welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(500)

صيرورة المنكر مدّعياً

قال: ولو ادّعى المنكر الإبراء أو الإقباض فقد انقلب المنكر مدّعياً، والمدّعي منكراً فيكفي المدّعي (الأوّل) اليمين على بقاء الحقّ ولو حلف على نفي ذلك كان آكد لكنّه غير لازم.

هذا هو المعروف المطابق للقاعدة ولا كلام فيه إنّما الكلام في بعض صور المسألة وهو أنّه إذا أتى المدّعي بالبيّنة أو استمهل القاضي في إحضار البيّنة، وإلاّفيكون مدّعياًوالمدّعي الأوّل منكراً ولكن للقاضي إحلاف المدّعي الأوّل رضي المدّعي الثاني به أو لا، أمّا إذا رضي فواضح وأمّا إذا لم يرض وأراد إيقاف الدعوى بحجّة أنّه صار مدّعياً والحلف حقّ للمدّعي أوّلاً وله الانصراف عن دعواه وإيقافها ثانياً، فلاتسمع لبطلان دليليه أمّا الأوّل فلما مرّمن أنّ الحلف حكم شرعي وأداة شرعية لإنهاء الخصومة، والمخاطب به هو القاضي، فله طلب البيّنة من المدّعي، والحلف من المنكر حتّى تنتهي الخصومة وأمّا كون الاستحلاف حقّاً للمدّعي فلم يثبت كما مرّ نعم له أن يرغب عن استمرار المحاكمة ويرفع اليد، لا أنّه حقّ له وسيأتي الكلام في إعراضه عن استمرارها في المقام.

وما في صحيحة عبد الله بن يعفور عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال:«إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه، فاستحلفه فحلف أن لا حقّ له قبله ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له»(1)فليس ظاهراً في أنّه حقّ للمدّعي، بل مفاده أنّه لو أراد استمرار المحاكمة، فله إحلافه لا أنّ الإحلاف حقّ له غاية الأمر له الإعراض عن استمرارها فينتفي الحلف لا لإعراض صاحب الحقّ عن حقّه، بل لانتفاء الموضوع.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، وقريب منه حديث النخعي في الباب 10 من تلك الأبواب الحديث 1.


(501)

وأمّا الثاني أي الإعراض عن الاستمرار في المقام فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان المدّعي بادئاً، لا ما إذا كان منكراً، ثمّ صار مدّعياً بادّعاء سقوط الحقّوبعبارة أُخرى، حقّ الإعراض لمن يدّعي ثبوت الحقّ، لا سقوطه وإلاّ يلزم الفوضى في القضاء الإسلامي وكلّ منكر بسلوك هذا الطريق يُنهي المخاصمة لصالحه وهو كما ترى.

كلّما تسمع الدعوى بلا بيّنة يتوجه معه اليمين

إنّ الدعوى على قسمين :قسم لاتسمع بلا بيّنة كالحدود، فليس فيها اليمين وقال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :«ادرأوا الحدود بالشبهات، ولا شفاعة ولاكفالة ولايمين في حد».ّ(1) وقسم تسمع الدعوى بلا بيّنة ويجب على المدّعى عليه، الجواب بنحو من الأنحاء السابقة: الإقرار، الإنكار، أو عدم العلم به.

ولكن قد سبق انّ سماع الدعوى على وجه الإطلاق ولو فيما دلّت القرائن على بطلانها مشكل جدّاً مثلاً لو ادّعى أرذل الناس، حقّاً على أشرفهم بحيث تشهد مكانة المدّعى عليه على أنّه أرفع من الدعوى التي أُقيمت عليه، فما دلّ على سماع الدعوى منصرف عن هذه الصورة وربّما يكون غرض المشتكي من إقامة الدعوى إهانة الطرف الآخر.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه إذا توجّه اليمين على المنكر، فله أن يحلف، وإلاّ فإن نكل أو ردّ اليمين على المنكر، فيحلف المدّعي. وهذا ممّا لاغبار عليه في الجملة:

ثمّ إنّ هنا اختلافاً في القضاء باليمين في موردين:

الأوّل : في القضاء باليمين المردودة مطلقاً أو في بعض الموارد .


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 4 ولاحظ روايات الباب.


(502)

توضيحه: أنّ واجب المدّعي تارة هوالإتيان بشاهدين ولايكفي الإتيان بشاهد وامرأتين، وأُخرى، يكفي كلّ واحد منهما وعندئذ يقع الكلام في يمينه فهل تقوم يمينه، مقامها في كلا القسمين أو تقوم مكان القسم الأخير وأمّا ما لايقضى فيه إلاّ بشاهدين، فلاتكفي فيه اليمين المردودة.

الثاني: هل تختصّ اليمين المردودة بالأموال أو تعمّ الحقوق؟ وإليك الكلام في الأمرين:

أمّا الأوّل، فقد قال الشيخ :

إذا نكل المدّعى عليه، ردّت اليمين على المدّعي في سائر (1) الحقوق وبه قال الشعبي والنخعي والشافعي.وقال مالك إنّما تردّ اليمين فيما يحكم به بشاهد وامرأتين دون غيره من النكاح والطلاق ونحوه.

ثمّ استدلّ الشيخ بما ورد في قتل عبد الله بن رواحة في خيبر لما ادَّعت الأنصار على أنّ اليهود قتلوه فقال لهم النبيّ : تحلفون خمسين يميناًوتستحقون دم صاحبكم فقالوا من لم نشاهده كيف نحلف عليه فقال: «يحلف لكم اليهود خمسين يميناًفقالوا إنّهم كفّار» فنقل النبي من جانب المدّعي إلى جانب المدّعى عليه وهذا حكم بردّاليمين عند النكول وكانت الدعوى في قتل العمد. والدماء لا يحكم فيها بشاهد وامرأتين.(2)

أمّا الثاني: فهل هي حجّة في مورد الأموال، أو يعمّها والحقوق كدعوى العتق والنسب والنكاح والطلاق والرجعة والفيئة في الإيلاء ذهب المحقق إلى حجّيتها في الأموال والحقوق وقال: «وكلّ ما يتوجّه الجواب عن الدعوى فيه، يتوجّه معه اليمين» أي كلّ مورد تسمع الدعوى بلا بيّنة و يستحقّ بها الجواب عن الخصم يتوجّه اليمين على المنكر، والحقوق كالأموال تسمع فيها الدعوى بلابيّنة.


