welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(440)


الفصل الثالث:

في سكوت المدّعي

قد تقدّم أنّ المدّعى عليه، إمّا أن يُقرّ، أو يُنكر أو يسكت، وقد مضى الكلام في الأوّلين وبقي الكلام في الثالث، فإذا سكت ولم يجب بإثبات ولا نفي فهو على قسمين:

إمّا أن يسكت عمداً وعناداً أو يسكت لآفة فيه من طرش أو خرس. والكلام في القسم الأوّل.

ثمّ إنّ السكوت إمّا مع وجود البيّنة للمدّعي أو مع عدمها، لاخلاف فيما إذاأقام بيّنة فإنّ القاضي يحكم بها وإن سكت المدّعيعليه إذ مع قيام الحجّة يجب القضاء على القاضي ، غاية الأمر يلزم عليه إلفات نظر المدّعى عليه إلى أنّ له جرح بيّنة المدّعي أو نقد ما أقام من دليل فإذا سكت فقد عمل القاضي بواجبه فيتمحض الكلام في السكوت عن عمد، مع عدم البيّنة للمدّعي.

ثمّ الأقوال فيه مختلفة:

1ـ يُلزم بالجواب فإن أصرّ حُبِس حتّى يجيب.

2ـ يُجبر حتّى يجيب من غير حبس بل يضرب ويبالغ معه في الإهانة إلى أن يحصل الغرض.

3ـ يقول له الحاكم ثلاثاً: إن أجبت وإلاّ جعلتك ناكلاً ورددت اليمين على خصمك. على القول بعدم القضاء بمجرّد النكول، وإلاّ فيقضى عليه بلاحاجة إلى ردّ اليمين .

والأوّل هو المشهور، والثاني لاقائل به والثالث خيرة الشيخ في المبسوط وابن


(441)

إدريس في السرائر.(1)

ويظهر من العلاّمة قول رابع في التحرير وهو أنّه قيد الحكم بالنكول بالقول عليه باللطف والغلظة أوّلاً حتّى ينتهي إلى القضاء بالنكول.(2)

كما أنّه يظهر من الشهيد في الروضة (3) قول خامس وهو التخيير بين الحبس و النكول بردّ اليمين على المدّعي وهو خيرة ابن البرّاج أيضاً.(4)

ثمّ الظاهر من كلمات الفقهاء أنّه يكفي الحبس من دون شيء معه، لكن صاحب الرياض قدّم اللطافة بالرفق، ثمّ بالإيذاء والشدّة متدرّجاً من الأدنى إلى الأعلى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن أجاب وإلاّ حبسه.(5)وهذا يكون قولاً سادساً وليس نفسَ القول الثاني، فإنّه مبني على الضرب حتّى يجيب. وإليك نقل بعض الكلمات:

1ـ قال المفيد:إن كان صحيحاً وإنّما يتجاهل، ويعاند بالسكوت، أمر بحبسه حتّى يُقِّر أو ينكر إلاّ أن يعفو الخصم عن حقّه عليه.(6)

2ـ قال الشيخ الطوسي :إذا ادّعى على غيره دعوى فسكت المدّعى عليه أو قال: لاأُقرّ ولا أُنكر فإنّ الإمام: يحبسه حتّى يجيبه بإقرار أو بإنكار ولايجعله ناكلاً وبه قال أبوحنيفة وقال الشافعي :يقول له الحاكم ثلاثاً إمّا اجبتَ على المدّعي وإلاّ جعلناك ناكلاً ورددنا اليمين على خصمك، وقال: ـ دليلناـ أنّ الأصل البراءة وردّ اليمين في هذا الموضع وجعله ناكلاً يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدلّ عليه.(7)


1 ـ الطوسي، المبسوط:8، آداب القضاء16; ابن إدريس، السرائر:2/162.
2 ـ العلاّمة، تحرير الأحكام:2/189.
3 ـ زين الدين العاملي، الروضة البهية:1/285، كتاب القضاء، ط عبد الرحيم.
4 ـ ابن البرّاج، المهذَّب:2/586.
5 ـ السيّد علي الطباطبائي، الرياض:2/343.
6 ـ المفيد، المقنعة: 725.
7 ـ الطوسي، الخلاف: كتاب القضاء، المسألة 37.


(442)

3ـ وقال في نهايته: أمر بحبسه حتّى يُقر أو يُنكر إلاّ أن يعفو الخصم.(1)

4ـ وقال ابن حمزة: إذا سكت عن الجواب تعنّتاً يحبسه الحاكم حتّى يُقرّ أو يُنكر إلاّ أن يعفو الخصم.(2)

5ـ وقال ابن سعيد:«وإن لم يجب وهو صحيح حبس حتّى يجيب».(3)

6ـ وقال ابن البرّاج بالتخيير بين جعله ناكلاً والحبس وإن كان الأوّل أولى قال:فإن سكت أو قال: لاأقرّ ولا أُنكر، قال الحاكم له أن أجبت عن الدعوى وإلاّ جعلتك ناكلاً ورددّت اليمين على خصمك، وذُكر أنّه يحبسه حتّى يجيب إمّا بإقرار أو بإنكار ولايجعله ناكلاً وما ذكرناه أوّلاً هو الظاهر من مذهبنا ولابأس بالعمل بالثاني.(4)

7ـ وقال الشيخ في المبسوط بالقول الثالث أي جعله ناكلاً.(5)

8ـ وقال ابن إدريس:والصحيح من مذهبنا وأقوال أصحابنا وما يقتضيه المذهب أنّه في المسألتين (إذا سكت أو أقرّ بشيء ولم يبيّن) أنّه يجعله الحاكم ناكلاً ويردّ اليمين على المدّعي.(6)

دليل القول بالحبس

استدل للقول الأوّل بوجهين:

1ـ إنّ الجواب حقّ للمدّعي فيتوصّل في تحصيله إلى حبسه كما إذا ثبت الحقّ بإقراره أو ببيّنة، مع إنكاره فيحبس حتّى يؤدّى.

يلاحظ عليه: أنّه ممنوع صغرى وكبرى.


1 ـ الطوسي، النهاية:كتاب القضاء والأحكام.
2 ـ ابن حمزة، الوسيلة:212.
3 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع:254.
4 ـ ابن البرّاج، المهذّب:2/586.
5 ـ الطوسي، المبسوط: 8، في آداب القضاء 16.
6 ـ ابن ادريس، السرائر:2/162.


(443)

أمّا الأُولى فإنّ كون الجواب حقّاً، يتوقّف على وجود دليل عليه من شرع أو عرف، والأوّل غير موجود والثاني إنّما يصحّّ إذا ترافعا إلى القاضي بالرضا والرغبة، أو كانت بين الشخصين صلة تجارية أو غير ذلك بما يُصحِّحُ في نظر العرف لزومَ الإجابة على المدّعى عليه.

وأمّا الثاني: فلو سلّمنا أنّه حقّ ولكن لا دليل بوجه كلّي يدلّ على جواز حبس من عليه الحقّ إذا أمسك عن مثل هذا الحقّ(الجواب) خصوصاً إذا أمكن للمدّعي التوصّل إلى تحصيله بطريق أسهل وأخف كما في كلام سيّد الرياض.

2ـ النبوي المعروف: «ليّ الواجد أو مطله يُحِلُّ عقوبته وعرضَه» وفي آخر«حبسه» المعتضد بما في النصوص الواردة حول حبس أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ الغريمَ بالليّ والمطل من دون ضرب أو إهانة.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّ الوارد من طرقنا هو «ليّ الواجد بالدين ـ يُحِلُّ عرضه وعقوبته» (1)، أنّ لفظ الواجد منصرف عن هذا النوع من الوجدان.والظاهر أنّ المراد واجد المال.

دليل القول بالإجبار

استدل للقول الثاني أي الإجبار بالضرب بأنّه مقتضى الأمر بالمعروف.

يلاحظ عليه: أنّه لو تمّ لدلّ على قول صاحب الرياض من تقديم اللطافة بالرفق ثمّ الإيذاء والشدّة متدرّجاً من الأُولى إلى الأعلى وأين هو من الابتداء بالضرب؟!

دليل القول بجعله ناكلاً

استدل للقول الثالث برواية عبد الرحمان بن أبي عبد الله تارة بصدرها


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 8 من أبواب القرض، الحديث 4.


(444)

وأُخرى بذيلها.

