welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(32)

النظرالأوّل

في صفات القاضي

قد عرفت أنّ المحاور الأصليّة في القضاء ثلاثة ، فالأوّل منها هوالبحث عن صفات القاضي و مؤهّلاته لذلك الأمر الخطير ، فنقول: ذكر الفقهاء هنا صفات نذكرها بعد بيان النكتة التالية:

القضاء من الأُمور الخطيرة المهمّة التي يطلب لنفسه شروطاً تعطي للإنسان صلاحية القيام بها والقضاء من أخطرها و أهمها، وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أُموراً بعنوان صفات القاضي وهي بين ما هو بيّن الثبوت لايشكّ في لزومها اثنان، وما ليس كذلك بل يحتاج القول بالاشتراط وعدمه إلى دراسة علميّة.والصفات المذكورة في كلام المحقق وغيره عبارة عن الأُمور التالية:

1ـ البلوغ، 2ـ كمال العقل، 3ـ الإسلام، 4ـ الإيمان، 5ـ العدالة،6ـ طهارة المولد، 7ـ الذكورة، 8ـ الاجتهاد 9ـ الضبط، 10ـ الكتابة، 11ـ البصر، 12ـالنطق ، 13ـالسمع14ـ الحريّة . وأضاف المحقّق بعد اشتراط العدالة:الأمانةَ والمحافظةَ على الواجبات.ولكنّهما مستدركان باعتبار دخولهما في العدالة.إلاّ أن يكون التخصيص بالذكر لأجل العناية ببعض المصاديق ولنأخذ بالبحث واحداً بعد الآخر:

الشرط الأوّل والثاني: البلوغ وكمال العقل

البلوغ وكمال العقل من الشروط القطعية التي لم يختلف فيهما اثنان لا من


(33)

العقلاء ولامن الفقهاء وطبيعة الموضوع تقتضي شرطيتهما، فلم يـُـرَ صبيّ ولاسفيه على منصّة القضاء، وكيف يمكن للصبي أن يدير دفّة القضاء مع أنّه رفع عنه القلم(1) وعمده وخطؤه سيّان(2)؟! أضف اليه أنه هو مولّى عليه،فكيف يكون وليّاً للمتحاكمين؟! على أنّ شرطية العدالة تلازم اشتراطهما لأنّ العدالة أو الفسق فرع التكليف وأمّا قوله سبحانه:«وآتَيناهُ الحكم صبيّاً» (مريم /12) حيث نصب يحيى على القضاء والحكم وهو صبيّ، فإنّما هو من باب الكرامة على سبيل خرق العادة فلايقاس عليه ولاعلى أئمّة أهل البيت ، آحاد الناس.وقد قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «لايقاس بآل محمّد من هذه الأمّة أحد».(3)

غير أنّ المحقق عبّـر عن الشرط الثاني بكمال العقل والظاهر أنّ مراده هو أن لايكون سفيهاً بحيث يقال إنّه ناقص العقل وأمّا الذكاء والتوقد الفكري، أو الفطنة فلايطلبه أصل القضاء.

غير أنّ هنا نكتة نلفت نظر القاضي إليها وهو أنّ الموضوع إذا كان ملتوياً ومعقداً، بحيث لايطمئنّ القاضي بتمحيصه وتشخيصه، يلزم عليه أن لايمارسه، بل يستعين فيه بالخبراء الذين لهم ذكاء خاص في حلّ الأُمور المعقّدة والمعضلات من المسائل القضائية، لأجل الممارسة الممتدّة.

و ذلك لأنّ المسائل القضائية مع اشتراك الجميع في جهة، تختلف في البساطة والتعقيد ، وليس كل موضوع منهلاً لكل وارد وشارد، وعليه في الأُمور المعقدة، التي تطلب لنفسها مهارة وذكاء وتوقداً خاصاً أن يجب لايمارسها القاضي إلاّ بعد توفّر الشروط التي تطلب لنفسها إمّا بجعلها شورى بين القضاة، أو الاستعانة بمن توفرت فيه الشروط كما لايخفى.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
2 ـ الوسائل: الجزء 19 ، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2،3،5.
3 ـ نهج البلاغة: الخطبة 3.


(34)

الشرط الثالث: الإسلام

لم يشكّ في اعتبار الإسلام أو مانعية الكفر اثنان، ولم يُـرَ في تاريخ القضاء كافر يشغل منصَّة القضاء قال المحقّق :لأنّه ليس أهلاً للأمانة ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

1ـ القضاء منصب يستتبع ولاية، والعصمة بين المسلم والكافر مقطوعة فكيف يكون وليّاً للمسلم، وهو سبحانه ينهيعن إتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ومن يتولهم فهو منهم(1) ؟!أفيصح ـ بعد ذلك ـ أن يُضفِيَ لهم ولاية في مقام القضاء.؟!

2ـ إنّه سبحانه ينهى عن التحاكم إلى الطاغوت، ويأمر بالكفر به، ويقول:«أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ يَزْعُمُونَ انّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ و ما أُنْزل مِنْ قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلَى الطاغُوتِ وَ قَدْ أُمرُوُا أنْ يَكْفُروا بِهِ وَ يُريدُ الشيطانَ أن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعيداً» (النساء/60). والتحاكم لدى الكافر من مصاديق التحاكم إلى الطاغوت، روى المفسرون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي:أُحاكم إلى محمّد لأنّه عَلِم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم فقال المنافق:لا ! ، بل بيني وبينك كعب الأشرف (اليهودي) لأنّه عَلِم أنّه يأخذ الرشوة فنزلت الآية.

3ـ إنّه من قبيل السبيل للكافر على المسلم حيث إنّ القضاء لاينفكّ غالباً عن الجلب وإصدار القرار والحبس، والقضاء في مورد الجزاء، لاينفك عن الإعدام وإجراء الحدّ والتعزير، وقد قال سبحانه: «وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلكافِرينَ عَلَى المُؤمِنينَ سَبيلاً» (النساء/141).وما ربّما يقال إنّه من قبيل إجراء الحكم الحقّ في حقّ المحكوم وليس بسبيل مدفوع بأنّ مالكية الكافر للمسلم أيضاً تمسك بالحكم المشروع مع أنّه يعدّ سبيلاً، وللقاضي سيادة على المحكوم في أنظار الناس


1 ـ النساء/144، المائدة /51.


(35)

وهو لاينفك عن جعل السبيل.

4ـ إنّ اشتراط العدالة تلازم شرطية الإسلام وليس المراد منها المعنى النسبي أي العادل في دينه بل المعنى المطلق كما سيوافيك.