1 ـ الظاهر انّ السائر: بمعنى الجميع.
2 ـ الطوسي: الخلاف: الجزء3 ، كتاب الشهادات، المسألة 39.


(503)

وقال العلاّمة :ويحلف الكامل في إنكار المال والولاء والرجعة والنكاح والظهار والإيلاء.

قال السيّد العاملي في شرح عبارة العلاّمة: أنّه يحلف في كلّ ما تتوجّه فيه الدعوى وتصحّ في حقوق الناس ويُلْزم المدّعى عليه بالجواب بالإقرار والإنكار بحيث لو أقرّ بمطلوبها ألزم به ـ إلى أن قال: ـ ونبّه بهذه الأمثلة على خلاف بعض العامّة لأنّ منهم من لا يرى اليمين في غير المال ومنهم من لايراها إلاّفيما لايثبت إلاّ بشاهدين ذكرين.(1)وقد عرفت ضعف التفصيل فيه وأمّا التفصيل بين الأموال والحقوق،فترده إطلاقات الباب .(2) نعم ورد في بعض روايات الباب إنّ الله حكم في دمائكم بغير ما حكم به في أموالكم، حكم في أموالكم إنّ البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه...(3)لكن المراد من الأموال هو غير الدماء بشهادة أنّ اليمين على المدّعي مختصّة بالدماء.

استدل الخصم على أنّها مختصّة بالأموال، قالوا إنّ المطلوب من التحليف، الإقرار أوالنكول ليحكم به، والنكول نازل منزلة البذل والإباحة ولا مدخل لهما في هذه الأبواب أي غير باب الأموال.

أقول: ما ذكره اجتهاد في مقابل الإطلاقات.

وعلى كلّ تقدير، فإنكار النسب والحلف عليه إنّما تصحّ إذا ترتّب عليه أثر كوجوب النفقة والتحريم والإرث لامطلق النسب وأمّا الظهار والإيلاء، فإن ادّعتهما المرأة فتسمع ، لتضمّنها الأثر وهو أنّها تطلب حقّها كالدخول في أربعة أشهر ويتوجّه عليه الجواب بأحد الوجوه الماضية وإن ادّعاهما الزوج فتسمع بلابيّنة لأنّه ممّا يرجع إليه ومن ملك شيئاًملك الإقرار به.


1 ـ العاملي، مفتاح الكرامة:10/107.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم ،الحديث 3.


(504)

وأمّا الطلاق فإن ادّعته الزوجة فلا تسمع بلا بيّنة ويتوجّه الجواب على الزوج بأحد الوجوه وأمّا إذا ادّعاه الزوج فتسمع بلا بيّنة لأنّه من ملك شيئاً ملك الإقرار به.

ومع ذلك كلّه فالقضاء باليمين في مطلق الحقوق ابتداءً و ردّاً لايخلو من منع وقد أشرنا إليه سابقاً، وإليك الإشارة لبعض الموارد الممنوعة:

1ـ إذا ادّعى رجل زوجيّة امرأة فانكرت كان عليها الحلف لا الردّ لأنّ ردّها إلى الرجل تعبير آخر عن الالتزام بزوجيتها للمدّعي إذا حلف ، مع أنّها تعتقد بكونها أجنبية.

2ـ القضاء بنكول المرأة عند الحلف على عدم كونها زوجة للمدّعي فإنّ القضاء بالنكول ـ على القول به ـ إنّما يصحّ إذا صحّ الردّ، لاماإذا كان في الردّ محذور كما في المقام فلايقضى بالنكول.

3ـ إذا ادّعى الزوج الرجعة في العدّة بعد انقضاءها وأنكرت، فلها الحلف وليس لها الردّ لاشتماله على المحذور السابق.

4ـ إذا ادّعت الطلاق وأنكر الزوج، فليس للزوج ردّ اليمين فإنّ في ردّها إلى الزوجة نوع اعتراف بطلاقها وأنّه يجوز لها التزويج من رجل آخر إذا حلفت، مع انّه يدّعي زوجيتها.

فإن قلت: كيف جاز للمنكر ردّ اليمين إلى المدّعي فيما إذا كان المدّعي به ديناً أو عيناً مع أنّ فيه أيضاً نوع اعتراف على أنّ الحق حقّه وأنّه مديون ...؟

قلت: إذ غاية ما يلزم من ردّ اليمين إلى المدّعي تخلية السبيل للمدّعي الحالف لأن يتصرّف في ماله فلو كان هناك عصيان فإنّما يتوجّه على المدّعي الحالف، لا على المنكر الرادّ ، وهذا بخلاف ما إذا ردّت المرأة المنكرة للزوجيّة اليمين على الزوج، فانّ مرجعه إلى تسليم نفسها للمدّعي للتمتّع المحرّم القائم بها.


(505)

مسائل سبع:

المسألة الأُولى: في الدعوى على الوارث

1ـ إذا ادّعي على الوارث، بالدين على مورّثه ،فصحّة الادّعاء واقعاً تتم بتحقق شروط أربعة:

1ـ موت المورّث;

2ـ اشتغال ذمّته بالدين;

3ـ كون المدّعى عليه وارثاً له;

4ـ تركه مالاً في يده. فلو فُقِدَ واحد من هذه الشروط لما صحّ الادّعاء واقعاً ومنه تعلم حال مقام الإثبات، فلاتصحّ إقامة الدعوى عليه، إلاّ بادّعاء العلوم الأربعة على الوارث: أنّه عالم بموته ،ودينه للمدّعي، وكونه وارثاً له، وتركه مالاً في يده، ولو جَهل واحداً منها وصدّق المدّعي جهله به لماصحّت إقامة الدعوى عليه.

و هنا سؤال و هو أنّه ما الفرق بين إقامة الدعوى على الميّت، و الدعوى على الوارث، حيث إنّه لا تتوجّه اليمين على الوارث في الصورة الأُولى، بخلاف الثانية، فإنّه لا يترك الوارث إلاّ باليمين على عدم كون مورّثه مديوناً.

