welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(471)

المقام الثاني: حكم الحلف بغير الله وضعاً

اتّفقت كلمتهم على أنّه لايستحلف لإيجاب الحقّ أو إسقاطه إلاّ بالله تعالى شأنه وأنّ الحلف بغير الله، لايثبت حقّاً، ولايسقطه وإليك نصوصهم:

1ـ قال المفيد :ولايستحلف بغير أسماء الله عزّوجلّ.(1)

2ـ قال ابن البرّاج:استحلف بالله الذي لا إله إلاّ هو أو بشيء من أسمائه ولايجوز استحلافه بغير ذلك.(2)

3ـ وقال ابن حمزة:ولايمين بغير الله تعالى وبغير أسمائه الحسنى وصفاته العلياء».(3)

4ـ وقال ابن سعيد: واليمين إنّمايكون بالله وأسمائه الخاصّة.(4)

5ـ وقال العلاّمة:ولاينعقد اليمين الموجبة للبراءة من الدعوى إلاّ بالله تعالى.(5)

6ـ وقال: ولايصحّ اليمين إلاّ بالله تعالى (6)، إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة.

وتدلّ على عدم الاعتداد روايات:

1ـ روى سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «في كتاب علي ـ عليه السلام ـ إنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه فقال: يا ربّ كيف أقضي فيما لم أشهد؟ قال: فأوحى


1 ـ المفيد، المقنعة:731.
2 ـ ابن البرّاج، المهذّب: 2/589.
3 ـ ابن حمزة، الوسيلة: 228.
4 ـ ابن سعيد الحلي:الجامع للشرائع:525.
5 ـ السيدالعاملي: مفتاح الكرامة:10/96، قسم المتن.
6 ـ العلاّمة الحلي، إرشاد الأذهان: 2/145.


(472)

الله إليه:احكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى اسمي فحلِّفهم به».(1)

2ـ روى سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:«لايُحلّفُ الرجل اليهودي ولا النصراني ولا المجوسي بغير الله».(2)

3ـ روى جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: لايُحلّف بغير الله، وقال: اليهودي والنصراني والمجوسي لاتحلِّفوهم إلاّ بالله عزّوجلّ.(3)

4ـ روى سماعة عن أبي عبد الله قال:سألته هل يصلح لأحد أن يُحلِّف أحداً من اليهود والنصارى بآلهتهم؟ قال:«لايصلح لأحد أن يحلِّف أحداً إلاّ بالله عزّوجلّ».(4)

5ـ روى الحلبي قال سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن أهل الملل يُستَحلَفون فقال: «لاتُحلِّفوهم إلاّ بالله عزّوجلّ».(5)

والاستدلال، بغير الأُولى من الروايات الواردة في أهل الكتاب، مبنيّ على ظهورها في كون المضمون حكم الله المشترك بين الناس.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر لخلطه بين المقامين السابقين استدلّ ببعض الروايات التي لامساس له بالمقام كرواية محمّد بن مسلم وصحيح الحلبي والنبوي(6) فانّها ناظرة إلى المقام الأوّل.

وهذه الروايات دلّت على أنّ أتباع الشرائع كلّهم كالمسلمين يُحلَّفون بالله، إنّما الكلام في المنكر للصانع فهل يحلَّف به أو لا ؟قال في المبسوط: وإن كان وثنياً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32، الحديث 1، 2، 3، 5. وقد روى الحرّ العاملي ، عن الحلبي في ذلك الباب روايات ثلاثة كان الجميع رواية واحدة فلاحظ الرقم 3، 6، 14 من الباب 32 من أبواب الأيمان.
3 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32، الحديث 1، 2، 3، 5. وقد روى الحرّ العاملي ، عن الحلبي في ذلك الباب روايات ثلاثة كان الجميع رواية واحدة فلاحظ الرقم 3، 6، 14 من الباب 32 من أبواب الأيمان.
4 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32، الحديث 1، 2، 3، 5. وقد روى الحرّ العاملي ، عن الحلبي في ذلك الباب روايات ثلاثة كان الجميع رواية واحدة فلاحظ الرقم 3، 6، 14 من الباب 32 من أبواب الأيمان.
5 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32، الحديث 1، 2، 3، 5. وقد روى الحرّ العاملي ، عن الحلبي في ذلك الباب روايات ثلاثة كان الجميع رواية واحدة فلاحظ الرقم 3، 6، 14 من الباب 32 من أبواب الأيمان.
6 ـ الجواهر:40/227; لاحظ الوسائل: الجزء 16، الباب 30، الحديث 3، 4 ; المستدرك، الباب 24 من كتاب الأيمان، الحديث 2.


(473)

معطِّلاً أو كان ملحداً يجحد الوحدانية لم يُغلَّظ عليه باللفظ واقتصر على قوله:«والله» فإن قيل كيف حلّفته بالله وليست عنده يميناً، ليزداد إثماً ويستوجب العقوبة(1)واختاره السيّد الطباطبائي مستدلاً بالإطلاقات التي مقتضاها عدم الفرق في الكفّار بين من يعتقد بالله و من يجحده.(2)

أقول: يجب أن يكون مفروض الشيخ المعاهد الذي لايجوز التعرّض لنفسه وماله، وإلاّ فلو كان محارباً فلاحرمة لنفسه فضلاً عن ماله فيجوز أخذ حقّه منه من دون إقامة الدعوى وإحلافه. نعم لو كانت الظروف لاتساعد على ذلك فلو أقام الدعوى عليه فإن أقام البيّنة أو اعترف الكافر، وإلاّ فيسقط الحلف وذلك لأنّ الغاية منه إيجاد الردع في الحالف حتّى يستعظم الإله ويرتدع ولايحلف كاذباً فإذا كان جاحداً لله سبحانه فالإحلاف يكون لغواً وما ذكره الشيخ من أنّ الغرض من الإحلاف هو زيادة الإثم، فهو ليس غرضاًللشارع ولا للمحلِّف والأولى القول بسقوط الحلف كما في سائر الموارد الّتي لايتمكّن المدّعي من الإحلاف كالدعوى على الميّت.

ثمّ إنّ مقتضى الإطلاقات، كفاية الحلف بلفظ الجلالة من غير فرق بين المجوسي وغيره لكن قال الشيخ في المبسوط:إن كان مجوسياً حلف:والله الذي خلقني و رزقني لئلا يتناول بالله وحده، النورَ فإنّه يعتقد النور إلهاً فإذا قال:خلقني ورزقني زال الإبهام والاحتمال.(3)

وما ذكره مخالف لمقتضى الإطلاق، أضف إليه أنّ لفظ الجلالة علم لخالق النور والظلمة ولو افترضنا صحّة إطلاق الإله على النور ولكن لفظ الجلالة لا يطلق إلاّ على الإله الأعلى عندهم الذي هو خالق النور والظلمة والآلهة....


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/205، فصل في موضع اليمين.
2 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/199.
3 ـ الطوسي، المبسوط:8/205.


(474)

ثمّ إنّ مقتضى بعض الروايات جواز حلف أهل الكتاب بغير لفظ الجلالة وهي:

1ـ ما رواه السكوني عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ استحلف يهودياً بالتوراة التي أنزلت على موسى.(1)

2ـ روى محمّد بن مسلم عن أحدهما عليمها السَّلام سألته عن الأحكام فقال :في كلّ دين ما يستحلفون.(2) والظاهر أنّ روايتي (3) محمّد بن مسلم رواية واحدة. كما أنّ روايتي السكوني، مع مرسلة الصدوق (4)متّحدتان.

والتعارض بين الطائفتين واضح، وحمل الطائفة الثانية على أنّه مخصوص بالإمام إذ رأى ذلك أردع لهم، أو على من يرى الحلف بذلك ولايعتقد الحنث في الحلف بالله، أو المراد الحلف بمن أنزلها، أو الغلظ بذلك مع الحلف بالله، جمع تبرّعي لايصار إليه.