5ـ طبيعة الموضوع تقتضي الاشتراط، إذ كيف يمكن تسليط الكافر على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم مع أنّه ليس أهلاً للأمانة.

نعم الانظمة الإلحاديّة غير معترفة بهذا الشرط حتى الإيمان بالله،و قائلة بأنّ حرمان طائفة من القضاء لأجل العقيدة مخالف للعدل الاجتماعي، ومشاركة الناس في الحقوق من دون تبعيض.

يلاحظ عليه: أنّه ليس تبعيضاً وإنّما هو أخذ لصالح القضاء والمتحاكمين فإنّ من لايؤمن بالقضاء الإسلامي ومصادر أحكامه، كيف يتحرّى الحقيقة في إجرائه؟ولكن الجنس إلى الجنس يميل «وكلّ اناء بالّذي فيه ينضح»نعم نقل الشهيد الثاني جواز قضاء الكافر لأهل نحلته ووصفه بأنّه شاذ.(1)

الشرط الرابع: الإيمان

إن ّ الايمان له استعمالات:

1ـ ربما يستعمل ويراد منه نفس ما يراد من الإسلام من غير فرق بينهما«فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمينَ»(الذاريات/35ـ36). والمراد منهما الاعتقاد الجازم بالله ورسالة نبيّه وما جاء به.

2ـ ربما يطلق الإسلام ويراد منه التظاهر به من دون نفوذ إلى القلب ويقابل الإيمان وهو التسليم النافذ من الظاهر إلى الباطن وعلى ذلك قوله سبحانه:


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/389.


(36)

«قالَتِ الأعرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ» (الحجرات/14).

3ـ وربمايطلق ويراد منه الإيمان بالمعنى الخاص وهو كونه إمامياً وهذا هو المراد هنا بعد اشتراط الإسلام ولنذكر شيئاًمن كلمات الفقهاء.

اشتراط الإيمان في كلمات الفقهاء

1ـ قال المفيد :ولاينبغي لأحد أن يتعرّض له حتى يثق من نفسه بالقيام به وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتى يكون عاقلاً، كاملاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه...(1) ولم يصرح باشتراط الإيمان.

2ـ قال الشيخ :وقد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لايتمكّنون فيه مِنْ تولّيه بنفوسهم، فمن تمكَّن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس، أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك وله بذلك الأجر والثواب.(2)

3ـ قال الشيخ في الخلاف:لايجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً بجميع ما وليه ولايجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به وقال الشافعي :ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد... ولاتجوز أن تكون المرأة قاضية في شيء من الأحكام....(3) وليس فيه تصريح باشتراط الإيمان.

4ـ وقال في المبسوط: وأمّا من يحرم عليه أن يلي القضاء فأن يكون جاهلاً ثقة كان أو غير ثقة، أو يكون فاسقاًمن أهل العلم.(4) ولعلّه اكتفى بالإشارة عن


1 ـ المفيد: المقنعة:721.
2 ـ الطوسي: النهاية، كتاب الجهاد:301.
3 ـ الطوسي: الخلاف، ج3/كتاب القضاء، المسألة 1ـ6.
4 ـ الطوسي: المبسوط: 8/83.


(37)

التصريح.

5ـ قال ابن إدريس:فأمّا من تحرم عليه فأن كان جاهلاً، ثقة كان أو غير ثقة أو فاسقاً من أهل العلم.(1) ولعلّه اكتفى بالإشارة عن التصريح.

6ـ وقال المحقق: «ويشترط الإيمان والعدالة» غير أنّه أراد به الإسلام بشهادة قوله:فلايعقد للكافر لأنّه ليس أهلاً للأمانة وكذا الفاسق.

7ـ وقال(2) العلاّمة: ويشترط الإيمان والعدالة فلاينفذ قضاء الكافر والفاسق،(3) ولأجل خلوّ عبارة القواعد عن هذا الشرط حاول السيّدالعاملي إدخال غيرالإمامي، تحت الفاسق تارة،و الكافر أُخرى لاشتراكه معه في القضاء بأُصول لانعترف بها فلا يجوز نصبه للقضاء.

8ـ وقال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلاً، بصيراً، كاملاً، كاتباً، عالماً بالقضاء ديّناً، وورعاً فهو أهل لولاية القضاء.(4) وليس فيه تصريح بهذا الشرط.

9ـ قال العلاّمة في الإرشاد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى.(5)

10ـ ونسب التردد إلى المحقّق الأردبيلي ولم يظهر لي من كلامه نعم جوّز قضاء العامي إذا اقتضت المصلحة نصبه.(6)

11ـ وقال في الجواهر: تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضائهم بل هو من ضروريات مذهبنا.(7)


1 ـ ابن إدريس، السرائر: 3/153.
2 ـ نجم الدين: الشرائع:4/67.
3 ـ العاملي ، مفتاح الكرامة، قسم المتن:10/9.
4 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع :522.
5 ـ مجمع الفائدة :12/18و22.
6 ـ مجمع الفائدة :12/18و22.
7 ـ النجفي : الجواهر 40/13.


(38)

12ـ وقال السيد الأُستاذ: يشترط في القاضي : البلوغ و العقل، والإيمان ، والعدالة، والاجتهاد المطلق، و الذكورة وطهارة المولد، والأعلميّة ممن في البلد أو مايقربه على الأحوط(1).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأصل هو عدم نفوذ رأي أحد على أحد إلاّ الله سبحانه أو من عيّنه و أنفذ رأيه والقدر المسلّم من هذا الإستثناء هو رأي النبي والوصيّ والفقيه الإمامي الجامع للشرائط حسب مقبولة عمر بن حنظلة.(2)، وأبي خديجة.(3) وأمّا غيرهم سواء أكان شيعياً غير إمامي كالزيدي والاسماعيلي ، أم غير شيعيّ فليس هناك إطلاق يتمسّك به فعدم الدليل على نفوذ قضائه كاف في المقام ولانحتاج إلى الدليل على عدم الصحّة.

الاستدلال على عدم الاشتراط

ويمكن الاستدلال على عدم الاشتراط بنصب علي ـ عليه السلام ـ شريحاً على مقام القضاء أو إبقائه عليه، وطبع الحال يقتضي أنّه أبقى سائر القضاة المنصوبين قبله على مناصبهم حتّى أنّ الإمام ربّماكان يرفع الشكوى إليه روى عبد الرحمان بن الحجّاج أنّ عليّاً كان قاعداً في مسجد الكوفة فمرّ به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة فقال علي ـ عليه السلام ـ :«هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة» فقال له عبد الله بن قفل:اجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين فجعل بينه وبينه شريحاً....(4)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالفعل إنّما يصح إذا علمت جهته إذ من


1 ـ الإمام الخميني: تحرير الوسيلة:2/407.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 5.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.