والجواب واضح، ففي الأُولى يُصدِّق المدّعي، جهلَ الوارث بأحد الشروط السابقةوبالأخص كون المورّث مديوناً فلأجله، لايتوجّه الحلف على الوارث لعدم النزاع في عدم علمه ويتوقّف تنجّز الدعوى على البيّنة وحلف المدّعى على ما في الخبر(1)، بخلاف المقام فالمدّعى علم الوارث بدينه وسائر الشروط وتصحّ عندئذ إقامة الدعوى عليه وإن لم يكن مع المدّعي بيّنة ولايمين ولأجل ذلك قال المحقّق :«ولو ساعد المدّعي على عدم أحد هذه الأُمور لم يتوجّه» وقال في الجواهر :


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(506)

لميتوجه له عليه دعوى فضلاً عن اليمين.

3ـ إنّ المحقّق حسب مختاره في المسألة السابقة، فصّل في كيفية الحلف بين فعل الغير كموته واشتغال ذمّته بالدين، وفعل النفس ككون المال في يده، فاكتفى في الأوّل بالحلف على نفي العلم دون الثاني فألزم الحلف على الميّت، وقال:لو ادّعى عليه العلم بموته ، أو بالحقّ كفاه الحلف أنّه لايعلم . نعم لو أثبت الحقّوالوفاة وادّعى في يده مالاً حلف الوارث على القطع.(1)

يلاحظ عليه: بما ذكرناه سابقاً وهو أنّ كيفية الحلف تتبع كيفية الإنكار من غير فرق بين فعل النفس وفعل الغير،وكون المحلوف عليه فعل الغير، لايلازم عدم العلم به، كما أنّ كونه فعل النفس لايلازم العلم به.

وبما أنّه لاتصحّ إقامة الدعوى على الوارث إلاّ بادّعاء العلم عليه، يصحّّ الحلف على عدم العلم، حلفاً بتيّاً حسب ما يُدّعى عليه. وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله:«بل لايبعد في الوارث وغيره الإلزام بيمين البتّ التي هي الأصل لو فرض الجواب به على وجه ادّعى أنّه عالم بذلك ويترتّب عليه حكم النكول».(2)

4ـ قد علمت أنّ تنجز الدعوى يتوقّف على ثبوت الأُمور الأربعة وعلم الوارث به فعندئذ فهل تجب عليه، أيمان متعددة، حسب تعدّد الادّعاء أو تكفي اليمين الواحدة؟ والظاهر هو الثاني، لكفاية نفي واحد منها في سقوط الدعوى عن التنجّز من دون حاجة إلى التعدّد.

المسألة الثانية: الدعوى في الحدود

قال المحقق: لاتسمع الدعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة.


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/90.
2 ـ الجواهر:40/252.


(507)

وذلك لأنّ من شرائط الدعوى أن يكون المدّعي مستحقاً لموجب الدعوى كأن يكون مالكاً، أو ولياً أووكيلاً أو وصيّاً على نحو يُصحح إقامة الدعوى وأمّا الحدود فإنّها حقّ الله تعالى، ولاصلة لها بالناس، والمستحقّ لم يأذن في الدعوى ولم يطلب الإثبات بل أمر بالخلاف حيث قال: إدرأوا الحدود بالشبهات.(1) وقال: فوالله لتوبته فيما بينه وبين الله أفضل من إقامتي عليه الحدّ (2) ولايعدّقبولها مع البيّنة دليلاً على صحّة إقامة الدعوى بل القبول لأجل ثبوتها بها.

وهنا وجه آخر لعدم سماع الإدّعاء في الحدود مجرّداً عن البيّنة، و ذلك لأنّ قبوله بلا بيّنة يستلزم توجّه الحلف على المنكر، مع أنّه تضافرت الروايات على عدم اليمين في الحدود.(3)

أقول: كان على المحقّق استثناء موردين:

1ـ من عليه إصلاح البلاد وتطهيرها من الفساد كالمحتسب المتولّي من السلطان العادل فإنّ وظيفتهم فوق وظيفة المتطوّع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا شاهدوا دبيب الفساد في المجتمع، وإن كان تحت الستار، فعليهم سدّ الفساد بالأسباب الشرعية التي منها إقامة الدعوى على رجال العيث والفساد، لغاية تطهير الأرض من الضلال، فلو لم يكن لغيرهم حقّ إقامة الدعوى، لكن لهؤلاء بماأنّه انيط بهم إصلاح العباد والبلاد ، حقّ إقامة الدعوى ثمّ الإتيان بالشهود، وإن لم يكن لغيرهم مثل هذا الحق.نعم إذا لم يكن شهود يخلّى المدّعى عليه سبيله بلا يمين.

وإن شئت قلت: إنّهم أُمناء الله في أرضه ونوّابه بين الناس فهم مأذونون من صاحب الحقّ في إقامة الدعوى قال الإمام:«اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 16 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2و غيره.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب الحدود.


(508)

كان منّا منافسة في سلطان، ولا التماس شي ء من فضول الحطام، ولكن لنري المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطّلة من حدودك».(1)

2ـ إذا كان العمل المحرّم جناية على المشتكي كما إذا زُنى بها بعنف أو عن طوع وكانت المرأة ذات بعل، فكون حدّ الزنا من حقوق الله لايمنع الزوج عن إقامة الدعوى في المحاكم وقد عرفت أنّ لولي الصغيرإقامة الدعوى لصالحه عند التعدّي عليه، ولو كان الزوج وسائر الناس في المورد سواء، فكيف جاز له قتل من زنى بزوجته وإن كان الزنا عن طوع من زوجته.(2)

قال المحقّق:«ولايتوجّه اليمين على المنكر» ويدلّ عليه غير واحد من الروايات الدالّة على ذلك ففي حديث إسحاق بن عمّار عن الصادق ـ عليه السلام ـ عن أبيه:«إنّ رجلاً استعدى علياً ـ عليه السلام ـ على رجل فقال: إنّه افترى عليّ فقال عليّ ـ عليه السلام ـ للرجل: أفعلتَ ما فعلت؟ قال: لا، ثمّ قال للمستعدي: ألك بيّنة؟ فقال: ما لي بيّنة فأحلِفه لي فقال علي ـ عليه السلام ـ : ما عليه يمين».(3)

هذا إذا كان الحقّ مختصّاً بالله سبحانه .وأمّا لو كان الحقّ مشتركاً بين الله والآدمي كالقذف فالظاهر عدم الحلف لإطلاق روايات الباب. فلو ادّعى على رجل أنّه قذفه فأنكر، فلا تتوجّه عليه اليمين ، فيكفي عدم الثبوت بالبيّنة ارتفاع أحكام القذف الثلاثة الواردة في الآية المباركة قال سبحانه:«وَالّذينَ يَرْمُونَ المُحْصَنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداء فاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادةً أَبَداً وَ أولئكَ هُمُ الفاسِقُونَ» (النور / 4).


