welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(522)

البحث الثالث
القضاء بالشاهد واليمين

اتفقت كلمة الأصحاب على صحّة القضاء بالشاهد مع اليمين في الجملة ووافقهم في ذلك لفيف من غيرهم قال الشيخ :يحكم بالشاهد واليمين في الأموال عندنا وعند الشافعي ومالك على ما سنبيّنه، ويحكم عندنا بشهادة امرأتين مع اليمين دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

وقال في المبسوط: عندنا يجوز القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدّعي وبه قال جماعة وأباه آخرون، وقال بعضهم الترتيب ليس شرطاً بل هو بالخيار إن شاء حلف قبل شاهده وإن شاء بعده كالشاهدين من شاء شهد قبل صاحبه. والصحيح أنّه على الترتيب يشهد له شاهده ثم يحلف فإذا ثبت جواز ذلك فالكلام بعده فيما يقضى بها فيه وما لايقضى وجملته كلّ ما كان مالاً أو المقصود منه المال فالمال كالقرض والغصب والدين وقضاء الدين وأداء مال الكتابة وأمّا المقصود منه المال فعقود المعاوضات كالبيع والصرف والسلم والصلح والإجارة والقراض والمساقاة والهبة والوصية والجناية التي توجب المال كالخطأ وعمد الخطأ وعمد يوجب المال كما لو قتل ولده أو عبد غيره ...(2).

وقال ابن قدامة في المغني: وأكثر أهل العلم يرون ثبوت المال لمدّعيه بشاهد ويمين روى ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم، وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وأياس وعبد الله بن عتبة


1 ـ الطوسي: الخلاف:الجزء3، كتاب الشهادات، المسألة 7.
2 ـ الطوسي: المبسوط: 8/189.


(523)

وأبي سلمة بن عبد الرحمن ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك وابن أبي ليلى وأبي الزناد والشافعي.

وقال الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي والأوزاعي: لا يقضي بشاهد ويمين وقال محمّد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين نقضتُ حكمه لأنّ الله تعالى قال: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رََجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ»(1) فمن زاد في ذلك فقد زاد في النص، والزيادة في النصّ نسخ ولأنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر» فحصر اليمين في جانب المدّعى عليه كما حصر البيّنة في جانب المدّعي.

ولنا ما روى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم باليمين مع الشاهد الواحد. رواه سعيد بن منصور في سننه والأئمة من أهل السنن والمسانيد، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وفي الباب عن علي وابن عباس وجابر ومسروق، وقال النسائي: إسناد حديث ابن عباس في اليمين مع الشاهد إسناد جيد، ولأنّ اليمين تشرع في حقّ من ظهر صدقه وقوى جانبه ولذلك شرعت في حقّ صاحب اليد لقوّة جنبته بها وفي حقّ المنكر لقوّة جنبته فإنّ الأصل براءة ذمّته والمدّعي ههنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع اليمين في حقّه.

ولاحجّة لهم في الآية لأنّها دلّت على مشروعية الشاهدين والشاهد والمرأتين ولا نزاع في هذا ووقولهم إنّ الزيادة في النصّ نسخ غير صحيح لأنّ النسخ الرفع والإزالة، والزيادة في الشيء تقرير له لارفع والحكم بالشاهد واليمين لا يمنع الحكم بالشاهدين ولا يرفعه ولأنّ الزيادة لو كانت متصلة بالمزيد عليه لم ترفعه ولم تكن نسخاً وكذلك إذا انفصلت عنه.

ولأنّ الآية واردة في التحمّل دون الأداء ولهذا قال: «أَنْ تَضِلَّ إِحداهُما


1 ـ البقرة:282. ذكره أيضاً، الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل لأبي جعفر وهو أجاب عن الاستدلال لاحظ الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.


(524)

فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الأُخْرى» والنزاع في الأداء وحديثهم ضعيف(1) وليس هو للحصر بدليل أنّ اليمين تشرع في حقّ المودع إذا ادّعى ردّ الوديعة وتلفها وفي حقّ الأُمناء لظهور جنايتهم، وفي حقّ الملاعن وفي القسامة وتشرع في حقّ البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن، والسلعة قائمة وقول «محمّد» في نقض قضاء من قضى بالشاهد واليمين يتضمن القول بنقض قضاء رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم والخلفاء الذين قضوا به وقد قال الله تعالى: «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْليماً»«النساء/65) والقضاء بما قضى به محمّد بن عبدالله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أولى من قضاء محمّد بن الحسن المخالف له.(2)

وقد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السَّلام على صحّة القضاء بشاهد و يمين وحكوا قضاء رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم به وسيوافيك قسم منها. والمسألة عندنا إجماعية لا خلاف في أصلها .

نعم يقع الكلام في أُمور:

1 ـ هل يشترط تقدّم الشهادة على اليمين أو لا ؟

قد عرفت نصّ الشيخ على الترتيب وقال المحقّق :ويشترط شهادة الشاهد أوّلاً، وثبوت عدالته ثم اليمين ولو بُدِئ باليمين وقعت لاغية وافتقر إلى إعادتها بعد الإقامة.(3)

والظاهر عدم دليل صالح لإثبات شرطية التقدّم غير وجوه ذوقية أشبه بالاستحسان أما النصوص فلسان أكثرها، شهادة رجل واحد ويمين، بتقديم الرجل على اليمين(4) ولفيف منها على العكس: باليمين مع الشاهد


1 ـ الحديث ليس بضعيف، نعم هو ليس بحاصر .
2 ـ المغني: 12/10.
3 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع:4/92، واختاره ابن ادريس أيضاً في السرائر لاحظ: 2/140.
4 ـ الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم: الحديث 1ـ 12، 14، 17، 18.


(525)

الواحد(1)وقد جاء الشـاهد في لسان أبي حنيفة متقدّماً على اليمين تارةً ومتأخّراً أُخرى(2).

وهذا يعرب، عن عدم تبادر الترتيب مضافاً إلى الإطلاقات المتضافرة فلو كان الترتيب شرطاً، لكان على القائل البيان، وإنكار كون المتكلّم في هذه الروايات الكثيرة في مقام البيان، كما ترى خصوصاً في معتبرة داود بن الحصين(3).

أضف إلى ذلك، أنّ العناية باليمين مع الشاهد الواحد، هو لأجل كسب الاطمئنان بصدق المدّعي فإنّ الإيمان بالله، ربّما يصدّ الإنسان عن الحلف بالكذب، وعلى هذا لا فرق بين تقدّم اليمين أو تأخّره.

ومع ذلك فقد ذكروا وجوهاً لشرطية الترتيب نظير:

أـ المدَّعي وظيفته البيّنة لا اليمين بالأصالة فإذا أقام شاهداً صارت البيّنة التي هي وظيفته ناقصة وتتمّمها اليمين بالنصّ بخلاف ما لو قدم فإنّه ابتدأ بما ليس وظيفته ولم يتقدّمه ما يكون متمّماً له.(4)

يلاحظ عليه بوجهين:

1 ـ أنّه محجوج بالإطلاقات، الدالّة على عدم الفرق.