(39)

المحتمل أنّ الإبقاء كان لضرورة اجتماعية دعت الإمام إلى إبقاء شريح مقامه ولأجل ذلك أفهمه تلويحاً بأنّه ليس لائقاً لهذا المنصب وقال:«جلست مجلساً لايجلس فيه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ».(1) وفي مورد آخر شرط عليه أن لاينفذ قضاءه حتى يعرضه (2)عليه. و عندئذ لايبقى اطمئنان بأنّ وجه النصب هو صلاحيته في نفسه مع قطع النظر عن الضرورة الاجتماعية.

إكمال

لاشكّ في استفاضة الروايات في أنّه لايجوز الرجوع إلى غير فقهاء الشيعة، وهي مبثوثة في أبواب صفات القاضي لكن يقع الكلام فيما هو المانع وهو مردّد بين الأمور التالية:

1ـ العقيدة المخالفة للحق.

2ـ اعتماده على أُصول لانقول بحجّيتها.

3ـ كونه منصوباً من جانب حكّام الجور.

وتختلف النتيجة حسب اختلاف الموضوع، فلو كان المانع، هو الأوّل، يلزم حرمان كل فقيه غير إمامي ولو كان الثاني، يتحدّد الحرمان بما إذا قضى بأُصول غير مرضية، بخلاف ما إذا التزم بأُصول صحيحة ورفض القياس والاستحسان، وقول الصحابي بما هو صحابي من دون ثبوت صدوره عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وغير ذلك، وعلى الثالث يختص الحرمان بما إذا كان منصوباً من جانبهم، وإلاّ فلو كان قاضياً حرّاً وإن قضى بأُصول باطلة، لما أخل.

ولكن لم نجد ما بأيدينا من الروايات ما يعتمد على الوجه الأوّل، وإنّما السبب في النهي عن الرجوع إليهم يدور بين الأُمور التالية:


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ1.


(40)

1ـ الإفتاء بغير علم والقضاء بلا وعي وقد عقد صاحب الوسائل باباً بهذا العنوان وقال: باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين(1).

2ـ الإفتاء بغير الكتاب والسنّة وقد عقد صاحب الوسائل باباً له.(2)

3ـ القضاء بالمقاييس والاستنباطات الظنّيّة وقد عقد أيضاً باباً له.(3)

وهذه الجهات الثلاث يرجع إلى الملاك الثاني وهناك بعض الروايات ما يؤيد كون الملاك هو الثالث وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك.(4)

روى أبو بصير قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قول الله عزّ وجلّ في كتابه:«ولاتَأكُلوا أموالَكُم بَينكُمْ بالباطلِ وتُدلوا بِها إلى الحُكّام »(5) فقال: «يا أبابصير إنّ الله عزّ وجلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور».(6)

وعلى كل تقدير فلو كانت الروايات الناهية قاصرة الدلالة على المنع المطلق، فلايخلّ بالمقصود لما عرفت من أنّ الجواز يحتاج إلى الدليل وعدمه كاف ولايحتاج عدم الجواز إلى الدليل.

نحن نفترض أنّ هذه الروايات الناهية واردة في الملاكين الأخيرين غاية الأمر تكون النتيجة عدم دلالتها على المنع المطلق، ولكنّه غير كاف في إثبات جواز التصدي ، لأنّ الجواز يطلب الدليل وعدمه كاف في كون الأصل الأوّلي محكّماً.

وعلى فرض المنع ، فهل لايجوز نصبه حتى على أهل نحلته أو يختصّ


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب صفات القاضي.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.
5 ـ البقرة:188.
6 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.


(41)

التحريم، بما إذا نصب على غيرهم من الشيعة؟ وجهان. وقد تقدّم نظيره في قضاء الكافر على أهل نحلته. و هاتان المسألتان تطلبان بحثاً واسعاً تستمدان من قوله سبحانه:«فَإِنْ جاءوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعرض عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وإنْ حكمت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ»(المائدة/42).

الشرط الخامس:العدالة

وقد اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الشرط:

منهم من جعل الفسق مانعاً كما عليه الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر .

ومنهم من جعل العدالة شرطاً، كالمحقق في الشرائع والعلاّمة في القواعد، والسيد الأُستاذ في التحرير.

ومنهم من عبّر بالموصوف مكان الوصف وقال ديّناً و ورعاً كابن سعيد في الجامع(1) ومنهم من عبّر بالورع.(2)

والظاهر أنّ التعابير من قبيل التفنّن في العبارة والكل يشير إلى أنّه يلزم أن تكون للقاضي حالة نفسانية تصدَّه عن ارتكاب المحرّمات واقتراف المعاصي خوفاً من الله وخشية منه أو ما يقرب من ذلك ولم يختلف فيه اثنان ولأجله أرسله صاحب المفتاح إرسال المسلّم بلا إيعاز إلى مخالف وقال:وأمّا الفاسق فيشمل المؤمن وغيره، من غير فِرَق المسلمين، أمّا المؤمن الفاسق فلعدم ثقته وصلاحيته في الصلاة والشهادة والإفتاء فالقضاء أولى.(3)


1 ـ تقدّمت مصادر كلماتهم عند البحث عن شرطية الإيمان.
2 ـ أبو الصلاح: الكافي :423.
3 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/9.


(42)

وقد أدى حقّ المقال في هذا التعبير الموجز وإليك التفصيل :

يدلّ على الاشتراط أُمور:

1ـ التصريح بالاشتراط في رواية سليمان بن خالد(1) وأخذه أمراً مسلّماً في مقبولة ابن حنظلة(2)، حيث قال:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما » و قدجعل التفاضل فيها مرجحاً.

2ـ كونه شرطاً في المفتي والشاهد، وإمام الجماعة وفي الولاية على القُصَّر والغيّب والتقسيم(3) يقتضي اشتراطه في القضاء بوجه أولى، لأنّ القاضي بيده الدماء والأعراض، والأموال والحقوق وأين هو من إمام يصلّي ويترك كل شيء للمأموم.

3ـ طبع الموضوع يقتضي الاشتراط لخطورته وعظمته كما مرّ مراراً.

وظاهر الأدلّة ، كونه عادلاً على وجه الإطلاق، لا أن يكون أميناً ومحترزاً عن الحكم بالباطل فقط ومع ذلك ربّما يقترف المعاصي إذ مع كونه خلاف المتبادر انّالأصل هو عدم نفوذ القضاء إلاّ من دلّ على نفوذه دليل قطعي وهو العادل المطلق.