1 ـ نهج البلاغة، الخطبة 127 ، وقد روى نظيره عن سيّد الشهداء الحسين بن علي عليمها السَّلام .لاحظ تحف العقول:172 طبعة بيروت.
2 ـ الوسائل: الجزء 19، الباب 23 من أبواب القصاص، الحديث 1.
3 ـ الوسائل : الجزء 18، الباب 30 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(509)

ونقل المحقق عن الشيخ في المبسوط أنّه قال: جاز أن يحلف ليثبت الحدّ على القاذف.

أقول: لم نعثر على كلام الشيخ في المبسوط ولكن المحكي يحتمل وجهين:

1ـ ليس المراد الحلفَ الابتدائي بل الحلف الذي يردّه القاذف، فلو ادّعى على رجل أنّه قذفه، فلو حلف المدّعى عليه(القاذف)، يسقط الحدّ عن ذمّته، ولو ردّ عليه اليمين فحلف ثبت حدّ القذف على المدّعى عليه.

2ـ المراد الحلف الابتدائي للمقذوف به، وتصويره هو أنّه استعدى رجل على آخر بأنّه قذفه فلما حضرا لدى الحاكم، فبدل أن يُنكر، ثارت ثورته وادّعى عليه بالزنا واقعاً فانقلب المنكرمدّعياً، وا لمدّعي للقذف منكراً لما أُتّهم به فإن حلف المنكر (المقذوف به) يثبت حدّ القذف به وإن ردّاليمين على المدّعي (القاذف)وحلف يسقط الحدّ عن نفسه، ولايثبت الزنا على المقذوف به، لأنّها لاتثبت إلاّ بأربعة شهداء كما في الآية.

وما ذكرنا مجرّد احتمال لكلامه وفي الوقت نفسه غير صحيح.

أمّا الأوّل، أي اليمين المردودة، فليست في الحدود يمين، حتّى يتوجّه إلى القاذف ثمّ يردّها إلى المقذوف به.

وأمّا الثاني، فإنّ ظاهر الآية أنّ القاذف يحكم بأحكام ثلاثة واردة في الآية وليس ورائها حكم آخر، من الحلف المذكور و ردّه كما لايخفى.

المسألة الثالثة:منكر السرقة يتوجّه عليه اليمين

السرقة مشتملة على حقّ آدمي، وهو ردّ العين أو بدلها عند تلف العين المسروقة، وحقّ إلهي وهو القطع.

أمّا الثاني، فقد رتّب على عنوان السارق والسارقة


(510)

قال سبحانه:«وَالسَّارقُ وَ السّارِقَة فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نكالاً من اللّهِ وَاللّهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ»(المائدة/38) ومن المعلوم أنّ العنوانين لايثبتان باليمين، بل الثبوت رهن العلم أو ما أقام الشارع مقامه من الشاهدين.

وأمّا اشتغال ذمّته بردّ العين أو البدل فشأنه شأن سائر الأُمور فيثبت بالبيّنات والأيمان فلو أقام البيّنة، يحكم بها وإلاّ يحلف المدّعى عليه وإن ردّ الحلف وحلف المدّعي يثبت الضمان، دون القطع والتفكيك بين المتلازمين إنّما يعدّ محالاً، إذا كان التلازم تكوينياً كالنار بالنسبة إلى الحرارة والضوء دون ما إذا كان اعتبارياً، فإنّ إثبات كلّ حكم رهن ثبوت موضوعه، فإذا لم يثبت موضوع القطع، أي عنوان السارق، كان المجال بالنسبة إلى الثاني نفياً إن حلف المدّعى عليه، وإثباتاً إن ردّاليمين إلى المدّعي وحلف.

ونظير المقام إذا توضّأ بأحد المائين المشتبهين، فالأعضاءتكون محكومة بالطهارة والإنسان محكوماً بالحدث أخذاً بالاستصحاب في كلّ منهما، مع العلم بأنّ أحد الاستصحابين باطل إذ لو كان الماء طاهراً فهو طاهر الأعضاء وإن كان نجساً، فالأعضاء أيضاً نجسة.فكيف يحكم باحدى الطهارتين دون الأُخرى؟!

ومنه يظهر ما لو أقام شاهداًمع اليمين ، فلايكفي في ثبوت القطع لعدم ثبوت الموضوع باليمين ولو جزءاً.

المسألة الرابعة:

في طلب اليمين مع إسقاط البيّنة

لو كانت للمدّعي بينّة فاعرض عنها والتمس يمين المنكر أو قال: اسقطت البيّنة وقنعت باليمين فهل له الرجوع أو لا ؟

أقول:هل الاحتجاج بالبيّنة كالاحتجاج بسائر الأسباب التي يُحتجّ بها العباد على الآخرين أو هو من الحقوق غير القابلة للإسقاط كحقّ الولاية


(511)

والحضانة أو من الحقوق القابلة للإسقاط. فعلى الأوّلين فالمجال للاحتجاج بالبيّنة باق مالم يحلف المدّعى عليه، دون الثالث فلو أسقط فلا يرجع إليها.

والظاهرمن الأدلّة كون الاحتجاج بها من باب الحكم الشرعي بدليل التعبير عنه بلفظة «على» قال رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم: البيّنة على من ادّعى، واليمين على من ادّعى عليه ومثله غيره(1) فإذا كان الاحتجاج حكماً شرعيّاً فلو لم يقم البيّنة ، فلايحتج بها، لعدم الموضوع فإذا أقام ولو بعد الإعراض والإسقاط، فالحكم يتبع وجود موضوعه ولو بعد حين على أنّك قد عرفت أنَّ من جازت له، إقامة الدعوى، تجوز له إقامة البيّنة و طلب الحلف مخيّراً بينهما.