ولعلّ المحقّق لمّا رآهما متعارضين، لايرجّح أحدهما على الآخر أخذ بالقول بالتخيير في المقام وقال:«ولو رأى الحاكم إحلاف الذمّي بما يقتضيه دينه أردع جاز».

ثمّ إنّ نسبة هذه الروايات مع رواية سليمان بن خالد الأُولى وإن كان عموماً وخصوصاً مطلقاً لكن بالنسبة إلى غيرها متبائنتان ، لأنّ الموضوع في كلتا الطائفتين أهل الكتاب، والترجيح مع الطائفة الأُولى إذ رواية السكوني في الطائفة الثانية تحكي الفعل ووجهه غيرمعلوم وقد عرفت أنّها بنفسها مرسلة الصدوق، بقيت رواية محمّد بن مسلم وهي لاتقابل ماسبق.فالأولى هو عدم الاكتفاء بغير المتيقّن.وبالجملة الروايات المانعة ترجّح على المجوّزه بكثرة عددها وعلوّ شأن


1 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32من أبواب الأيمان، الحديث 4، 7، ولاحظ أيضاً 8، 9، 10.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32من أبواب الأيمان، الحديث 4، 7، ولاحظ أيضاً 8، 9، 10.
3 ـ المذكورتان في الوسائل: برقم 7 و9 في الباب 32.
4 ـ المذكورتان في الوسائل: برقم 4و10في ذلك الكتاب.


(475)

رواتها، وإعراض المشهور عن المجوّزة، وقد حقّقنا في محلّه أنّ إعراض المشهور يسقط الرواية عن الحجّية.

هل المراد من الأخبار السابقة هو الحلف بلفظ الجلالة فقط أو يكفي ما يعادله في سائر اللغات بل يكفي الأسماء المختصّة كالخالق والرازق وربّما يؤيّد الثاني بأنّ المراد من الأخبار الحاصرة هو نفي الحلف بغيره سبحانه لا أن يكون بخصوص اللفظ وتؤيّده رواية سليمان بن خالد، من إيحائه سبحانه إلى أحد أنبيائه من إضافة اسمه، والخالق والرازق من اسمائه سبحانه ولأنّ الغاية هوالارتداع عن الحلف كاذباًوهو موجود في جميع الأسماء وقد عرفت أنّ المفيد صرّح بجواز الحلف بكل اسمائه وإن كان الأحوط هو التحليف بلفظ الجلالة، لابغيره.

أُمور حول الاستحلاف

ذكر المحقّق أُموراًحول الاستحلاف وأرسلها إرسال المسلّم فنذكرها واحداً تلو الآخر:

1ـ تقديم العظة على اليمين

قال يستحبّ تقديم العظة على اليمين والتخويف من عاقبتها.

استدلّ له بما ورد في الروايات من الآثار الموبقة لليمين الكاذبة.(1) ولكن لاصلة لها باستحباب تقديم العظة.ومثلها ما ورد من الأمر بالاحتياط في حقوق المسلمين، فإنّه لايتجاوز عن كونه أمراً إرشادياً لايثبت به استحباب العظة فلم يبق سوى ما ورد من رواية الحضرمي حيث ادّعى على كنديّ في أرض من اليمين، أنّه اغتصبها ابو الكندي فتهيأ الثاني لليمين فقال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :«لايقتطع رجل مالاً بيمينه


1 ـ الوسائل: الجزء 16،لاحظ الباب 4 من أبواب كتاب الايمان.


(476)

إلاّ لقى الله يوم يلقاه و هو أجذم فقال الكندي: هي أرضه(1) وفي سنده ما لايخفى ومثله دلالته إذ لعلّ النبيّ كان واقفاً على كذبه، فقدّم العظة حتّى يرتدع ولايكون دليل على استحبابه مطلقاً، كما لايخفى.

2ـ يكفي في رفع الخصومة مطلق اليمين

يكفي في رفع الخصومة وإنهائها مطلق اليمين لأنّ مقتضى إطلاق الأدلّة، هو كفاية الحلف بالجلالة وحسبه أن يقول والله ماله قبلي حقّ قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه».(2)

3ـ أسباب تغليظ اليمين

إنّ للتغليظ أسباباً مختلفة، فتارة يكون بالقول كما إذا قارن حلفه بالبراءة من حوله سبحانه وقوّته(3) وأُخرى بالمكان كالتحليف عند قبر النبي ، وتحليف اليهود والنصارى في بيعهم وكنائسهم(4) وثالثة بالزمان كما قوله:«يا ايُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادة بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدكُمُ الْمَوتُ حينَ الْوَصِيةِ اثْنانِ ذَوا عَدْل مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيقْسِمانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَري بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كا ن ذا قُرْبى وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللّهِإِنّا إِذاً لَمِنَ الآثِمينَ» (المائدة/106).

قال الطبرسي: تحبسونهما من بعد صلاة العصرـ وهو المروي عن أبي جعفر ـ ان ارتبتم في شهادتهما وخشيتم أن يكونا قد غيّرا أو بدّلا أو كتما أو خانا والخطاب


1 ـ البيهقي، السنن: 10/180.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1و4.
3 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 32، الحديث 1ـ3.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1ـ2.


(477)

في تحبسونهما للورثة ويجوز أن يكون خطاباً للقضاة فيحلفان بالله لانشتري به ثمناًولانطلب بالحلف الثمن ولو كان المشهود له ذا قربى.(1)

4ـ هل الإحلاف باليمين المغلّظة مستحبّ للحاكم؟

المشهور أنّ الإحلاف باليمين المغلّظة مستحب للحاكم استظهاراً للحكم: غير أنّ المهم وجود الدليل على الاستحباب قال الشهيد: هذا هو الحكم المشهور بين الأصحاب وذكروا أنّه مروي وما وقفت على مستنده.(2)

وقال العلاّمة:«وينبغي التغليظ بالقول في الزمان والمكان في الحقوق كلّها»(3) ولعلّه لأجل عدم وجود دليل خاص، عبّر بلفظ «ينبغي» ولم يقل يستحبّ.

وقال السيّد الطباطبائي: لاخلاف ولا إشكال في أنّه يكفي في الحلف الاقتصار على قوله:«والله ليس لفلان عليّ، كذا مثلاً»ولكن ذكروا انّه يستحب للحاكم التغليظ.(4)

واستدل له بروايات سبع:

1ـ ما ورد في تحليف الأخرس كما في صحيحة محمّد بن مسلم كتب أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ :«والله الذي لا إله إلاّهو عالم الغيب والشهادة، الرّحمن الرّحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذي يعلم السر والعلانية...»(5) والرواية مشتملة على حكم شاذ وهو القضاء على الممتنع عن الحلف من دون ردّه


1 ـ الطبرسي، مجمع البيان: 2/257.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/413.
3 ـ السيّد العاملي، مفتاح الكرامة:10/99، قسم المتن.
4 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/202، المسألة 7.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(478)

على المدّعي ومع ذلك، فخصوصية المورد كالأخرس تمنع عن إلغاء الخصوصية.

2ـ ما ورد في يمين الاستظهار كما في رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله «وإن كان المطلوب بالحقّ قد مات فاقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعي اليمين بالله الذي لا إله إلاّهو...(1) ويرد عليه ما أورد على السابق من وجود خصوصية في المورد، لأنّ المدّعى عليه ميّت،والمدّعي حيّ ولعلّ المطلوب فيه التغليظ لأنّ المدّعى عليه لا يستطيع الدفاع عن نفسه.