أمّا الصدر قال: خبّرني عن الرجل يدعي قِبَل الرجلِ الحقَ فلم تكن له بيّنة بماله، قال فيمين المدّعى عليه فإن حلف فلاحقّ له.وإن لم يحلف فعليه .(1)

وقد تقدّم انّ للحديث تفسيرين:

1ـ إن لم يحلف المدّعى عليه فعليه «الحقّ»، فضمير المجرور يرجع إلى المدّعى عليه، ،والمبتدأ المحذوف، هو الحقّ وعليه لايحتاج إلى ردّ اليمين بل يقضى بالنكول.

2ـ إن لم يحلف المدّعى عليه، فعلى المدّعي اليمين وهذا يدلّ على عدم كفاية النكول بل يتوقّف على الردّ إلى المدَّعي.

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: أنّ الصدوق نقل مكان الفقرة الثانية قوله:«وإن ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف فلاحق».(2)وعلى هذا فلادلالة للحديث للمقام على وجه القطع.

وثانياً: أنّ منصرف الحديث المنكر ولايعمّ الساكت .

وأمّا الذيل: فقوله:«ولو كان حيّاً لأُلزم اليمين، أو الحقّ، أو يردّ اليمين.

فانّه يدلّ على أنّه يجب على المدّعى عليه أحد الأُمور الثلاثة:

1ـ اليمين ، أو الإلزام بالحق(المدّعى به) أو الإلزام بردّ اليمين، وحيث امتنع الأوّل والثالث بسكوته، يتعيّن الإلزام بالحقّ هذا كلّه على أنّ الفعل (يرد) مبني للفاعل، وإلاّ فيتوقف على ردّ الحاكم اليمين إلى المدّعي.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الصدوق، الفقيه: 3/38.


(445)

وقد اختاره من المتأخرين السيّد الطباطبائي قال:فإنّه (ذيل الحديث) يدلّ على إلزامه بالحقّ إذا سكت ولم يحلف ولم يردّ بل الظاهر من الموضعين (الصدر والذيل) من الخبر، الإلزام بالحقّ، بمجرّد عدم الحلف وعدم الردّمن غير حاجة إلى ردّ الحاكم اليمينَ على المدّعي.(1)

يلاحظ عليه:مضافاً إلى انصرافه عن الساكت، أنّه مبني على تفسير قوله:«بالحقّ» بالذي ادّعى عليه، مع أنّه من المحتمل أنّه يُلْزم بالحقّ الذي اعترف به ويدلّ على ذلك أنّه لو كان المراد منه الحقّ الذي ادّعي عليه يجب تأخيره عن قوله:«يردّ اليمين» لأنّ إلزام القاضي إيّاه بدفع الحقّ إنّما يصحّ إذا لم يحلف ولم يردّ و طبع الحال حينئذ يقتضي أن يقال:

يلزم على المدّعى عليه، إمّا أن يحلف أو يردّ اليمين على المدّعي وإلاّفعليه الحقّ الذي ادّعى عليه، وبعبارة أُخرى: يجب عليه أن يدافع عن نفسه بأحد الحلفين وإلاّ فيدفع ما ادّعي عليه مع أنّه ذكر بين الحلفين وهذا يدلّ على أنّ المراد هو الحقّ الذي اعترف به.

وربّما يستدلّ على هذا القول بأنّ الساكت في قلبه إمّا مقرّ أو منكر فلو كان مقرّاً فلا إشكال في إلزامه بالحقّ، وإن كان منكراً فهو بسكوته ممتنع عن الحلف والردّ فيلزم بالحقّ إذا كان النكول كافياً أو بعد ردّ اليمين إلى المنكر إذا لم يكن الردّ كافياً.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتمّ لو كان الموضوع هو الأعم من الظاهري والقلبي فيكون حكم الإقرار والإنكار القلبيين ، حكم الظاهريين منهما وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع هو الظاهري منهما فيكون الساكت قسماًثالثاً فلو ثبت للمنكر والمقرّ حكم فلايثبت للساكت.وبما أنّ العنوان غير محرز والموضوع غير معلوم فلايمكن


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/103.


(446)

القطع بالحكم.

ثمّ إنّه قد يعترض على القول الثالث بأنّه لو اقتضى السكوتُ ردَّ اليمين على المدّعي لاقتضى ذلك في الصغير والمجنون والغائب والميّت وعندئذ يلزم صحّة القضاء على هؤلاء بدون البيّنة والاكتفاء باليمين المردودة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الفارق وجود النصّ في الادّعاء على الميّت حيث دلّ على لزوم البيّنة مع يمين المدّعي دون المقام ، أضف إليه وجود الفرق بين المقام والميّت وما أشبهه وهو أنّ المدّعى عليه في المقام قادر على الإجابة ولكنّه لايجيب وهذا بخلاف هؤلاء فإنّهم بين غيرقادر كالميّت والغائب ومن لايترتّب الأثر على جوابه كالصبيّ والمجنون.

والأولى أن يقال: ـ بعد عدم دليل واضح لواحد من هذه الأقوال ـ إنّ الظاهر تفويض الأمر إلى القاضي في انتخاب الأُسلوب الناجح في حمل الساكت إلى التكلّم وهو يختلف حسب اختلاف الظروف وتعيين الطريق الخاصّ في ذلك المجال لايلائم أُصول مذهبنا. وذلك لأنّ الإسلام دين عالمي وخاتم لعامّة الشرائع ، فلازم ذلك بيان اللب وترك القشر ولباس الحكم وكيفية إجرائه على مقتضى الزمان، وربّما يقتضي الورود من باب اللطف وأُخرى من باب الخشونة ولكلّ أقسام.

نعم القضاء على الساكت بالنكول أو بعد ردّ اليمين على خلاف القاعدة فيكون منحصراً بمورده ولايتجاوز عنه إلاّ بدليل.

القسم الثاني: السكوت المستند إلى الآفة

إذا كان السكوت لأجل آفة في المدَّعى عليه من طرش أو خرس قال


1 ـ الجواهر :40/210.


(447)

المحقّق:«تُوصِّل إلى معرفة جوابه بالإشارة المفيدة لليقين» أي اليقين بكونه مقرّاً أو منكراً.

وجهه: انّ اشارته قائمة مقام اللفظ لغير ذوي الآفة ولايصحّّ القضاء في غير ذوي الآفة إلاّ بعد القطع بالمراد من كلامهم ولايكفي الظنّ به والمقصود من القطع بالمراد، هو المراد الاستعمالي منه، لا المراد الجديّ إذ ليس للّفظ دور، سوى الدلالة على المراد الاستعمالي، لا المراد الجدّي إذ الوقوف عليه على عاتق سائر الأُصول والقرائن ولذلك ذهبنا في الأُصول عند البحث عن حجّية الظواهر إلى أنّ دلالتها على المراد الاستعمالي قطعية لاظنيّة والمجمل والمتشابه خارجان موضوعاً عن الظواهر والتفصيل في محلّه.وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده صاحب الجواهر من إلحاق إشارة الأخرس باللفظ الذي يكتفى بالظن بالمراد منه .(1)

قال المحقّق:« ولو استغلقت إشارته بحيث يحتاج إلى المترجم لم يكف الواحد وافتقر في الشهادة بإشارته إلى مترجمين عدلين» وما ذكره مبنيّ على أنّ الترجمة من باب الشهادة لكن متلقّى العرف غير ذلك بل يراه نقلاً لكلام الغير فيعتبر أن يكون عارفاً بلسانه وثقة كالوسائط الواردة في أسانيد الحديث. نعم لايكون قول المترجم حجّة إلاّ إذا ادّعى القطع بالمراد من الإشارة.

الجواب بلا أدري ولا أعلم

إذا أجاب المدّعى عليه بقوله:«لاأدري» وهو بظاهره قسم رابع من الجواب، ليس إقراراً و لا إنكاراً و لاسكوتاً بل يدّعي عدم العلم بصحّة ما يدّعيه المدّعي.

وأمّا الأقوال فلاتتجاوز عن أربعة:

1ـ إنّه منكر ويحلف بعدم العلم يظهر من المحقّق الأردبيلي، حيث


1 ـ النجفي، الجواهر:40/211.