2 ـ أنّ اساس الاستدلال، كون اليمين متمّماً له، وأمّا إذا كان في عرض الشاهد، كما هو مقتضى بعض التعبيرات، فلا وقد عرفت أنّ العناية باليمين بكسب الاطمئنان بصدق مقالة المدّعي، وعندئذ لا فرق بين التقدّم والتأخّر.

ب ـ إذا قدم الشاهد يقوى جانب المدّعي، وإنّما يحلف من يقوى جانبه


1 ـ الوسائل: 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم: الحديث13، 15، 16، 19، 20.
2 ـ المصدر نفسه الحديث: 13، 17.
3 ـ الوسائل: 18 الباب 24 من أبواب الشهادات،الحديث 35.
4 ـ زين الدين العاملي: المسالك:2/418.


(526)

كما أنّه(المدّعي) يحلف إذا نكل المدّعى عليه لأنّ النكول قوّى جانب المدَّعي.

يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على كون الشاهد أصلاً واليمين فرعاً حتّى يتقوى الشاهد باليمين وامّا إذا كان كلّ على وزان واحد فلا والحقّ أنّ هذه الوجوه التي لم نذكر بعضها لا تعدّ دليلاً قاطعاً أمام الإطلاقات الماضية الّتي لم يرد فيها لزوم الترتيب.

ثم إنّه تظهر الثمرة في كون اليمين أصلاً أو تبعاً فيما لو رجع الشاهد عن شهادته فعلى القول بأصالة كل من الشاهد واليمين يغرم الشاهد النصف، ولكن على القول بأصالة الشهادة وأنّ اليمين شرط أو متمّم، فيغرم الكلّ، شأن كلّ شاهد يرجع عن شهادته، بعد صدور القضاء.

2 ـ تحديد حجّيتهما من حيث المورد :

قد اختلفت كلماتهم في تحديد المورد، إلى أقوال:

فمن قائل باختصاصهما بالدين، إلى قائل بشمولهما العين، إلى ثالث(كالطوسي في المبسوط) بعموميّتهما لما كان مالاً أو يقصد منه المال كالدين والقرض والغصب والالتقاط والاحتطاب والأسر وما يقصد به المال كما في المعاوضات كالبيع والصرف والصلح والإجارة والقراض والهبة والوصية والجناية الموجبة للديّة كالخطأ المحض، وعمد الخطأ وقتل الوالد ولده، والحرّ العبد، وكسر العظام، وضابطه ما كان مالاً أو المقصود منه المال فلا يشمل القصاص، إلى رابع،بشمولهما لحقوق الناس كلّها في مقابل حقوق الله ولا بأس بنقل بعض الكلمات و قد مرّت بعضها:

قال ابن الجنيد: وقد روي أنّ النبيّ قضى بشاهد واحد ويمين المدّعي وألزم الحقّ المدّعى عليه وذلك في الأموال وما جرى مجراها دون الحدود.(1)


1 ـ المختلف: 4/182.


(527)

قال المفيد: ويجب الحكم بشهادة الواحد مع يمين المدّعي في الأموال بذلك قضى رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم.(1)

قال الشيخ: إذا شهد لصاحب الدين شاهد واحد، قبلت شهادته، وحلف مع ذلك وقضى له به وذلك في الدين خاصّة، ولا يجوز قبول شهادة واحد والحكم بها في الهلال والطلاق والحدود والقصاص وغير ذلك من الأحكام.(2)

وقال في الاستبصار عند محاولة الجمع بين الروايات :فلا تنافي بين هذه الأخبار، والأخبار الأولة لأنّ هذه الأخبار وإنّ كانت عامّة في أنّ رسول الله قضى بذلك ولم يبيّن فيما فيه قضى فينبغي أن نحملها على الأخبار المتقدّمة المفصّلة بأن نقول إنّه قضى بذلك في الدين على ما تضمّنته الروايات الأولة والحكم بالمفصّل أولى منه بالمجمل.(3)

وقد عرفت كلام الشيخ في الخلاف والمبسوط حيث صرّح فيهما على حجّيتهما في المال أو المقصود منه المال.

وقال الحلبي: ويقوم شهادة الواحد ويمين المدّعي في الديون خاصّة مقام الشهادة الكاملة.(4)

وقال سلاّر: وشهادة واحد، وهو في رؤية هلال شهر رمضان، وفي الديون مع يمين المدّعي.(5)

وقد نسب القول بالاختصاص إلى ابن زهرة في الغنية(6) والكيدري في


1 ـ المفيد: المقنعة: 727.
2 ـ الطوسي: النهاية: 334، و ذيل العبارة شاهد على أنّ مراده من الدين، هو المال حيث استثنى أمثال الهلال والطلاق، لا البيع والإجارة.
3 ـ الطوسي: الاستبصار باب ما يتحوّر فيه شهادة الواحد مع يمين المدّعي: 3/33.
4 ـ الحلبي: الكافي: 438.
5 ـ سلاّر: المراسم: 233 طبع بيروت.
6 ـ ابن زهرة : الغنية المطبوع ضمن الينابيع: 11/195.


(528)

الأصباح(1) وقد عبرا عن المسألة بعبارة واحدة وهي:

«وإن احضر شاهداً واحداً، أو امرأتين قال له الحاكم تحلف مع ذلك على دعواك...» وليس فيها أيّ إشارة إلى المورد فضلاً عن التصريح بالدين.

وقال ابن ادريس: تقبل شهادة الشاهد الواحد مع يمين المدّعي في كلّ ما كان مالاً أو المقصود منه المال»(2).

وقال العلامة: وأعلم أنّه لا منافاة بين كلام شيخنا في النهاية وغيرها لأنّ مقصوده من الدين المال فإذا قبل في المال قبل فيما كان المقصود منه المال وكان ذريعة إلى تحصيله.(3)

ويتسرّب هذا الاحتمال إلى كلام الحلبي والديلمي ويكون القول الثالث هو المتفق عليه. كما لا يخفى.

وعلى كلّ تقدير فالاختلاف في المسألة مستند إلى الروايات ولابدّ من دراستها. ثم نتخذ موقفاً حاسماً في المسألة.

أقول: إنّ لسان الروايات على وجوه:

الأوّل: ما يدلّ أو يستظهر منه أنّ القضاء به يختصّ بمورد الدين وإليك ما يدلّ عليه:

1 ـ روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال كان رسول اللهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين ولم يجز في الهلال إلاّ شاهدي عدل». (4)


1 ـ الكيدري: اصباح الشيعة: 533.
2 ـ ابن ادريس: 2/140 ونسب إلى الشيخ أنّه عدل عما في النهاية، في استبصاره بل عدل في خلافه ومبسوطه.
3 ـ العلامة: المختلف: 4/184.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(529)

2 ـ روى حمّاد بن عثمان قال سمعت أبا عبد الله يقول:« كان علي ـ عليه السلام ـ يجيز في الدين شهادة رجل ويمين المدّعي» (1) والحقّ أنّ الدين فيهما من قبيل المورد، وهو لا يخصص، نعم هناك ما يدلّ على اختصاص الحكم بالدين.

