منقوضة فلاتفزعون، وأنتم لبعض ذمم آباءكم تفزعون، وذمة رسول الله محقورة، والعُمْي والبُكْم والزمنى في المدائن مهملة لاتُرحمون، ولافي منزلتكم تعلمون، ولامن عمل فيها تعينون، وبالإدّهانِوالمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمركم الله به من النَهي و التناهي وأنتم عنه غافلون.

وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غُلِبْتُم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأُمناء على


(79)

حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سُلِبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق، وإختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة».(1)

وملاحظة مجموع الكلام من أوّله إلى آخره يثبت أنّ المراد من الأُمور، في قوله:«مجاري الأُمور» هو ما كان يقوم به الخلفاء بعد رسول الله في قيادة الأُمّة وأنّ الإمام يُندِّد بهم وبأعمالهم ويقول: إنّ هذه الأُمور شأن طبقة خاصة وهم: العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه، والمراد من العالم بالله، من درس التوحيد: الذاتي والصفاتي والأفعالي حتى صار عالماً به، وشرب من منهل العلم وأملأت قلبه الخشية والخوف قال سبحانه: «إنّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ» (فاطر/28) فصار أميناً على حلاله وحرامه، ولاينطبق ذلك إلاّ على الأقل من الطبقة من العلماء فضلاً عن المقلّد.

سؤال وإجابة

إنّ دلالة هذه الروايات على لزوم إتصاف القاضي بكونه حاكماً بالكتاب والسنّة، وقاضياً بما يفهمه من الأدلّة، واضحة فلايشمل العناوين الواردة فيها المقلِّد، لكن هنا سؤال وهو عدم وجود الاجتهاد الرائج، في عصر الأئمّة وأقصى مايدلّ عليه ما سبق من الأدلّة ، كون القاضي صادراًعن الكتاب والسنّة، وأمّا كونه مستنبطاً فلا وعندئذ يصبح نفوذ قضاء المجتهد بالمعنى الاصطلاحي بلا دليل.

والإجابة عنه واضحة، لأنّ ما هو الشرط هو الصدور عن الأدلّة الشرعية، والقضاة في ذلك العصر، والمجتهدون في أعصارنا كلهم يصدرون عنهما، غير أنّ فهم المصدرين الرئيسيين والصدور عنهما كان في ذلك الزمان قليل المؤنة لكنّه أصبح في عصرنا كثيرها وليس بين العملين فرق جوهري إلاّببذل الجهد القليل،


1 ـ الحرّاني: تحف العقول: 238. ط النشر الإسلامي.


(80)

والكثير وقد أوضحنا حاله في رسالتنا في الاجتهاد والتقليد، و أمّا المقلّد فليس يصدر عن الكتاب والسنّة وإن كان ينتهي إليهما نهاية لكنّ المراد الصدور عنهما بالمباشرة وستوافيك زيادة توضيح لهذا الجواب عند البحث عن تصدّي المقلّد مهمّة القضاء، فانتظر.

وربّما يظهر من بعضهم التفرقة بين ما يصدر القاضي في قضائه عن الكتاب والسنّة، وما يصدر عن الأُصول العقلية كالبراءة العقلية أو التخيير العقلي بين المحذورين أو المتزاحمين والإجماعات المنقولة والشهرات المحكيّة فإنّه لايصدق فيها الحكم بحكمهم ...

يلاحظ عليه: أنّ المراد الصدور عن حجّة شرعية والكل من مصاديقها و ذكر الكتاب والسنّة لأجل أنّهما من الحجج الشرعية.

في صلاحية المتجزئ لممارسة القضاء

قد عرفت أنّ لسان الأكثر ناظر إلى شرطية الاجتهاد المطلق أي وجود القدرة على استخراج الحكم من الكتاب والسنّة في كل ما يرجع إليه وشمول ذلك للمتجزي بعيد جدّاً. نعم لو بلغ المتجزي مرتبة يستطيع معها، على استنباط أحكام كثيرة وإن كان لايستطيع استنباط جميعها، فلايبعد صدق العناوين الماضية عليه أعني:

1ـ «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» في مقبولة عمر بن حنظلة.