(448)

قال:ويحتمل الاكتفاء في الإسقاط، بيمينه على عدم علمه بذلك للأصل وعدم ثبوت ما تقدّم والتأمّل فيه، فتأمّل.(1) وصرّح صاحب الجواهر وقال:فهو منكر، ضرورة عدم كونه إقراراً، كضرورة عدم كونه سكوتاً فليس إلاّ الإنكار.(2)

2ـ يعامل معه معاملة الناكل فيؤخذ منه الحقّ مطلقاً، أو بعد ردّ اليمين إلى المدّعي وحلفِه وإن لم يردّ، فالحاكم يردُّها لأنّه ولي الممتنع ذكره الأردبيلي وقال:لو قال المنكر:إنّي ما أحلف على عدمه فانّي ما أعلم بل أحلف على عدم علمي بثبوت حقّك في ذمّتي، لايكفي، بل يؤخذ بالحقّ بمجرّد ذلك حينئذ، إن قيل بالقضاء بالنكول أو بعد ردّاليمين على المدّعي إن لم نقل به(3) وهو خيرة المحقّق الآشتياني وقال:الذي يظهر من الأكثر حتّى من كثير ممن يقول بالقضاء بالنكول، القضاء عليه بعد ردِّ اليمين إلى المدّعي إمّا من المدّعى عليه أو من الحاكم بعد امتناعه من الردّ، من غير أن يكتفي عنه بالحلف على نفي العلم من دون ادّعاء العلم عليه.(4)

3ـ إيقاف الدعوى إن لم يدّع عليه العلم وإلاّ فيجب عليه اليمين على نفي العلم بمثل ما حكموا في الدعوى على فعل الغير كالدعوى على الوارث وغيره وهو خيرة السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة.(5)

4ـ يحلف على نفي الاستحقاق لا على نفي علمه به نظراً إلى الأصل وهو مبني على جواز الحلف اعتماداً على الأصل، كالشهادة والحلف استناداً إلى اليد،ولكن الفرق بين الأصل والأمارة واضح والقياس بجامع وجود الحجّة باطل.

هذه هي الوجوه المذكورة في كلماتهم ولندرس بعضها:


1 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/191.
2 ـ النجفي، الجواهر:40/212.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/191.
4 ـ الآشتياني، القضاء: 154.
5 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/104، الفصل الثامن، المسألة 4.


(449)

أمّا الوجه الأوّل فقد حاول صاحب الجواهر إدخال هذا القسم تحت عنوان المنكر وحاصل ما أفاده بتوضيح منّا :أنّه بالإضافة إلى الواقع وإن لم يكن منكراً لعدم علمه به ولكنّه بالإضافة إلى استحقاق المدّعي فعلاً ، منكر له لأنّ الاستحقاق الفعلي فرع العلم، والمفروض عدمه وبذلك يكون منكراً لايتوجّه إليه إلاّ اليمين لموافقته الأصل وغيره وأمّا ما يظهر من الأصحاب من اعتبار الحلف على البتّ فهو منزّل على الصورة الغالبة والشاهد عليه أنّه قد يحلف على عدم العلم نحو يمين الوارث بالنسبة إلى ديون الميّت.

يلاحظ عليه: أنّه يجب أن يتوارد الادّعاء والإنكار على شيء واحد. حتّى يقال إنّه مدّع لما ينكره الآخر وعلى هذا فإن ادّعى المدّعي علم الآخر بالدين فعندئذ يتواردان على موضوع فهو مدّع لما ينكره الآخر، فيكون منكراً حقيقة فيحلف على عدم العلم وإلاّ فيردّها إلى المدّعي، أو يردّها الحاكم.ويترتّب عليه كل ما يترتّب على الحلف من الآثار المذكورة، فيما سبق من عدم سماع البيّنة بعد الحلف، أو عدم جواز التقاصّ من ماله أو تجديد المحاكمة ممّا مرّ.

وعلى ذلك إذا كان متعلّق الادّعاء والإنكار، هو العلم وعدمه يكون المدّعي عليه منكراً حقيقة، لاتأويلاً ولابملاحظة انّه ينكر الاستحقاق الفعلي كما ارتكبه صاحب الجواهر. وبالجملة فهذا القسم من المسألة يعمّه ما دلّ على أنّ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر وإنّما الكلام في القسم الآتي أعني إذا صدّقه في عدم علمه بالواقع أو سكت عنه. فالادّعاء والإنكار لايتواردان على موضع واحد. فالمدّعي يدّعي كونه مديوناً في الواقع ، والمدّعى عليه ، يدّعي عدم علمه به وأمّا الواقع فهو لايثبته ولاينكره فيكف يدخل في عداد المنكرين. ويترتّب عليه أثر المنكر.

وبالجملة ما اختاره صحيح فيما ادّعى عليه العلم بالواقع لاما إذا وافقه في عدم العلم أو لم يذكر فيه شيئاً وعلى هذا فلا يتوجّه إليه الحلف، و لا يصحّّ له


(450)

الردّ، لعدم تمكنه منه حتّى يرد، فلا محيص عن إيقاف الدعوى حتّى يأتى بالبيّنة كما سيوافيك في البحث الثاني.

وأمّا الوجه الثاني أي إجراء حكم النكول عليه وهو الذي ذكره المحقّق الأردبيلي واختاره الآشتياني فهو غير تامّ بوجهين:

1ـ إنّ التفصيل في الحديث النبويّ قاطع للشركة وعليه ، فوظيفة المدّعي، البيّنة وواجب المنكر هو اليمين، وقيام يمين المدّعي منزلة بيّنته، يردّه التفصيل القاطع للشركة، فلايعدل عنه إلاّ بدليل، كما في غير هذا المورد.

2ـ إنّ الظاهر من روايات ردّ اليمين ، هو الردّ إذا أمكن له الحلف وبعبارة أُخرى إذا كان مخيّراً بين الأمرين : الحلف والردّ ، وأمّا إذا لم يتمكّن من الحلف، فلا والمقام من هذا القبيل فإنّه لأجل عدم علمه، ممنوع من الحلف فكيف يكون مجازاً في الردّ، نعم لابأس به إذا ادّعى عليه العلم بالواقع وهو ينكره، فإنّ الحكم فيه لايفترق عن سائر الموارد.

والذي ينبغي أن يقال وربّما يستفاد ممّا سبق هو أنّه إذا ادّعى عليه العلم بالدين وهو ينكره، ينطبق عليه أصل المدّعي والمنكر، فلو حلف، وإلاّ يردّ اليمين على المدّعي، أو ينوب عنه الحاكم إذا امتنع.

وأمّا إذا صدّقه في عدم العلم أو شكّ في صدقه وكذبه، فلامجال للحلف، لاتّفاقهما على أنّه لاعلم له بالواقع ومع التسليم، لاموضوع للحلف، فتكون الدعوى غير مسموعة، ويُلف الملَفّ إلى أن يأتي بالبيّنة.ويؤيده بعض الروايات:

1ـ صحيحة عبد العزيز بن المهتدي(1) سألت الرضا ـ عليه السلام ـ قلت:جعلت فداك أنّ أخي مات وتزوجتُ امرأته فجاء عمّي فادّعى أنّه كان تزوّجها سرّاً فسألتها عن ذلك فأنكرت أشدَّ الإنكار وقالت ما كان بيني وبينه شيء، فقال:


1 ـ قال النجاشي: عبد العزيز المهتدي الأشعري القمي ثقة روى عن الرضا ـ عليه السلام ـ له كتاب.


(451)

«يلزمك إقرارها، ويلزمه إنكارها».(1)

2ـ صحيح زرعة بن محمّد، عن سماعة قال:سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها فحدّثه رجل ثقة أو غير ثقة فقال: إنّ هذه امرأتي وليس لي بيّنة فقال:«إن كان ثقة فلايقربها، وإن كان غير ثقة فلايقبل منه».(2)

3ـ خبر يونس قال:سألته عن رجل تزوّج امرأة في بلد من البلدان فسألها، لك زوج؟ فقالت: لافتزوّجها ثمّ إنّ رجلاً أتاه فقال:هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم الزوج ؟ فقال: «هي امرأته إلاّ أن يقيم البيّنة».(3)

وجه الاستدلال بهذه الروايات أنّ الزوجة وإن كانت منكرة على وجه البتّ، ولكن الزوج غير عالم بالواقع فلم يُكلَّف بشيء من اليمين.هذا و تمام الكلام يأتي في البحث الثاني عند البحث عن يمين المنكر والمدّعي.

إذا كان متعلّق الدعوى عيناً

هذا كلّه إذا كان متعلّق الدعوى ديناً وأمّا إذا كان متعلّقه عيناً في يده منتقلة إليه بشراء أو إرث من ذي يد متصرّف فيها بدعوى الملكية.فإنّ للمسألة صورتين:

الأُولى: أن يذكر مصدرَ مالكيّته وأنّه اشتراه من زيد أو اتّهبه منه أو ورثه من مورِّثه إلى غير ذلك من أسباب النقل ففي مثله يحلف على عدم كون المدّعي مالكاً اعتماداً على يد من انتقلت منه إليه.ويدلّ عليه خبر حفص بن غياث الدال على جواز الحلف على مالكية ذي اليد.روى حفص بن غياث عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنّه قال: له رجل:إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال:«نعم»، قال الرجل:اشهد أنّه في يده ، ولاأشهد انّه له فلعلّه لغيره فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : «أفيحلّ الشراء منه؟ »قال: نعم فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ :«فلعلّه لغيره من أين جاز


1 ـ الوسائل: الجزء 14، الباب 23من أبواب عقد النكاح واولياء العقد، الحديث 1ـ3.
2 ـ الوسائل: الجزء 14، الباب 23من أبواب عقد النكاح واولياء العقد، الحديث 1ـ3.
3 ـ الوسائل: الجزء 14، الباب 23من أبواب عقد النكاح واولياء العقد، الحديث 1ـ3.