3ـ فعل علي ـ عليه السلام ـ في أهل الكتاب حيث كان يستحلف النصارى واليهود في بيعهم و كنائسهم والمجوس في بيوت نيرانهم ويقول:شدّدوا عليهم احتياطاً للمسلمين.(2)

ويلاحظ على الاستدلال بمثل ما تقدّم مضافاً إلى بُعد وجود بيوت النار في الكوفة في عصر الإمام ـ عليه السلام ـ .

4ـ7ـ ما ورد في إحلاف الظالم من التغليظ في حديث صفوان الجمّال(3) وكلام الإمام في نهج البلاغة:«احلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنّه بريءٌ من حول الله وقوّته».(4) والمروي عن الإمام الرضا ـ عليه السلام ـ .(5) وما ورد في تحليف النبي عبدالله بن صوريا اليهودي على وجود حكم الرجم في التوراة (6) لكن استحباب التغليظ في مورد الظالم لايكون دليلاًعلى استحبابه في عامّة الموارد. ومثله تحليف الحبر اليهودي، فإنّ حسّاسية الموقف الجأ النبي على تحليفه باليمين المغلّظة.

ولأجل ضعف الاستدلال قال صاحب الجواهر: لم يقف على عموم يقتضي استحبابه كذلك على كلّ أحد.وعلى ما ذكرنا فلا يستحبّ التغليظ إلاّ في مورد


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
3 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 33 من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 1و2و3.مجمع البيان:2/193 ط صيدا، تفسير الآية 41.
4 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 33 من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 1و2و3.مجمع البيان:2/193 ط صيدا، تفسير الآية 41.
5 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 33 من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 1و2و3.مجمع البيان:2/193 ط صيدا، تفسير الآية 41.
6 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 33 من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 1و2و3.مجمع البيان:2/193 ط صيدا، تفسير الآية 41.


(479)

النصّ فاحفظه ينفعك فيما يأتي.

5ـ التغليظ إلاّ إذاكان المال دون نصاب القطع

لما اختار المحقّق استحباب التغليظ مطلقاً، استثنى منه صورة واحدة وقال: ويستحبّ التغليظ في الحقوق كلّها وإن قلّت، عدا المال فإنّه لايغلّظ فيه بما دون نصاب القطع قال الشيخ :لاتغلظ اليمين بأقل ممّا يجب فيه القطع، ولايراعى بلوغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة وبه قال مالك وقال الشافعي :لاتغلظ بأقلّ ممّا تجب فيه الزكاة إذاكانت يميناً في المال أو المقصود منه المال وإن كان يميناً في غير ذلك غلِّظ على كل حال وقال ابن جرير : يغلِّظ في الكثير والقليل ثمّ استدل بإجماع الفرقة.(1)

ويدلّ عليه خبر محمّد بن مسلم وزرارة عنهماعليمها السَّلام جميعاً قالا: لايحلّف أحد عند قبر النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم على أقلّ ممّا يجب فيه القطع.(2)

6ـ الامتناع عن الإجابة إلى التغليظ

قال المحقّق: لو امتنع عن الإجابة إلى التغليظ لم يجبر و لميتحقّق بامتناعه نكول.

أقول: هنامقامان:

الأوّل: هل تجب الإجابة على المنكر إذا دعاه القاضي إلى اليمين المغلّظة أولا ؟

الثاني: هل يتحقّق النكول بالامتناع عن الحلف المغلّظ دون غيره أو لا ؟

أمّا المقام الأوّل: فقال الشيخ: التغليظ بالمكان والزمان استحباب دون أن


1 ـ الطوسي: الخلاف:الجزء3 ،كتاب القضاء، المسألة 32.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 29 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(480)

يكون ذلك شرطاًفي صحّة الأيمان ووافقنا في الأزمان والألفاظ الشافعي.والمكان على قولين: أحدهما مثل ما قلناه والثاني انّه شرط. واستدل على مختاره بأنّ كونه شرطاً يحتاج إلى دليل وأيضاً قوله: اليمين على المدّعى عليه والبيّنة على المدّعي ولم يذكر الزمان والمكان وما ذكرناه من الأدلّة محمول على الاستحباب.(1)

وقال العلاّمة:«ولو امتنع الحالف من التغليظ لم يجبر عليه».(2)

وحكى عن كشف اللثام التفصيل بين التغليظ القولي فلايجبر و التغليظ بالزّمان والمكان فيجبر عليهما.

فتلخّص أنّ الأقوال ثلاثة: 1ـ عدم الوجوب; 2ـ التفصيل بين الألفاظ والأزمان فلايجب والأمكنة فيجب التغليظ كما عليه الشافعي في بعض أقواله; 3ـ التفصيل بين الألفاظ فلايجب و أمّا الأزمان والأمكنة فيجب كما هو المحكي عن كاشف اللثام.

قد عرفت أنّ القول بالتغليظ لم يثبت إلاّ في موارد ثلاثة، فلو قيل بالاستحباب للحاكم في خصوص تلك الموارد لكان له وجه وأمّا احتمال الوجوب للحالف فلا دليل على وجوبه فيها لكفاية مطلق الحلف في إنهاء الخصومة حسب مقتضى الإطلاقات وإلزام المدّعى عليه حتّى في الموارد التي ثبت جواز التغليظ، يحتاج إلى دليل.

وربّما يستدلّ على وجوب الإجابة بأمرين:

1ـ إذا كان التغليظ مستحبّاً للحاكم، تجب الإجابة على الحالف وإلاّ تلزم اللغويّة .

يلاحظ عليه: إنّما تلزم اللغويّة إذاكان الامتناع من جانب الحالف دائمياً،


1 ـ الطوسي: الحلاف:الجزء3، كتاب القضاء، المسألة 33.
2 ـ العاملي، مفتاح الكرامة:10/99 ، قسم المتن.


(481)

لا اتّفاقياً. فيكفي في رفعها أن ّ لفيفاً من الحالفين، يصدرون عن التغليظ لداع من الدواعي وهذا يكفي في تشريع الاستحباب للحاكم على الوجه الكلّي.

2ـ الحلف حقّ للمدّعي فله أن يختار أيّ قسم من أقسام اليمين.

يلاحظ عليه: انّ الحلف حكم شرعيّ لرفع الخصومة وإنهاء النزاع وقد قلنا سابقاً، أنّ كون شيء حقّاً يحتاج إلى ارضية تجعله حقّاً، كالسبق إلى مكان، فهو أحقّ به وليس ادّعاء أحد على أحد، بلا شاهد ودليل، موجباً لكون المدّعي ذا حق على المدّعى عليه وربّما يكون من حيث المكانة الاجتماعية أرفع منه بكثير. ولولا حكم الشارع باليمين لخُلِّي المنكر سبيله، كما هو الحال في المحاكم العالميّة.

أمّا المقام الثاني فهو عبارة عن ثبوت النكول بالامتناع عن التغليظ فنقول:

إذا امتنع عن الحلف المغلّظ، فهل يحكم عليه بالنكول أو إذا توقّف عنه وعن الردّ؟ مقتضى القاعدة هو الثاني كما سبق غير أنّه يمكن استظهار خلافه من روايتين:

احداهما: رواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله الواردة في حلف المدّعي على الميّت بعد إقامة البيّنة قال:«فإن كان المطلوب بالحقّ قد مات فأُقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعي اليمين بالله الذي لا إله إلاّ هو لقد مات فلان وأنّ حقّه لعليه فإن حلف وإلاّ فلا حقّ له...».(1)

ثانيتهما: رواية محمّد بن مسلم في الأخرس كما مرّ.(2)

ومع ذلك كلّه ففي الاستدلال بهما على ثبوت النكول نظر أمّا الأُولى فلأنّ المدّعى عليه فيها ميّت، فليس بعد امتناع المدّعي عن الحلف إلاّ إيقاف الدعوى إذ لايمكن الردّ على الطرف المقابل فلايكون الحكم بالنكول فيه دليلاً على غيره.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(482)

وأمّا الرواية الثانية فقد مرّ احتمال أنّ الإمام ردّه على المدّعي وأنّه حلف، وعدم ذكره في الرواية، لأجل كونه خارجاًعن المقصد الأصلي لأنّه بصدد بيان كيفية حلف الأخرس، لا كلّ ما يرتبط بالواقعة.