المسألة الخامسة:

في الموارد التي تقبل دعوى المدّعي بلا بيّنة

إنّ الضابطة في القضاء الإسلامي هي البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه(2)ومعناه أنّه لا تقبل الدعوى من المدّعي بلا بيّنة، لكن أُستثنيت موارد، تقبل فيها الدعوى من المدّعي بلا بيّنة من غير فرق بين وجود المعارض وعدمه، ووجود الدعوى في البين وعدمه لا كلام في القبول بلا بيّنة إنّما الكلام في القبول بلا يمين أيضاً، ظاهر المحقّق وغيره هو عدم الحاجة إليه لكنّه غير تام كما سيوافيك وقد ذكر المحقّق موارد ثلاثة، وذكر الشهيد في المسالك موارد أُخر نأتي بها:

1 ـ لو ادّعى صاحب النصاب إبداله في أثناء الحول لينفي عنه الزكاة قُبل قوله وقد روي عن الصادقينعليمها السَّلام:«كل ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، 2، 3، 5، 6.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم.


(512)

عليه فيه، فاذا حال عليه الحول وجب عليه» (1) .

2 ـ لو خرص عليه فادّعى النقصان في الثمرة المخروصة لينقص عنه ما قُدِّر عليه من الزكاة.

3 ـ لو ادّعى الإسلام قبل الحول ليتخلّص من الجزية بناء على وجوبها عليه إذا أسلم بعد الحول(2).

4 ـ لو ادّعى بنوّة الصغير وأنّ اللقيط ابنه ولا منازع.

5 ـ لو ادّعى كونه من أهل الكتاب لتؤخذ منه الجزية.

6 ـ لو ادّعى تقدّم الإسلام على الزنا بالمسلمة حذراً من القتل.

7 ـ لو ادّعى فعل الصلاة والصيام خوفاً من التعزير.

8 ـ لو ادّعى إيقاع العمل المستأجر عليه إذا كان من الأعمال المشروطة بالنيّة كالحـجّ والصلاة.

9 ـ دعوى الولي إخراج ما كلّف به من نفقة وغيرها.

10 ـ دعوى الوكيل بفعل ما وكّل فيه.

11 ـ دعوى مالك الدار لو نازعه المستعير والمستأجر في ملكية الكنز على قول مشهور:

12 ـ دعوى من أحرز الطعام، أنّه للقوت وإن زاد، لا للاحتكار.

13 ـ قول المدّعي مع نكول المنكر على القول بالقضاء به.

14 ـ لو ادّعى أنّه أعطى الزائد عن الحقّ اشتباهاً لا للتبرّع.

15 ـ دعوى المحلَّلة الإصابةَ.


1 ـ الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.
2 ـ وقد ذكر المحقّق فرعاً آخر يرجع إليه بعد الفراغ عن الأمثلة المذكورة في الشرايع والمسالك.


(513)

16 ـ دعوى المرأة فيما يتعلّق بالحيض والطهر في العدّة وغيرها.

17 ـ دعوى الظئر أنّه الولد.

18 ـ لو ادّعى المتّهم بالسرقة بأنّ المالك وهبه ليسلم من القطع وإن ضمن المال، لاعترافه بأنّه مال الغير ولكن يدّعي إنتقاله إليه بالهبة فيضمن ما لم يثبت الهبة، لكنّه يخلّص بهذا، نفسه عن قطع اليد.

19ـ لو ادّعى الإكراه أو الجهالة مع إمكانهما في حقّه في سبب الحدّ.

20 ـ لو أنكر القذف بناء على عدم سماع دعوى مدّعيه بدون البيّنة.

21 ـ لو ادّعى ردّ الوديعة.

22 ـ لو ادّعى تقدّم العيب مع شهادة الحال (1) إلى غير ذلك من الأمثلة.

ثم إنّ قبول قول مدّعي هذه الأُمور إذا لم يكن هناك معارض ومنازع ممّا لا إشكال فيه، إنّما الكلام فيما إذا كان هناك معارض ومنازع فظاهر المحقّق وغيره أنّه يقبل قوله بلا يمين أياً.

أقول:إنّ القضاء البات في هذه المسائل يتوقّف على دراسة كل مورد مستقلاً ولو اغمضنا عن ذلك، فنقول: إنّ هذه الموارد تختلف أحكامها فمنها ما لا تقبل الدعوى إلاّ بالبيّنة، ولا تكفي نفس الدعوى ولا ضمّ اليمين إليها ومنها ما لا تقبل إلاّ باليمين وهو أكثرها ومنها، ما تقبل، بلا بيّنة ولا يمين لخصوصية موجودة في المورد كما إذا استظهر الحال. ثم إنّ البحث فيما إذا كان هناك منازع وإلاّ فهو خارج عن كتاب القضاء كما إذا تبنّى صغيراً، لا ينازعه أحد.

أمّا القسم الأوّل كما إذ ادّعى، صاحب النصاب إبداله أثناء الحول فلا تقبل دعوى مدّعي التبديل بلا بيّنة، وذلك، لأنّ أخذ الزكاة من وظائف النبيّ والإمام بعده قال سبحانه: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرهُمْ وَ تُزَكّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ


1 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/417.


(514)

إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ»( التوبة/103) فإذا كان الحاكم مبسوط اليد، وله مقدرة على جمع الزكوات كان الحاكم وليّاً للفقراء، في حيازة أموالهم، وإقامة الدعوى على من يبخس حقوقهم وعندئذ فلا معنى لقبول قول من يدّعي تبديل النصاب حتّى يدفع عن نفسه غرامة الزكاة وبالجملة الحاكم الإسلامي لا تقصر ولايته في حقوق المسلمين وأموالهم، عن ولاية الفرد بالنسبة إلى أمواله فكما إذا ادّعى المديون، فراغ الذمّة لا يقبل منه بلا بيّنة فهكذا المقام.