2ـ «قد عرف حلالنا وحرامنا ...» في المشهورة الأُولى لأبي خديجة.

3ـ « فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» في التوقيع الرفيع عن صاحب الزمان ـ عليه السلام ـ .

4ـ «مجاري الأُمور بيد العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه» في الكلام المنسوب إلى السبط الشهيد.


(81)

فإنّ هذه العناوين صادقة لمرتبة خاصة من التجزي فلايشترط الاجتهاد المطلق، ويؤيد ذلك أُمور:

1ـ إنّ القضاة التي كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم يكن لهم معرفة فعلية لجميع الأحكام، لتفرّق الروايات بين الرواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتى يكونوا متدرعين بالعلم بجميع الأحكام.

2ـ كان الأمر في عصر النبيّ والوصيّ عليمها السَّلام أيضاً كذلك فقد بعث النبي معاذاً ، إلى الجبل وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله قال:«فإن لم تجد في كتاب؟»، قال :بسنّة رسول الله ... (1) أتظن أنّ معاذاً كان مسلّطاًعلى جميع الأحكام المشرّعة إلى يوم ذاك.

3ـ كتب الإمام إلى واليه مالك الأشتر في عهده وقال: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لاتضيق به الأُمور ولاتمحكه الخصوم ـ إلى أن قال: ـ وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج».(2) وهل كانت مصر في ذلك اليوم تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين جميع الأحكام الشرعية، وإنّما كانوا يحفظون من الكتاب والسنّة وعمل الصحابة أشياء يقضون به ولو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.

نعم كلّما تقدّمت ا لحضارة الإسلامية ،و تفتحت العقول وازداد العلماء علماً وفهماً، تسنَّم منصَّة القضاء من له خبروية كاملة في الفقه، وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، ولم يكن ذلك بوازع ديني، بل كان نتيجة سيرالعلم وتقدّم الثقافة.

نعم قد أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنِّياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين فلامناص عن إشراف قاض مدرّب ومجرّب على عمل القضاة المتجزئين


1 ـ الجزري: جامع الأُصول: 10/551.
2 ـ نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 53.


(82)

في الاجتهاد، حتى يحصل لهم قدم راسخ في مجال القضاء.

الاستدلال على كفاية التجزي برواية أبي خديجة الثانية

وربّما يستدل على كفاية التجزي، بمشهورة أبي خديجة الثانية الماضية حيث قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاًمن قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(1)

ولكن خطورة الموقف ومعضلة بعض المسائل كتعيين المدّعي والمنكر في بعض الموارد و صحّة القضاء بالنكول أو بعد ردّ اليمين أو غير ذلك من المسائل المهمّة تدفعنا إلى تفسير الحديث بالمتجزي الممارس للفقه مدّة لايستهان بها وإن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق .

على أنّه يحتمل اتحاد الحديثين المختلفين في اللسان، إذ أحد اللسانين (عرف أحكامنا) يطلب للقضاء مرتبة عليا من التجزي بخلاف اللسان الآخر (يعلم شيئاً من قضايانا) وبما أنّ الصادر مردّد بين الأمرين نأخذ بالقدر المتيقّن وهو المرتبة العليا من التجزي وتبقى المرتبة الدانية تحت الأصل الأوّلي وهو المنع ، ولولا هذا الأصل لانقلب الأمر إلى العكس، أي نأخذ بالأقل في مقام الشرطية دون الأكثر، بإجراء البراءة من شرطية المرتبة العلياء فتدبّر.

ثمّ إنّه ربّما استشكل على الاستدلال بها على كفاية المتجزئ بالنحوالتالي:

1ـ إنّ القلّة المستفادة في قوله:«شيئاً» إنّما هو بالنسبة إلى علومهم وإن كان كثيراً في حدّ نفسه.(2)

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر، فإنّها وردت في مجال ردع الشيعة عن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
2 ـ مباني تكملة المنهاج:1، ص8.