أضف إلى ذلك: أنّ الناكل من يمتنع عن الحلف بتاتاً لامن يمتنع عن قسم خاص منه ففي صحيحة أبي أُيّوب الخزاز عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : «من حلف بالله فليُصدَّق». وفي حديث أبي حمزة عن رسول الله :«ولاتحلفوا إلاّ بالله ومن حلف بالله فليُصدَّق».(1)

فقد خرجنا بالنتائج التالية:

1ـ لم يثبت استحباب الإحلاف باليمين المغلّظة إلاّ في موارد خاصة.

2ـ لايجوز جبر المدّعى عليه بها حتّى في الموارد التي ورد فيها الدليل.

3ـ لايثبت النكول بالامتناع عنها.

7ـ هل تحلّ يمينه على ترك التغليظ باختيار الحاكم؟

لو حلف على أنّه لايُغلِّظ يميناًواختار الحاكم التغليظَ يقع الكلام في موردين:

1ـ هل تنعقد اليمين على ترك التغليظ أو لا ؟

2ـ إذا صحّت يمينه فهل تحلّ باختيار الحاكم التغليظَ أو لا؟

أمّا الأوّل فالظاهر من الروايات الواردة في الأبواب الثلاثة الأُوَل من كتاب الأيمان ، كون اليمين الصادق مكروهاً قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«من أجلّ الله أن يَحلِف به أعطاه الله خيراًممّا ذهب منه».(2) وقال الصادق ـ عليه السلام ـ :«لاتحلفوا بالله صادقين ولا


1 ـ الوسائل: الجزء16، الباب 6 من أبواب كتاب الأيمان، الحديث 3ـ1.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 1 من أبواب كتاب الأيمان،الحديث 3.


(483)

كاذبين»(1) الى غير ذلك من الروايات فإذا كان مطلق اليمين مكروهاً فالمغلَّظ أشدّ كراهة، وفي تركها، أكثر إجلالاً له فتصحّ اليمين.

وربّما أشكل على الانعقاد بوجهين:

1ـ إذا كانت إجابة الحاكم واجبة، يلزم الحلف على ترك الواجب.

يلاحظ عليه: أنّه لم يدلّ دليل على وجوب الإجابة وأقصى ما يمكن أن يقال، هو الوجوب الوضعي بمعنى أنّه لو تخلف عن الإجابة، يترتّب عليه أثره الوضعي من النكول وغيره، لا أنّه واجب عليه تكليفاً وقد مرّ نفي كلا الأمرين.

2ـ التغليظ مستحبّ، واليمين على ترك المستحب، يمين على ترك الراجح فلاينعقد.

يلاحظ عليه: بأنّ الثابت هو استحبابه على الحاكم، لا على الحالف بل المستحبّ عليه ترك الحلف ودفع ما ادّعى عليه إذا بلغ مقدار ثلاثين درهماً.(2) وقد عرفت عدم المنافاة بين استحبابه عليه، وعدم وجوبه أوعدم استحبابه على المدّعى عليه وأنّه لاتلزم اللغوية.

وما ربّما يقال من تصوير استحباب التغليظ في حقّ الحالف لأجل طروء عنوان خارجي عليه وهو الإجابة لالتماس المؤمن، فيكون الحلف على تركها مرجوحاً، غير تام.

لأنّه حلف على ترك اليمين المغلّظ،وهو في حدّ نفسه أمر راجح ولم يحلف على تركها سواء التمسها المؤمن أم لا، حتّى يقال إنّ مفاد الإطلاق، هو اليمين على ترك الراجح وقد قلنا في محلّه أنّ الإطلاق ليس إلاّ رفض القيود لا الجمع بين القيود فاليمين المغلّظة بما هي هي مكروهة وقد حلف على تركها، لا أنّه حلف على تركها


1 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 1 من أبواب كتاب الأيمان،الحديث 7.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 3 من أبواب كتاب الأيمان. الحديث1.


(484)

في صورة التماس الأخ المؤمن لها وعلى ضوء ذلك، فلو التمس المؤمن قبل حلفه، على الترك ، استحبّت إجابته وإلاّ فلا موضوع لإجابة التماسه لأنّه في أمر جائز لا في أمر محرم.

وأمّا المورد الثاني فقد ظهر ممّا ذكرنا عدم انحلالها باقتراح الحاكم وذلك لأنّ التغليظ ليس واجباً ولا مستحبّاً عليه، فكيف تنحل باقتراح الحاكم؟!

ولو حاكمهما القاضي يوم الجمعة في المسجد ، فأمر بالحلف فلايعدّ حلاً لليمين، لأنّ المحلوف عليه ترك اليمين المغلّظة إذا تمكّن من غيرها، كما إذا طلب منه أن يحلف يوم الجمعة، مع كون المحاكمة يوم الخميس، أو يحلف في المسجد مع كونها في غيره وأمّا إذا كانت المحاكمة من بدء أمرها في الأزمنة والأمكنة الخاصة الّتي تعدُّ من أسباب التغليظ، فليس أمامه فرد آخر حتّى يترك. اللّهمّ إلاّ أن يقال إنّ أمامه الفرد الآخر، وهو ردّ اليمين على المدّعي فلايكون ذلك مسوّغاً لنقض اليمين كما سيوافيك في القسم التالي.

ومنه يعلم حكم من حلف على ترك اليمين مطلقاً، فلو كان مورد الدعوى أمراً مالياً، فالحلف منعقد، لإمكانه ترك الحلف وردّه إلى المدّعي وأمّا إذا كان المدّعى به أمراًغير مالي كما إذا ادّعى رجل زوجية امرأة، وقد حلفت هي على ترك اليمين، فليس أمامها سوى الحلف شيئاً آخر، إذ ليس لها الردّ إلى المدّعي. لما مرّ من أنّ مورد الردّ هو الأُمور المالية.

8ـ في حلف الأخرس

ذكروا في حلفه وجوهاً:

1ـ بالإشارة المفهمة كغيره من إنشائه عقداً أو إيقاعاًوإقراراً.

2ـ وضع يده على اسم الله في المصحف أو يكتب اسمه سبحانه ويُوضع يده عليه.


(485)

3ـ تكتب اليمين في لوح وتغسل ويؤمر بشربه بعد إعلامه.(1)

أمّا الأوّل فليس له دليل خاص سوى ما ورد في تلبيّته وتشهّده وقراءته في الصلاة بضميمة تحريك لسانه ففي رواية السكوني: عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة، تحريك لسانه وإشارته بأصبع.(2)

ونسب الأوّل إلى الشيخ في النهاية والموجود فيها هو الجمع بين الإشارة ووضع يده على اسم الله في المصحف(3) ونسب الثاني إلى ابن حمزة والموجود في الوسيلة هو التخيير بين الأوّلين والثالث.(4)

ووردت في صحّة طلاقه، كتابته الطلاق والإشهاد عليه إذا عرف الكتابة، أو وضع مقنعتها على رأسها واعتزالها.(5)

ويمكن أن يقال: إنّ مجموع ما ورد في مورد الأخرس يدلّ على عدم وجود تعبّد في المورد وعلى هذا يلزم انتخاب ما هو أقرب الطرق،وبما أنّ الإشارة مع تحريك اللسان أقرب وأصرح اكتفى ـ على ما في رواية السكوني ـ بها ولازم ذلك في خصوص مورد الحلف هو الجمع بين الإشارة المفهمة و وضع اليد على المصحف ولأجل ذلك قال الإمام في مورد طلاقه بعد ما ذكر الراوي أنّه لايكتب ولايسمع كيف يطلقها قال: بالذي يعرف به من أفعاله مثل ما ذكرتَ من كراهته وبغضهلها.