(452)

لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه، ولايجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك» ثمّ قال أبو عبد الله: «لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق».(1)

فقوله: «تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه» يدلّ على جواز الحلف على الملك إذا كان تحت اليد.غاية الأمر انّه إذا ادّعى المدّعي أنّه له، يحلف على أنّه ليس له، لا أنّه له، حفظاً لوحدة الموضوع في الادّعاء والإنكار.ويتوارد النفي والإثبات على مكان واحد.

الثانية:إذا كانت في يده ولم يذكر مبدأ مالكيّته، وأنّها له فعلاً أو لا، بل يرى نفسه مستولياًعلى العين فله أيضاً أن يحلف على عدم كونه ملكاً للغير أخذاً بإطلاق الخبر. نعم استشكل النراقي في المستند في جواز الحلف قائلاً بأنّه يشترط في دلالة اليد على الملكية عدم اعتراف ذيها بعدم علمه بأنّه له أو لا.(2)

أقول: لادليل على هذا الشرط وإطلاق قوله:«ومن استولى على شيء منه فهو له»(3) وغيره من روايات حجّية اليد، يشمل هذه الصورة وإنّما ذهب المحقّق النراقي إلى هذا الشرط في العوائد (4)مستدلاً بالانصراف وبروايات أهمل الإمام فيها اليد، ولم يترتّب عليه الأثر ولكن الانصراف مع كثرة الابتلاء به ممنوع، وأمّا الروايات التي استدل بها، فهي واردة في المنازل التي يتردّد عليه، غير المالك كثيراًكبيوت مكّة، والصندوق الذي، يدخل يد غيره فيه ولو بوضع شيء فيه أمانة ولايعمّ ما ليس كذلك. وقد أوضخنا حال هذه الروايات في الأُصول عند البحث عن قاعدة اليد فلاحظ.(5)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
2 ـ النراقي، المستند:2/537.
3 ـ الوسائل: الجزء 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 3.
4 ـ النراقي، العوائد:258.
5 ـ المحصول في علم الأُصول: 4/277ـ 278.


(453)

مسائل في الحكم على الغائب

المسألة الأُولى: إذا حضر الخصمان وترافعاعند القاضي وتمّ الترافع ولكن أخّر القاضي الحكمَ إلى موعد آخر فحضر أحد المتخاصمين دون الآخر، فانّه يجوز الحكم على الغائب بلا خلاف لتمامية موازين القضاء والتأخير في الحكم لايحدث شيئاً.

إنّما الكلام إذا رفع أحد الخصمين الخصومَة إلى القاضي دون الآخر، وأقام بيّنة فلاشك أنّه يجوز الحكم في الجملة وإليك كلماتهم:

1ـ قال الشيخ في الخلاف: القضاء على الغائب جائز وبه قال الشافعي ومالك والأوزاعي والليث بن سعد وابن شبرمة، وقال ابن شبرمة :أحكمُ عليه ولو كان خلف حائط وبه قال أحمد واسحاق، وقال الثوري وأبوحنيفة وأصحابه: لايجوز القضاء على الغائب حتّى يتعلّق الحكم بخصم حاضر شريك أو وكيل له والحاكم عندهم يقول:حكمت عليه بعد أن ادّعى على خصم ساغ له الدعوى عليه.

وتحقيق هذا، أنّ القضاء على الغائب جائز بلا خلاف ولكن هل يصحّ مطلقاً من غير أن يتعلّق بخصم حاضر أم لا؟ عندنا يجوز مطلقاً وعندهم لايجوز مطلقاً حتّى قال أبوحنيفة :من ادّعى على عشرة، واحد حاضر وتسعة غُيّب وأقام البيّنة قضى على الحاضر وعلى غيره من الغائبين.

ثمّ استدل الشيخ ـ مضافاً إلى الأخبار المروية عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام بما روى أبوموسى الأشعري قال:إذا حضر عند رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم خصمان فتواعدا لموعد فوفى أحدهما ولم يف الآخر قضى للذي وفى، على الذي لم يف. ومعلوم أنّه ما قضى عليه بدعواه ، ثبت أنّه قضى عليه بالبيّنة.(1)


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 38.


(454)

2ـ وقال الشيخ في المبسوط:إذا حضر رجل عند الحاكم فادّعى على غائب حقّاً سمع الحاكم دعواه لجواز صدقه فيما يدّعيه كما لو كان حاضراً فإن أقام البيّنة بما يدّعيه سمعها الحاكم ـ إلى أن قال: ـ فأمّا إن سأله أن يقضي له على هذا الغائب بما ثبت عنده، أجابه إلى ذلك بعد أن يستحلفه عن حقّه الذي شهد الشاهدان أنّه ثابت إلى وقتنا هذا فإذا حلف حكم عليه وكتب به كتاباً وهكذا قولهم في القضاء على الصبي والمجنون والميّت والكل واحد.لأنّ كلّ واحد لايعبر عن نفسه ـ إلى أن قال: ـ وأمّا إن كان حاضراً في البلد غير ممتنع من الحضور فهل له أن يقضي عليه وهو غائب عن مجلس الحكم أم لا ؟ قال قوم: له ذلك لأنّه غائب عن مجلس الحكم والصحيح أنّه لايُقضى عليه لأنّه مقدور على إحضاره والقضاء على الغائب إنّما جاز لموضع الحاجة وتعذّر إحضاره فالقضاء على الغائب يجوز عندنا في الجملة وعند جماعة .(1)

3ـ وقال ابن البرّاج:«وإن كان (المستعدى عليه) غائباً في غير ولايته، مثل أن يكون الحاكم ببغداد فغاب إلى البصرة، وهي في غير ولايته فإنّه يقضي على غائب».(2)

4ـ وقال ابن حمزة:«إذا ادّعى المدّعي على حاضر يعبر عن نفسه أو على غائب أو ميّت أو حاضر لايعبر عن نفسه مثل المولّى عليه فالأوّل قد ذكر حكمه والثاني يحكم له بشرطين إقامة بيّنة عادلة الخ».(3)

5ـ وعلى ذلك تضافرت الفتوى غير أنّ ابن سعيد، شرط كون الغائب في مسافة تقصّر فيه الصلاة قال:ويجوز الحكم على الغائب (وحدّ الغيبة ما يقصر في مثله) من غير وكيل حاضر ويحلف خصمه مع البيّنة.(4)


1 ـ الطوسي، المبسوط:8/162، باب القضاء على الغائب.
2 ـ ابن البرّاج، المهذّب: 2/584.
3 ـ ابن حمزة، الوسيلة:214.
4 ـ ابن سعيد، الجامع للشرائع:27.


(455)

6ـ وقال المحقّق: يُقضى على من غاب عن مجلس القضاء مطلقاً مسافراً كان أو حاضراً وقيل يعتبر في الحاضر تعذّر حضوره مجلس الحكم.(1) و القائل هو الشيخ وتقدم كلامه في المبسوط ونسب إلى تعليق الإرشاد.

7ـ وقال الشهيد الثاني:«مذهب أصحابنا جواز القضاء على الغائب في الجملة وهو مذهب أكثر العامة كالشافعي ومالك وأحمد وجماعة من الفقهاء وخالف فيه أبوحنيفة إلاّ أن يتعلّق بخصم حاضر كشريك أو وكيل والحجّة على جوازه فعل النبيّ وهو حجّة كقوله في الخبر المستفيض عنه أنّه قال لهند زوجة أبي سفيان الخ».(2)

فتلخّص أنّ الأقوال بين أهل السنّة، لاتتجاوز عن اثنين فغير الاحناف يقول بالجواز مطلقاً، وهؤلاء لايجوزون مطلقاً، إلاّ إذا حضر في المحكمة من يتعلّق بالخصم كالوكيل أو واحد من المدّعى عليهم وأمّا أقوال أصحابنا فهي ثلاثة:

1ـ يجوز الحكم على الغائب عن مجلس الحكم مطلقاً، سواءكان مسافراً أم حاضراً في البلد، أمكن إحضاره أم تعذّر وهو المشهور.

