welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(416)

الرابعة: في إحلاف المنكر مع إمكان إقامة البيّنة

إنّ القضاء باليمين (مع وجود البيّنة للمدّعي سواء أ كانت حاضرة في مجلس القضاء أم لا ولكن أمكن إحضارها بسهولة)، يحتاج إلى إطلاق في دليل القضاء باليمين وإلاّ فشأن المدّعي، إقامة البيّنة، لا التحليف، والقدر المتيقّن منه ما إذا لم تكن له بيّنة.

إنّ ما ذكرناه هو مقتضى القاعدة ومع ذلك ذهب المحقّق النراقي في المستند إلى خلاف ما ذكرناه فقال:

لايتعيّن على المدّعي إذا كانت له بيّنة، إحضارُها، ولا حاضرة، إقامتُها، بل يجوز له الإحلاف حينئذ أيضاً بمعنى أنّ المدّعي الذي له بيّنة، مخيّر بين إقامة البيّنة والتحليف، وللحاكم تخييره وصرّح به في التحرير، ونفى بعض مشايخنا عنه الخلاف في صورة عدم حضور البيّنة ثمّ قال:بل ذكر جماعة من دون خلاف بينهم ثبوت الخيار للمدّعي بين إحلافه وإقامة البيّنة ولو كانت حاضرة لأنّ الحقّ له، فله أن يفعل ما يشاء منها. ونسب بعض فضلائنا المعاصرين تخييره مطلقاً إلى المستفادة من الأدلّة قال:فلايتوهّم أنّه مع إمكان البيّنة لايجوز التحليف.(1)

أقول: إنّ المستدل جعل المدّعى نفس الدليل. فمن أين ثبت أنّ للمدّعي حقّ التحليف مع إمكان إقامة البيّنة.وقد سبق منّا مراراً بأنّ قولهم :«البيّنة للمدّعي واليمين على من ادّعى عليه» في مقام بيان وظيفة القاضي، لابصدد بيان حقّ المدّعي فقد ورد في غير واحد من الروايات أنّ نبيّاً اشتكى إلى ربّه فقال:يا ربّ! كيف أقضي بما لم تر عيني ولم تسمع أُذني؟!فقال: اقض عليهم بالبيّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به.(2)


1 ـ النراقي، مستند الشيعة:2/529.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2


(417)

نعم استدلّ النراقي بإطلاق روايات أُخرى، وتبعه السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة وإليك تبيين دلالتها:

1ـ صحيحة ابن أبي يعفور:«إذا رضى صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه، فاستحلفه فحلف أن لا حقّ له قبله ، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلادعوى له، قلت له: وإن كانت له بيّنة عادلة؟ قال:نعم وإن أقام بعد ما استحلفه بالله، خمسين قسامة ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا استحلفه عليه».(1) والاستدلال مبني على وجود إطلاق في قوله:«وإن كانت له بيّنة» شامل لما كانت له بيّنة قبل الحلف وبعده.

يلاحظ عليه: بأنّ الذيل دليل على أنّ المراد ما إذا تمكّن منها بعدها لا ما إذا كانت موجودة من أوّل الأمر، بشهادة قوله:«وإن أقام بعد ما استحلفه بالله... فإنّ الإقامة كناية عن التمكّن منها بعد ما لم يكن متمكّناً منها» ضرورة أنّه لو كانت له بيّنة حين القضاء، لما عدل عنها إلاّ في الفرض النادر الذي تنصرف عنه الرواية.

2ـ إطلاق رواية محمّد بن قيس في حديث اشتكى نبي إلى ربّه إلى أن قال له: «ردّهم إليّ واضفهم إلى اسمي يحلفون به».(2)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث ليس في مقام البيان حتّى يؤخذ بإطلاقه وإنّما هو بصدد بيان كيفية القضاء والإجابة على سؤال النبي بأنّه كيف يقضي فيما لم تره عينه ولا سمعه أُذنه.

ومع ذلك فإنّ هنا روايات تردّ القول بالتخيير وإن حاول النراقي تأويلها وإليك الإشارة العابرة إليها:

1ـ صحيحة سليمان بن خالد في اشتكاء بعض الأنبياء وما أُجيب به فقد


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.


(418)

جاء فيها:«أضفهم إلى اسمي فحلِّفْهم به وقال هذا لمن لم تقم له بيّنة».(1) وجه الاستدلال، أنّ الظاهر أنّ مرجع اسم الإشارة في هذا هو مشروعيّة القضاء باليمين لاتعيّنه، فما احتمله النراقي من كونها بصدد بيان أنّ تعيّنه لمن لم تقم له البيّنة غير تام.

وقد عرفت أنّ عدم قيام البيّنة كناية عن عدم وجودها، لاوجودها وعدم إحضارها فما احتمله النراقي في هذا المورد من أنّ الشرط أعم من عدم الوجود أو عدم الإقامة غير تامّ . لأنّ غاية ما يمكن أن يقال أنّ قوله:«لم تقم له البيّنة» يراد منه الأعم من عدم الوجود أو عدم الوصول إليه، لا ما إذا كانت متيسّرة حاضرة في المحكمة أو خارجها لكن يمكن إحضارها.