وأمّا ما ورد في الصحيحة من كتابة اليمين وغسلها وشربها فيحمل على ما إذا أريد التغليظ.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 ـ الوسائل: الجزء 4، الباب 59 من أبواب القراءة، الحديث 1.
3 ـ الطوسي: النهاية:347.
4 ـ ابن حمزة، الوسيلة:228.
5 ـ الوسائل: الجزء 15، الباب 19 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 1و5.


(486)

9ـ لايستحلف إلاّ في مجلس القضاء

10ـ يشترط المباشرة في الإحلاف

قال المحقّق:ولايستحلف الحاكم أحداً إلاّ في مجلس قضائه إلاّ مع العذر كالمرض المانع وشبهه فحينئذ يستنيب الحاكم من يحلِّفه في منزله وكذا المرأة التي لا عادة لها بالبروز إلى مجمع الرجال، أو الممنوعة بأحد الأعذار.(1)

وقال العلاّمة:ولايستحلفُ الحاكم إلاّ في مجلس حكمه إلاّ لعذر فيستنيب الحاكم للمريض والمخدَّرة، من يحلِّفهما في منزلهما.(2)

أقول: هنا مسألتان:

1ـ هل تعتبروحدة مجلس الحلف والقضاء ، ولا أثر لحلفه في غير ذلك المجلس، وإن كان مع حضور الحاكم؟

2ـ يشترط في الإحلاف مباشرة القاضي ولا تصحّ الاستنابة إلاّ في موارد خاصّة.

ولو أُريد من المستثنى منه(لا يستحلف الحاكم...) في كلام المحقّق، وحدة مجلس القضاء واليمين يترتّب عليه أمران:

أ: عدم صحّة الاستثناء(إلاّ مع العذر...) إذ لم يسبق لزوم المباشرة حتّى تستثنى منه الموارد الخاصة.

ب: يلزم عدم صحّة الدعوة إلى التغليظ في الأماكن الشريفةونحوه إذا كان القضاء في غيرها

ولما حمل الشهيد الثاني كلاً من المستثنى منه والمستثنى على بيان أمرين


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع:4/88 .
2 ـ مفتاح الكرامة:10/103، قسم المتن.


(487)

ماضيين و بذلك صحّح الاستثناء و لكن حمل أمر الوحدة على يمين غير مغلّظ وأمّا فيها فلا مانع من التعدّد.

ويمكن أن يقال إنّ المراد من مجلس القضاء أو الحكم، مجلس القاضي والحاكم.

وأنّ العبارتين ناظرتان إلى بيان معنى واحد، وهو كناية عن مباشرته للإحلاف إلاّ في موارد العذر وعندئذ تنسجم العبارة بلا إشكال.

وعلى كلّ تقدير فلنأخذ بدراسة المسألتين:

أمّا شرطية وحدة مجلس الحكم واليمين فلا دليل عليها، إذ لامانع من أن يُحلِّفه في مكان أو يسمع بيّنة المدّعي في مكان، والقضاء في مكان آخر بعد مباشرة القاضي للأُمور.بل الدليل على خلافه كما إذا استحلفه في الأماكن المقدّسة.

أمّا اشتراط المباشرة وأنّ الإحلاف لايقبل النيابة فقداستدل عليه في مفتاح الكرامة بعد الإجماع بأنّه المتبادر إلى الفهم من الاستحلاف في الروايات وأنّه من تتمة الحكم ولا حكم لغيره لأنّه العالم بالكيفية لا غير(1) واستظهرها صاحب الجواهر من قوله:«أضفهم إلى اسمي يحلفون به» الظاهر في مباشرة ذلك بنفسه فلاتصحّ الاستنابة فيه حينئذ.

يلاحظ على الجميع بأنّ استحصال الإجماع مشكل وعلى فرض وجوده غير كاشف عن النصّ واستظهار المباشرة من الأدلّة غير تام بشهادة الفرق الواضح بين الحلف والاستحلاف فإنّ الأوّل لايقبل الوكالة قطعاً، وليس الاستحلاف مثله عرفاً. وكونه من تتمة الحكم منظور فيه بل هو من مقدّماته ويجوز التوكيل في مقدّماته كما إذا احتاج القاضي إلى ترجمة كلامي المدّعي والمنكر، أو كتابة أقاريرهما في ملفّ، إنّما القضاء هو الحكم بأنّ الحقّ هو الاشتغال أو البراءة.

والذي يوضح ذلك، أنّه لو لم تقبل الاستنابة ،لمّا جازت في الموارد المذكورة في


1 ـ السيّد العاملي، مفتاح الكرامة: 10/103.


(488)

كلام المحقّق إذ لازم عدم القبول، هو مباشرة القاضي بالإحلاف ولو بالذهاب إلى بيوتهم لو لم يكن أمراً حرجياً لا إلغاء قيد المباشرة.

والحقّ، أنّه لا دليل على وحدة مجلس الحلف والقضاء، كما لا دليل على المباشرة بل تكفي الاستنابة كما لا يخفى، إذا كان النائب عارفاً بأحكامه.

البحث الثاني
في يمين المنكر والمدّعي

عقد المحقق المقصد الرابع للبحث عن أُمور ثلاثة أوّلها اليمين وقد مضى الكلام فيها وثانيها، البحث في يمين المنكر والمدّعي، وثالثها في اليمين مع الشاهد فلنأخذ بالبحث عن الثاني:

قال المحقق: اليمين يتوجّه على المنكر تعويلاًعلى الخبر، وعلى المدّعي مع الردّ ومع الشاهد الواحد. وقد تتوجّه مع اللوث في دعوى الدم.

الدعوى حقيقة عرفية لاتحتاج إلى التعريف وهي ،لاتُقبل بحكم الفطرة إلاّ مع الدليل قال سبحانه:«قُلْ هاتُوا بُرْهانكُمْْ إنْ كُنْتُمْ صادِقين» (البقرة/111) ولم يُعهد عند العقلاء إثبات المدّعى باليمين ابتداءً وإلاّ لزمت الفوضى إذ ماأكثر مِن يحلف عن كذب فيستولي على أموال الناس عن كذب ودجل وإذا لم تقترن الدعوى بالبيّنة فطبع القضية يقتضي إيقاف المخاصمة حتّى يأتي بالدليل، غير أنّ الشرائع السماوية ابتكرت إنهاء الخصومة بحلف المنكر قال رسول الله: البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر.ولأجل ذلك لاتتوجّه اليمين إلاّ على المنكر نعم استثنى منه الموارد التالية:

1ـ إذا ردّ المنكر على المدّعي.


(489)

2ـ مع الشاهد الواحد كما سيوافيك تفصيله في البحث الثالث.

3ـ في دعوى الدم إذا كانت القرائن الظنّية دالّة على كون الرجل قاتلاً مع عدم البيّنة وهي المعروفة بالقسامة.

وهناك موارد لم يذكرها المحقّق نظير:

4ـ اليمين الاستظهاري على ما سبق من الادّعاء على الميّت.(1)

5ـ إذا ادّعى شيئاً لايعلم إلاّ من قبله كما إذا ادّعت الطمث عند طلاقها.

6ـ دعوى الأمين تلف العين المأمونة وقد اشتهر: «ليس على الأمين إلاّاليمين».

7ـ دعوى الغاصب التلف.