نعم لو لم تكن هناك حكومة إسلامية، أو لم يكن الحاكم الإسلامي قادراً على جمع الحقوق وتفريقها بين المستحقّين، ففي مثل هذه الصورة، لا عامل ولا منازع ولا مطالب وإليه ترشد رواية جابر إنّ أبا جعفر ـ عليه السلام ـ جاءه رجل بماله من الزكاة مقدار خمسمائة درهم وقال فضعها في مواضعها فإنّها زكاة مالي، فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ :«بل خذها أنت فضعها في جيرانك والأيتام والمساكين وفي إخوانك من المسلمين، إنّما يكون هذا إذا قام قائمنا فإنّه يقسّم بالسوية ويعدل في خلق الرحمن البرّ منهم والفاجر» (1) .

فإن قلت: قد ورد في غير واحد من الروايات أنّ الإمام أوصى لعامله بأنّه يأتي ربّ المال فيقول له: يا عباد الله أرسلَني إليكم ولي الله لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم فهل لله في أموالكم من حقّ فتودُّوه إلى وليّه فإن قال لك قائل لا، فلا تراجعه»(2) .

قلت: إنّ هذه الرواية ونظائرها كرواية غياث بن إبراهيم ناظرة إلى ما لم يكن تعلّق الزكاة معلوماً فعند ذلك، أمر الإمام المصدّق، قبول قوله، وأنّى هو، من العلم بوجود النصاب ، غير أنّ صاحبه يدّعي التحول أثناء الحول ليدفع ـ بزعمه ـ عن نفسه الزكاة.


1 ـ الوسائل: الجزء 6، الباب 36 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث1.
2 ـ الوسائل: الجزء 6، الباب14 من أبواب زكاة الانعام، الحديث 1، ولاحظ الحديث5.


(515)

والحاصل أنّه مع وجود الدولة الإسلامية، أو كون الحاكم في قطر من الأقطار، ذا مقدرة على جمع الحقوق وتقسيمها بين المستحقين، إذا بعث عاملاً أو نصب مصدقاً، أو خارصاً، ففي جميع هذه الموارد يعامل الحاكم مع ما تحت يده في الحقوق معاملة المالك الشخصي فكما أنّه لا ترفع اليد عن حقّه إلاّ بالبيّنة فهكذا ما هو النازل منزلته وبذلك تظهر الحال في الفرع الأوّل والثاني، والثالث والخامس، فاذا كانت الدعوى تحمل سلب حقّ أو مال عن المستحقّين له، فليس للحاكم الإغماض وقبول الدعوى بلا بيّنة أو مع اليمين لاستلزامه احتمال الضرر على الفقير وليس المقام من موارد جريان البراءة وقد قلنا أن كل مورد يسهل للإنسان، تحصيل العلم بالواقع بلا مشقّة فهو خارج عن منصرف أدلّتها. وهذه الموارد، ـ مضافاً إلى أنّ الحاكم مأمور بحيازة حقوق المستحقّين ـ ممّا يسهل له تحصيل العلم بالواقع فلا وجه للاغماض.

وأمّا القسم الثاني فهو مالا يتضمّن سلب حقّ أو مال عن المستحقّين، وإنّما هو بصدد جرِّ نفع إلى نفسه كما في إعطاء الزائد عن الحقّ فيدّعي أن الدفع كان عن سهو لا عن تبرّع، أو دعوى المرأة المحلّلة، الإصابةَ، أو دعوى الظئرِ الولد، ففي هذه الموارد، يطلب من المدّعي اليمين، وذلك لأنّ القضاء بين المتخاصمين إمّا بالبيّنة أو باليمين فاذا لم يمكن الأوّل، يتعيّن الثاني، فالقضاء بلا بيّنة ولا يمين أمر غير معهود وخارج عن الحصر الوارد في النبوي المعروف.

وأمّا القسم الثالث فهو ما إذا اقترن ثبوت الحدّ بالشبهة الدارئة، فتقبل الدعوى، لابما أنّها تقبل بلا بيّنة بل لأجل أنّ درء الحدود بالشبهات من الأُصول المسلّمة في الفقه.

ومنه يعلم حكم الفرع السادس والتاسع عشر.

ثم إنّ المحقّق ذكر فرعاً رابعاً في كلامه: وهو أنّه لو ادّعى الحربي أنّ الإنبات كان بعلاج لا بالطعن في السنّ ليتخلّص بذلك من القتل الذي هو حدّ من حدود


(516)

الله فهل يقبل قوله أو لا؟ قال المحقّق: فيه تردّد ولعلّ الأقرب أنّه لا يقبل إلاّ مع البيّنة.

أقول: في المسألة أقوال: ثلاثة:

الأوّل: ما استقر به المحقّق من عدم السماع إلاّ بالبينة أخداً بإطلاق ما دلّ على أنّ الإنبات علامة للبلوغ فيقتل شأن كل حربي سُبي في أثناء الحرب.

الثاني: سماع قوله بلا يمين أخذاً بالقاعدة في باب الحدود من درءها بالشبهات (1) وهو الأحوط وعدم صحّة توجّه اليمين عليه لاستلزامه الدور، لأنّ صحّة اليمين موقوفة على البلوغ فلو كان البلوغ موقوفاً على اليمين لدار.أضف إلى ذلك، أنّ مقتضى صحّة اليمين هو عدم البلوغ، لأنّه يحلف على أنّه لم يبلغ وأنّ إنبات الشعر كان بعلاج.

الثالث: سماع قوله مع الحلف عند القطع بالبلوغ لأنّ قطع الدعوى لابدّ أن يكون بالبيّنة واليمين،و سماع حلفه بما أنّه مستلزم للدور يقتضي إيقاف الحكم وتأخيره إلى القطع ببلوغه، حتى يحلف، وهذا هو الأقرب.

نعم قال الشهيد في الدورس أنّ اليمين موقوف على إمكان بلوغه لاعلى بلوغه (2) وهو كلام مجمل وأوضحه السيّد الطباطبائي بقوله بأنّ بلوغه متوقف على اليمين ولكن يمينه موقوف على قاعدة قبول قول من ادّعى مالا يعلم إلاّ من قبله عنه مع احتمال صدقه.