2ـ مرسلة يونس فجاء فيها :«فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدَّعى عليه».(2) فالظاهر تبيين مشروعيّة القضاء بها بمعنى أنّه لاتصل النوبة إليها إلاّ بعد عدم الشاهد. وبذلك يعلم ضعف ما يقال بأنّ جزاء الشرط هو كون اليمين متعيّناً أو لازماً على المدّعى عليه.

3ـ ما في تفسير الإمام :«وإن لم يكن له بيّنة حلف المدّعى عليه»(3) وبذلك يعلم أنّ المراد من قوله في صحيحة سليمان بن خالد(4):«لم تقم له بيّنة» هوعدم وجودها ،كما في هذه الرواية.

وبذلك تقف على مدى صحّة قول السيّد الطباطبائي حيث يقول ـ بعد ما نقل لبّ ما ذكره النراقي ـ:وبالجملة لاينبغي التأمّل في تخيير المدّعي بين إقامة البيّنة وإحلاف المنكر خصوصاً إذا كان في إقامتها صعوبة عليه أو لم يعلم أنّ الحاكم يقبل بيّنته أم لا، نعم يشكل العدول عن البيّنة المعتبرة بعد إقامتها إلى


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(419)

الحلف مع عدم البعد فيه أيضاً.(1)

الخامسة: سؤال القاضي المدّعى عليه عن الجارح

إذا أقام المدّعي البيّنة وزكّاها عدلان فهل يجب على القاضي سؤال المدّعى عليه عن الجارح أو لا؟

قال الشيخ:قال الحاكم للمدّعى عليه قد عُدِّلا عندي هل عندك جرح؟فإن قال:نعم أنظَره لجرح الشهود ثلاثة.(2)

قال المحقّق: «بعد أن يعرف القاضي عدالة البيّنة يقول:هل عندك جرح».

والظاهر من العلمين كونه من وظائف القاضي ولأجل ذلك، استدرك صاحب الجواهر على المحقق وقال:«وفي وجوب ذلك إشكال»، وهناك من فصّل بين علم القاضي بعدالة البيّنة و ثبوت عدالتها بالتزكية فلايجب في الأوّل بخلاف الثاني وهو خيرة السيّد الطباطبائي ،قال في المسألة الرابعة: «إذا علم عدالتها وجامعيتها للشرائط لم يحتج إلى التزكية لجواز العمل بعلمه خصوصاً في مسألة عدالة الشاهد ولايلزم سؤال المدّعى عليه في أنّه هل له جارح أو لا»، وقال في المسألة التاسعة:«إذا أقام المدّعي على التزكية بيّنة مقبولة وجب على الحاكم أن يبيّن للمدّعى عليه أنّ له حقّ الجرح إذا لم يكن عالماً به».(3)

والظاهر وجوب السؤال مطلقاً إذا لم يكن عالماً بأنّ له حقّ الجرح، لأنّه القدر المتيقّن من دليل القضاء وليس له إطلاق يعمّ صورة جهل الخصم بجواز الجرح بل اللازم أوسع في ذلك، إذ يلزم سؤاله عن كلّ ما أُقيم عليه، من الأسناد والمحاضر والتقارير المكتوبة بخطّه، لاحتمال كونه مزوّراً و أنّ له المقدرة على


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/70، المسألة 2.
2 ـ الطوسي، المبسوط:8/159.
3 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2، المسألة 4و9.


(420)

إثبات التزوير وعليه يدور القضاء في المحاكم العالمية وأمّا علم القاضي بعدالتهما شخصيّاً ،فلاينفي وجوب السؤال، لأنّ العلم بعدالتهما لاينافي وجود الاشتباه في شهادتهما ولعلّ في وسع الخصم أن يثبت خطئهما في الشهادة.

السادسة: إذااستمهل المدّعى عليه في إحضار الجارح

إذا استمهل المدّعى عليه في إحضار الجارح فهل يجب الإنظار أو لا، وعلى فرض الوجوب فهل المدّة محدّدة بثلاثة أيّام أو لا؟

أمّا الأوّل فقد استدل له باحتمال صدق الخصم، والأولى الاستدلال، بأنّ القضاء أمر عرفي والإطلاقات ناظرة إلى المتعارف منه والمتعارف هو الإمهال على وجه لاينتهي إلى الإهمال في أمر القضاءوالمسامحة فيه وما نقله عن كاشف اللثام من أنّ الحاكم ينفّذ حكمه والخصم على حجّته إذا ثبت الفسق(1) غير تام. وذلك لأنّ صحّة القضاء فرع تماميّة ميزان القضاء لأنّه إذا كان احتمال المعارض أمراً عقلائياً فالقول بتماميّة ميزان القضاء أمر مشكل خصوصاً إذا كان إحضار الجارح أمراً سهلاً، لايعدّ تعطيلاً للقضاء، ولامسامحة فيه، بل إمعاناًودقّة.

وأمّا مدّة الإنظار فقد نسب إلى المشهور أنّه ثلاثة أيّام من غير تفصيل بين بعد المسافة وقربها.

ثمّ إنّ الدليل على وجوب الإنظار ما ذكرناه من انصراف دليل القضاء إلى المتعارف نعم استدل للإمهال بمرسلة سلمة بن كهيل عن علي ـ عليه السلام ـ :«واجعل لمن ادّعى شهوداً غُيّباً أمداً بينهما فإن أحضرهم أخذت له بحقّه وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضية».(2)


1 ـ الجواهر: 40/193، نقلاً عن كشف اللثام.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.