وذكر المحقّق وراء العدالة اشتراط الأمانة والمحافظة على فعل الواجبات وقد عرفت كونهما داخلين ضمن العدالة.

الشرط السادس:طهارة المولد

قال المحقّق: لاينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله كما لاتصحّ إمامته


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث3 .
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1 .
3 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 16 من أبواب عقد البيع، الحديث 1، حديث اسماعيل بن سعد الأشعري والجزء 13، الباب 88 من أبواب الوصايا، الحديث 2 حديث سماعة.


(43)

ولاشهادته في الأشياء الجليلة. (1) وادّعى في الروضة عليه الإجماع قال في شرح قول الشهيد:«الفقيه الجامع للشرائط» وهي: البلوغ والعقل والذكورة والإيمان والعدالة وطهارة المولد إجماعاً (2)وقال في المسالك: أمّا طهارة المولد فلقصور ولد الزنا عن تولّي هذه المرتبة حتى أنّ إمامته وشهادته ممنوعتان فالقضاء أولى. (3)

إنّ مقتضى العمومات هو جوازه، إذا كان إماميّاً والمنع يتوقّف على الدليل على خلاف المسألة السابقة، وقد استدل على المنع بأُمور ثلاثة:

1ـ الإجماع: وقد حكاه في الروضة ولم يتعرّض العاملي في المفتاح لأيّ خلاف، وهو كما ترى، لعدم ذكر لفيف من الفقهاء هذا الشرط كالشيخ في المبسوط. (4) وابن سعيد في الجامع. (5)

2ـ الأولوية: لأنّه إذا لم يجز له التولية لإمامة الصلاة ـ على ما استفاضت الروايات عليه ـ ولم تقبل شهادته ، فالقضاء أولى ففي صحيح زرارة :لايصلين أحدكم خلف المجنون وولد الزنا (6)، وفي صحيح ابن مسلم قال:قال أبوعبداللّه ـ عليه السلام ـ :«لاتجوز شهادة ولد الزنا». (7)

3ـ نفور طباع الناس منه ولكنّه فرع علم الناس به. والمسألة قليلة الفائدة. وهناك نكتة نفيسة لابدّ من الإشارة إليها: وهي إنّ وليد الزنا تنعقد نطفته في حال يعلم والده أو أُمّه أو كلاهما أنَّهما ينقضان القانون، ويكسران عهداً من عهود الله، وهو إحساس ينتقل عن طريق النطفة إلى الوليد طبقاًلقانون التوارث الطبيعي، فيخرج المولود من الزناء مختمراً بحس نقض العهد واختراق القانون وينشأ ويشبّ


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/67.
2 ـ الروضة: 3/62.
3 ـ المسالك : 2/389.
4 ـ المبسوط:8/99.
5 ـ الجامع: 529.
6 ـ الوسائل:الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 ولاحظ 1، 4، 5، 6.
7 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب31، من أبواب الشهادات الحديث3 و لاحظ أيضاً الحديث1،4،5،7.


(44)

عليها وإلى ذلك يشير الإمام الصادق عند التحدث عن ولد الزنا:«إنّه يحنّ إلى الحرام، والاستخفاف بالدين وسوء المحضر». (1)

فإذا كانت هذه نفسيته وحالته التي يحملها، فكيف يجوز أن تفوّض إليه مقاليد القضاء ليحكم في النفوس والأعراض والأموال والحقوق؟!

نعم هذه الحالة أرضية مناسبة للانحراف والشذوذ، ومقتض للفساد والإفساد وليست بعلّة تامّة إذ في وسعه تطهير نفسه من الشوائب العالقة بطبيعته فلا يوجب ذلك جبراً في حياته وشقائه.

ولأجل هذا نرى أمير المؤمنين يؤكّد على مالك أن يختار للحكم أفضل رعيته ويقول:«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور». (2)

ويوصي له في جميع عمّاله بانتخاب ذوي الأحساب ويقول: «ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ، ثمّ أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة، فإنّهم جماع من الكرم، وشعب من العرف. (3)

نعم يبقى هنا شيء و هو أنّ هذا التسالم بين فقهائنا، كيف يجتمع مع ما روي عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه نصب زياد بن أبيه على ولاية فارس؟ وليس القضاء بأعظم من الولاية وربّماكان الوالي قاضياً. والمعروف أنّه وليد الزنا.

روى علي بن محمد المدائني قال:لمّا ولّى علي ـ عليه السلام ـ زياداً فارس أو لبعض أعمال فارس ضبطها ضبطاً صالحاً وجبى خراجها وحماها. (4)

وقد كتب الإمام إليه رسالة عندما كان زياد خليفة ابن عباس في البصرة


1 ـ القمي: السفينة:1/560.
2 ـ نهج البلاغة: قسم الرسائل: 1.برقم 53.
3 ـ نهج البلاغة: قسم الرسائل: 1.برقم 53.
4 ـ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/181.


(45)

وكان عبد الله بن عباس عامله عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان. (1)

وكتب رسالة أُخرى إليه عندما بلغه أنَّ معاوية كاتبه ليستلحقه بأبيه أبي سفيان. (2)

ويشهد على ذلك أنّه كان يدعى زياد بن عبيد وهو زوج أُمه (سميّة) ولماّ استلحقه معاوية قيل ابن سميّة وكانت أُمّه تحت عبيد وربّما قيل إنّ نسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه. (3)

أمّا أنّه كان غير طيب المولد فقد روى البلاذري قال:تكلّم زياد وهو غلام حدث بحضرة عمر كلاماً أعجب الحاضرين فقال عمرو بن العاص :لله أبوه لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان :أما والله انّه لقرشي ولوعرفته لعرفت أنّه خير من أهلك فقال:ومن أبوه؟ أنا والله وضعته في رحم أُمّه فقال: فهلا تستلحقه قال:أخاف هذا العير الجالس أن يخرق عليَّ إهابي. (4)

ويمكن استظهار كون زياد وليد الزنا من قول الإمام الطاهر أبي الشهداء الحسين بن علي عليمها السَّلام : «وقد ركزني الدعيّ بن الدعيّ بين الاثنتين: السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة». (5)والمراد منهما هو عبيد الله بن زياد.