2ـ يجوز إذا كان الغائب في مسافة تقصر فيها الصلاة وهو قول ابن سعيد.

3ـ يجوز مطلقاً سواء كان الغائب عن مجلس الحكم، مسافراً أم حاضراً في البلد ولكن تعذّر حضور الحاضر فيه في مجلس الحكم وهو كلام الشيخ في المبسوط.

أقول: ما اعتمد عليه الشيخ في الخلاف من حديثي امرأة أبي سفيان وأبي موسى الأشعري، غير تامي الدلالة ولو افترضنا صحّة سندهما .

أمّا الأوّل فقد أجاب النبيّ عن مسألة فقهية من دون أن يكون هنا نزاع وقضاء وأنّه يجوز للزوجة أن تأخذ من مال زوجها وأما أنّ زوجته هل كانت صادقة


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/86.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/411.


(456)

أو لا، وهل كانت لها بيّنة أو لا؟ فلم يكن هذا الأمرمطروحاً في زمن السؤال فالاستدلال به على مورد القضاء غير صحيح.

وأمّا ما رواه أبو موسى فمن المحتمل أنّ الخصمين حضرا عند النبيّ مرّة، وأنّ النبي سمع كلامهما وأقام المدّعي البيّنة غير أنّ النبيّ أخّر إصدار الحكم إلى موعد آخر، ومثل هذا لايكون دليلاً لما لم يحضر أحد الخصمين مطلقاً عند القاضي.فانحصر الدليل لما روى من طريقنا وهو:صحيح جميل عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال:«الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البيّنة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجّته إذا قدم ولايدفع المال إلى الذي أقام البيّنة إلا بكفلاء»(1)وهذه هي الحجّة الفريدة في المسألة ولكن تجب دراسة مقدار دلالتها على الجواز لكن بعد ملاحظة أمر،وهو:

أنّ القضاء كان أمراً دارجاً بين العقلاء قبل الإسلام وبعده والأمر به في الروايات منصرفة إلى الصورة الدارجة بينهم ومن المعلوم أنّ القضاء نوع اجتهاد من القاضي في تشخيص الحقّ وهو فرع سماع كلام المتخاصمين عن كثب، ثمّ الاجتهاد في الوصول إلى الحقّ وهو لايتحقق إلاّ بحضورهما عند القاضي والإدلاء بحجّتهما. هذا من جانب، ومن جانب آخر، ربّما تقضى الضرورةُ القضاءَ على الغائب ولو أخّر القاضي القضاء يكون هناك ضرر على المترافع ـ أضف إلى ذلك ـ أنّه لو كانت الغيبة مسوِّغة لإيقاف القضاء، لسلك المتخلّف هذا الطريق وغاب عن أعين القاضي.

ومقتضى الجمع بين الأمرين هو الأخذ بالقول الوسط الذي لاتتجاوز عنه صحيحة جميل عن محمّد بن مسلم فإنّ قوله :«ويكون الغائب على حجّته إذا قدم» ظاهر في أنّ الخصم الآخر كان مسافراًوغائباً من البلد، لا حاضراًفيقتصرعلى الغائب عن البلد ومن الغائب من تطول غيبته، بحيث يؤدي


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(457)

تأخير الحكم إلى تضرّر المدّعي فيحكم عليه بأخذ الكفيل كما في الرواية إذ من المحتمل أن يكون للمنكر حجّة في الخروج عن الدين المدّعى عليه، فمقتضى الجمع بين الحقّين، هو الدفع من ماله بشرط أخذ الضامن.

ويلحق بالمسافر، مجهول المكان، أو الحاضر المتواري في بيوت البلد الهارب من القضاء عليه، بإلغاء الخصوصية وأمّا الغائب الذي سيعود إلى البلد، أو الحاضر المستعدّ للحضور عند القضاء فلاتعمّه الروايات لا دلالة ولاملاكاً وماقاله ابن شبرمة من أنّه يحكم على الغائب وإن كان خلف حائط فليس بشيء ولعل خيرة الشيخ في المسبوط أقرب من جميع الأقوال والأقرب منه ما ذكرناه.

والفرق بين ما ذكره في المبسوط وما ذكرناه هو أنّه إن جوَّز في المسافر مطلقاً وفي الحاضر إذا تعذّر، ونحن نخص الجواز بالمسافر الذي تطول غيبته بحيث تورث الضرر على المدّعي.

ولعلّ ما روي عن أبي البختري عن علي«لايقضى على غائب»(1) محمول على من لاتطول غيبته، أو يسهل إعلامه للحضور.

ثمّ إنّ موضع النصوص ما إذا كان هناك جحود وإنكار وأمّا لو كان هناك اعتراف بكونه مديوناً، فلا موضوع للقضاء فليس عليه إلاّ الصبر إلاّ إذا كان ضرريّاً أو حرجياً، فيرجع إلى الحاكم وهو يقوم بواجبه.

وفي نهاية المطاف نقول:ربّما يستدلّ في المقام بصحيحة زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال:« كان علي ـ عليه السلام ـ يقول:لايحبس في السجن إلاّ ثلاثة: الغاصب ومن أكل مال اليتيم ظلماً ومن ائتمن على أمانة فذهب بها وإن وجد له شيئاًباعه غائباً كان أو شاهداً».(2) ولا صلة لها بما نحن فيه. إذ لا نزاع فيها بين الشخصين وقد ثبت الموضوع لدى القاضي بنحو من الأنحاء ولعلّهما ترافعا إليه وحكم على


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4ـ 2.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4ـ 2.


(458)

المدّعى عليه بشهادة أنّه سجنه وعندئذ يجوز بيع ماله و هو في السجن.

المسألة الثانية:

يقضى على الغائب في حقوق الناس دون حقوق الله

يظهر من كلام غير واحد من الأصحاب من أنّ القضاء على الغائب مختصّ بحقوق الناس ولايعمّ حقوق الله. قال المحقّق: يُقضى على الغائب في حقوق الناس كالديون والعقود ولايقضى في حقوق الله كالزنا واللواط.وعلّله المحقّق بأنّ الأُولى غيرمبنيّة على التخفيف بخلاف الثانية.

أقول: هنا بحثان:

الأوّل: في عموم الحكم لمطلق حقوق الناس.

الثاني: ما هو الوجه لعدم شموله لحقوق الله؟

أمّا الأوّل، فنقول الحكم على الغائب على خلاف الأصل فيقتصر على موضع النصّ وهو الديون. حيث قال:«يقضى عنه دينه» فإسراء الحكم إلى مطلق حقوق الناس مثلاً إذا أقام البيّنة على أنّ رجوعه إلى زوجته المطلّقة كان في أيام العدّة، أو أنّ المال المعيّن عنده رهن للدين المحرز، يحتاج إلى دليل وليس إلاّ ادّعاء إلغاء الخصوصية بين الدين وسائر الحقوق فلو ساعده العرف وإلاّ فللتوقّف مجال.

وأمّا عدم شمولها لحقوق الله كالحدود ، فليس الوجه ما ذكره المحقّق وأوضحه صاحب المسالك وغيره من أنّ حقوق الله مبنية على التخفيف، وذلك لأنّ ابتنائها عليه لايدلّ على الإغماض إذا ثبتت حسب الموازين كما في صورة إقامة البيّنة عليها، بل الوجه ما ذكرنا من اختصاص الدليل بحقوق الناس، كما عرفت.


(459)

نعم عدّ الزنا واللواط من حقوق الله مطلقاً قابل للتأمّل بل ربّما يكون من حقوق الناس كما إذا ادّعت المرأة أنّ رجلاً زنا بها عن عنف أو ادّعى ولي الصغيرة انّ رجلاً زنا بها فيأتي ما ذكره الأصحاب في مثل السرقة.

إذا كان الحكم مشتملاً على حقّين

قال المحقّق: ولو اشتمل الحكم على الحقّين قُضي بما يخصّ الناس كالسرقة يقضى بالغرم وفي القضاء بالقطع تردّد(1) ولكن غيره لم يتردّد في عدم الثبوت قال في المسالك: وباقي الأصحاب قطعوا بالفرق وانتفاء القطع نظراً إلى وجود المانع من الحكم بأحدهما دون الآخر.(2)

والتعبير بوجود المانع غير جيّد بل الأولى التحليل بفقد المقتضي، لما عرفت من عدم الدليل.

ولعلّ وجه تردّد المحقّق في التفريق بين الغرم والقطع لأجل أنّهما معلولا علّة واحدة وهو ثبوت السرقة والمفروض ثبوتها فلاوجه للتبعيض.