(421)

و مورد الحديث في إمهال المدّعي لأن يحضر الشهود الغُيّب والعرف يساعد، إلغاء الخصوصية وشموله لإمهال المدّعى عليه لإحضار شهوده الغُيّب للجرح وعدم التقييد بثلاثة دليل على أنّه تختلف مدّة الإنظار حسب بعد المسافة وقربها وإمكان التوصّل بها. اللّهمّ إلاّ أن يقال بتوقف الإحضار على مرور زمان، لايتحمل به عادة ففي مثله يصحّّ أن يقال أنّه يقضي، والخصم على حجّته.

السابعة: لاحلف مع إقامة البيّنة

اتّفق الأصحاب على أنّه لايُستحلف المدّعي مع البيّنة القابلة لإثبات الحقّ.

قال الشيخ:ولم يستحلف المدّعي مع بيّنته وقال بعض من تقدّم :لايحكم له بالبيّنة حتّى يستحلفه معها.(1)

ويكفي في ذلك ما تضافر عن رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: أنّ البيّنة للمدّعي واليمين على من ادّعى عليه أو من أنكره والتفصيل قاطع للشركة.ويدلّ على الحكم ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ غير واحد من الروايات.(2)

نعم ورد في مرسلة سلمة بن كهيل: «وردّ اليمين على المدّعي مع بيّنته فإنّ ذلك أجلى للعمى وأثبت للقضاء»(3)، وهذا الموضع منها مرفوض لم يعمل به أحد، وسلمة بن كهيل زيدي بتري، لايؤخذ بما تفرّد به.

نعم يستثنى منه، ما إذا كانت الدعوى على ميّت فقد تفرّد اثنان من القدماء على ضمّ اليمين إلى البيّنة أحدهما الصدوق فقد عقد باباً لهذا وقال: «باب الحكم


1 ـ الطوسي، المبسوط:8/159.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1ـ2.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.


(422)

باليمين على المدّعي على الميّت هنا بعد إقامة البيّنة»(1) والآخر الشيخ في المبسوط.(2) ولم نجد من نصّ على الحكم من عصر الشيخ(385ـ460هـ) إلى عصر المحقّق (602ـ676هـ) نعم اشتهر القول به من عصره وإليك بعض الكلمات:

قال المحقّق:ولايُستحلف المدّعي مع البيّنة إلاّ أن تكون الشهادة على ميّت فيُستَحلف على بقاء الحقّ في ذمّته استظهاراً.(3)

وقال العلاّمة:ولايستحلف المدّعي مع البيّنة إلاّ أن تكون الشهادة على ميّت أو صبيّ أو مجنون أو غائب فيُستحلَف على بقاء الحقّ ـ استظهاراً ـ يميناًواحدة وإن تعدّد الوارث.(4)

وقال الشهيد الثاني:وإن كانت الدعوى على ميّت فالمشهور بين الأصحاب لايظهر فيه مخالف أن المدّعي يستحلف مع بيّنته على بقاء الحقّ في ذمّة الميّت ولكن تردّد في كون الحكم إجماعياً.(5)

وقريب منه في مجمع الفائدة وإن ناقش في مستند الحكم سنداً ودلالة وخرج باستحباب الحلف في النتيجة كما سيوافيك.(6)

والغور في كتب الأصحاب يوقفنا على مكانة المسألة وأنّه ليس هناك إجماع ومن العجب ادّعاء صاحب الجواهر فيها الإجماع حيث قال:لم يصرّح به أحد قبل المصنف غير الشيخ إلاّ أنّ ذلك غير قادح في تحصيل الإجماع على بعض طرقه المقرّرة في الأُصول ولذا حكاه الصيمري عليه هنا فلاريب في الاستدلال به بناء على حجّية مثله.(7)


1 ـ الصدوق، الفقيه: 3/38، الباب 26.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/159.
3 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/85.
4 ـ العلامة، إرشاد الأذهان:2 وقريب منه عبارة القواعد لاحظ مفتاح الكرامة: 10/89.
5 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/410
6 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/156ـ160.
7 ـ النجفي، الجواهر:40/194ـ195.


(423)

أقول: إنّ ادّعاء الإجماع لايصحّّ على تمام المباني في ادّعائه إلاّ الادّعاء على وفق القاعدة، وأنّهم ـ قدّس الله أرواحهم ـ لو كانوا ملتفتين لمصدر الحكم كما التفتنا، لأفتوا به وهو كما ترى وهذا ممّا يسيئ الظنّ بكثير من الإجماعات المدّعاة.

والدليل عليه روايات ثلاث:

الأُولى: خبر عبد الرحمان بن أبي عبد الرحمان البصريّ

قال: «وإن كان المطلوب بالحقّ قد مات ، فأُقيمت عليه البيّنة فعلى المدّعي، اليمين بالله الذي لا إله إلاّ هو لقد مات فلان وأنّ حقّه لعليه، فإن حلف وإلاّفلا حقّ له لأنّا لاندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لانعلم موضعها أو غير بيّنة قبل الموت فمن ثمّ صارت عليه اليمين مع البيّنة، فإن ادّعى بلا بيّنة فلاحقّ له، لأنّ المدّعى عليه ليس بحيّ، ولو كان حيّاً لأُلزِمَ اليمين أو الحقّ أو يردّ اليمين عليه، فمن ثمّ لم يثبت الحق».(1)

وقد أمعن النظر فيها المحقّق الأردبيلي وذكر انّه يستفاد منها أحكام (ثمانية) على خلاف القاعدة ثمّ ضعف الرواية بالوجوه التالية:

1ـ في سندها محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطينيّ.