3 ـ روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن الرجل يكون له عند الرجل الحقّ وله شاهد واحد قال: فقال: «كان رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحقّ وذلك في الدين». (2)

4 ـ روى القاسم بن سليمان قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ يقول: قضى رسولالله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده». (3)

فإنّ قوله: «وذلك في الدين» أو قوله: «في الدين وحده» يدل على اختصاص الضابطة به وإلاّ لكان يعبّر بما في الأوليين.

5 ـ ما رواه داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في حديث مفصّل يقول فقلت: فانى ذكر الله تعالى:«ورجل وامرأتان» فقال:« ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان، فرجل وامرأتان، ورجل واحد ويمين المدّعي إذا لم تكن امرأتان قضى بذلك رسول الله وأمير المؤمنين بعده عندكم». (4)

وبما ذكرنا يعلم ضعف ما ربّما يقال بأنّ المورد غير مخصّص وأنّ القضاء بهما في الدين أو جوازه لايقتضي عدم القضاء ولاعدم جوازه بغيره (5) فإنّ ما ذكره إنّما يناسب الأوليين، دون غيرهما فإنّ لسانهما، لسان التحديد والحصر لوكان الدين بالمعنى المقابل للعين.

الثاني: ما يدلّ على الجواز في العين.

روى عبد الرحمان بن الحجّاج عن أبي جعفر في حديث مفصّل أنّ علياً وجد


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث3، 5، 10.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث3، 5، 10.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث3، 5، 10.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب الشهادات، الحديث 35.
5 ـ الجواهر: 40/274.


(530)

درع طلحة في يد عبد الله بن قفل التميمي فقال له عليّ: هذه درع طلحة اخذت غلولاً يوم البصرة فرضياً بقضاء شريح فلمّـاحضرا عنده قال شريح لعلي ـ عليه السلام ـ : هات على ما تقول بيّنة فأتى الحسن فقال شريح: هذا شاهد واحد ولا أقضي بشهادة شاهد حتّى يكون معه آخر ـ إلى أن قال ـ فغضب علي عليه وقال ...ثم أتيتك بالحسن فشهد فقلت هذا واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتّى يكون معه آخر، وقد قضى رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بشهادة واحد ويمين. (1)

ومعنى ذلك أنّه كان على شريح القضاء في مورد الدرع الذي هو العين، بشاهد ويمين، وما أفاده صاحب الجواهر من أنّ الإمام أنكر على إطلاق قول شريح: «ما أقضي إلاّ بشاهد آخر معه» لا على عدم قضائه في المورد بهما، ضرورة عدم كون خصوص المقام مما يكتفي فيه بالشاهد واليمين من الوالي. (2) غير تام لكونه على خلاف ظاهر الرواية لأنّ ظاهرها هو تنديد الإمام بعدم تطبيقه الضابطة على المورد وما في ذيل الرواية من قوله: «ويلك ـ أو ويحك ـ أنّ إمام المسلمين يؤمن من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا» لا يدلّ على أنّ ذمّ الإمام كان متوجّهاً على إطلاق كلام شريح، لا على عدم قضائه بهما في المورد، وذلك لأنّه لا منافاة أن يكون الذم لأجل أمرين ذكرهما الإمام تدريجاً وإن كان الخطب حسب الوجه الثاني أعظم، ولأجل ذلك قال في الجواهر أنّ شريحاً كان مخطئاً أزيد من وجوه ثلاثة (وهذا رابعها) وأنّ اقتصاره ـ عليه السلام ـ على الثلاثة حسب فهم شريح.

ومع ذلك يمكن رفع الاختلاف بين اللسانين بأنّ المراد من الدين هو المال، فإنّ الدين وإن كان يطلق في مقابل العين في مصطلح الفقهاء لكن لا يبعد، أن يراد منه مطلق المال. قال ابن منظور في اللسان: «كل شيء غير حاضر دين» فيعمُّ العينَ الغائب، وقال الطريحي: «اقض عنّي الدين: حقوق الله وحقوق العباد»


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.
2 ـ الجواهر: 40/273.


(531)

فاستعمل الدين في الحقوق، قال سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْن إِلى أَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ الله فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَقِّ اللّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً ـ إلى أن قال: ـ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَة حاضِرَةً تُديرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها»(البقرة /282).

فقد فسّر الدين بالسلم والقرض. (1) وقال الطبرسي: «وظاهر الآية يقع على كلّ دين مؤجّل سلماً كان أو غيره وعليه المفسّرون والفقهاء وقال ابن عباس باختصاص الآية بالسلم». (2) وغير الحاضر في السلم، هو العين وربّما يكون موجوداً في المخزن دون المجلس وبذلك يرتفع الخلاف، وقد تقدّم عن العلاّمة أنّه فسّر الدين في كلام الشيخ بالمال. وبذلك رفع الخلاف بين كلماته.

الثالث: ما جاء فيه لفظ «مع يمين صاحب الحقّ»

روى منصور بن حازم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال:«كان رسول الله يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق» (3) .وهذا القسم من الروايات قابل للحمل على صاحب المال حملاً للظاهر على الأظهر، أو المطلق على المقيّد ويؤيّده ما ورد في باب ردّ المنكر اليمين على المدّعي (4) فقد ورد فيه صاحب الحقّ و اريد به، المال، الأعم من الدين والعين وقال سبحانه: «فإن كانَ الذي عليهِ الحقُّ سَفِيهاً أو ضَعِيفاً» (البقرة/282) فالمراد منه صاحب المال.

الرابع: ما يحدّد الموضوع بحقوق الناس، أو في مقابل الهلال وعلى هذا فالموضوع أوسع مما ذكر سابقاً ويؤيّده وجوه.

1 ـ روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: «لو كان الأمر إلينا أجزنا


1 ـ تفسير الجلالين: 63.
2 ـ الطبرسي: مجمع البيان: 1/397.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2 ولاحظ الحديث 8، 14.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم.


(532)

شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق الله عزّ وجلّ أو رؤية الهلال فلا». (1)

فإنّ مقتضى هذا القسم بل القسم السابق ـ إذا لم يفسر بصاحب المال، عموم ذلك لكل حقّ للناس حتّى القصاص وحقّ الشفعة والخيار ونحوها لا خصوص المال، نعم تخرج الشهادة على الهلال الذي لا وجه للحلف عليه من حيث إنّه كذلك من أحد، وكذا غيره من الموضوعات العامّة التي لاحقّ بالخصوص فيها لأحد مثل حقوق الله تعالى التي هي أيضاً لا دعوى لأحد بالخصوص فيها(2).

2 ـ ما جاء في رواية محمّد بن مسلم كان رسول الله يجيز في الدين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدين ولم يجز في الهلال إلاّ شاهدي عدل (3) فإنّ هذا الحديث يستثني الهلال، والحديث السابق استثنى حقوق الله، وكأنّهما يدلاّن على أنّ الباقي يثبت بهما.

3 ـ ما مضى في القسم الثالث من الروايات، حيث حدّد الموضوع بيمين صاحب الحقّ.

4 ـ مرسلة يونس عمّن رواه قال: استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدّعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه». (4) فالمتبادر منه أنّ الشاهد واليمين مثل ما تقدّم يثبت بهما، ما يثبت بما تقدّم.