ويمكن أن يقال: إنّ الدعيّ ليس مرادفاً لابن الزنا بل هو كما يقول الطريحي: الدعيّ من تبنّيتَه، والأدعياء جمع «دعي» وهو من يدّعي في نسب كاذباً.(6) وفي أقرب الموارد: الدعيّ من تبنيته أي جعلته ابناً لك، والمتّهم في نسبته، والذي يدعي (يدعيه) غير أبيه والجمع أدعياء(7) وأُمّه وإن كانت زانية وقد زنى بها أبو سفيان لكن لما لم يثبت كونه متخلّقا من مائه، صار محكوماً بكونه ابن أبيه


1 ـ نهج البلاغة : برقم 20 و 44.
2 ـ نهج البلاغة : برقم 20 و 44.
3 ـ ابن أبي الحديد: شرح النهج 16/180.
4 ـ ابن أبي الحديد:شرح نهج البلاغة: 16/181.
5 ـ القمي، نفس المهموم: 132، الطبعة الأُولى.
6 ـ الطريحي، مجمع البحرين:1/144.
7 ـ الخوري الشرتوتى:اقرب الموارد13/337.


(46)

(عبيد) شرعاً بحكم الولد للفراش ولأجل ذلك كتب الإمام رسالة إليه ينهاه عن قبوله قول معاوية كما عرفت. فكان مجهول النسب لا وليد الزنا قطعاً، فلا يكون نصبه دليلاً في المسألة.

وممّا يدل على أنّه كان مجهول النسب ولكن محكوماً شرعاً بالانتساب إلى الأب ما روي عن الحسن البصريّ : انّه ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها. واستلحاقه زياداً مراغمة لقول رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقتله حجر بن عدي فياويله من حُجر وأصحاب حُجر(1).

وقد كتب الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ إلى معاوية رسالةً يندد فيها بأعمال معاوية وممّا جاء فيها قوله: «أولست المدّعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان؟! وقد قضى رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر» (2).

وعلى ذلك كان زياد مجهول النسب، ولمّا لم يعلم كونه وليد الزنا قطعاً، فصار محكوماً بكونه وليد الفراش أعني زوج أُمّه «عبيد» فلا يكون مورداً للنقض.

الشرط السابع: الذكورة

اشتهر القول باشتراط الذكورة في القاضي ويظهر من الشيخ أنّ المسألة خلافية بين الفقهاء. قال: لاتجوز أن تكون امرأة قاضية في شيء من الأحكام وبهقال الشافعي، وقال أبو حنيفة :يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن تكون شاهدة فيه وهو جميع الأحكام إلاّ الحدود والقصاص، وقال ابن جرير: يجوز أنتكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه لأنّها من أهل


1 ـ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/193.
2 ـ ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: 1/165.


(47)

الاجتهاد.(1)

وقال ابن قدامة:إنّ المرأة لاتصلح للإمامة العظمى، ولالتولية البلدان ولهذا لم يولِّ النبيّ ولا أحد من خلفائه ولامن بعدهم امرأة للقضاء ولاولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً. (2)

ولما كانت المسألة مما أثارت جدالاً ونقاشاً بين الجامعيين و الجدد من الناس، لابأس بالبحث عنها في إطار الأدلّة الشرعيّة وقد أجمل الأصحاب فيها الكلام و ماقاموا بحقّها كما هو حالهم ـ أنارالله برهانهم ـ في سائر المسائل:

ولنذكر بعض الكلمات في المقام:

قال الشيخ في المبسوط:الشرط الثالث في القاضي أن يكون كاملاً في الأمرين: كمال الخلقة والإحكام... وأمّا كمال الاحكام فأن يكون بالغاً عاقلاً حرّاً ذكراً فإنّ المرأة لاينعقد لها القضاء بحال. وقال بعضهم:يجوز أن تكون المرأة قاضية والأوّل أصحّ، ومن أجاز قضاءها، قال يجوز في كلّ ما تقبل شهادتها فيه وشهادتها تقبل في كل شيء إلاّ في الحدود والقصاص.

ومع ذلك لم يذكره المفيد في المقنعة،(3) ولا الشيخ في النهاية(4)، ولا الحلبي في الكافي (5)ولا ابن إدريس في السرائر(6) ولا العلامة في المختلف.(7)

نعم ذكره لفيف من المتأخرين وإليك نصوصَهم:

قال المحقّق في الشرائع: ويشترط فيه البلوغ و... والذكورة.(8)

وقال العلاّمة في التحرير: ويشترط فيه البلوغ... والذكورة، ولاينعقد القضاء


1 ـ الطوسي: الخلاف: كتاب القضاء المسألة 6.
2 ـ المغني :10/127.
3 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
4 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
5 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
6 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
7 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
8 ـ نجم الدين: الشرائع:4/67.


(48)

للمرأة في الحدود وغيرها.(1)

وقال في القواعد:ويشترط فيه البلوغ والعقل والذكورة.(2)

وأنت إذا لاحظت الكتب المؤلفة في هذه العصور أو بعدها ترى أنّها متّفقة على اشتراطها إمّا بالتصريح أو بأخذ الرجل في التعريف، مثلاً، قال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلاً بصيراً كاملاً كاتباً عالماً بالقضاء، ديّناً ورعاً فهو أهل لولاية القضاء.(3)

وقال الشهيد في المسالك:و لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط أي الشرائط المعتبرة في القضاء غير الذكورية وهو موضع وفاق، وخالف فيه بعض العامة فجوّز قضاءها فيما تقبل شهادتها فيه.(4)

وقال في مفتاح الكرامة:أمّا المرأة فلما ورد في خبر جابر عن الباقر ـ عليه السلام ـ ولاتولّي القضاءَ المرأةُ وقد أنكر الدليل المقدّس الأردبيلي إن لم يكن إجماع وهذا خبر منجبر بالشهرة العظيمة إن أنكر الإجماع.(5)

إلى غير ذلك من هذه الكلمات ممّا لانطيل المقام بنقلها، والظاهر أنّ الشهيد الثاني استثنى الذكورة عن موضع الوفاق بين الفريقين لمخالفة أبي حنيفة في المسألة لا أنّه موضع خلاف بين الإمامية، والمحقّق الأردبيلي إن أنكر فإنّما أنكر صحّة الخبر لا الإجماع قال: وأمّا اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر وأمّا في غير ذلك فلا نعلم دليلاً واضحاً نعم ذلك هو المشهور فلو كان إجماعاً فلا بحث.(6)


1 ـ العلاّمة الحلّي، التحرير، ص179.
2 ـ العاملي، مفتاح الكرامة، ج10، ص9، قسم المتن.
3 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع، ص522.
4 ـ المسالك، ج2، ص283.
5 ـ السيد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، ج10، ص9.
6 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/15.


(49)

نعم الإجماع في هذه المسألة مستند إلى الآيات والروايات والسيرة الموجودة بين المسلمين حيث لم تُرَ قاضية بين المسلمين على منصَّة القضاء، وإلى سائر الجهات التي تدعم عدم صلاحيتها للقضاء فيصبح الإجماع مدركياً لاتعبدياً، ولامحيص للفقيه عن دراسة الأدلّة.