2ـ وياسين الضرير المهمل في الرجال.

3ـ من أين نعلم أنّ المراد من الشيخ هو الإمام الكاظـم ـ عليه السلام ـ ؟

4ـ عدم التصريح بتعدّد البيّنة.(2)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ عبارة المجمع في المطبوع هكذا: لعدم التصريح يتعذّر البينة وهو تصحيف «تعدّد» البينة كما هو كذلك في مفتاح الكرامة و عبّـر عن الإشكال في الجواهر بقوله:«لاحتمال إرادة غير الشاهدين من البيّنة».


(424)

5ـ ظاهرها وجوب اليمين المغلّظ ولاقائل به.

6ـ يمكن حمل اليمين على التقية أو الاستحباب.(1)

والحقّ أنّ هذه المناقشات دون مقام الأردبيلي ولأجل ذلك قال صاحب الجواهر: لايستأهل للردّ فإنّ دفعها واضحة جدّاً وأجاب عنها في مفتاح الكرامة على وجه التفصيل.(2) فلاحظ.

الثانية: صحيحة محمّد بن الحسن الصفار:

كتب إلى أبي محمّد الحسن بن علي عليمها السَّلام .

أ: هل تقبل شهادة الوصيّ للميّت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع ـ عليه السلام ـ :«إذا شهد معه آخر عدل فعلى المدّعي اليمين».

ب: وكتب أيجوز للوصيّ أن يشهد لوارث الميّت صغيراً أو كبيراًوهو القابض للصغير وليس الكبير بقابض؟ فوقّع ـ عليه السلام ـ :«نعم وينبغي للوصيّ أن يشهد بالحقّ ولايكتم الشهادة».

ج: وكتب أو تُقبل شهادة الوصيّ على الميّت مع شاهد آخر فوقّع:« نعم من بعد يمين».(3)

والاستدلال يتوقّف على دراسة الأسئلة الثلاثة الواردة فيه.

تحليل السؤال الأوّل:

الظاهر من قوله :«للميّت بدين له على رجل» أنّ الميّت من له الدين،


1 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/160.
2 ـ السيّد العاملي، مفتاح الكرامة: 10/90.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 28 من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(425)

والرجل ـ الظاهر في كونه حيّاًـ من عليه الدين، وقام شاهدان أحدهما الوصي والآخر غيره. ففي مثله، فرض اليمين على المدّعي، وهل المدّعي هو الوصيّ، أو أولاد الميّت وورّاثه، الظاهر هو الثاني ، وعلى كل تقدير فلا يخلو هذا الشق من تأملات:

1ـ كيف تقبل شهادة الوصي فيما هو وصيّ فيه خصوصاً إذا كان وصياً للميّت وقيّماً للصغير فإنّ الشهادة عندئذ تجرّ نفعاً لجواز أكل الوصيّ من ماله حسب الحاجة؟ (1)

أقول: يمكن أن يقال: إنّ الوصيّ ليس من الشهود وذلك بوجهين:

أ: احتمال رجوع ضمير «معه» في كلام الإمام إلى «الشاهد الآخر العدل» الوارد في كلام الراوي وعندئذ يخرج الوصي عن كونه شاهداً.

ب: نفترض أنّ الضمير في «معه» يرجع إلى الوصي، والمعنى إذا كان مع الوصي، شاهد آخر عدل «فعلى المدّعي اليمين» وذلك لعدم الاعتبار بشهادة الوصيّ بل الاعتبار بالشاهد الآخر، ويمين المدّعي.نعم عند ذاك تصير لفظة «معه» زائداً ومستدركاً لعدم العبرة بشهادة الوصيّ بل بيمين المدّعي سواء كان وصيّاً أو ولد الميّت.

2ـ إذا قامت البيّنة على الدين، فما الحاجة إلى يمين المدّعي، مع كون المدّعى عليه حيّاً؟

أقول: الإشكال متوجّه على ما افترضناه في الفرض الأوّل و هوالعبرة بشهادة الوصي والعدل الآخر وأمّا على الفرض الثاني، من كون الحجّة هو العدل واليمين فلا.


1 ـ لقوله سبحانه : «وابتلوا اليتامى حتّى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداًفادفعوا إليهم أموالهم ولاتأكلوها اسرافاًوبداراً أن يكبروا، ومن كان غنيّاً فليستعفف و من كان فقيراً فليأكل بالمعروف» (النساء/6).


(426)

على انّه يمكن تصحيحه على الفرض الأوّل، إذا افترضنا، كون المديون ميّتاً واليمين للاستظهار إذ لعلّه وفى دينه فيكون دليلاً على المقام أيضاً.

تحليل السؤالين:الثاني والثالث

أمّا السؤال الثاني فهو يشمل على جواز شهادة الوصي فيما هو وصي فيه.وهي غير معتبر لجرّ النفع كما عرفت.