لكن احتمال اختصاص الكبرى بمن ادّعى شيئاً لا يعلم إلاّ من قبله وهو بالغ، يوجب عود الدور أيضاً، إلاّ أن يقال، أنّ سبب السماع ليس هو البلوغ، بل كونه مما لا يعلم إلاّ من قبله، ولا يتفاوت فيه البالغ وغيره، وأنّ ملاك القبول كونه لا يعلم إلاّ من قبله.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 24، من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 4.
2 ـ السيّد الطباطبائي: ملحقات العروة:2/207ـ208.


(517)

المسألة السادسة: فيما لا يمكن رد ّاليمين فيه

ذكر الشيخ مسائل ثلاث(1) وجعل عنوان الجميع قوله: «ثلاث لا يمكن ردّ اليمين فيها» ثم ذكر كل مسألة على تفصيل وإليك نصّه في كل واحدة.

إحداها: أن يموت رجل ولا يخلِّف وارثاً مناسباً، فالمسلمون ورثته، فوجد الحاكم في روزنامجته ديناً له على رجل أو شهد شاهد واحد بذلك، فأنكر من عليه الدين، فالقول قوله مع يمينه، فإن حلف سقط الحقّ وإن لم يحلف، لم يمكن ردّ اليمين لأنّ الحاكم لا يمكنه أن يحلف عن المسلمين والمسلمون لايتأتى منهم الحلف لأنّهم لا يتعيّنون.

وقال بعضهم يحكم بالنكول ويلزمه الحقّ لأنّه موضع ضرورة، وقال آخرون وهو صحيح عندهم أنّه يحبس حتّى يحلف أو يقرّ، والذي يقتضيه مذهبنا أنّه يسقط هذا لأنّ ميراثه للإمام، وعندنا أنّه لا يجوز أن يحلف أحد عن غيره ولا بما لا يعلمه، فلا يمكنه اليمين مع أنّ الإمام لا يحلف، فيحبس المدين حتّى يعترف فيؤدّي أو يحلف وينصرف.

وحاصله: أنّ المدّعى عليه إن حلف فقد خلص، وإن نكل، فلا يصحّ ردّ اليمين في المقام لأنّ المفروض أنّه لا وارث له، ووارثه إمّا الإمام أو المسلمون والإمام لا يحلف لأنّه لا يجوز أن يحلف أحد عن غيره، ولابما لا يعلمه، وأنّ شأن الإمام أرفع من أن يحاكَم ويحلف هذا كله حول الإمام وأمّا المسلمون الوارثون فهم غير متعينين، فبقى هنا احتمالان:

1 ـ الحكم بالنكول ويلزمه الحقّ لأنّه موضع ضرورة.

2 ـ يحبس حتّى يحلف أو يقرّ هذا كلام الشيخ في المبسوط في الفرع الأوّل.


1 ـ الطوسي: المبسوط: 8/214.


(518)

وإليك نصّه في الفرع الثاني: قال الثانية: إذا مات رجل وأوصى إلى رجل فادّعى الوصيّ على الورثة أن أباهم أوصى بشيء للفقراء والمساكين، فأنكروا ذلك، فالقول قولهم، فإن حلفوا سقطت الدعوى، وإن نكلوا لم يمكن ردّ اليمين، لأنّ الوصيّ لا يجوز أن يحلف عن غيره والفقراء والمساكين لا يتعيّنون، ولا يتأتّى منهم الحلف، فما الذي يفعل؟ قال قوم يحكم بالنكول ويلزم الحقّ، لأنّه موضع ضرورة، وقال آخرون يحبس الورثة حتّى يحلفوا أو يعترفوا وهو الذي نقوله.

وحاصله نفس ما ذكرناه في الفرع الأوّل، وهو أنّ المدّعى عليه إن حلف فقد خلص، وإن لم يحلف فلا يمكن ردّ اليمين إلى الوصي لأنّه لا يجوز أن يحلف عن غيره (الفقراء) وأمّا حلف الفقراء والمساكين فهم غير متعينين ولا يتأتّى منهم الحلف فبقي احتمالان:

1 ـ القضاء بالنكول.

2 ـ أو الحبس حتّى يقرّ، أو يحلف.

3 ـ وأمّا الفرع الثالث فلم يذكره المحقّق وسيوافيك نصّ الشيخ بعد الفراغ عن الكلام في الفرعين الأولين.

ثم إنّ المحقّق أورد على الشيخ وقال: إن السجن عقوبة لم يثبت موجبها وأوضحه الشهيد بقوله: لأنّ الحقّ لا يثبت بالشاهد الواحد فينزّل هذه الدعوى منزلة مالا بيّنة فيه فإن حلف، أو نكل وقضينا بالنكول وإلاّ وقف الحقّ لعدم تيسّر القسم الأخير وهو حلف المدّعي.

وأجاب عنه صاحب الجواهر وقال: إنّ موجبها، اقتضاء الدعوى المسموعة من المنكر، اليمينَ أو الأداءَ بعد تعذّر الردّ (1) . ولعلّه يريد، أنّ المجوّز لسماع الدعوى، هو المجوّز لحبسه حتّى يحلف أو يقرّ وبعبارة أُخرى أنّ إطلاق أدلّة استحقاق المدّعي اليمين على المنكر يقتضي إلزامه عليه وبما أنّه مستنكف عنه


1 ـ الجواهر: 40/265.


(519)

يحبس حتّى يؤدّي.

هذه هي الكلمات الواردة في المقام. ولنا أن ندرس الاحتمالات الثلاثة:

1 ـ الردّ على الحاكم والوصي ّ

قد عرفت سابقاً أنّه إذا أمكن الردّ فلا وجه للقضاء بالنكول لكن المهمّ هو ثبوت عدم إمكان الردّ فالوجوه المذكورة في كلمات الشيخ وصاحب الجواهر لا يتجاوز عن الأُمور التالية المذكورة في كلام الشيخ، 1 ـ لا يجوز أن يحلف عن غيره، 2 ـ ولا بما لا يعلمه، 3 ـ أنّ الإمام لا يحلف وإليك دراسة الأدلّة الثلاثة:

أمّا الأوّل أعني أنّه لا يجوز الحلف عن الغير فانّما يصحّ إذا لم تكن للحالف صلة بالموضوع، ولا أيّ مبرّر لإقامة الدعوى، كالجار بالنسبة إلى مال جاره وحقوقه، وأمّا إذا كان الغير على منزلة تصحّ له إقامة الدعوى ورفع الشكوى إلى المحكمة، فلماذا لايصحّ له الحلف على ما يدّعيه وبهذا يعلم أنّه يجوز للحاكم والوصيّ، الحلف على ما يدّعيه، وذلك لأنّ لهما الولاية على أموال المسلمين وحقوقهم ولاية عامة كالحاكم أو خاصّة كالوصيّ، فكما يصحّ لهما إقامة الدعوى، يصحّ لهما، الحلف إذا كانا عالمين للمحلوف به.