وربّما يجاب عنه بأنّ العلل الشرعية معرّفات لاعلل حقيقيه وهو وإن كان صحيحاً، لكنّه لايدفع الإشكال لأنّه إذا جعل شيء موضوعاً للحكمين فإثبات أحدهما دون الآخر، يرجع إلى التناقض في الاعتبار وهو لايصدر عن العاقل.

والأولى أن يقال: إنّ وجود الدليل في القضاء على الغائب في حقوق الناس دون غيرها يكشف عن كون الموضوع للغرم هو ثبوت السرقة وللقطع هو الثبوت بحضور المدّعى عليه، فليس الموضوع واحداً.


1 ـ نجم الدين الحلي، شرائع الإسلام:4/86.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/412.


(460)

المسألة الثالثة:

لو كان صاحب الحقّ غائباً، وله وكيل فطالب الوكيل الغريمَ فادّعى الغريمُ التسليمَ إلى نفس الموكّل فلو أقام البيّنة على التسليم فلا كلام، إنّما الكلام إذا ادّعى التسليم وليست له بيّنة قال المحقّق ففي الإلزام تردّد.

1ـ الوقوف في الحكم ، لاحتمال الأداء.

2ـ الحكم وإلغاء دعواه لأنّ التوقّف في الحكم يؤدّي إلى تعذّر طلب الحقوق بالوكلاء.

ثمّ قال المحقّق: والأوّل أشبه والظاهر أنّ مراده من الأوّل هو أوّل الوجهين فينطبق على التوقف في الحكم، لكن صاحب المسالك وتبعه صاحب الجواهر فسّره بالإلزام الوارد في قوله:ففي الإلزام، لكنّه خلاف الظاهر.

ولابدّ من فرض المسألة فيما إذا كان وكيلاً في إقامة الدعوى وإلاّ فليس له ذلك الحقّ .

والظاهر: أنّ الوجه الثاني في كلامه أشبه وذلك لأنّ الوكيل في إقامة الدعوى بمنزلة نفس الموكّل، فكما أنّه لايسمع الدفع إليه بعد الاعتراف بأصل الدين، فهكذا المقام. وعلى ذلك فغاية الأمر أنّ لمدّعي الدفع ، حلفاً على الوكيل وحلفاًعلى الموكّل. أمّا الأوّل فإن ادّعى علم الوكيل بالدفع وانكر، يحلّف الوكيل على عدم العلم، وإلاّ فيسقط إحلافه لاتّفاقهما على عدم علمه بالدفع.وأمّا الثاني فهو ما إذا جاء فإن اعترف بالأخذ يرجع الدافع إلى الوكيل وإن أنكر وحلف، فهو وإن نكل عن اليمين أو أقام الدافع البيّنة استعيد المال. والأحوط أخذ الضامن عند الدفع إلى الوكيل كما مرّ في الدعوى على الغائب لوحدة الملاك وإن كانت المسألتان مختلفتين موضوعاً لأنّ الغائب فيما سبق من عليه الحكم وفي هذه المسأله من له الحكم ولكن الملاك واحد.


(461)

المقصد الرابع:

في كيفيّة الاستحلاف

وفيه بحوث ثلاثة:

البحث الأوّل : في اليمين وأحكامها

وقبل الخوض في المقصود نذكر أقسام اليمين الوارد في الكتاب والسنّة:

الأوّل: اليمين لجلب تصديق المخاطب لما يقوله الحالف كأن يقول:«والله كان الأمر كذا وكذا» .

الثاني: الحلف على فعل شيء أو تركه كأن يقول:والله لأفعلنّ كذا أو لا أفعلنّ كذا.

الثالث: اليمين اللغو وهو الذي لايقصد صاحبه منها شيئاً كقوله:لا والله بلى والله.

الرابع: الحلف في مقام المرافعة .

وتحقيق الكلام يتوقّف على البحث في مقامين:

1ـ حكم الحلف بغير الله تكليفاً في المواضع الأربعة.

2ـ حكم الحلف بغير الله وضعاً أي في إيجاب الحقّ وإسقاطه.

وإن كان البحث عن المقام الأوّل في كلمات الأصحاب جانبياً، غير أنّ المحقّق النراقي، طرحه مستقلاً، كما بحث عنه الآشتياني كذلك أمّا الأوّل فلنذكر كلمات الفقهاء.


(462)

المقام الأوّل: حكم الحلف بغير الله تكليفاً

أمّا فقهاء أهل السنّة فالمعروف بينهم هو الكراهة إلاّ الحنابلة فإنّهم يذهبون إلى الحرمة. قالوا:

«لاينعقد اليمين بغير الله تعالى كالحلف بالنبيّ والكعبة وجبريل والوليّ وإذا قصد الحالف بذلك إشراك غير الله معه في التعظيم، كان ذلك شركاً، وإذا قصد الاستهانة بالحلف بالنبيّ كفر، أمّا إذا لم يقصد شيئاً من ذلك، بل قصد اليمين ففي حكمه تفصيل في المذاهب».

الحنفية قالوا: يكره الحلف بنحو أبيك ولعمرك ونحو ذلك.

الشافعية قالوا: يكره الحلف بغير الله تعالى، إذا لم يقصد شيئاًممّا ذكر.

المالكية قالوا: الحلف بمعظم كالنبي والكعبة ونحوهما فيه قولان: الحرمة والكراهة ،والمشهور الحرمة.

وقال الحنابلة :ويحرم الحلف بغير الله تعالى ووصفاته ولو نبيّ أو ولي.(1)

وقال القسطلاني: المشهور عند المالكية الكراهة وعند الحنابلة التحريم وجمهور الشافعية أنّه للتنزيه وقال إمام الحرمين:المذهب القطع بالكراهة وقال:غيره بالتفصيل، فإن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله، حرم وكفر بذلك الاعتقاد، وإن حلف لاعتقاد تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يكفر.(2)

وأمّا فقهاء الشيعة فقد اختلفت كلماتهم في الجواز والمنع وإليك بعض نصوصهم:

قال الشيخ في المبسوط:تكره اليمين بغير الله كاليمين بالمخلوقات: النبي،


1 ـ الفقه على المذاهب الأربعة: 1، كتاب اليمين ، ص75.
2 ـ القسطلاني: إرشاد الساري، الجزء التاسع، ص358.


(463)

والكعبة ونحوها وكذلك بالآباء كقوله:وحقّ أبي، وحقّ آبائي ونحو ذلك كلّ ذلك مكروه.

وروي أنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: «لاتحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلاّ بالله ولا تحلفوا إلاّ وأنتم صادقون».

وروي أنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم سمع عمر بن الخطاب يحلف بأبيه فقال النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» قال عمر: فوالله ما حلفت بها بعد، ذاكراً ولا آثراً يعني ولا رواية عن غيري وحكاية عنه.

وروي عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«من حلف بغير الله فقد أشرك وفي بعضها فقد كفر بالله».

وقيل في قوله:«فقد أشرك» تأويلان: أحدهما الشرك الحقيقي وهو أن يعتقد تعظيم ما يحلف به ويعتقده لازماً كاليمين بالله فمن اعتقد بهذا فقد كفر والتأويلالثاني لايكفر به وهو أن يشارك في اليمين فيحلف بغير الله كما يحلف بالله.

وقوله:«فقد كفر» لاتأويل له غير الكفر الحقيقي وأن يعتقد تعظيم ما يحلف به كما يعتقده في الله تعالى ذكره.(1)

أقول: الظاهر أنّه لا حاجة إلى التأويلين ، أمّا النهي عن الآباء فكانت قضية خارجية كان آباؤهم مشركين فالحلف بهم، كان تعظيماً للشرك فنهى عنه بقوله:«لاتحلفوا بآبائكم ولا بالأنداد» يريد من الأنداد، الأوثان والأصنام.

وأمّا النهي عن الحلف بغير الله فالظاهر هو الحلف بالآلهة المكذوبة للعرب فإنّ الحلف بها كاشف عن كون الحالف معتقداً بعظمتها وليس معنى لها إلاّ الاعتقاد بأنّها الآلهة والأنداد . قال سبحانه:«وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذ مِنْ دُونِ اللّهِ


1 ـ الطوسي، المبسوط: 6، كتاب الإيمان، ص191ـ 192.


(464)

أَنْداداً يُحِبُونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ»

(البقرة/165). (1)

وعلى كلّ تقدير فحكم الحلف بغير الله عند الشيخ هو الكراهة كما صرّح به في بدء كلامه .