وأمّا الثالث: فالمفروض فيه خلاف الصورة الأُولى، فقد افترض الميّت مديوناً لدائن فلاتقبل الشهادة على الميّت إلاّ بعد يمين.

وعندئذ يتوجّه السؤال التالي:

المشهور أنّ للوصي قضاء دين الميّت إذا كان عالماً به مع أنّ ظاهر الرواية(الجواب الثالث) عدم جوازه إلاّ مع يمين المدّعي.

ويمكن أن يكون وجه التعليق على يمين المدّعي عدم علم الوصيّ بالبقاء، والظاهر أنّ المراد من اليمين هو يمين المدّعي و هو في المقام غيرالمدّعي في الأوّل.

وبذلك يندفع ما ربّما يقال من أنّ ظاهرها انّه لايجوز للوصي أن يقضى دين الميّت مع علمه به وإن كان مع عدل إلاّ مع يمين المدّعي وهو خلاف ما تقرّر.(1)

وذلك لاحتمال عدم علمه بالبقاء أو لدفع التهمة عن نفسه وعلى كلّ تقدير يمكن أن يكون مؤيداًلهذا الاستثناء.

ثمّ إنّ للصفّار صحيحة أُخرى جاء فيها تنفيذ الشهادة على الميّت من دون ضمّ يمين فتكون مخالفة لما ذكر.

روى أنّه كتب إلى أبي محمّد ـ عليه السلام ـ رجل أوصى إلى ولده وفيهم كبار قد أدركوا وفيهم صغار أيجوز للكبار أن ينفذوا وصيته ويقضوا دينه لمن صحّ على الميّت


1 ـ مجمع الفائدة:12/161.


(427)

بشهود عدول قبل أن يدرك الأوصياء الصغار فوقّع ـ عليه السلام ـ :«نعم على الأكابر من الولد أن يقضوا دين أبيهم ولايحسبوه بذلك».(1)

ويمكن الجواب بأنّه إذا كان التعارض، تعارض الإطلاق والتقييد، تقيد الثانية بالأُولى ولاإشكال.ولايلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

الثالثة: سليمان بن حفص المروزي

إنّه كتب إلى أبي الحسن ـ عليه السلام ـ في رجل مات وله ورثة فجاء رجل فادّعى عليه مالاً وأنّ عنده رهناً فكتب ـ عليه السلام ـ :

1ـ «إن كان له على الميّت مال ولابيّنة له عليه فليأخذ ماله بما في يده وليردّ الباقي على ورثته».

2ـ «ومتى أقرّ بما عنده، أُخذ به وطولِب بالبيّنة على دعواه وأُوفيَ حقّه بعد اليمين».

3ـ «ومتى لم يقم البيّنة والورثة ينكرون، فله عليهم يمين علم يحلفون بالله مايعلمون انّ له على ميّتهم حقّاً».(2)

إنّ الإمام في الفقرة الأُولى يرشده إلى كيفية استنقاذ ماله.

كما أنّه في الفقرة الثانية ، يبيّن الحكم الشرعي وأنّ من أقر بمال عنده للغير يؤخذ منه المال، ويُطالب بالبيّنة بالنسبة إلى الدين الذي يدّعيه وعندئذ شقان :

1ـ إن أقام البيّنة، فلابدّ من ضمّ اليمين إليه وهو ظاهر قوله في الفقرة الثانية:«و أُوفي حقّه باليمين» بالبناء على المجهول.

2ـ إذا لم يقم البيّنة، فهذا ما جاء في الفقرة الثالثة وحاصله أنّه ليس للمرتهن


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 50 من كتاب الوصايا، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 20 من أبواب الرهن، الحديث 1.


(428)

على الورثة سوى التحليف بنحو يمين علم، لاحلفاً على أنّ الواقع كذلك لأنّ المفروض عدم علمهم به.

وبعد دراسة الروايات الثلاث، تبيّن لزوم اليمين ووجوبه، وإن ذهب الأردبيلي إلى خلافه.وحمله على الاستحباب أو التقية ،والثاني لاوجه له والأوّل على خلاف الظاهر فتدبّر.

وليعلم أنّ محلّ البحث ما إذا ادّعى المدّعي اشتغالَ ذمّة الميّت بالدين إلى زمان الموت، ولكن شهدت البيّنة على أصل الاشتغال، لا على بقائه إلى حينه.وأمّا إذا قامت البيّنة على الاشتغال إلى زمانه فهو خارج عن موضوع الروايات، لقيام الحجّة الشرعية على الاشتغال إلى حينه ولاموضوع للاستظـهار حتّى يُكلّف باليمين فقوله في رواية البصري:«لعلّه قد أوفاه ببيّنة لايعلم موضعها، أو غير بيّنة قبل الموت» غير صادق في هذه الصورة وليكن هذا ببالك فإنّه يفيدك في المستقبل ففي كثير من الكلمات خلط بين الصورتين.