(83)

الرجوع إلى غيرهم وعندئذ يخاطب الإمام شيعته بأنّه يكفيهم أن يرجعوا إلى من يعلم شيئاً من قضاياهم. وعند ذلك يناسب جعل الملاك هو نفس علم الراوي قلّة وكثرة، لاعلم الإمام كما لو قال إنسان ناصح مشفق لأخيه: إذا لم تستطع على العمل الكبير فعليك بما في وسعك، فكأنّ الإمام ـ عليه السلام ـ يقول: إذا فاتكم الرجوع إلى هؤلاء الحكّام لأخذ الحقوق ، فلايفوتنّكم الرجوع إلى عالم شيعي يعلم شيئاً من قضايانا.

2ـ إنّ الرواية ناظرة إلى القاضي الذي اختاره الطرفان لفصل الخصومة، فلو دلّت على كفاية التجزي فإنّما تدل في مورد قاضي التحكيم لا المنصوب ابتداء وذلك لأنّه فرّع قوله: «فإنّي قد جعلته قاضياً ـ إلى قوله ـ فاجعلوه بينكم » فتكون النتيجة كفاية التجزي في قاضي التحكيم لا المنصوب.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه ليس الهدف من قوله ـ عليه السلام ـ :«فاجعلوه بينكم» كونه قاضياً مجعولاً من قبل المتخاصمين حتى تختصّ الرواية به بل هو يهدف إلى معنى آخر. وذلك لأنّ القاضي المنصوب من قبل السلطة والدولة ينفذ حكمه مطلقاً سواء أرضي الطرفان بحكمه أم لا، بخلاف القاضي الذي يرجع إليه المتخاصمان من الشيعة، فلايمكن نفوذ حكمه إلاّ بتحقق رضا الطرفين به، لا أنّ لرضائهما به مدخلية في الحكم والجعل بل لأنّ التنفيذ فرع الرضا وبعبارة أُخرى; إنّ الإمام نصب كل من يعلم شيئاًمن قضاياهم للحكم والقضاء ولكن تحقق الغاية رهن رضا الطرفين بحكمه وخضوعهما له. بعد عدم قوّة تقهر المتخاصمين على القبول.ولأجل ذلك قدّم قوله:«فاجعلوه بينكم» وهو لازم الظروف التي وردت فيها الرواية.

***


1 ـ مباني تكملة المنهاج: 1/8.


(84)

المقلِّد ومنصَّة القضاء

تمّ الكلام في نفوذ قضاء المجتهد ، مطلقاً كان اجتهاده، أو غير مطلق وحان حينُ البحث عن قضاء المقلِّد فنقول:

تصدي المقلِّد لمهمة القضاء يتصوّر على وجوه أربعة:

1ـ أن يستقلّ بالحكم والقضاء.

2ـ أن يكون منصوباً من جانب المجتهد وعندئذ يقع الكلام في جواز نصبه للقضاء وعدمه.

3ـ أن يكون وكيلاً عن المجتهد، والفرق بين النصب والوكالة واضح، فإنّ النصب مستند إلى سعة ولاية المجتهد حتى بالنسبة إلى نصب العامي للقضاء وأمّا التوكيل ، فليس التوكيل في المقام إلاّ كالتوكيل في سائر الأُمور.

وبعبارة أُخرى: انّ عمل العامي مع النصب، عمل نفسه، لاعمل الناصب، بخلاف الوكيل فإنّ عمله، عمل الموكّل.

4ـ أن يتصدى للقضاء عند الاضطرار وعدم التمكّن من الرجوع إلى المجتهد.