2ـ قال المفيد: ولايجوز أن يحلف الإنسان برسول الله ولا بأمير المؤمنين ولا بأحد من الأئمّة فإن حلف بواحد ممّن ذكرناه فقد أخطأ وعليه أن يفي بما حلف إلاّ أن يكون باطلاً أو غيره أفضل منه وإن لم يف فليستغفر الله عزّوجلّ ولا كفارة عليه.(2)

3ـ قال ابن البرّاج: اليمين الشرعيّة عند أهل بيت رسول الله لاتكون إلاّ بالله أو بأحد أسمائه وكلّ يمين كانت بغير ما ذكرناه فليست يميناً صحيحة ولايستقرّ لها حكم من حنث ولا كفارة فلو حلف بالنبي أو بالكعبة أو بما أشبه ذلك من المخلوقات كلّه أو بالبراءة من الله تعالى أو من النبيّ أو الأئمّة أو أحدهم أو من القرآن أو ما يجري مجرى ذلك لم يكن يميناً صحيحة.(3)

وكلامه ظاهر في المقام الثاني أي اليمين لفصل الخصومة ولعلّ الذيل دالّ على حكم المقام الأوّل أيضاً أي عدم الحرمة تكليفاً فإنّ نفي الصحّة دليل على الجواز التكليفي، فتأمّل.

4ـ قال يحيى بن سعيد: فإن حلف بالكعبة والنبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم والمسجد أثم ولم ينعقد يمينه وكذلك سائر المخلوقات.(4)

5ـ وقال المحقّق:ولايجوز الإحلاف بغير أسماء الله سبحانه كالكتب المنزّلة والرسل المعظّمة والأماكن المشرّفة...(5) وهل يريد عدم الاعتداد بالحلف بها وعدم صحّتها وجواز الفعل في نفسه كما استظهرهفي المسالك أو يريد الحرمة التكليفية؟


1 ـ لاحظ البقرة:22، إبراهيم: 30، سبأ:33، الزمر: 8، فصلت: 5.
2 ـ المفيد، المقنعة، كتاب الأيمان:558.
3 ـ ابن البرّاج، المهذّب:2 ، كتاب الأيمان،403.
4 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع:415.
5 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/876.


(465)

6ـ وقال العلاّمة:وكذا لا ينعقد بالطلاق ولا بالعتاق ولا بالظهار ولا بالتحريم ولا بالكعبة ولا بالمصحف ولا بالنبي.(1)

7ـ قال العلاّمة في التحرير:ولايجوز الإحلاف بشيء من ذلك لأنّه بدعة وكذا لايجوز بالقرآن ولا بالبراءة من الله ولا من رسوله ولا من أحد من الأئمة....(2)

8ـ قال الشهيد عند التعليق على قول المحقّق:«ولايجوز الإحلاف بغير أسماء الله» والمراد بعدم الجواز هنا بالنظر إلى الاعتداد به وفي إثبات الحقّ أمّاجواز الحلف في نفسه بمعنى عدم الإثم به ففيه وجهان: من إطلاق الأخبار المنهي عنه المقتضي للتحريم ومن إمكان حمله على الكراهة.(3)

9ـ وقال في الجواهر:الانصاف عدم وجه معتدّ به للتردّد في ذلك (الحلية) خصوصاً بعد السيرة المستمرّة في سائر الأعصار والأمصار من العلماء والعوام من القسم بغير الله في نحو ذلك.(4)

10ـ قال السيّد الطباطبائي: يظهر من جملة من الأخبار أنّ الحلف بغير الله مضافاً إلى عدم الأثر عليه في قطع الدعوى ووجوب الكفارة، يكون حراماً مطلقاً، بل أسنده في المستند إلى الأشهر بين الطائفة قال:بل قيل إنّه مقتضى الإجماعات المنقولة وصرّح به جماعة منهم المحقّق الأردبيلي وصاحب المفاتيح وشارحه وبعض مشايخنا المعاصرين، لكن يظهر من صاحب الجواهر عدم القائل بالحرمة ـ حيث إنّه بعد نقل الأخبار الدالّة على المنع ـ قال:«ولذا تردّد بعضهم في أصل جواز الحلف بغير الله تعالى لكنّه في غير محلّه للسيرة القطعية على جوازه مضافاً إلى الأصل ووجوده في النصوص» ثمّ نقل جملة من الأخبار المشتملة على حلف بعض الأئمّة عليهم السَّلام وبعض الأصحاب في حضور الإمام ـ عليه السلام ـ بغير الله «قلت» والأقوى عدم الحرمة كما قال(و) لما قال، فالأخبار المانعة محمولة على الكراهة ويشعر بها اشتمال


1 ـ العلاّمة الحلي، إرشاد الأذهان: 2/85.
2 ـ الجواهر:40/227، نقلاً عن التحرير .
3 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/412.
4 ـ الجواهر:40/228.


(466)

بعضها على قوله ـ عليه السلام ـ :«ولو حلف الناس بهذا وأشباهه لترك الحلف بالله» ويمكن حمله على محامل أُخر.هذا، وأمّا مثل قوله:سألتك بالقرآن أو بالنبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أو بأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أن تفعل كذا، فلا إشكال في عدم حرمته لأنّه ليس حلفاً بل هو من باب الاستشفاع والتوسيط.(1)

11ـ وقال السيّد الاصفهاني: الأقوى أنّه يجوز الحلف بغير الله وإن لم يترتّب على مخالفته إثم و لاكفارة كما أنّه ليس قاطعاً للدعاوي والمرافعات.(2)

إذا وقفت على الأقوال فالحق، ما أفاده السيّد الاصفهاني، لدلالة لفيف من الروايات على الجواز فقد حلف الإمام بقرابته من رسول الله (3) وبيت الله الحق(4) وحلف الراوي بحضرته بحقّ رسول الله(5) وحقّ الإمام (6) وحياته.(7)

ثمّ إنّ في الأحاديث النبوية، وكلمات الإمام علي ـ عليه السلام ـ حلفاً بغير الله كثيراًنذكرمنه مايلي:

الحلف بغير الله في الحديث النبوي

1ـ«جاءَ رَجُلٌ إلَى النّبيّ فقال: يا رَسُولَ اللّهِ أَيُّ الصّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْراً؟ فَقالَ: أَما وَ أَبِيكَ لَتُنَبَّأنَّهُ: أَنْ تَصَدَّقَ وَ أَنْتَ صَحيحٌ شَحيحٌ تَخشَى الفَقْرَ وَ تَأملُ الْبَقاء».(8)

2ـ «جاءَ رَجُلٌ إِلى رَسُولِ اللّهِ مِنْ أَهْلِ نَجْد، يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللّهِ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم:خَمْسُ صَلَوات فِي الْيَوْمِ وَ اللَّيْلِ ، فَقالَ:هَلْ عَلَيَّ غَيْرَهُنَّ؟ قالَ: لا،


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/200.
2 ـ الاصفهاني، الوسيلة: كتاب الايمان والنذور، ص205.
3 ـ الوسائل:الجزء 16، الباب 31 من أبواب الايمان، الحديث 7، 8، 6، 1، 14.
4 ـ الوسائل:الجزء 16، الباب 31 من أبواب الايمان، الحديث 7، 8، 6، 1، 14.
5 ـ الوسائل:الجزء 16، الباب 31 من أبواب الايمان، الحديث 7، 8، 6، 1، 14.
6 ـ الوسائل:الجزء 16، الباب 31 من أبواب الايمان، الحديث 7، 8، 6، 1، 14.
7 ـ الوسائل:الجزء 16، الباب 31 من أبواب الايمان، الحديث 7، 8، 6، 1، 14.
8 ـ صحيح مسلم، كتاب الزكاة، الجزء 3، باب أفصل الصدقة، ص94.