هذا وأنّ الأصل الأوّلي في المقام هو عدم الجواز فعلى المجوّز إقامة الدليل، إذ العمومات الواردة في القاضي المنصوب منصرفة إلى الرجال وهي بينما ورد فيه لفظ «منكم» كما في مقبولة ابن حنظلة(1) أو «رجل» كما في رواية أبي خديجة(2) فهذان التعبيران، لو لم يدلا على اختصاص القضاء بالرجل فلا أقلّ أنّها منصرفة عن المرأة، ويؤيد الانصراف عدم التعارف، إذا لم تر في زمن الخلفاء ولابعدهم امرأة تتولى مهمّة القضاء وما قيل من أنّ مدار الانصراف، كثرة الاستعمال وندرته، لاكثرة الوجود وقلّته، لو تمّ، فالمقام من موارد عدم الوجود لاقلّته.فلو كان هذا المقدار كافياً في عدم الجواز فالفقيه في فسحة من الاستدلال بالآيات والروايات، وإلاّ فإن استشكل في انصراف العمومات فلامحيص من دراسة سائر الأدلّة ولنذكر ما يمكن الاستدلال به على المنع ولنقدّم البحث عن الآيات:

الآية الأُولى: «الرجال قوّامون على النساء»

إنّ الحياة الإنسانية في المجتمع لاتدوم إلاّ على منهج سيادة الرجال على النساء بما أودع الله في فطرة كل منهما ما هو الأحسن والأصلح بنظام التكامل في الوجود، ويدل عليه قوله سبحانه:«اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللّهُ وَ اللاّتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَْيْهِنَّ سَبيلاً إِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيَّاً كَبيراً»


1 ـ الوسائل، الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل، الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5و8.


(50)

(النساء/34) والاستدلال رهن دراسة المواضع التالية:

المواضع الهامة الثلاثة في تفسير الآية

1ـ ما هو المراد من كون الرجال قوّامين على النساء فهل هو بمعنى القيمومة لهنّ؟

2ـ ما هو ملاك القيمومة؟

3ـ إذا تبيّن ملاك القيمومة، فما هو إطار تلك الولاية فهل تختصّ بما يمت بالشؤون الاجتماعية في حياة الزوجين ولاتتجاوز عن ذلك الإطار، أو يعمّ مطلق الشؤون الإجتماعية من غير فرق بين الزوجين وغيرهما فالرجال على الإطلاق قوّامون على النساء في الحياة الاجتماعية من غير فرق بين الزوج وغيره؟

وإليك دراسة تلك المواضع، بشرح مفرداتها وجملها:

1 ـ ما هو المراد من قوله سبحانه: «الرجال قوّامون على النساء» ؟

«قوّامون» جمع «القوام» وهو و «قيّم» وقيّام بمعنى واحد، والمراد أنّ الرجال قائمون بشؤون النساء قيام الولاة على الرعيّة في مجال التدبير والتأديب والذبّ عن التعدي إليهن.يقال:قام الرجل على المرأة: قام بشأنها وليس المراد من قيامهم بشأنهنّ هو انفاقهم عليهن لأنّه سبب الولاء لامورده كما يشير إليه فيما بعد بقوله:«وبما انفقوا من أموالهم » بل المراد هو القيام بسائر الشؤون ممّا تقوم عليه الحياة الاجتماعية التي تتوقف على العقل والتدبير، والقوّة والاستطاعة وقد فسرت الآية بنحو ما ذكرنا و إليك بعض الكلمات:

1ـ قال الطبرسي : إنّ الرجال قيّمون على النساء، مسلّطون عليهنّ في التدبير والتأديب.(1)


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان2/43.


(51)

2ـ وقال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:«الرجال قوّامون على النساء» أي الرجل قيّم المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا أعرجت.(1)

3ـ وقال الفيض في تفسيره: أي يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعيّة.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات المترادفة.

إنّ مرجع القيمومة هاهنا، ليس إلى تصويرهن كالمجانين والسفهاء والأطفال، وتكون قيمومة الرجال عليهن، كقيمومة الأب والجدّ إليهم بل مرجعها إلى قيمومة الوالي على الرعية، والدولة على الشعب وليس هنا من يتلقى ولاية الوالي عليه، نقصاً وتحقيراً، لأنّ الشعب المتفرق في البلد يحتاج إلى من يدبّر أمره ويؤدب خاطئه ويذبّ عن كيانه وشرفه وماله.ومثله العائلة فالبيت مجتمع صغير في مقابل البلد الذي هو مجتمع كبير والولاية عليه، كالولاية على الجماعة الكبيرة .

إذا عرفت مفاد القيمومة فلنرجع إلى الأمر الثاني من الأُمور الثلاثة.

2ـ ما هو ملاك القيمومة والسيطرة؟

إذا دلّت الآية على قيمومة الرجال على النساء فلابدّ لها من ملاك يبرّر تلك السلطة وإلاّ فهما فردان من طبيعةواحدة، مصداقان لهما وقد ذكر الكتاب العزيز، لها ملاكين أشار إليهما بقوله:« بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم».

فهذان الملاكان يختلفان في أنّ الأوّل موهوبيّ والثاني اكتسابي، بمعنى انّه سبحانه خصّهم بلا اختيار بفضيلة ثمّ هؤلاء قاموا بكسب فضيلة أُخرى.

الملاك الموهوبي

أمّا الملاك الخارج عن الاختيار فهو أنّه سبحانه فضّل الرجال على النساء في


1 ـ ابن كثير: التفسير:2/275.
2 ـ الفيض، تفسير الصافي:1/353.


(52)

مجالي التكوين والخليقة، والتشريع والتقنين.

ومع أنّ المراد هو تفضيلهم على النساء يقول سبحانه «بما فضّل الله بعضهم على بعض» ، والمقصود من البعض الأوّل هو الرجال ومن الثاني هو النساء، والتنوين في «بعض» عوض عن الضمير.وإنّما عبّر بهذا دون أن يصرّح مثل ما قلناه، لأجل إفادة أنّ الطائفتين داخلتين تحت نوع أو جنس واحد، مشاركتين في الإنسانية والبشرية ولكن فُضِّلَ بعض أفراده على البعض الآخر منه، وبذلك استطاعت الآية أن تحفظ شأن المرأة ومقامها وتفيد أنّ تفضيل الرجال عليها لايوجب دخولهما تحت طبيعتين أو جنسين متغايرين بل هما مع الوحدة في النوع والجنس يختلفان في العوارض والخصوصيات وهذا النوع من التعبير شائع في القرآن الكريم.