وإليك الكلام في هذه الوجوه واحداً تلو الآخر:

أـ استقلال المقلّد في القضاء

مقتضى الأصل الأوّلي هو المنع ولم يخرج منه إلاّ المجتهد بكلا قسميه، والقول بجواز استقلاله يحتاج إلى دليل خصوصاً إذا كانت هناك شبهة حكمية و لايدري أنّ مجراها أصل البراءة أو الاحتياط أو مقتضى الاستصحاب أو إذا كان تشخيص المدّعي عن المنكر أمراً عويصاً متوقفاً على إعمال قواعدـ حسب ما


(85)

قالوا ـ ، فإنّ القيام بحلّ هذه الأُمور العويصة خارج عن طاقة المقلّد، إلاّ إذا تربّى تحت يد قاض مدّة لايستهان بها، وشاهد القضايا ووقف على حكمها من كتب وعرف حكم الأمثال والأضداد وهو قليل جدّاً ومع ذلك، فقد استدل على جواز استقلاله بالقضاء بالوجوه التالية:

1ـ إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف

إذا كان القضاء من شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكفي في جواز تصديه، إطلاقات أدلّتهما نظير قوله:«والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهُم أولياءُ بعض يأمُرونَ بالمعروفِ وينهَوْنَ عنِ المنُكر » (التوبة/71).

يلاحظ عليه: أنّ مورد أدلّتهما، هو الدعوة إلى التكليف الثابت للمكلّف مع قطع النظر عن قضاء القاضي، كما إذا رأى إنساناً يغتاب أو يكذب أو يظلم وهذا هو الذي يجب على المؤمن والمؤمنة تحت شرائط، وأمّا التكليف الذي يقتضيه حكم القاضي بحيث لولاه، لما كان هناك تكليف ، فلاتشمله الأدلّة العامّة للأمر بالمعروف مثلاً إذا اختلف العامل والمالك فقال الأوّل:رددت رأس المال،وأنكره المالك فليس هنا أي تكليف متوجه إلى العامل بعد ادعاء ردّ المال وإنّما يتوجه إليه التكليف بالردّ، بعد قضائه بأنّ القول قول المالك مع حلفه، فعندئذ يتوجّه عليه تكليف بالرّد، بعد مالم يكن أيّ تكليف قبل القضاء فمثل هذا ليس مشمولاً لأدلّتهما.

وإن شئت قلت: إنّ مورد أدلّتهما ما إذا اتفقا الآمر والمأمور على وجود التكليف فيقوم أحدهما بالدعوة لاما إذا أنكر أحدهما أصل التكليف، كما هو الحال قبل القضاء.

2ـ إطلاق الحكم بالحقّ والعدل

إنّ المستفاد من الكتاب والسنّة صحّة الحكم بالحقّ والعدل والقسط من


(86)

كل المكلّفين ، قال الله تعالى:«إنّ اللّهَ يأمُركُم أن تُؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حَكمتُم بينَ النّاسِ أن تحكُمُوا بالعدل» (النساء/58).

«يا أيّها الّذينَ آمنُوا كُونُوا قوّامينَ للّهِ شُهداءَ بالقِسطِ ولا يَجْرِمنَّكُم شنئانُ قوم على أن لاتعدِلُوا» (المائدة/8).

«يا أيّها الّذِينَ آمنُوا كُونُوا قوّامِينَ بالقِسْطِ شُهداءَ للّهِ و لوعلى أنفسِكُم أوِ الوالِدَينِ والأقربينَ إن يكُن غَنِياً أو فَقِيراً فاللّهُ أولى بهما فَلاتتَّبِعُوا الهوى أن تَعْدِلُوا وإن تَلْووا أو تُعرِضُوا فإنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعمَلُونَ خَبِيراً» (النساء/135).

ومفهوم قوله تعالى:«ومَن لَم يَحكُم بما أنزلَ اللّهُ فأُولئكَ همُ الفاسِقون»(المائدة/47) وفي أُخرى «...هُمُ الكافِرون»(المائدة/44) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وقال الصادق ـ عليه السلام ـ :«القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لايعلم، فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة». (1)

وقال: « الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية».(2)

3ـ وقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : «الحكم حكمان: حكم الله عزّ وجلّ وحكم أهل الجاهلية، وقد قال الله عزّ وجلّ:«ومَن أحسنُ مِنَ اللّهِ حُكماً لِقوم يُوقِنون»(المائدة/50) وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية».(3)

إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالّة على


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث6 ، 7 ، 8.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث6 ، 7 ، 8.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث6 ، 7 ، 8.