8ـ يمين الزوج الصغير(ومثله الزوجة) إذا بلغ ووقف على أنّ الولي زوّجه من صغيرة توفّيت قبل بلوغه وتركت مالاً فيحلف على أن ّ رضاه بالعقد ليس لأجل التركة بل لو كانت حية لرضى بعقدها وزوجيتها ، على ما حرّر في محلّه.

كان مقتضى القاعدة في هذه الموارد العمل بأصل البراءة وإيقاف الدعوى حتّى يقيم البيّنة ، لكن عدم العمل به، لأجل أحد أمرين:

إمّا دلالة القرائن على صدق المدّعي كما في مورد الشاهد الواحد، أو مورد الدم أو لصيانة الحقوق عن الضياع كما في سائر الموارد ففي إيجاب الحلف ـ على المؤمن ـ نوع تحفظ على الحقوق.

قال المحقّق:«فلايمين للمنكر مع بيّنة المدّعي لانتفاء التهمة».

توضيحه: أنّ المحقّق علّل توجّه اليمين على المنكر بالأخبار الدالّة على أنّها للمنكر. كما علّل عدم توجّهها على المدّعي إذاكانت معه بيّنة بانتفاء


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(490)

التهمة.ومعنى ذلك أنّه لو كانت البيّنة متهمة يجب أن تضمّ إليه اليمين وهو كما ترى، لما عرفت من أنّ التفصيل ، قاطع للشركة فالبيّنة للمدّعي، واليمين على من أنكر ولاتضمّ اليمين إلى البيّنة، إلاّ في مورد، أو موردين .

نعم إذا كانت البيّنة متّهمة، كان على القاضي، الفحص والتفتيش، كما لايخفى لاضمّ اليمين إليها.

نعم في رواية شاذة ضمّ اليمين إلى البيّنة وهي مهجورة(1) مضافاً إلى إرسال في السند. كما سبق.

الحلف على الواقع أو على نفي العلم

إذا توجّه الحلف على المنكر ، أو على المدّعي يقع الكلام في كيفية الحلف وانّه هل يحلف على البتّ والقطع ، أو على نفي العلم، أو يُفصّل بين فعل نفسه إثباتاً و نفياً فبالبتّ وفعل الآخر إثباتاً و نفياً فبنفي العلم أو يُفصّل في فعل الغير بين إثباته فبالبتّ، ونفيه فبنفي العلم، وجوه:

قال الشيخ في الخلاف: الحالف إذا حلف على فعل نفسه حلف على القطع والبتات نفياً كان أو إثباتاً وإن كان على فعل غيره فإن كان على الإثبات كانت على القطع وإن كانت على النفي كانت على نفي العلم وبه قال الشافعي.وقال الشعبي والنخعي كلّها على العلم.وقال ابن أبي ليلى كلّها على البتّ.

قال :دليلنا أنّ النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم حلّف رجلاً فقال:قل والله ما له عليك حقّ، فلمّا كان على فعل نفسه استحلفه على البتّ، ولأنّها إذاكانت على نفسه احاط علمه بما يحلف عليه ،فكُلِّف بما يقدر عليه، وهكذا إذا كانت على الإثبات على فعل الغير لأنّه لايثبت شيئاً حتّى يقطع به، فإذا كانت على النفي لفعل الغير لم يحط علمه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.


(491)

بأنّ الغير لم يفعل كذا لأنّه قد يفعله ولايعلم.(1)

هذا التفصيل وإن كان حسناً في بادئ النظر، لكن لايخلو من إشكال، فإنّ الإنسان وإن كان بصيراً على نفسه وفعله، لكن ربّما ينسى ما قام به، في مجال الإثبات والنفي وإلزامه على الحلف على الواقع مع عدم استحضاره له كما ترى، كما أنّه ربّما يقف على فعل الغير إثباتاً ونفياً كما إذا بيّت مع زيد وشاهد أنّه لم يؤدّ النفل أو الفرض. أو الدين أوالرهن وعلى ذلك فلابدّ من مقياس آخر، يعيِّن كيفية الحلف.

وهناك قول رابع وهو الفرق بين مورد يسهل الاطّلاع على الواقع ، فبالبتّ وما يعسر عليه فبنفي العلم، من غير فرق بين الحلف على فعل الشخص أو فعل الغير.

كيفية الحلف تتبع كيفية الإنكار

والذي يمكن أن يقال أنّ وزان اليمين في مقام الإنكار، وزان البيّنة في مجال الإثبات، فكما أنّه يشترط في الاحتجاج بالبيّنة مطابقتها، للمدّعى بأن تثبت ما يدعيه المدّعي فهكذا الحلف فالمنكر، يُحتج بحلفه على صدقه في الإنكار، فلابدّ أن يكون مطابقاً، لإنكاره حذوَ مطابقة البيّنة للادّعاء. وعلى ضوء ذلك فلو كان الإنكار متعلّقاً بالواقع بمعنى أنكر أن يكون مديوناً كذلك، فعليه الحلف على البتّ والقطع، فلو قال المدّعي :بعتُك شيئاً بثمن كذا أو أقرضتك كذا أو جنيتَ عليّ كذا، وأجاب المنكر لم يكن واحد منه، فيحلف على البتِّ واليقين، وعلى عدم وقوع شيء منه لما ذكرنا من أنّ شأن اليمين تأكيد ما ينكره المنكر، كما أنّ شأن البيّنة إثباتُ ما يدّعيه المدّعي فلا محيص عن التطابق.

ولو كان الإنكار متعلّقاً بنفي العلم وأنّه لا يذكر شيئاًوكان المدّعي يكذِّبه،


1 ـ الطوسي، الخلاف: الجزء3،كتاب الشهادات، المسألة 34.


(492)

ويدّعي علمَه بالواقع، فعليه الحلف على نفي العلم.

ولو صدّقه على عدم علمه وأنّه صادق في قوله: «أنّه غير ذاكر»، فيسقط الحلف لعدم الحاجة إليه فصارت الأقسام ثلاثة يحلف في واحد على البتِّ، وفي واحد آخر على عدم العلم، وفي ثالث يسقط الحلف بتصديق المدّعي، عدم ذُكْر المنكر.

وعلى ما ذكر من أنّوزان يمين المنكر، وزان بيّنة المدّعي، تستغني المسألة عن إقامة أيّ دليل.

واحتمل المحقّق الأردبيلي في صدر كلامه كون الواجب هو الحلف على البتّ، مطلقاً لأنّه الوارد دون غيره حيث حلَّفَ أمير المؤمنين الأخرس على عدم ثبوت الحقّ عليه، لا على نفي العلم.(1)وكذا ما تقدّم من الدعوى على الميّت مع البيّنة فإن الحلف هناك كانت على الثبوت والجزم.(2) وما تقدّم في صحيحة ابن أبي يعفور حيث حلف أن لاحقّ له قبله.(3)

ثمّ إنّه رتّب على ما ذكره أنّه لو قال المنكر: إنّي ما أحلف على عدمه فانّي ما أعلم، بل أحلف على عدم علمي بثبوت حقّك في ذمّتي، لايكفي بل يؤخذ بالحقّ بمجرّد ذلك حينئذ إن قيل بالقضاء بالنكول، أو بعد ردّاليمين على المدّعي إن لمنقل به ثمّ احتمل عدم القضاء بالنكول وإن قيل به في غيره بل يجب الردّ، بل احتمل الاكتفاء في الإسقاط بيمينه على عدم علمه بذلك للأصل.(4)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ الروايات المذكورة لاتثبت ضابطة كلية، فإنّ المورد فيها قابل للحلف على الواقع فلاتكون دليلاً على ما لايقبل.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
4 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/191.