قال سبحانه:«أنّي لا أُضيعُ عَملَ عامِل مِنكُم مِن ذَكر أو أُنثى بَعْضُكُم مِن بَعض».(آل عمران/195).

ثمّ إنّ مجرى هذا التفضيل الذي يخبر عنه سبحانه إمّا التكوين أو التشريع، أمّا التكوين فيرجع إلى أمرين بهما فُضِّلَ الرجال على النساء، وهو العقل والإدراك، والقدرة والاستطاعة إذ لاشكّ أنّ عقول الرجال أكثر، كما أنّ قدرتهم على الأعمال الشاقّة أوفر، وليس هذا شيء ينكر ولو وجدنا هناك لفيفاًمن النساء يفضلن على لفيف من الرجال في العقل والتدبّر أو وقفنا على نساء لهنّ المقدرة والاستطاعة البالغة على أعمال شاقّة فلايكون ذلك ملاكاً لتفضيل النساء على الرجال فإنّ الملاك في القضاء هو الغلبة الساحقة والغالب على الرجال في مجال العقل والتدبير هو الزيادة على النساء فيهما، ولأجل ذلك فيهم من العقلاء ما ليس فيهنّ كما أنّ مقدرتهم على الأعمال الشاقّة أكثر، وبالجملة: الملاك المتوسطات من النساء و المتوسطون من الرجال .

1ـ قال الشيخ الطوسي: «والمعنى الرجال قوّامون على النساء بالتدبير


(53)

والتأديب لما فضّل الله الرجال على النساء في العقل والرأي».

2ـ وقال ال(1)طبرسي في تفسير قوله:«بما فضّل الله بعضهم على بعض»هذا بيان سبب تولية الرجال عليهنّ أي إنّما ولاّهم الله أمرهنّ لما لهم من زيادة الفضل عليهنّ بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم.(2)

3ـ وقال الزمخشري: إنّ الرجال يفضلون على النساء بالعقل والحزم والعزم والقوّة والفروسية، والرمي وأنّ منهم الأنبياء والعلماء وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى.(3)

هذا كلّه هو التفضيل في التكوين. وأمّا التفضيل في التشريع فالراجع إلى الفقه الإسلامي يجد هناك تفوقاً للرجال على النساء نشير إلى لفيف منه:

أـ وضع عنهنّ الصلاة والصوم في أيام خاصة لطروء الضعف عليهنّ في ميدان العمل.

ب ـ جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد وقال: «فَرجُلٌ وامرأتان»(البقرة/282).

ج ـ خاطب الرجال بالنفر والخروج، وقال:«انفِرُوا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدُوا بأموالِكُم وأنفُسِكُم فِي سبيلِ الله»(التوبة/41).

وخاطب النساء بقوله:«وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنّ » (الأحزاب/33).

د ـ جعل الطلاق بيد الزوج وقال:« الطلاق بيد من أخذ بالساق» والعدّة بيد النساء.

هـ ـ جعل ميراث الذكر مثل حظّ الأُنثيين.


1 ـ الطوسي: التبيان 3/ والغاية من نقل عبارته، هو آخرها لا أوّلها لما مرّ الكلام فيه والغرض بيان ملاك التفضيل.
2 ـ الطبرسي: مجمع البيان :2/13.
3 ـ الزمخشري : الكشاف:1/206.


(54)

وـ جعل دية المرأة نصف دية الرجل.

ز ـ رفع عنهنّ الجمعة والجماعة.

ح ـ خصّ الرجال بالنبوة والخلافة.

إلى غير ذلك من التشريع المختلف الحاكي عنتفضيل بعضهم على بعض.

الملاك الاكتسابي

هذا كلّه يرجع إلى التفضيل بالملاك الأوّل وأمّا التفضيل بالملاك الثاني أي الملاك الاكتسابي فإليه أشار بقوله:«وبما أنفقوا من أموالهم» فالانفاق بالأموال في الحياة اليومية وفي مجال المهر ومن المعلوم مزية المنفِق على المنفَق عليه.

إلى هنا تمّ بيان ملاك القيمومة، وعلمت أنّ أحدهما وهبيّ والآخر اكتسابي وأنّ مرجع الأوّل تارة هو التكوين وأمر الخلقة وأُخرى إلى التشريع الإسلامي المبني على مصالح واقعية وإنّما المهم هو بيان مجال الولاية وإطارها وأنّ قيمومة الرجل إلى أيّ مدى؟

وهنا نكتتان نلفت إليهما نظر القارئ قبل بيان حدِّها:

الأُولى:إنّ التشريع الإسلامي في مجال الرجل والمرأة يبتني على رعاية فطرتهما أوّلاً والمصالح الاجتماعية ثانياً، فلو رفع بعض التكاليف عنها فإنّما هو لأجل رعاية حالها أوّلاً أو المصالح الإجتماعية ثانياً، فهذا النوع من التشريع لايعني الإطاحة بمقام المرأة فلو رفع الجهاد عنه فلأجل أنّ طبيعة المرأة طبيعة عاطفية حساسة لايناسب الأعمال الشاقة البالغة الصعوبة، فلو جعل ميراثها نصف ميراث الرجل فلأجل مصلحة ملزمة في ميدان المعيشة فإنّ الرجل هو المتكفل في حياة العائلة وهو الباذل لكل ما يحتاجون إليه دون المرأة.

الثانية: إنّ رفع بعض التكاليف وإن كان يوجب حرمانها من الثواب والأجر


(55)

الأُخروي لكن الإسلام تداركه بوضع وظائف أُخرى على عاتقها لو قامت بها لأدركت الثواب الفائت من الجهاد مثلاً وهناك حوار، بين وافدة النساء والنبي الأكرم حيث عرّفت نفسها بأنّها وافدة النساء وقالت:بأبي أنت وأُمي إنّي وافدة النساء إليك واعلم نفسي لك الفداء أنّه ما من امرأة كائنة في شرق ولاغرب سمعت بمخرجي هذا إلاّ وهي على مثل رأيي.

إنّ الله بعثك بالحقّ إلى الرجال والنساء ف آمنّا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وأنّكم معاشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحجّ بعد الحجّ وأفضل من ذلك، الجهاد في سبيل الله وأنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربّينا لكم أموالكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟

فالتفت النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى أصحابه بوجهه كله، ثمّ قال:هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟

فقالوا: يا رسول الله ! ما ظننا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا.

فالتفت النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إليها ، ثم قال لها:إنصرفي أيتها المرأة، واعلمي من خلفكِ من النساء أنّ حسن تبعل إحداكنّ لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها موافقته، تعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً.(1)

و لأجل ذلك التدارك يصفهنَّ سبحانه بقوله: «فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغيبِ بِما حَفِظَ الله »(النساء/34).