التعدّي عن مورد النصوص إلى غيره

إنّ هنا موارداً للمسألة غير منصوصة يجب استنباط حكمها منها أو من غيرها وذلك لأنّ المنصوص في السؤال الثالث يشتمل على قيود يكفي في كون المورد خارجاً عن النصوص، ارتفاع قيد منها فالقيود الواردة فيه عبارة:

1ـ احتمال براءة ذمّة الميّت لأجل احتمال الايفاء فهل يتعدّى منه إلى ما إذا كان احتمال البراءة مستنداً إلى غير الإيفاء، كالإبراء ومحاسبته من باب الحقوق؟

2ـ إنّ المدَّعي في النصّ هو صاحب الحقّ، فهل يتعدّى فيه إلى وارثه أو وصيّه؟

3ـ انّ المدّعى به في النصّ هو الدين فهل يتعدّى منه إلى ما إذا كان العين؟


(429)

4ـ إنّ المثبت للحقّ في النصّ هو الشاهدان فهل يتعدّى منه إلى ما كان المثبت هو الشاهد واليمين؟

5ـ إنّ المدّعى عليه في النصوص هو الميّت فهل يتعدّى منه إلى من هو بمنزلته كالمجنون والصغير والغائب؟ وإليك البحث عن هذه الموارد واحداً بعد الآخر.

6ـ إذا استمهل المدّعي لإحضار البيّنة.

الأوّل: إذا احتمل الإبراء

إذا علم عدم الوفاء ولكن يحتمل الإبراء أو أداء الغير أو الوصية بإيفاء الورثة، مع وفاتهم. وبعبارة أُخرى: إذا علم عدم الوفاء ولكنّه يحتمل أنّ المدّعي قد أبرأه في زمان أو حاسبه من باب الحقوق الواجبة أو غيره فالظاهر لزوم اليمين بنفس العلّة الواردة في رواية عبد الرحمان البصريّ واحتمال الوفاء من باب المثال.

الثاني: إذا كان المدّعي وارثَ الميّت

إذا كان المدّعي ـ على الميّت ـ وارث صاحب الحقّ أو وصيّه فله صور أربع حسب إتّفاقهما على أصل الدين أو على بقائه إلى زمان الموت أو اختلافهما في ذلك.

أ: أن يدّعى أصل الدين، وشهدت البينّة على أصل الدين.

ب : أن يدّعى بقاء الدين إلى زمان الموت وشهدت البيّنة على بقائه إلى حين الموت.

ج: إذا ادّعى الوارث بقاءه إلى حين الموت وشهدت البيّنة على أصل الدين.

د:عكس الصورة الثالثة.

يعلم حكم الأوّلين ممّا ذكرنا في الفرع الأوّل فلايقضى في الأُولى إلاّ باليمين ـ


(430)

دون الثانية ـ لقيام الحجّة التامّة على الاشتغال فيها فلاحاجة إلى اليمين.

إنّما الكلام في كيفية الحلف في الصورة الأُولى، فهل يحلف الوارث حلفاً بتيّاً اعتماداً على الاستصحاب والحكم الظاهري أو يحلف على نفي العلم بالوفاء، والإبراء، أو تسقط اليمين ويدخل تحت عمومات حجّية البيّنة، أو يدخل تحت روايات المسألة غاية الأمر لايقضى بشيء لعدم التمكّن من الحلف وإن كان فيه معذوراً، وجوه.

احتمل صاحب الجواهر أن يكون له الحلف على البَتّ، على مقتضى الاستصحاب، كما يجوز الحلف على مقتضى اليد لأنّ سقوط الحقّ مع وجود البيّنة مناف لمذاق الفقه.(1) ولكنّه غير تام كما اعترف به لانصراف الروايات إلى الحلف مع العلم، لا الحلف مع الشك .

ومثله الصورة الثانية، إذ ليس في عدم علمه بالوفاء وعدمه، اختلاف بين الطرفين فتكون اليمين بهذا النحو لغواً، نعم لو ادّعى على الوارث بعلمه بالوفاء لكان له وجه، لكنّه خلاف المفروض.

والظاهر هو الاحتمال الثالث لبعد سقوط الحقّ مع وجود البيّنة، واليمين في جانب المدّعي على خلاف القاعدة فتختصّ بمورد الإمكان فيكون المرجع هو إطلاق حجّية البيّنة ،واختار السيّد الطباطبائي الوجه الرابع قائلاً بأنّ حاله حال مورّثه، فكما أنّه لو لم يجزم ببقاء الحقّ وعدم الوفاء لايجوز له أن يحلف ولايَثبت حقّه، فكذا لايجوز له وحينئذ لايثبت الحقّ لعدم تمامية الحجّة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقّن في المخصّص لدليل حجّية البيّنة فيما إذا أمكن له الحلف، كما في المورّث، دون ما لايمكن فالأخذ بإطلاق الأدلّة أولى من إهمالها .وإن كان التصالح أحسن.


1 ـ النجفي، الجواهر:40/198.
2 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/82.


(431)

و في الصورة الأولى هل تكفي يمين واحدة أو تتعدّد حسب تعدّد المورد؟ وجهان: اختار صاحب الجواهر كفاية اليمين الواحدة قائلاً بأنّ مقتضى إطلاق النص، اعتبار يمين واحدة في تمامية حجّية البيّنة.(1) وذهب السيّد الطباطبائي إلى تعددها وأنّه لابدّ من حلف كلّ منهم على بقاء مقدار حقّه من الإرث ولايكفي حلف بعض منهم عن الجميع نظير إثبات الحقّ بالشاهد واليمين مع تعدّد المدّعين فلو لم يحلف بعضهم لعدم علمه لم يثبت مقدار حقّه.(2) والحاصل أنّ صاحب الجواهر اختار أنّ اليمين متمّم لحجّية البيّنة وليست جزء مثبتاً للحقّ، بخلاف السيّد فإنّه جعله جزءاً للحجّة.