5 ـ يستفاد من التأمّل في النصوص أنّ اليمين الذي مع الشاهد، هو يمين


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث12.
2 ـ الجواهر: 40/274.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم الحديث1.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم الحديث4.


(533)

المنكر الذي إن شاء ردّها على المدّعي وحينئذ يكون الميزان ما يثبت بهما (1) .

و لكن المساعدة مع إطلاق الوجه الرابع مشكلة، إذ من القريب أن يكون المقصود من حقوق الناس هو الأُمور المالية فلا تشمل الحقوق المحضة كحقّ الحضانة والوارد في الرواية الأُولى لمحمّد بن مسلم و إن كان هو حقوق الناس لكن الوارد في ثانيتها هو «صاحب الدين» و عند ذلك تنطبق الروايات على الضابط المشهور: ما كان مالاً أو المقصود منه المال. (2)

نعم سيوافيك أنّ الضابطة أوسع ممّا ورد في هذه العبارة و إن لم يكن على سعة الوجه الرابع فانتظر.

ثم إنّ كل من ردّ القضاء بالشاهد واليمين، كالحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل وأبي حنيفة وتلميذه محمّد بن الحسن، استدلّوا بأنّ الوارد في الذكر الحكيم هو العدلان أو الرجلان أو رجل وامرأتان قال سبحانه: «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَ أَشْهِدوا ذَوَي عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَهادَةَ للّهِ»(الطلاق/2) وقد استدلّ بها ابن عتيبة وابن كهيل كما في الرواية (3) وقال سبحانه: «وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتان مِمَّنْ تَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ أَن تضلّ إِحداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الأُخْرى»(البقرة /282) كما استدلّ بها محمّد بن الحسن الشيباني أيضاً على ما نقله ابن قدامة في المغنى (4) .

والجواب عن الاستدلال بهما من وجهين:

الأوّل :إنّ مورد الآيتين ، هو مقام التحمّل، لا الأداء، ويشهد لذلك مضافاً


1 ـ استخرجنا هذه الوجوه من كلام صاحب الجواهر لاحظ: 41/274.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/92.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.
4 ـ ابن قدامة ، المغني: 12/10.


(534)

إلى قوله: «واشهدوا» و«استشهدوا» ، قوله سبحانه: «أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأُخرى» .

الثاني : ما قاله الإمام في جواب الرجلين عند الاستدلال بالآية الأُولى حيث قال قول الله: «وأشهدوا ذوي عدل منكم» هو لا تقبلوا شهادة واحد ويميناً؟ وكأنّه يريد أنّ التشريع الأوّل لا ينفي التشريع الثاني فمن الممكن أن يكون كلاهما نافذين، وبه أيضاً أجاب ابن قدامة، استدلال الشيباني كما نقلناه ويحتمل أن يكون كلامه ـ عليه السلام ـ ناظراً إلى ماذكرناه في الجواب الأوّل من أنّ الآية ناظرة إلى مقام التحمّل لا إلى مقام الأداء، والقضاء بشهادة رجل ويمين، راجع إلى المقام الثاني، فلا صلة للآية بمقام الأداء.

المقياس في كون الدعوى مالية:

ثمّ بعد القول باختصاص الأدلّة بالأمور المالية فقط يقع الكلام في تحديد الدعوى الماليّة التي يثبت بهما فهنا وجهان:

الأوّل: لو ادّعى مالاً على شخص بسبب من الأسباب، سواء كان السبب يقصد منه المال نوعاً أو لا، بل يكفي كونه مستتبعاً له في ذلك المورد ففي تلك الموارد يحتجّ بالشاهد واليمين. وعلى ذلك ،يثبت بهما دعوى الدين والغصب، والبيع والإجارة، القراض والهبة، حتّى النكاح والخلع والطلاق والرجعة والعتق والتدبير والكتابة والنسب والوكالة والوصيّة إليه وعيوب النساء بشرط أن يدّعي أمراً مالياً لأجل ادعاء هذه العناوين من غير فرق بين كون المدّعى نفس المال كالدين والغصب، أو يقصد منه المال نوعاً، كالبيع والإجارة والهبة أو لا يقصد منه إلاّ استتباعاً كالنكاح والخلع والطلاق، وذلك أخذاً بإطلاق الأدلّة وهذا هو الأظهر عندنا.

الثاني: ما ذكره الشيخ الطوسي في المبسوط و المحقّق في الشرائع من


(535)

تخصيصه بما إذا كان مالاً أو كان المقصود منه مالاً نوعاً،و أمّا إذا لم يكن المقصود منه المال و إنّما يستتبع المال فلا.

وعلى ضوء ذلك تقسّم العناوين إلى أربعة:

1 ـ يكون المدّعى نفس المال كالدين والقرض والغصب أو ما يقصد به المال (نوعاً)، كما في المعاوضات كالبيع والصرف، والصلح، والإجارة، والقراض والهبة والوصية له والجناية الموجبة للدية كالخطأ وعمل الخطأ وقتل الوالد لولده وكسر العظام، والجائفة والمأمومة.

2 ـ ما يتردّد بين كونه داخلاً في الضابطة أو خارجاً كالنكاح فبما أنّ المقصود منه التناسل وسكون النفس فهو خارج عن المقسم، وبما أن ّالمدّعي إذا كان زوجة فهي بطرح الزوجية تدّعي المهر والنفقة.

3 ـ ما هو خارج عن الضابطة كالخلع والطلاق، والرجعة والعتق والتدبير والكتابة والنسب والوكالة والوصيّة إليه وعيوب النساء.

4 ـ ما استشكل في خروجه ودخوله كالوقف، لأجل الشكّ في أنّ الوقف هل ينتقل إلى الموقوف عليهم، أم ينتقل إلى الله، أو التفصيل بين الانحصار فالأوّل وعدمه فالثاني، أو يبقى في ملك الواقف.

والظاهر عدم الدليل على الضابطه الواردة في كلام المحقّق «ما كان مالاً أو كان المقصود منه مالا» بل الضابط كل ادّعاء مالي يستند إلى سبب من الأسباب، سواء كان السبب مما يقصد منه المال نوعاً، أولا يقصد منه إلاّ استتباعاً وعلى ضوء ذلك فلو ادّعت الزوجة النكاح، لغاية طلب النفقة والمهر، يثبت بهما وإن كان النكاح مالا يقصد منه المال نوعاً، ومثله إذا ادّعى الزوج الخلعَ لأجل تملّك المهر، أو ادّعت المرأةُ الرجعةَ لغاية النفقة وبذلك تقف على أنّ التقسيم الرباعي الوارد في كلامه غير مفيد. بعد عموميّة القاعدة، لكلّ ادّعاء مالي مستند إلى ادّعاء سبب، سواء كان السبب ممحضاً في ثبوت المال أو لا.


(536)

ولأجل عدم الدليل على الضابطة ذكر صاحب الجواهر أنّهافي غاية التشويش والسبب فيه هو أنّ الضابط المزبور لم نجده في شيء من النصوص وإنّما الموجود فيها عنواناً للحكم «حقوق الناس» بعد عدم تقييدها بنصوص الدين.