(87)

أنّ المدار الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم ـ وأنّه لاريب في اندراج من سمع منهمعليهم السَّلام أحكاماً خاصّة مثلاً وحكم بها بين الناس فيهاوإن لم تكن له مرتبة الاجتهاد.

يلاحظ على الجميع:

أنّ الآيات والروايات ليست بصدد بيان شرائط الحاكم وخصوصياته حتى يتمسّك بإطلاقها وإنّما هي بصدد بيان أمر آخر.

فالآية الأُولى والثانية بصدد بيان خصوصيات الحكم وأنّه يجب أن يكون حكماً بالعدل وقضاءً بالقسط و أن لايخاف الحاكم من شنئان قوم فيحكم على خلافهما وأين همامن بيان خصوصيات الحاكم حتى يتمسّك بإطلاقهما؟!

ومنه يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثالثة فإنّها بصدد النهي عن القضاء بغير ما أنزل الله، لابصدد بيان خصوصيات الحاكم.

ومثل الآيات، تقسيم القضاة إلى أربعة، أو تقسيم الحكم إلى حكمين، فإنّ الجميع بصدد سوق المجتمع إلى القضاء بحكم الله لابحكم الجاهلية وليس بصدد بيان شرائط الحاكم من كونه رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً، سميعاً وبصيراً والاستدلال بالجميع غفلة عن شرائط انعقاد الإطلاق فإنَّ التمسك به في المقام نظير تمسّك بعضهم بإطلاق قوله سبحانه:«فَكُلوا مِمّا أمسكنَ عليكُم »(المائدة/4) على أنّه يجوز الأكل ممّا أمسك الجوارح بالأنياب بلا لزوم غسل مواضعها، مع أنّ الآية بصدد بيان شيء آخر وهو حلّية ما أمسكته وأنّه من الطيّبات لامن المحرّمات وأمّا أنّه هل يؤكل مطلقاً أو بعد الغَسْل فليس بصدد بيانه حتّى يتمسّك بإطلاقه.

وهناك وجه آخر وهو أنّ الآيات والروايات بمعزل عن باب القضاء، لأنّ المراد من الحقّ، هو الحقّ في الشبهات الحكمية،والحقّ في باب القضاء يرجع إلى


(88)

الحقّ في الشبهات الموضوعية غالباً كما لايخفى.

3ـ الاستدلال بإطلاق حديث الحلبي

قال:قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيه فيتراضيان برجل منّا فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط.(1)

والاستدلال موهون جدّاً لعدم كون الإمام بصدد بيان شرائط القاضي حتى يتمسّك بإطلاق لفظ «رجل» وإنّما هو بصدد الفصل بين القاضيين وأنّه لايجوز الرجوع إلى قضاة العامّة بل يجب الرجوع إلى قضاة الشيعة وأمّا ما هو صفاتهم وخصوصياتهم فليس الصحيح بصدد بيانه.

4ـ صحيح أبي خديجة

قال:قال أبوعبدالله جعفربن محمّد ـ عليه السلام ـ إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم... .(2)

وقد أُجيب عن الاستدلال بهذه الرواية على قضاء المقلِّد بوجوه نأتي بها:

أـ انّ الوارد فيها لفظ العلم وهو لايشمل المقلّد لأنّ العلم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، والمقلِّد فاقد له.

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين العلم المصطلح عليه في علم المنطق، والعلم الوارد في الكتاب والسنّة والمراد من الأوّل ما ذكر في كلامه ،والمرادبه في الحديث من هو ما قامت عليه الحجّة وإلاّ لزم عدم صحّة قضاء المجتهد لعدم علمه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(89)

بالواقع، والعلم بالحكم الظاهري مشترك بين المجتهد والمقلِّد.