والظاهر عدم الفرق بين المبنيين، إذا كانت لليمين مدخلية في الإثبات سواء كان جزء مثبتاً أو متمّماً، والأولى أن يقال إنّه تكفي يمين واحدة، لأجل كونها استظهارية، تحرّزاً من إيفائه من دون أن تطلع عليه البيّنة.وإلاّ فالبيّنة، حجّة تامّة، وتكفي في الاستظهار يمين واحدة وإن كان الأولى التعدد.

وممّا ذكرنا يعلم حكم الصورة الثالثة فيحلف المدّعي على وجه البتّ وفي الصورة الرابعة يقضى بلا يمين لتمامية الحجّة.

الثالث: هل يقتصر على الدين أو يتعدّى إلى العين ؟

هل يختصّ الحكم بالدين أو يشمل العين أيضابل كلّ دعوى على الميّت سواء كانت عيناً أو ديناً، أو منفعة أوحقّاً كحقّ الرهانة وحقّ الخيار؟قال الشهيد:يجب الاقتصار على ما دلّ عليه من كون الحلف على المدّعي مع دعواه الدين على الميّت كما يدلّ عليه قوله:«وأنّ حقّه لعليه وإنّا لاندري لعلّه أوفاه»، فلو كانت الدعوى عيناً في يده بعارية أو غصب، دفعت إليه مع البيّنة من غير يمين.ولو لم يوجد في التركة وحكم بضمانها للمالك ففي إلحاقها حينئذ بالدين نظراً


1 ـ النجفي، الجواهر: 40/198.
2 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/197.


(432)

إلى انتقالها إلى الذمّة أو العين نظراً إلى أصلها وجهان: أجودهما الثاني(1) وتبعه النراقي في المستند ونسبه إلى العلاّمة في القواعد، والفاضل المقداد في التنقيح، لاختصاص النصّ بالدين قال:

أمّا الصحيحة (صحيحة الصفار) فلتصريحها بالدين وأمّا الرواية (عبد الرحمان بن أبي عبد الله) فلظهورها فيه لمكان لفظ «الحقّ» ، و«لعليه» و«أوفاه»، نعم رويت الصحيحة في الكافي مجردّة عن لفظ «بدين» وأمّا النسخ المصححة عندي فكلّها مشتملة على لفظ «بدين» وأمّا ما قيل «انّ النصّ وإن كان مخصوصاً بالدين إلاّ انّ مقتضى التعليل المنصوص وهو الاستظهار، العموم» ففيه انّ العلّة هي احتمال الإيفاء وهو في العين التي بيده غير جار بل الجاري فيه احتمال النقل ونحوه. وغير ذلك من التعليل، مستنبط لايعبأ به.(2)

وإليه ذهب صاحب الجواهر وحاصل النزاع أنّ المرجع هو عموم حجّية البيّنة، أو الأخبار الثلاثة الخاصّة فالمشايخ يرجّحون كون المرجع، هو عموم أدلّة حجّية البيّنة ولكن يمكن ترجيح القول الثاني بأنّ ذكر الوفاء في رواية البصري من باب المثال، كالدين في صحيحة الصفار، وأنّ الميزان، احتمال أمر، موجب لبراءة ذمّة الميّت من وفاء أو نقل جديد وقد تقدّم أنّه لو احتمل الإبراء أو المصالحة، فهما أيضاً يلحق باحتمال الوفاء وأنّه جيىء به بعنوان المثال لكونه الغالب. والتعليل بأمر ارتكازي لاتعبديّ فيكون جميع الاحتمالات المتشابهة سواسية من غير فرق بين بقاء العين أو تلفه ومن غير فرق ـ عند التلف ـ بين تلفه في حياة القابض، أو بعد موته، وما يظهر من صاحب الجواهر(3) من التفريق بين التلفين وأنّه لو تلف في زمانه فهو داخل تحت الخبر(البصري والصفار) ولو تلفت بعده فالخبران قاصران عن شموله، غير تام.


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/411.
2 ـ النراقي، المستند:2/521.
3 ـ النجفي، الجواهر:40/98.


(433)

ومع ذلك كلّه فالحقّ هو عدم الإلحاق مطلقاً وذلك لأنّ البيّنة لاتخلو إمّا أن تشهد على كون العين باقية على ملك المدّعي إلى حين موت القابض أو تشهد على أنّها كانت ملكاً له. من دون الشهادة، على بقائها إلى حينه ، فعلى الأوّل يقضى بها من دون يمين لعدم الحاجة إلى الاستظهار بعد قيام البيّنة على كونها باقية في ملك المدّعي، وأمّا على الثاني فلاتفي البيّنة بإثبات بقائها ملكاً للمدّعي إلاّ بضم اليمين اعتماداً على الاستصحاب وهو محكوم بقاعدة اليد وليس للقاضي الإعتماد على الإستصحاب و القضاء به، مع كون المدّعى عليه ذات اليد. وتوهم عدم حجّية اليد في تلك الموارد كما ترى.

فتحصل أنّ العين لايلحق بالدين، إمّا لعدم الحاجة إليه، وإمّا لعدم تماميّة ميزان القضاء كما لايخفى.