(493)

وثانياً: كيف يمكن الحكم بالنكول إذا لم يحلف على الواقع لعدم قدرته على الحلف؟ أو كيف يمكن أن يردّ اليمين الّتي ليس مالكاً لها، فإنّ القضاء عليه بالنكول أو بالردّ، ثابت، فيما إذا تمكّن من الحلف ولم يحلف أو لم يردّ، لا ما إذا لم يتمكّن؟

نعم لو ردّ المنكر الحلف على المدّعي فيما يصحّ له الحلف فليس للمدّعي إلاّالحلف على البتّ، لأنّه يريد أن يتصرّف في مال الغير، ولايتصرّف فيه إلاّ بالعلم بكونه محقّاً. وكم فرق بين المنكر الذي ربّما يُكتفى فيه باليمين بعدم العلم، والمدّعي الذي لايكتفي فيه إلاّ بالحلف البتّ، فإنّ المنكر معه أصل البراءة، وهو بيمينه مدعم له، بخلاف المدّعي، فالأصل مخالف لادّعائه ولا يعدل عن الحجّة إلاّ بالحجّة أي العلم بالاشتغال.

الحلف البتّ اعتماداً على الأصل

ثمّ إنّ الوارد في غير واحد من الروايات ، عدم الحلف إلاّ عن علم، ففي صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله: «لايحلف الرجل إلاّعلى علمه»(1)وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:«لايستحلف الرجل إلاّ على علمه»(2) وغيرهما. والكل متّفق على أنّ الرجل يحلف أو يستحلف على ما علم أو بمقدار ما علم .

وعلى ضوء هذا فلايحلف إلاّ عن علم أو ما نزّله الشارع منزلة العلم، وجعله حجّة أو أمضى عمل العقلاء به لأجل كونه طريقاً إلى الواقع ، فيشمل ما إذا قامت البيّنة عليه، أو خبر العدل على القول بحجّيته في الموضوعات أو اليد وقد ورد بها النصّ في حديث حفص بن غياث(3) وأمّا الحلف اعتماداً على أصالة


1 ـ الوسائل: الجزء 16 ، الباب 22، من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 1ـ 2 وانظر الحديث 3و4 من هذا الباب.
2 ـ الوسائل: الجزء 16 ، الباب 22، من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 1ـ 2 وانظر الحديث 3و4 من هذا الباب.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 25، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(494)

الصحّة أو الاستصحاب فمشكل جدّاً وإن قال المحقّق: وتجوز الشهادة على الاستصحاب كما سيوافيك في بابها.

فروع تمرينية

ذكر المحقّق في الشرائع والشهيد في المسالك والنجفي في الجواهر فروعاً تعدّ مسائل تمرينية بالنسبة إلى الضابطة الّتي قدّمها المحقّق وغيره لكيفيّة الحلف والجميع تبتني على الفرق بين فعل النفس، فبالبتّ وفعل غيره فبنفي العلم خلافاً لما حققناه ولأجل عدم صحّة الضابطة ندرس هذه الفروع ونأتي بما ذكره القوم بنصوصه ثمّ نذكر ما هو المختار.

قال المحقّق:

1ـ لو ادّعى عليه ابتياع شيء أو قرض أو جناية فأنكر.

2ـ لو ادّعى على أبيه الميّت.

3ـ لو ادّعى قبض وكيله ما عليه من الدين.

فذكر: في الأوّل انّه يحلف على الجزم وفي الثاني لم يتوجّه عليه اليمين بالبتّ ما لم يدَّع عليه العلم، فيكفيه الحلف أنّه لايعلم ومثله الثالث.

وما ذكره مطابق لما اختاره من الفرق بين فعل النفس فيحلِف على البتّ، وفعل الغير، فلايحلف إلاّ على نفي العلم وأمّا على ما ذكرناه فتتبع كيفيةُ الحلف، كيفيةَ الإنكار من غير فرق بين فعل النفس وفعل الغير فيصحّ في الأوّل، الحلف على نفي العلم، إذا قال لاعلم لي بما تقول، وفي الثاني والثالث، على نفي الواقع، إذا أنكر كون أبيه جانياً أو وكيله آخذاً، وأنّه عالم بالعدم كما ربّما يتفق. وهذه الفروع هي الّتي ذكرها المحقّق وإليك ما ذكره الشهيد الثاني وغيره:

4ـ لو ادّعي عليه أنّ عبده جنى على المدّعي ما يوجب كذا فأنكر قالوا فيه وجهان:


(495)

أحدهما: أنّه يحلف على نفي العلم لأنّه حلف متعلّق بفعل الغير .

الثاني: أنّه يحلف على البتّ لأنّ عبده ماله وفعله كفعل نفسه ولذلك سُمِعَتْ الدعوى عليه.

وربّما بني الوجهان على أنّ أرش الجناية يتعلّق بمحض الرقبة أم يتعلّق بالرقبة والذمّة جميعاً حتّى تُتبَعَ (1)بما فضُل بعد العتق فإن قلنا بالأوّل حلف على البتّ لأنّه يحلف ويخاصم لنفسه وإن قلنا بالثاني فعلى نفي العلم لأنّ للعبد على هذا ذمّة تتعلّق بها الحقوق، والرقبة كالمرتهنة بما عليه(2)

لايذهب عليك أنّ بناء الأحكام الشرعية على هذه الوجوه لايصحّ على أُصولنا فالأولى أن يقال إنّ كيفية الحلف تتبع كيفية الإنكار. سواء عدّ فعلُ العبد فعلَ نفسه أو لا، إذ لو لم يكن عالماً بالواقع وافترضنا كون فعله فعل نفسه كيف يحلف على البتّ ، ولو افترضنا علمه به يحلف على الواقع ، وإن لم يكن فعلُه، فعلَ المولى.

5ـ ما إذا أُدّعي عليه أنَّ بهيمته اتلفت زرعاً أو غيره حيث يجب الضمان بإتلاف البهيمة فأنكر قيل يحلف على البتّ لأنّ البهيمة لاذمّة لها، والمالك لايضمن بفعل البهيمة وإنّما يضمن بالتقصير في حفظها وهذا أمر يتعلّق بنفس الحالف.

والظاهر عدم الفرق بين كون مصبّ الدعوى تقصيره في حفظها، أو إتلافها الزرع أو غيره مع اجتماع سائر شروط الضمان فالإتلاف في كلتا الصورتين يستلزم الضمان فعليه الحلف، فتتبع كيفية الإنكار.


1 ـ المسالك :2/414، الظاهر أنّ الفعل مؤنث مبنيّ للمفعول والضمير يرجع إلى الذمّة أي تكون ذمّة العبد هي المسؤولة لأرش الجناية الزائد على قيمة العبد. فالمولى هو المسؤول بمقدار قيمته، وأمّا الزائد عليها فعلى ذمّة العبد يؤديها بعد العتق.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/414.


(496)

6ـ لونصب البايع وكيلاً ليقبض الثمن ويُسَلِّمَ المبيع فقال له المشتري أنّ موكلّك أذن في تسليم المبيع وأبطل حقّ حبس المبيع وأنت تعلم فوجهان أنّه يحلف على نفي العلم ويديم الحبس إلى استيفاء الثمن لأنّه حلف على فعل الغير، والثاني يحلف على البتّ لأنّه يثبت لنفسه استحقاقَ اليد على المبيع.

وأنت تعلم، أنّه إذا أنكر الوكيل إذن الموكّل من رأس لماذا يحلف على نفي العلم، ثمّ كيف يحلف على البتّ فيما إذا لم يكن واقفاً على الواقع، والحقّ أنّ كيفية الحلف تتبع كيفية الإنكار.

7ـ لو طولب البايع بتسليم المبيع فادّعى حدوث عجز عنه وقال للمشتري: أنت عالم به، قيل يحلف على البتّ لأنّه يستبقي بيمنيه وجوب تسليم المبيع إليه، ويحتمل الحلف على نفي العلم لأنّ متعلّقه فعل الغير.