وأمّا الثاني، وهو لا يختصّ بالمقام بل يعمّ كلّ مورد لا يكون للحالف علم بالمحلوف به، أضف إلى ذلك أنّه لم لا يجوز أن يحلف بمقدار ما علم كحلفه بأنّه وجد في روزنامجته، أنّه مديون، أو شهد شاهد بأنّه كذا، على أنّ المفروض في كلامه علم الوصيّ بكونه مديوناً، وربّما يحصل للحاكم علم بالصدق برؤيته في روزنامجته.

وأمّا الثالث أعني أن الإمام لا يحلف، فقد أوضحه في الجواهر وقال :نعم مع فرض علمهما (الحاكم والوصيّ) تتوجّه اليمين من الوارث غير الإمام مع الشاهد، بخلاف الإمام ـ عليه السلام ـ المعصوم من الخطأ والزلل وإن استعمل الموازين


(520)

الشرعية والأُصولية المرعيّة لكنّه مسدّد في خصوصياتها التي استعملها، عن الخطأ بخلاف غيره.(1)

المسألة السابعة :

لو كان الدين مستغرقاً للتركة وللميّت دين على الغير:

اختلفت كلماتهم في أنّه إذا مات إنسان وعليه دين مستغرق محيط بالتركة، فهل تنتقل التركة إلى الوارث، وتكون من المال المحجور على مالكه التصرّف ويكون الدين متعلّقاً بها تعلّق الرهانة أو تبقى على حكم مال الميّت وفي المسالك والمفاتيح نسبته إلى الأكثر، وفي وصايا السرائر: إذا كان على الميّت؟ دين يحيط بالتركة، فإنّها بلا خلاف بيننا لا تدخل في ملك الغرماء ولا ملك الورثة، والميّت قد انقطع ملكه وزال فينبغي أن تكون موقوفة على انقضاء الدين(2).

ولكن المشهور، هو القول الأوّل ويؤيّده ارتكاز العقلاء، خلافاً للمحقّق حيث اختار الوجه الثاني وتظهر الثمرة في النماء، فعلى الأوّل فهو للورثة، ولا يتعلّق به حقّ الديّان إذا كان الدين أزيد من أصل التركة، بخلاف ما إذا قلنا بالثاني فيكون متعلّقاً للدين وباقياً على حكم مال الميّت.

ثم إنّ هنا فروعاً مستخرجة من كلام صاحب الجواهر نبحث عنها على رأي المحقّق من بقاء التركة على حكم مال الميّت، لا على القول المشهور وهي:

1 ـ لو كان الدين محيطاً بالتركة وادّعى الوارث ديناً للميّت على ذمّة آخر على وجه لو استحصل يرجع إلى الدّيان، فيقع الكلام فيمن تجوز له إقامة الدعوى، فهل هو الوارث أو الدائن؟

لا كلام على القول الأوّل أنّه الوارث، لانتقال الملك إليه، لكن الكلام على القول الثاني أعني خيرة المحقق فقال المحقّق: هو الوارث لأنّه قائم مقامه.


1 ـ الجواهر: 40/267.
2 ـ الجواهر: 26/84.


(521)

يلاحظ عليه: أنّه قائم مقامه فيما جعله الشارع ولياً، كالتجهيز وغيره وأمّا المقام فهو والدائن متساويان لأنّ الدين باق على ملك الميّت كالأعيان الخارجية، ولو استحصل لاستولى عليه الدائن فلا وجه لتقديم واحد على الآخر وقد عرفت الميزان فيمن تصحّ له إقامة الدعوى.

2 ـ لو كان هناك شاهد على الدين، قال في الجواهر: «حلف الوارث دون الدائن نعم في القواعد لو امتنع كان للدائن إحلاف المديون لتعلّق حقّه بالتركة».

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الدين ملكاً للميّت أو في حكم ملكه فالوارث والدائن بالنسبة إلى الأخذ متساويان وقد عرفت عدم ولاية الوارث بالنسبة إلى ما بقي في حكم ملكه، وما يتبادر إلى الذهن من أنّ الوارث أولى من الدائن فإنّما هو لأجل أنّ المرتكز في الأذهان هو انتقال التركة إلى الوارث فيكون هو المتعيّن ولكن الكلام على مبنى المحقّق، وبذلك يظهر النظر في كلام القواعد حيث علّق إقدام الدائن على امتناع الوارث بل هما في درجة واحدة.

3ـ ولو أقام الوارث الدعوى وحلف الغريم برأ من الوارث والدائن.

4ـ ولو أقام الدائن الدعوى وحلف الغريم برأ منهما، (خلافاً للجواهر حيث قال بأنّ براءة ذمّة الغريم بالنسبة إلى المحلّف) وما هذا لأنّ هنا حقّاً واحداً، يجوز لكلّ من الوارث والدائن استحصاله، فاذا حلف واحد منهما فقد ذهبت اليمين بالحقّ ـ على ما في الروايات ـ فلا يبقى للآخر، موضوع.

وبذلك يعلم أنّه لو أقام الدائن الدعوى وحلف الغريم له، ثم أقام الوارث، ولكن لم يحلف الغريم له بل ردّ اليمين إلى الوارث، فحلف، ليس للوارث أخذه فضلاً عن أخذ الدائن حقّه.

كلّ ما ذكرنا، على مبنى المحقّق وأمّا على القول بالإنتقال، فالمرجع في إقامة الدعوى وإلإحلاف وحلف اليمين المردودة هو الوارث لاغير نعم لو امتنع الوارث من إقامة الدعوى جاز للحاكم إقامة الدعوى لصالح الدائن لأنّه وليّ الممتنع .

Website Security Test