بقي هنا أمران:

الأوّل: هل الشاهد واليمين يثبت بهما المال فقط أو يثبت العناوين من البيع والإجارة وغيرهما؟ الظاهر هو الأوّل، لظهور الأدلّة في ثبوته خاصّة وعلى ذلك لو ادّعى أنّه باع حيواناً بثمن كذا، وأقام شاهداً مع اليمين يثبت الثمن على ذمّة المشتري ولا يثبت الخيار المختصّ بالحيوان وممّن التفت إلى ذلك، الشهيد في الروضة قال: «ينبغي القطع بثبوت المال كما لو اشتملت الدعوى على الأمرين في غيره كالسرقة فانّهم قطعوا بثبوت المال». (1) و هو متين ولو قلنا بسعة دليل الشاهد مع اليمين وشموله لكل ادعاء مالي على ما عرفت وعدم اختصاصه بالضابطة التي ذكرها المحقّق، فإنّه لا يثبت بهما العناوين، كالنكاح والزوجة والنسب حتّى يترتّب عليها آثارها.

الثاني: قد عرفت أنّ المحقق استشكل في الوقف وذكرنا وجه تردّده لكن الحقّ هو التفصيل بين الوقف العام كالوقف على الفقراء والطلاّب والزوّار، والوقف الخاص كالوقف على الأولاد، فالمالك في الأوّل هو العناوين الكلّية لا الأفراد الخارجية منهم، ولذلك لا يصحّ لهم إقامة الدعوى على العين الموقوفة، لأنّهم ليسوا بمالكين ولا متولّين، نعم يصحّ للحاكم إقامة الدعوى وإثباتها بشاهد ويمين وليس عمل الحاكم من قبيل إثبات مال الغير بحلفه، لما عرفت من ولايته على أموال الفقراء وغيرهم.

وأمّا الوقف الخاص، فيصحّ حلفهم لكونهم مالكين للأصل والمنفعة، غاية الأمر ليس لهم بيع الموقوفة وتبديلها، ومن ثمّ صحّ لهم الحلف.


1 ـ الجواهر: 40/279.


(537)

إذا ادَّعت جماعة مع الشاهد الواحد

إذا ادّعت جماعة مالاً عند رجل انتقل إليهم بسبب خاص كالإرث، يكفي الشاهد الواحد في المقام لأنّ شهادته تنحلّ إلى شهادات حسب تعدّد الأفراد، و أمّا الحلف، فلا يكفي حلف واحد منهم، وإنّمايثبت حقّ الكلّ بحلف الجميع، لأنّها تنحلّ إلى دعاوي متعدّدة.

وقد نقل صاحب الجواهر عن المقدّس البغدادي كفايةَ الحلف الواحد و يُحمل على ما إذا كان المدّعي وليّاً، أو حاكماً حيث إنّ له حقّ إقامة الدعوى للمولّى عليه واحداً كان أو كثيراً و إلاّ فهو بظاهره غير صحيح.

ولو افترضنا حلف البعض دون الآمر يثبت بمقدار سهم الحالف و هل المأخوذ له، أو لا؟ فهنا وجوه و احتمالات:

1ـ يكون المأخوذ مشاعاً و مشتركاً بين الحالف و الناكل سواء كان المدّعيبه عيناً، أو ديناً.

2ـ التفصيل بين العين فيكون المأخوذ مشاعاً، دون الدين بل يختصّ بالحالف.

3ـ يختصّ بالحالف و يُحْرم الناكل مطلقاً، سواء كان المدّعى به عيناً أو ديناً.

ولكلّ وجه:

أمّا الأوّل: فإنّه لا إشكال في الاختصاص بالحالف إذا باع سهمه من المدّعى عليه أو وهبها من غيره أو أبرأ ذمّة الغريم منه، إنّما الكلام فيما إذا قبضَ حصّته من العين أو الدين فبما أنّه يعترف بالشركة يكون المقبوض مشاعاً بينه و بين الناكل وبالجملة هو يعترف بأنّ ما يأخذه جزء من المال أوالدين المشاع بينه و بين غيره و معه كيف يختصّ بالحالف؟!


(538)

وأما الثاني وهو التفصيل بين العين والدين فوجهه أنّ العين مشتركة بينهما، و إفراز الغريم، لا يخرجها عن الإشاعة من دون رضا الشركاء فتبقى على إشاعتها، و هذا بخلاف الدين فإنّ ذمّة الغريم مشغولة بكلّ واحد من الشركاء على نحو الاستقلال فإفراز سهم واحد منهم، يتوقَّف على نيّة الدافع، و ذلك لأنّ المفروز ملك للدافع بالأصالة، وإنّما يخرج عن ملكه إذا أدّاه بنيّة الدين، فلو أخرجه عن ملكه بنيّة أنّه سهم الحالف يكون ملكاً له، و يتشخّص جزء من الدين الكلّي في المقبوض.

والحاصل فرق بين العين و الدين، فإنّ تقسيم الأولى، و تشخّص مال كلّواحد في المقبوض يتوقّف على رضا المشاركين و لايكفي رضا الدافع، إذ لا دور له في إفراز مال الغير المشخّص، و هذا بخلاف الدين فإنّ ذمّته مشغولة بكلّ واحد منهم بمقدار سهمه، و ليس إفراغ ذمّته بالنسبة إلى واحد منهم، متوقّفاً على إفراغها من الفرد الآخر و تعيّن جزء من ماله، يتوقّف على تمليكه و المفروض أنّه ملّكه للحالف، دون الآخر و كون أصل الدين مشتركاً أو مشاعاً، لايمتنع تعيّن ما دفعه للحالف.

وأمّا الثالث: فما ذكر في الدين لا غبار عليه، لكن الكلام في اختصاص المقدار المقبوض من العين للحالف و وجهه أنّ العين و إن كانت مشاعة ولا تخرج عن الإشاعة بنيّة الدافع، لكن لمّا كان في وسع الناكل أن يحلف و يستنقذ سهمه و لكنّه امتنع بلا وجه يكون حكم الحاكم في مورد تمّت الحجّة فيه للحالف، تقسيماً قهرياً للعين المشاعة لأنّ المفروض أنّه يحكم بأنّ المقبوض للحالف، دون الناكل، و معنى صحّة الحكم هو التقسيم القهري.

أضف إلى ذلك أنّه لولاه يلزم الضرر على الحالف لعدم إمكان أخذ حقّه بدون إذن الشركاء.

وماذكرناه من تعيّن المأخوذ للحالف من الدين يطابق القاعدة و لا يخالفه


(539)

ما ورد في باب الشركة من أنّه إذا قبض أحد الشريكين ما جعل له، شاركه الآخر فيما قبضه أعني ما روي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ سئل أبو جعفر عن رجلين بينهما مال، منه بأيديهما. و منه غائب عنهما فاقتسما الذي بأيديهما، و أحال كلّ واحد منهما من نصيبه الغائبَ فاقتضى أحدهما و لم يقتض الآخر قال: ما اقتضى أحدهما فهو بينهما ما يذهب بماله.(1)

وذلك لأنّ القدر المتيقّن من الرواية ما إذا أدّى الدافع بما أنّه مال للشركة و عندئذ لا يتشخّص للقابض و إلاّ فلو أدّى بما أنّه سهمه دون سهم الآخر، لكان المقبوض له.