وفي كلا الوجهين ما لايخفى، لأنّه كيف يحلف بالبتّ على نفي العجز، إذا لم يكن له علم عليه، أو لماذا يحلف على نفي العلم ، بعدم العجز، إذا كان عالماً بالعجز.

8ـ إذا مات عن ابن في الظاهر فجاء آخر فقال: أنا أخوك فالميراث بيننا، فأنكر قيل يحلف على البتّ لأنّ الاُخوة رابطة جامعة بينهما، ويحتمل قوّياً حلفه على نفي العلم.(1)

ويعلم ضعفه ممّا ذكرناه في الفروع السابقة والميزان هو ما ذكرناه ثمّ إنّ المحقّق ذكر فروعاً قد تبيّن أو تقدّم حكمها وقال:

1ـ أمّا المدّعي ولا شاهد له فلا يمين عليه: لقوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر(2) لما تقدّم من أنّ التفصيل قاطع للشركة.


1 ـ زين الدين العاملي: المسالك:2/414.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3، من أبواب كيفية الحكم.


(497)

2ـ إذا نكل المدّعى عليه عن الحلف أو ردّ، تتوجّه اليمين على المدّعي، ويحلف على الجزم. وقد مضى ما هو الحقّ وأنّه لايكفي النكول، بل يتوقّف على الردّ ولايكفي الحلف على نفي العلم، لأنّه يدّعي الحقّ على الطرف الآخر على وجه الجزم فيحلف طبق ادّعاءه، وبعبارة هو يدّعي أمراً على خلاف الأصل فلايعدل عنه إلاّ بحجّة قطعية .

3ـ لو ردّالمنكر اليمين، ثمّ بذلها قبل الحلف، وقد مضى الكلام فيه.(1)

ماهوالمحلوف عليه

قدعرفت انّه يشترط أن يكون الحلف مطابقاً للإنكار من حيث البتّ وعدمه ولانعيد،ويقع الكلام في مطابقة المحلوف عليه لأحد الأمرين : ادّعاء المدّعي، أو جواب المنكر قبل الحلف أو عدمها، فهناك احتمالات ثلاثة:

الأوّل : الحلف وفق الادّعاء

لو أُدّعي عليه أمر مطلق كما إذا قال: لي عليك مائة دينار فيجب أن يكون المحلوف عليه نفس ما جاء في كلام المدّعي وأمّا إذا قال لي: عليك من ثمن مبيع أو أُجرة أو غصب كذا دينار، فيلزم أن يكون المحلوف عليه وفقَ ما ادّعي عليه، سواء أجاب في مقام الإنكار، بنفي المسبب أي الاستحقاق من دون ذكر أيّ سبب ، أو نفي السبب كما إذا قال لم أغصب أو لم أستأجر.

وهذا الاحتمال وإن لم يذكره المحقّق و شرّاح الشرائع لكنّه أوفق بمقام القضاء فإنّه أمر عرفي فإذا ادّعي عليه شيء فالجواب الحقيقي لدى العرف، هونفي ما أُدّعي عليه ولو أحلفه الحاكم، يجب أن يحلف على نفي ما ادّعي عليه ولو افترضنا أنّه أجاب بنفي الاستحقاق، فيعدّ الجواب انحرافاً عن الجواب الحقيقي،


1 ـ لاحظ ص413 من كتابنا هذا.


(498)

فلايصحّ الحلف عليه بعد الاعتراف بالانحراف.

ومثله ما إذا ادّعى عليه بالجناية، فالإجابة بنفي الاستحقاق لايعدّ جواباً حقيقياً، فكيف يصحّ الحلف عليه. وهذا الوجه وإن لم يذكر في كلامهم لكنّه هو القدر المتيقّن من أدلّة الحلف، وليس في الروايات دليل خاص حتّى يؤخذ بمضمونه.

وأمّا رواية تحليف الأخرس الذي ادّعي عليه دين ولم يكن للمدّعي بينة، فحلَّفه الإمام بالنحو التالي: ليس قبل فلان أعني الأخرس حقّ، ولا طلبة بوجه من الوجوه ولا سبب من الأسباب .فلايعدّمثل ذلك مخالفاً لما ذكرناه فإنّه نفى جميع الأسباب التي منها الدين. والنفي الاستغراقي أتمّ في نظر العرف من نفي خصوص الدين على أنّك عرفت ضعف الحديث.

هذا ولكن الذي يصدّنا عن الافتاء به، هو أنّ إلزام المنكر، على الإجابة وفقَ الادّعاء ربّما يجرّ الضرر، كما إذا ادّعى المدّعي، الدين عليه وكان المنكر قد أدّاه بلا شاهد.فلو أُلزم على الحلف على وفق الادّعاء بأن يقول:«ما استدنت» يلزم الحلف على الكذب، وإن اعترف بالدين لكن ضمّ إليه القول بالأداء، يلزم الانقلاب، ويكون المنكر مدّعياً،و لم يتوجّه اليمين إليه ابتداءً إلاّ إذا ردّ المدّعي إليه اليمين.

فلأجل ذلك المحذور هناك طريقان:

1ـ يحلف على نفي الادّعاء لأجل الضرورة لدفع الضرر.2ـ ليس للقاضي إلزام المنكر رعاية ادّعاء المدّعي، والجواب والحلف على إنكاره.

الثاني: الحلف وفق الجواب

إنّ المنكر قبل أن يحلف، يجيب بشيء، ثمّ يؤمر بالحلف وهناك صور نذكرها:

1ـ إذا لم يذكر السبب في الادّعاء ولا في الجواب بأنّ لي عليك مائة دينار


(499)

وأجاب بنفي الاستحقاق، فلو حلف على نفي الاستحقاق كان الحلف وفق الجواب، بل وفق الادّعاء أيضاً.

2ـ إذا ذكر السبب كالقرض والغصب ، ونفى السبب المدّعى في الجواب، وحلف على نفي السبب الوارد في الجواب، كان الحلف وفق الجواب بل الادّعاء.

3ـ إذا ادّعى غصباً أو إجارة وأجاب بنفي الاستحقاق، كان عليه رعاية الجواب والحلف على نفي الاستحقاق لكون الملاك كون الحلف وفق الجواب ولا خلاف في هذه الصور الثلاث.

4ـ نعم إذا ادّعي عليه سبب خاص كالغصب والإجارة وأجاب بنفي السبب الخاص وحلف على نفي الاستحقاق فنقل عن الشيخ لزوم كون الحلف على وفق الجواب، ولايكفي نفي الاستحقاق ولكن عبارته في المبسوط لاتدلّ على التعيين بل ذكر القولين بلا ترجيح قال:

إذا ادّعى عليه رجل حقّاً بجهة خاصّة بأن يقول :غصبتني عليّ كذا أو اشتريتُ منه كذا أو أودعتُه كذا فإن قال:لاحقّ له عليّ فإنّه يحلف على ذلك ولايحلف على أنّه ما غصب وما أودِع.( الصورة الثالثة في كلامنا).

فإن قال الجواب :ما غصبتُ ولا أُودعتُ قال: قوم يحلف عليه(وهو الذي نسبه المحقّق إلى الشيخ) وقال آخرون: يحلف على أنّه لا حقّ له عليه.(1)

الثالث: كفاية الحلف على نفي الاستحقاق

وهذا خيرة المحقّققدَّس سرَّه،قال في حقّ الصورة الرابعة: وإن اقتصر على نفي الاستحقاق كفى. وقدرته على الحلف على الخاص (كما يظهر من جوابه قبل الحلف) لايثبت تعيّنه وربّما يتعلّق الفرض بتغيّر المحلوف عليه.


1 ـ الطوسي: المبسوط:8/207.
Website Security Test