فالصالحة عبارة عن القانتة، والمطيعة لزوجها إطاعة دائمة مهما أرادوا منهنّ ممّا له مساس بالتمتّع وسائر الجهات المرتبطة بشؤون الحياة الزوجية وهي في مقابل


1 ـ الدر المنثور:2/153.


(56)

قوله سبحانه:«واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ» (النساء/34).

«حافظات للغيب» أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه من النفس والمال. وإخراج الحكم والأمر بصورة الوصف آكد في الوجوب.

قوله:«بما حفظ الله» الباء للمقابلة، أي يقمن بما ذكر في مقابل ما حفظ الله لهم من الحقّ فأوجب عليهنّ الإطاعة وحفظ الغيب لهم.

3ـ سعة القيمومة وضيقها

إلى هنا فرغنا من الأمرين المهمين: إثبات القيمومة، وملاكها .

بقي الكلام في إطارها وسعتها وضيقها فنقول:

إنّ ملاك القيمومة ـ بعد الإمعان في الآية ـ يتلخّص في مجموع أمرين:

1ـ بما فضل الله الرجال على النسـاء في مجـال الإدارة والتدبير، والقـدرة والاستطاعة الجسمية.

2ـ بما يقومون من عمل الانفاق على النساء.

فالملاك مجموع الأمرين فلأجلهما للرجال قيمومة على النساء.

وعلى ذلك تتحدد القيمومة بالحياة الاجتماعية للعائلة. فلو كان أمراً فردياً، كالغزل والخياطة فلا ولاية له عليها، إذا لم يكن مانعاً عن تمكينها للاستمتاع. أو كان أمراً اجتماعياً ولكن خارجاً عن العلاقات الزوجية، كما إذا تصدى للوكالة عن الغير، والقضاء بين المتخاصمين الأجنبيين فهو خارج عن مفاد الآية لعدم ملاك للقيمومة في الغير، ولا في المتخاصمين على المرأة، حتى لا تصلح للوكالة والقضاء.

وبعد ثبوت اختصاص ملاك القيمومة بالأُمور الاجتماعية العائليّة.فهل تعمّ كل الأُمور ولوكان خارجاً عن إطار الزوجية أو تختص بهذا الإطار وهذا هو المهم؟

وبعبارة أُخرى: هل تختص الولاية بالعلاقات الزوجية ونظام العائلة؟ ففي كل أمر له صلة بهذا النظام، فالرأي هو رأي الزوج وله التسلط والسيطرة إلاّ إذا


(57)

خالف الكتاب والسنة، وأمّا الخارج عن هذا الإطار فلا، سواء كان راجعاً إلى الحياة الفردية لكل من الزوجين، أو راجعاً لكل من الرجال والنساء وإن لم تكن بينهما علاقة الزوجية سواء أكان من الأمور الفرديّة أم الاجتماعيّة ففيهاالرجل والمرأة سواء.

أو أنّها تعمّ لجميع المجالات الاجتماعية ولاتختصّ بالحياة العائلية ففي الجهات العامة الاجتماعية التي لها صلة بما فضل الله به الرجال على النساء، لهم قيمومة عليهنّ؟ وجهان:

يؤيد الوجه الأوّل:ـ مضافاً إلى مسألة الانفاق ـ سياق الآية، فإنّه بصدد بيان وظائف الزوجين وشؤونهما وإن كانت تستعين بلفظ الرجال والنساء لكن المقصود هو الزوجان يقول سبحانه:«ولكُلّ جَعَلْنا مَوالِيَ (1) مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربُونَ...» (النساء/33) أي لكل من الزوجين، فتأمل.

«الرّجالُ قَوّامُونَ على النساءِ... واللاّتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ...»(النساء/34).

«وإن خِفْتم شِقاقَ بَينهِما فَابعثُوا حَكماً من أهلهِ وحكماً مِن أهلِها»(النساء/35).

فالموضوع في الآيات، هو الزوجان، واعطاء القيمومة لواحد منهما، لايعني كونه قيّماً في خارج هذاالإطار.

ويؤيده أيضاً شأن نزولها الذي نقله المفسّرون:نزلت في امرأة نشزت على زوجها فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي فقال:أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لتقتصّ من زوجها فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه فقال النبي : ارجعوا فهذا جبرائيل أتاني وأنزل الله هذه الآية فقال:أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد


1 ـ الموالي:أي الأولى بالميراث.


(58)

خير ورفع القصاص .(1)

ويؤيد الوجه الثاني: أنّ مورد الآية وإن كان خاصاً لكن الملاك الذي فضّل به الرجال على النساء عام يعم كل جهة اجتماعية ترتبط بحياة الرجال والنساء فعموم العلّة يعطي أنّ الحكم المبنيّ عليها أعني قوله:«الرجال قوّامون على النساء»(النساء/34) غير مقصور على الأزواج بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلتين جميعاً فالجهات العامة الاجتماعية الّتي ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة والقضاء مثلاً إنّما تقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدّة وقوة التعقّل. كل ذلك ما يقوّم الرجال على النساء.

وعلى هذا فقوله: «الرجال قوّامون على النساء » ذو إطلاق عام وأمّا قوله بعد:«فالصالحات قانتات...» الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل وزوجته فهو فرع من فروع هذا الحكم المطلق وجزئي من جزئياته، مستخرج منه من غير أن يتقيد به إطلاقه.

ومع ذلك(2) ففي النفس من عمومية الحكم أو إطلاقه شيء وهو أنّ وقوع الحكم أعني: كون الرجال قوّامون على النساء في ثنايا الأحكام المربوطة بالزوجين، وكون الملاك الثاني للتفضيل والقيمومة هو الانفاق، المختصّ بالزوج، يصدّنا عن الحكم القاطع بإطلاقه.

وبعبارة واضحة:لو كان سبب القيمومة هو الوجه الأوّل أعني الرجاحة في العقل،والقوة في التدبير، والقدرة في الدفاع لكان كافياً في ثبوتها لهم مطلقاً ولكنّها ليست هي السبب الوحيد، بل منضمّة إلى الانفاق والقيام بتجهيز وسائل الحياة، وهو مختصّ بالزوجين. نعم لو كان كل سبباً مستقلاً لها، لعمت مطلق الرجال والنساء فلاحظ.

***


1 ـ مجمع البيان: 2/43 ط صيدا . نقله غيره أيضاً.
2 ـ الطباطبائي: الميزان: 4/365و366.

Website Security Test