ثمّ إنّ نكول الشريك الآخر، من الحلف ليس مثل نكول المدّعي من الحلف حيث يكون حكم الحاكم فيه بمعنى براءة ذمّة المدّعى عليه من الدين و هذا بخلاف المقام، فإنّ الامتناع من الحلف بمعنى إيقاف المحاكمة و تأخيرها إلى وقت آخر حتّى يأتي بالشاهد الثاني و لأجل ذلك لو مات الناكل، قام وارثه مقامه فلو حلف مع سبق الشهادة يثبت حقّه. و لا يضرّ الفصل.

شرائط نفوذ اليمين في القضاء بالشاهد و اليمين

ذكر المحقّق لنفوذ اليمين شرطين:

أحدهما: أن يحلف بما يعرفه يقيناً.

ثانيهما: لا يثبت باليمين مالاً لغيره.

أمّا الأوّل فقد تضافرت الروايات على أنّه لا يحلف الرجل إلاّ على علمه (2)


1 ـ الوسائل: الجزء 13، كتاب الشركة، الباب 6، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 22 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 1ـ4.


(540)

إنّما الكلام في معنى العلم، فهل المراد منه العلم الوجداني أي العلم حسب اصطلاح المنطقيين و هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع أو المراد الأعم منه و من الحجّة الشرعية كالبيّنة، و اليد والاستصحاب، و إن استشكل صاحب الجواهر في الأخير و قال:«لعدم العلم المعتبر في الحلف الذي لم يثبت قيام نحو ذلك مقامه في الفرض بل لعلّ الثابت خلافه».(1) وقد أفتى المحقّق بجواز الشهادة تعويلاً على الاستصحاب وعلى ذلك لا فرق بين الحلف و الشهادة خصوصاً إذا قلنا بأنّه من الأُصول التنزيلية، التي ينزل فيها المؤدّى منزلة الواقع. والله العالم.

وأمّا الثاني فدليله انصراف أدلّة اليمين مطلقاً و خصوص قوله ـ عليه السلام ـ في المقام: «مع يمين صاحب الحقّ أو مع يمين طالب الحقّ»(2) إلى ذلك أي كون اليمين لصالح الحالف، لا لغيره.

وقد فهم المحقّق و غيره من هذه الروايات إثبات الملك لنفسه، و لكن أنّ الموضوع أوسع منه بل كلّ من تصحّ منه إقامة الدعوى، يصحّّ منه الحلف سواء أثبت الملك لنفسه أو لغيره الذي له صلة به في مورد الدعوى وعلى ضوء ذلك يصحّّ الحلف من وليّ الطفل و المجنون و متولّي الوقف و الحاكم بالنسبة إلى الأموال العامّة، كالزكوات والأخماس والإمام و أمّا التعبير عن الحالف بصاحب الحقّ و طالبه فهو وارد مورد الغالب أو المراد منه من له صلة له بحيث يعدّ صاحبَه و طالبَه و الشاهد على ذلك، إن الإمام أقام الدعوى على من استولى على درع طلحة، بما انّه ولي أُمور المسلمين وأموالهم، ولو كان شريح واقفاً بالضابطة و طلب من الإمام الحلف بعد إقامة الشاهد الواحد، لما امتنع الإمام منه، مع أنّه لم يكن يثبت الملك لنفسه وبما ذكر تنحل مشكلة المدير العامل في الشركات الكبيرة، حيث يتمتع باختيارات منها إقامة الدعوى لصالحها فلو أقام شاهداً


1 ـ الجواهر: 40/282.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 8و9.


(541)

و حلف، فلا يثبت المال لنفسه بل للشركة بما أنّه مديرها و متولّيها، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المناط صحّة إقامة الدعوى و أن لايكون الحالف بالنسبة إلى مورد الدعوى أجنبيّاً فاقداً للمسؤولية و بذلك يظهر أنّ ما أفاده السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة غير تامّ. قال: إذا كان المدّعي قيم الصغير أو المجنون و أقام شاهد واحداً ليس له الحلف بل يتوقّف إلى أن يبلغ الصغير و يفيق المجنون وإن اقتضت المصلحة طي الدعوى بالمصالحة مع المدّعى عليه جاز.(1) و من المعلوم أنّ الإيقاف ربّما ينتهي إلى ضرر المولّى عليه.

لو ادّعى غريم الميّت مالاً له على آخر

لو ادّعى غريم(2) الميّت مالاً له على آخر مع شاهد.

أقول: إنّ للمسألة صوراً:

1ـ أن يكون الدين غير مستوعب.

2ـ أن يكون الدين مستوعباً و قلنا بانتقال التركة إلى الورثة غاية الأمر تكون التركة رهناً في مقابل الدين.

3ـ بقاء التركة في ملك الميّت أو في حكم ملكه.

فعلى الأوّل و الثاني يتوجّه اليمين إلى الوارث لأنّه صاحب الحقّ و طالبه و مالكه و لا تصل النوبة إلى الغريم (الدائن) والحلف لأجل إثبات الملك للحالف و أمّا على الثالث فالوارث والغريم بالنسبة إلى الدين متساويان كما مرّ و توهّم عدم نفوذ يمين الوارث لأنّ المحلوف به إثبات المال للغير (الميّت) لا يضرّ لما


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/95.
2 ـ المراد من الغريم هنا هو الدائن، و يستعمل أحياناً بمعنى المديون و قد نصّ الجوهري في الصحاح و الفيروز آبادى في القاموس على أنّه من الأضداد.


(542)

عرفت من كفاية كون الحالف مأموراً بالأخذ و الدفع ، فإنّ المتولّي لأُمور الميّت و تحصيل دينه و صرفه في مواضعه هو الولد، فيجوز حلفه و لأجل ذلك يجوز له أداء الدين من الخارج وإن كان الدين مستوعباً و لأنّه إذا أبرأه الغريم يكون الدينله.

ومثله الغريم ، فيصحّّ له الحلف لأنّ الغاية من إثبات الملك للميّت هو تملّكه و لأجل ذلك يجب اقتران الحلف على مالكيّة الميّت للدين، بشيء يدلّ على أنّ له حقّاً في ذمّة الميّت حتّى يكون الدين المحلوف به، له في النهاية و بذلك يظهر إتقان ما ذكره السيّد الطباطبائي حيث صحّح يمين كلّ من الوارث و الغريم و قال بجواز حلف الوارث مطلقاً مستوعباً كان الدين أو لا و لو قلنا ببقاء ما يقابل الدين على ملك الميّت أو على حكم ملكه في الدين غير المستوعب، فضلاً عن المستوعب الذي يكون الكلّ على ملكه ثمّ علّل جواز حلف الوارث بأنّ له تعلّقاً ـ إلى أن قال ـ إنّ ما ذكر من عدم جواز حلف الغريم إنّما هو إذا حلف على أنّ المال للميّت و أمّا إذا حلف على أنّ له حقّاً في استيفاء دينه من هذا المال فلا نسلّم عدم جوازه، لأنّه حينئذ حلف على حقّ نفسه و إن لم يثبت به كونه مالاً للميّت.(1)

كما ظهر الضعف في كلام المحقّق حيث قال: وإن امتنع الوارث لم يحلف الغريم. وقد عرفت أنّهما في مقابل الدين المستوعب سواسية.