ب ـ انّ الرواية محمولة على صورة الاضطرار وعدم التمكّن ممن يعرف الأحكام عن أدلّتها التفصيلية، وبما أنّ الشيعة كانت متفرقة آنذاك في بلاد نائية، ولم يكن في كل بلد وكورة، من يعرفها بالدليل، اكتفى صاحب الشريعة بمن يعلم شيئاً من الأقضية حتّى يصدّ بذلك باب الرجوع إلى أبواب الطواغيت.

يلاحظ عليه : بأنّه حمل تبرعي لادليل عليه وليس في الرواية ما يحكى عن كونها واردة في صورة الاضطرار، نعم هو احتمال في الحديث.

ج ـ إنّ العلم بشيء من قضاياهم مختصّ بالفقيه أو منصرف إليه، لأنّ العامي إمّا أن يتّكل إلى فتوى الفقيه في القضاء فلايصدق أنّه يعلم شيئاً من قضاياهم بل هو يعلم فتوى الفقيه وهو طريق إلى حكم الله. وإمّا أن يتّكل بإخبار الفقيه بقضاياهم وهذا غير جائز لأنّه لايزيد عن رواية مرسلة غير جائزة العمل، إلاّ بعد الفحص عن الجهات الأربعة: الصدور، والدلالة ،وجهة الصدور، وعدم المعارض وأنّى للمقلّد هذا.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل، وهو الأخذ بإفتاء الفقيه لكنّه عند المقلّد هو حكم الإمام وقضائه، خصوصاً إذاكان الإفتاء بلفظ الحديث، كما في الفقيه والنهاية، والإفتاء وإن كان غير التحديث، والأوّل مشتمل على إعمال النظر، دون الثاني لكنّه لدى العرف، يعكس حكم الكتاب والسنّة وحلال الأئمّة وحرامهم.

والحق في الإجابة أن يقال: إنّ الصادر من الإمام مردّد بين ما نقل وبين ما جاء في روايته الأُخرى التي جاء فيها :«اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» (1)وقد عرفت أنّ لفظ «العرفان» لايستعمل


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي،الحديث 6.


(90)

إلاّ إذا كان هناك اشتباه يعقّبه التميز وهو لايصدق إلاّ في حقّ الفقيه لا المقلّد المحض. ولمّا تردّد لفظ النص بين ما يصح الاستدلال به وما لايصح، يسقط الاستدلال بها.

وبعبارة أُخرى لمّا تردّد بين كون الخارج عن تحت الأصل خصوص المجتهد ولو كان متجزئاً أو مطلق من يعلم شيئاً، فيؤخذ بالقدر المتيقن في مقام الخروج . وهو الأوّل وقد مرّتوضيحه أيضاً.

5ـ الإستدلال بخبر محمّد بن حفص

قد يستدل بخبر محمّد بن حفص (1) عن عبد الله بن طلحة (2) عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثّياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها [فتحرّك ابنها فقام فقتله بفاس كان معه] فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج، حملت عليه بالفاس فقتلته. فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد. فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ :«اقض على هذا كما وصفتُ لك فقال: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه، دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها إنّه زان وهو في ماله عزيمة وليس عليها في قتلها إيّاه شيء[لأنّه سارق ]قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا دية له ولا ق(3)ود».

يلاحظ عليه: أوّلا : أنّ ضمان الموالي، دية الغلام على خلاف القاعدة وعلى فرض كونهم عاقلة، إنما تضمن الدية في مورد الخطأ لا في مورد العمد.

وثانياً: أنّه من المحتمل أن يكون كلامه هذا:«اقض على هذا كما وصفت»


1 ـ محمد بن حفص بن خارجة مجهول لم يعنون في كتب الرجال غير التنقيح.
2 ـ هو الهندي الكوفي لم يذكر في حقّه توثيق ولامدح.
3 ـ الوسائل: الجزء 19، الباب 23، من أبواب قصاص النفس، الحديث 2.


(91)

أشبه بالمشاكلة لا الحقيقة وأنّ المراد بيان الحكم الشرعي للمسألة.

وثالثاً: يحتمل كون ابنطلحة ممنكان ينطبقعليه المقياسالوارد في المقبولة.