(467)

إِلاّ أَنْ تَطَوَّعَ، وصِيامُ شَهْرِ رَمضان، فقال: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قال: لا، إلاّ انْ تَطَوَّعَ ، وَذكَرَ لَهُ رَسُولُ اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم الزّكاةَ فقالَ: هَلْ عَليّ غَيْرُها؟ قال: لا، إلاّ أنْ تَطوَّعَ، فأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَ هُوَ يَقُولُ وَ اللّهُ لا أَزِيدُ عَلى هذا وَ لا أَنقُصُ مِنْهُ، فقالَ رَسُولُ اللّهِ: أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ. أَوْ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَ أَبِيهِ إِنْ صَدَقَ».(1)

3ـ «فَلَعَمْري لإِنْ تَكَلَّمَ بِمَعْرُوف وَ تَنْهى عنْ مُنْكَر خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَسْكتَ».(2)

4ـ «فَلََعَمْري مَنْ أَكَلَ بُرقية باطِل، لَقَدْ أَكَلت بُرقية حَقّ».(3)

5ـ «فَلَعَمْري ما أَتَمَّ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفا وَ المَرْوَةِ».(4)

6ـ «وَلَعَمْري لَوْ أَنَّ كُلَّكُمْ صَلّى في بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيّكُمْ».(5)

الحلف بغير الله في الحديث العلوي

7ـ «وَلَعَمْري ما عَلَيَّ مِنْ قِتال مَنْ خالَفَ الْحَقَّ... مِنْ إدْهان وَ لا إيهان».(6)

8ـ «وَلَعَمْري لَوْ كُنّا نَأْتي ما آتَيْتُمْ، ما قامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ».(7)

9ـ «وَلَعَمْري ماتَقادَمَتْ بِكُمْ وَ لا بِهِمُ الْعُهُودُ».(8)

10ـ «وَلَعَمْري لَئِنْ كانَتِ الإمامَةُ لا تَنْعَقِدُ حَتّى تَحْضُرَها عامَّةُ النّاسِ ، فَما إلى ذلِكَ مِنْ سَبِيل».(9)


1 ـ صحيح مسلم، الجزء الاوّل، باب ما هو الإسلام وبيان خصاله، ص 32.
2 ـ مسند احمد بن حنبل:5/225.
3 ـ مسند احمدبن حنبل:5/211.
4 ـ سنن ابن ماجه:4/995.
5 ـ سنن ابن ماجه:1/255.
6 ـ نهج البلاغة: الخطبة 23.
7 ـ نهج البلاغة: الخطبة56.
8 ـ نهج البلاغة: الخطبة85.
9 ـ نهج البلاغة: الخطبة161.


(468)

11ـ «لَعَمْري يَهْلِكُ في لَهَبِهَاالْمُؤْمِنُ».(1)

12ـ «فَلَعَمْري لَقَدْ فَوَّقَ لَكُمْ سَهْمَ الْوَعِيد».(2)

13ـ «وَلَعَمْري يا مُعاوِيَةُ، لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَواكَ، لَتَجِدَنّي أَبْرَأ الناسِ مِنْ دَمِ عُثْمانِ».(3)

14ـ «وَلَعَمْري لَئِنْ لَمْ تَنْزِعْ عَنْ غَيِّكَ وَ شِقاقِكَ».(4)

15ـ «وَلَعَمْري ما كُنْتُما بِأَحَقِ المُهاجِرينَ بِالتَّقِيَّةِ وَ الكِتْمانِ».(5)

أدلّة القول بالتحريم

قد تعرّفت على القول بالحرمة من خلال الكلمات المنقولة، ونقل عن المستند أنّه اختار القول بالتحريم ولم أقف على كلامه ـ بعد الفحص ـ حتّى أنّ الشيخ الآشتياني ردّ دلالة السيرة المستمرّة على الحلف بغير الله التي استدل بها صاحب الجواهر على الجواز بالأخبار الناهية وقال:وقد يستدلّ على الجواز بالسيرة المستمرّة من زماننا إلى زمان الأئمّة والنبي عليهم السَّلام وفي هذا الاستدلال نظر لايخفى وجهه وقد ذكر في التعليقة بأنّ الأخبار الناهية صالحة للردع.(6)

فإذا كانت الأخبار بهذه المثابة فلامحيص من نقلها ودراستها وتقييم دلالتها على الكراهة أو الحرمة، أو نفي الحكم الوضعي من عدم كفايتها في إيجاب الحقّ، أو إسقاط الواجب أو عدم ثبوت الكفّارة فلايمكن الحكم والقضاء فيها إلاّبالإمعان فيها. فنقول:

1ـ روى على بن مهزيار قال قلت: لأبي جعفر الثاني ـ عليه السلام ـ قول الله عزّوجلّ «وَ اللّيلِ إذا يَغْشَى * والنّهارِ إذا تَجلَّى » (الليل/1و2)وقوله عزّوجلّ: «وَالنّجمِ


1 ـ نهج البلاغة: الخطبة168.
2 ـ نهج البلاغة: الخطبة182.
3 ـ نهج البلاغة: الخطبة187،(القاصعة).
4 ـ نهج البلاغة: الرسالة/9.
5 ـ نهج البلاغة: الرسالة /54.
6 ـ الآشتياني، القضاء:169.


(469)

إذا هَوى»(النجم/1) وما أشبه هذا فقال:«إنّ اللّهعزّوجلّ يُقْسِم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلاّ به عزّ وجلَّ».(1)

2ـ روى الحسين بن زيد عن الصادق ـ عليه السلام ـ عن آبائه عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم في حديث المناهي أنّه نهى أن يحلف الرجل بغير الله وقال:«من حلف بغير الله فليس من الله في شيء ونهى أن يحلف الرجل بسورة من كتاب الله عزّوجلّ وقال:من حلف بسورة من كتاب الله فعليه بكل آية منها كفارة يمين فمن شاء برّ ومن شاء فجر ونهى أن يقول الرجل للرجل لا وحياتك وحياة فلان».(2)

3ـ روى محمّد بن مسلم قال :قلت لأبي جعفر ـ عليه السلام ـ قول الله عزّوجلّ :«وَ اللّيل إذا يَغشى » «والنجم إذا هوى» وما أشبه ذلك فقال: إنّ لله عزّ وجلّ أن يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلاّ به.(3)

4ـ روى الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:«لا أرى للرجل أن يحلف إلاّ بالله فأمّا قول الرجل لا أب لشانيك فإنّه قول أهل الجاهلية ولو حلف الناس بهذا أو أشباهه لترك الحلف بالله».(4)

5ـ وروى سماعة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ مثله أيضاً.(5)

6ـ روى العياشي في تفسيره عن زرارة قال: سألت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن قول الله «وما يُؤمِنُ أكثرُهُم باللّهِ إلاّ وهُم مُشرِكُون»(يوسف/106) قال:«من ذلك قول الرجل: لا وحياتك».(6)

7ـ وروى عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ :«شرك طاعة، قول الرجل لا والله وفلان».(7)

8ـ وعن العلاء قال: سألته عن قوله:«فَلا أُقسِمُ بمواقعِ النُّجُوم»(الواقعة/75) قال: «عظم إثم من حلف بها».(8)


1 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث1، 2، 3.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث1، 2، 3.
3 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث1، 2، 3.
4 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 11، 12،15.
5 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 11، 12،15.
6 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 11، 12،15.
7 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 11، 12،15.
8 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 30 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 11، 12،15.


(470)

9ـ روى العياشي عن محمّد بن مسلم :كل يمين بغير الله فهي من خطوات الشيطان.(1)

10ـ روى عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن رجل حلف أن ينحر ولده قال: «هذا من خطوات الشيطان» وقال:«كلّ يمين بغير الله فهي من خطوات الشيطان».(2)

11ـ روى زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال:سألت قوله تعالى:«واذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدُّ ذكراً»قال:«إنّ أهل الجاهلية كان من قولهم كلاّ وأبيك، وبلى وأبيك فأمروا أن يقول: لا والله و بلى والله»(3)

هذه هي الروايات الناهية ، ولعلّ هنا ما يؤيدها تحريماً أو كراهة . إلاّ أنّ الشأن في تركيزها على موضوع واحد ويمكن أن يقال:

إنّ النهي في الحديث الأوّل والثالث والثامن لأجل أنّ الحلف بالأجرام السماوية مظنّة الشرك فالنهي عنها نهياً تحريمياً أو تنزيهياً، لايكون دليلاً على حرمة الحلف بسفير التوحيد ومبلّغه وآله الأطهار.

وأمّا الحديث الثاني فهو معرض عنه إذ لم يقل أحد بالكفارة فيما إذا حلف بسورة من كتاب الله ثمّ خالف، مضافاً إلى ما في سنده من الضعف.

وأمّا التاسع والعاشر، فهما محمولان على الحلف بأمر محرّم كنحر الولد، أو الطلاق والعتاق وصدقة ما يملك ويشهد على ذلك ورود قوله:«كلّ يمين بغير الله فهي من خطوات الشيطان » في مورد الحلف على العتاق والطلاق.(4)

وما بقي من الروايات يحملعلى الكراهة خصوصاً ما ورد من النهي على الحلفبالآباء، ولعلّه قضية خارجية،لاحقيقية وسبب النهي، كون آباؤهم مشركين.


1 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 15 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 6.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 15 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 6.
3 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 15 من أبواب الأيمان، الحديث 4، 5، 6.
4 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 14 من أبواب الأيمان، الحديث 3، 4، 5.

Website Security Test