نعم لو امتنع الوارث في الدين غير المستوعب فهنا وجهان:

1ـ يحلف الغريم.

2ـ يقوم الحاكم مكان الوارث و يحلف، و ذكر في الجواهر احتمالاً ثالثاً و هو أنّه للغريم إحلاف المدّعى عليه، لأنّ له تعلّقاً بذلك فإن أحلفه برأ من


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/96.


(543)

الغريم، و لم يبرأ من الوارث.(1)

إذا ادّعى الورثة ديناً لمورّثهم على أحد (2)

إذا ادّعى الورثة ديناً لمورّثهم على أحد و أقاموا شاهداًواحداً و حلفوا ثبت حصصهم، و إن امتنع البعض عنالحلف، لم يشارك الباقين، لما عرفت من تعيّن الحصص في مال مشخص، يتوقّف على نيّة الدافع، و المفروض أنّه دفع بما أنّه سهم الحالف، لا السهم المشترك بين الحالف و الناكل و قد تقدّم.

ولو كانت للميّت وصيّة في مورد الدين يثبت بالحلف(3) و ذلك لأنّهامن غير فرق بين كونها عهدية أو تمليكية.

أمّا الأُولى كأن يوصي بشيء من تركته لزيد، و يلحق بها الإيصاء بالتسليط على حقّ و أمّا الثانية كأن يوصي بما يتعلّق بتجهيزه أو باستئمار الحجّ أو الصلاة أو نحوهما . نعم لا موضوع للقسم الثالث للوصيّة و هو الوصيّة الفكيّة كأن يوصي بفكّ ملك كالإيصاء بالتحرير، لأنّ المفروض أنّ المشهود به، هو الدين لا العين حتّى يتحقّق فيها الإيصاء الفكيّ.

ثمّ إنّ الموصى له لو كان شخصاً معيّناً، أو أشخاصاً معيّنين، يحلفون و يأخذ كلّ حصّته و إن كانوا غير محصورين كما إذا كان الموصى له هو نوع الفقراء، فمن المحتمل، حلف الحاكم إذا كان عالماً و اختار السيّد الطباطبائي أنّه لابدّ من ثبوتها بشاهدين أو رجل و امرأة. لخروج المورد عن الضابطة و فيه تأمّل يعلم ممّا سبق.

ولو كان بين الورثة مولّى عليه لصغر و نحوه قال المحقّق: يوقف نصيبه فإن كمل و رشد حلف و استحق ّالمال و إن امتنع لم يحكم له. وإن مات قبل ذلك


1 ـ الجواهر: 40/283.

2 ـ قد تقدّم نظير المسألة في قوله: «إذا ادعت جماعة مع الشاهد الواحد».
3 ـ أي حلف الموصى له.


(544)

كان لوارثه الحلف و استيفاء نصيبه(1) .

يلاحظ عليه:ـ مضافاً إلى انتهاء ذلك إلى ضياع حقّ الصغير ـ أنّه يكفي في الحلف كون الحالف مسؤولاً في مورد المال، كالوصي واليتيم و الحاكم فيكفي حلفهم.

مسائل ثلاث:

ذكر المحقّق في المقام مسائل خمس ونحن نذكر منها ثلاثاً، لخروج الباقي عن مورد الابتلاء في زماننا هذا.

المسألة الأُولى:

فيما إذا ادّعى بعض الورثة وقفية الدار للأولاد

إذا كان الوارث جماعة فادّعى بعضُهم أنّ المورِّث وقف عليهم بعضَ أعيان التركة كالدار مثلاً و أقاموا شاهداً واحداً ليضمُّوا إليه اليمين وقلنا بثبوت الوقف ـ كما سيوافيك ـ بشاهد و يمين فله صور سيأتي بيانها و لنذكر أُموراً تلقى الضوء على المسألة:

1ـ ربّما يتصوّر أنّ الحاجة للحلف لأجل وجود من ينكر الوقف من الورثة في جميع الصور و ذلك لأنّه لو كانوا متّفقين على الوقف ثبت الوقف عليهم بلا يمين لصحّة إقرارهم بما في أيديهم و إليه أشار الشيخ في المبسوط قال : وإنّما تفرض المسألة إذا كانت مع البنين (المدّعين) غيرهم لأنّه لو لم يكن غيرهم يثبت الدار وقفاً عليهم بلا يمين.(2)

قلت: إنّ الحاجة إلى اليمين لأجل دفع تعلّق الديون و الوصايا بها، و اتّفاقهم على الوقفية لا يغني عن الحلف.وعلى ذلك يمكن تصوير الصور الآتية


1 ـ المحقّق الحلّي، الشرائع: 4/93.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/195.


(545)

بلا منكر.

2ـ إنّ الداعي لإدّعاء الوقفية ربّما يكون علمهم بكون الدار وقفاً وخوفهم من الله إذا سكتوا او أنكروا و ربّما يكون الداعي قطع يد الديّان أو الأوصياء عنها حتّى لا يتعلّق بها حقّهم، و يؤدّي الديونُ من سائر التركة لو كانت.

3ـ إنّ الكلام في المقام على القول بكفاية الشاهد و اليمين في إثبات الوقف قال الشيخ: فمن قال ينتقل إلى الموقوف عليه قال يثبت بالشاهد واليمين، لأنّه نقل ملك من مالك إلى مالك، و من قال ينتقل إلى الله لا إلى مالك قال: لا يثبت إلاّ بشاهدين لأنّه إزالة ملك إلى الله كالعتق. (1) و قدمرّ إثبات كفايتهما في إثبات المال دون العنوان (الوقف) و لكن لمّا كان إثبات المال في المقام متّحداً مع إثبات العنوان، لا بأس بثبوته بهما و إن لم نقل بالإثبات في سائر العناوين.

4ـ إنّ الوقف ينقسم إلى وقف الترتيب و وقف التشريك، فلو قالوا إنّه وقف علينا، و بعدنا على أولادنا فهو وقف ترتيبي و لو قالوا وقف علينا و على أولادنا بحيث يشارك أولادُ الأولاد مع الطبقة الأُولى فهو وقف تشريكي.

5ـ قد قدّم المحقّق الكلام في الأوّل(وقف الترتيب) و نحن نقتفيه وجعل للمسألة صوراً ثلاثاً:

الف: إذا ادّعى بعض الورثة، ولكن في مقام الحلف حلف الجميع.

ب: إذا ادّعى بعض الورثة، و امتنع الجميع عن الحلف.

ج: إذا ادّعى بعض الورثة، فمنهم من حلف و منهم من لم يحلف.

وإليك الكلام في جميع الصور:

الصورة الأُولى: قال المحقّق: فإن حلف المدّعون مع شاهدهم قضى لهم.(2)

ويترتّب على ذلك خروج الدار عن تعلّق حقّ الديّان بها، و لا يقضى منها


1 ـ الطوسي، المبسوط:8/195.
2 ـ المحقّق الحلّي، الشرائع: 4/93.