رابعاً: أنّه يصح الاستدلال بها على صورة النصب أو الوكالة والثانية أظهر من النصب، لاعلى التصدي على وجه الإستقلال.

6ـ الإستدلال بالسيرة

إنّ الموجودين في زمن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ممن أمر بالترافع إليهم كانوا قاصرين عن مرتبة الاجتهاد وكانوا يقضون بين الناس بما سمعوه من النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد، عن منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدليل.(1)

وأجاب عنه المحقّق الآشتياني بأنّ الشرط الواقعي هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد فالمنصوبون من قبل الأئمّة كانوا يعلمون الأحكام وإن كانوا غير مجتهدين وأمّا زماننا هذا فالعلم فيه لايحصل إلاّ بالاجتهاد فليس للاجتهاد موضوعية إلاّ كونه طريقاً إلى العلم بالأحكام وهو كان حاصلا للمنصوبين يوم ذاك دون مقلدي أعصارنا (2) وحاصله:أنّ الميزان ، هو العلم بالأحكام، لا الاجتهاد، والعامي في السابق كان عالماً بالأحكام بخلاف العامي في أعصارنا.

يلاحظ عليه: أنّه إن أراد، من العلم ، العلم بالأحكام الواقعية فهو لم يكن حاصلاً يوم ذاك للمنصوبين ولاللمجتهدين في الأعصار المتأخرة ضرورة أنّ أصحاب الأئمّة ربّما كانوا يأخذون الأحكام عن أصحابهم، وقد كانوا مبتلين بالأخبار المتعارضة والصادرة عنهم تقية إلى غير ذلك ممّا لا يوجب العلم بالحكم الواقعي، ومثله المجتهد، فإنّ ما يحصله أحكام قامت عليها الحجّة لا أنّها أحكام


1 ـ الجواهر الجزء 40/15ـ16.
2 ـ الآشتياني: كتاب القضاء ، ص9


(92)

واقعية.

وإن أراد الأعمّ من الحكم الواقعي، فهو حاصل لمقلدي عصرنا.

والأولى أن يقال: إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط فيتّجه الإشكال وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع له هو من روى حديثهم، ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم. فهو كان صادقاً على قضاة عصر الرسول ومن بعده.كما كان صادقاً على المتربّين على أيدي الأئمة من المحدّثين والفقهاء لاتصالهم بالمعصومين ، وسماعهم منهم أو عمّن سمع منهم، وأمّا في عصرنا هذا فلايصدق إلاّ على من له قوّة الاستنباط حتّى يبذل الجهد بالتتبع في الروايات وينظر في حلالهم وحرامهم ـ ويعرف نهاية ـ أحكامهم فالموضوع لنفوذ القضاء واحد في جميع الأعصار، غير أنّ بُعد العهد واختلاط الصحيح بالسقيم من الروايات، والصادر تقية بالصادر لبيان الواقع، صار سبباً لعدم صدقه إلاّ على لفيف قليل أي المجتهدين لأنّهم هم الممارسون بأحاديثهم والناظرون في حلالهم وحرامهم والعارفون بأحكامهم ولايصدق ذلك على المقلّد المحض الذي لايعرف شيئاً منها سوى ما جاء في رسالة مقلَّده.

ثمّ إنّ الفرق بين الجوابين واضح فإنّ جواب المحقّق الآشتياني مبنيّ على أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، غير أنّ العلم بالأحكام كان ميسوراً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً، وأمّا في عصرنا، فليس ميسوراً إلاّ على من له ملكة الاجتهاد.

وأمّا جوابنا فهو مبنيّ على أنّ الميزان في صحّة التصدّي هو ما جاء في لسان الرواية أعني قوله:« روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا» وهو كان صادقاً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً(مجتهداً كان أو لا) ولكنّه في عصرنا هذا لايصدق إلاّ على المجتهد فليس الإجتهاد شرطاً وانمّا هو طريق لتحصيل موضوع الدليل.

Website Security Test