(546)

الوصايا فإن كانت للميّت تركة غيرها، تتعلّق الديون و الوصيّة بها و يُقسم الباقي على أسهم الإرث.

ثمّ إذا انقرضوا فهل تحتاج الطبقة الثانية إلى الحلف أو تثبت عليهم وعلى سائر الطبقات بحلف الطبقة الأُولى؟ قال في المسالك : وجهان مبنيان على أنّ البطن الثاني يتلقّون الوقف من البطن الأوّل أو من الواقف فإن قلنا بالأوّل ـ و هوالأشهرـ فلا حاجة إلى اليمين كما إذا أثبت الوارث ملكاً، بشاهد و يمين ثمّ مات فإنّ وارثه يأخذه بغير يمين ـ إلى أن قال: ـ و إن قلنا بالثاني، لم يأخذ إلاّ باليمين كالبطن الأوّل.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر أنّ كلّ طبقة يتلقّى من الواقف و ما ذكره من أنّ الأشهر الأخذ من الطبقة الأُولى لمأتحقّقه و مع ذلك كلّه يكفي حلف الطبقة الأُولى، و ذلك لأنّ المحلوف به هو الوقف الذُريّ و هو أمر واحد مستمرّ و على ذلك جرى المحقّق حيث قال في أوائل المسألة الثالثة :«و لا يلزم الأولاد بعد انقراضه يمين مستأنفة لأنّ الثبوت الأوّل أغنى عن تجديده» ولعلّ مقصوده من الثبوت الأوّل هو ما ذكرناه من أنّ الوقف أمر مستمرّ، و ثبوته عين ثبوت الاستمرار و لأجل ذلك أضاف المحقّق و قال: « وكذا إذا انقرضت البطون و صار إلى الفقراء أوالمصالح»وجه عدم الحاجة هو أنّ ثبوت الوقفية يلازم الاستمرار فإذا كان المحلوف به هو كون البيت وقفاً لهم ثمّ على الفقراء بعد انقراض النسل، يثبت كونه وقفاً لهم فلا حاجة إلى اليمين.

الصورة الثانية: و هي ما إذا نكل الجميع عن اليمين قال المحقق: و إن امتنعوا حكم بها ميراثاً يقضي منه الديون والوصايا و كان نصيب المدّعين (الجميع) وقفاً نعم لو كان بين الورثة منكر، فلا يكون تحت يده وقفاً و لو ماتوا تكون حصّة كلّ واحد وقفاً أخذاً بإقرار آبائهم بأنّ البيت وقف و عدم حلفهم لا


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/420.


(547)

يضرّ بإقرارهم فلا يحتاج إلى اليمين لأنّ الواصل إلى كلّ مدع للوقفية أمر لا منازع فيه فيكفي الإقرار من كلّ بطن بأنّ ما في يده وقف، و يكون حجّة للبطن الآخر.

ومن هنا يعلم عدم الحاجة إلى عنوان فرع آخر وهو ما في المسالك قال: وهل للأولاد أن يحلفوا على أنّ جميع الدار وقف؟ وجهان من كون الأولاد تبعاً لآبائهم فإذا لم يحلفوا لم يحلفوا، و من أنّهم يتلقّون الوقف من الواقف فلا تبعية(1)، لماعرفت من أنّ الإقرار بلا منازع يكون حجّة على الإنسان و من خلفه إلاّ أن يكون الحلف لأجل قطع يد الديّان وغيره.

الصورة الثالثة: و هي ما إذا اختلفوا في اليمين (لا في ادّعاء الوقفية) فمنهم من حلف و منهم من لم يحلف قال المحقّق: ثبت نصيب الحالف وقفاً، و كان الباقي طلقاً يقضي منه الديون و يخرج الوصايا، و ما فضل ـ يكون ـ ميراثاً . وما يحصل من الفاضل للمدّعين، يكون وقفاً.

وكلامه هذا يشير إلى أُمور:

1ـ نفترض أنّ الورّاث ثلاثة بين حالف و ناكلين ، فميراث الحالف يكون وقفاً، لأنّه أقام شاهداً و حلف و لا يتعلّق به الدين و الوصايا.

2ـ الباقي كالثلثين إذا كان الناكلان ذكرين يكون ميراثاً لهما حسب الظاهر يخرج منه الديون و الوصايا و ادّعاء الناكلين الوقفية لا يؤثر في منع إخراج الديون والوصايا، ما لم يحلفوا فلأجل ذلك، تقدّم الديون و الوصايا على التقسيم ، و أمّا باقي التركة ففيها احتمالات:

أ: يقسّم بين الناكلين حسبَ سهامهم فلو كانوا إخوة، يقتسمان ثنائياً و ليس للناكلين التصرّف فيما بأيديهم حسبَ إقرارهم و إلى ذلك يشير المحقّق بقوله: و ما يحصل من الفاضل للمدّعين يكون وقفاً..


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/420.


(548)

ب: يُقسَّم بين الجميع حتّى الحالف ، قال في الجواهر: كما هو ظاهر بعض بل عن بعضهم التصريح به لاعتراف غيرهم من الورثة باشتراكه بينهم أجمع فيؤخذون بإقرارهم ويقسّم على الحالف و غيره.

يلاحظ عليه: ـ كما في الجواهر ـ أنّهم إنّما يعترفون بالاشتراك في الجميع و أنّ ما أخذه الحالف بالوقفية إنّما استحقه بالإرث، و الحالف أيضاً معترف لهم بذلك، فلا وجه لاشتراكه في الباقي. والحاصل أنّ اعترافهم بالشركة مقيّد، بكون ماأخذه الحالف جزء من الشركة، فإذا استولى عليه أحد الورّاث و لو باسم الوقف، فقد أخذ حقّه في نظر الباقين فليس لهم اعتراف في هذه الحالة.

ج: يقسم بين الناكلين، لكن لو زاد نصيبهما إرثاً على نصيبهما وقفاً يكون الزائد مجهول المالك، كما إذا كان الحالف ذكراً، و الناكلان انثى فلو كانت الدار وقفاً تقسّم بين الثلاثة بالسوية و يكون لكلّواحد ثلثها و لو كانت الدار ميراثاً، تقسم أرباعاً، فللحالف ربعان، و لكلّ واحد من الناكلين ربع فيزيد سهم كلّ من البنتين على الوقف عمّا تستحقان على الإرث، فلو افترضنا الدار اثني عشر سهماً، يكون سهم كلّ بنت على الوقفية أربعة سهام و على الميراث ثلاثة، فكلّ سهم من سهام البنتين يكون مجهول المالك لأنّ كلاً من الحالف والناكلين يردّه أمّا الحالف لأنّه يدّعي الوقفية وقد أخذ سهمه و عليها نقسَّم الدار بالسوية و أمّا الناكلان فيدّعيان الميراث، فميراث كلّ بنت بمقدار الربع و هو أقلّ من الثلث.

3ـ إذا مات أحد الناكلين انتقل ما أقرّ بوقفيته، إلى الحالف دون ورثتهما، لأنّه مقتضى إقرارهما بالوقف الترتيبي.

4ـ إذا مات الحالف انتقل ماأثبته من ثلث الدار إلى الناكلين.

***

Website Security Test