الرابع: هل يقتصر على الشاهدين أو يتعدّى منه إلى الشاهد واليمين؟

الظاهر من المحقّق الآشتياني أنّ القضاء بالشاهد واليمين على الميّت ممّا لاغبار عليه إنّما الكلام في كفاية اليمين الواحدة أو لزوم الحاجة إلى يمينين قال:«ثمّ الكلام فيهما ليس من حيث كونهما كالبيّنة في ثبوت الحقّ بهما فإنّه ممّا لا إشكال فيه وإنّما الكلام فيها من حيث الاحتياج إلى يمينين أو كفاية يمين واحد فقد يقال بلزوم تعدّد يمينين نظراً إلى تعدّد موجبهما والأصل عدم التداخل وقديقال بكفاية اليمين الواحدة نظراً إلى تأتي المقصود منها لها فلاداعي للتعدد.

وقد يفصّل في المسألة بين ما إذا شهد الشاهد بالحقّ الفعلي وباشتغال الذمّة فعلاً، وبين ما إذا شهد باشتغال الذمّة سابقاً كما إذا شهد على سبب الاشتغال فيحكم في الثاني بالتعدّد وفي الأوّل بكفاية الواحد.(1)


1 ـ الآشتياني: القضاء144.


(434)

واختاره السيّد الطباطبائي وقال :الأظهر وجوب الضمّ إذا كانت اليمين مع الشاهد، على أصل ثبوت الحقّ من غير تعرّض لبقائه لأنّ اليمينين متغايران إحداهما على أصل الاستحقاق والأُخرى على بقائه، وإن كانت على الاستحقاق فعلاً ففيه وجهان من تغايرهما من حيث هي، ومن عدم الفائدة في تكرارهما.والأظهر الأوّل وهو الأحوط إذ يكفي في تغايرهما في حدّ نفسهما فلاوجه للتداخل.(1)

يلاحظ على ما ذكراه من أنّه إذا شهد بالحقّ الفعلي، فهو خارج عن موضوع الروايات، إذ بعد تماميّة الحجّة التامّة على الاشتغال بالفعل لاحاجة إلى الاستظهار باليمين.

ثمّ إنّ كفاية الشاهد واليمين مطلقاًحتّى في مورد الدعوى على الميّت، يتوقّف على وجود الإطلاق في الروايات وهو غير بعيد فقد تضافر عن رسول الله انّه قضى بشاهد ويمين.(2)

وبما أنّ اليمين في المقام استظهاري واليمين الواحدة تفيد فائدة الاثنتين ، فلاوجه للتكرار وإن كان الأحوط عدم التداخل.

الخامس: إذا شهدت البيّنة على صبيّ أو مجنون أو غائب

إذا شهدت البيّنة على صبيّ أو مجنون أو غائب فهل تُضّمُ اليمين إلى البيّنة أو لا ؟ فقال المحّقق : «أشبهه انّه لايمين»(3) واستقرب العلاّمة في القواعد ضمّها وقال:«ولو كانت الشهادة على صبيّ أو مجنون أو غائب فالأقرب ضمّ اليمين


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/86.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم.
3 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/85.


(435)

ويَدْفع الحاكم من مال الغائب بعد التكفيل».(1) وذكر الشهيد في المسالك، أنّ في المسألة قولين أشبههما عند المصنّف العدم وقوفاً فيما خالف الأصل على موضع النصّ وذهب الأكثر إلى تعدّي الحكم لمشاركتهم للميّت في العلّة، وهو أنّه ليس للمدّعى عليه لسان يُجيب به فيكون من باب منصوص العلّة، ولأنّ الحكم في الأموال مبنيّ على الاحتياط التام وهو يحصل بانضمام اليمين ، ثمّ اختار هو القول الأوّل. وقد استدل على عدم الإلحاق بوجوه:

1ـ ما ذكره صاحب المسالك من أنّ مورد النصّ وهو الميّت أقوى من الملحق به لأنّ جوابه قد انتفى مطلقاً وليس في دار الدنيا والصبيّ والمجنون والغائب لهم لسان يرتقب جوابهم.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع الواقعي من لايستطيع على الدفاع حين القضاء لابعده والميّت ذكر بعنوان المثال والغائب على فرض تسليم الحكم فيه خرج بالدليل كما سيوافيك وعندئذ يكون الملحق والملحق به في التعليل سيّان إذ ليس التعليل خروجه من الدنيا، أو لايرجى جوابه حتّى يصحّ ما ذكره من الفرق، بل الحكم على شخص غير قادر على الدفاع في مجلس القضاء.

2ـ إنّ التعليل عبارة عن احتمال صدور عمل من الميّت صار موجباً لفراغ ذمّته، وهو غير متصوّر في حقّهما.

يلاحظ عليه: أنّ الوفاء من باب المثال والمقصود سبق عمل موجب للبراءة وإن لم يكن مستنداً إلى المدّعى عليه ،كالإبراء والمحاسبة من باب الحقوق .

والحاصل أنّه يجب أن يكون التعليل بأمر ارتكازي وهو في المقام مركّب من أمرين صدور شيء من الطرفين موجب للبراءة سواء كان إبراءً أو وفاءً، مع كون


1 ـ السيّدالعاملي، مفتاح الكرامة: 10/92، قسم المتن.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/411.


(436)

المحكوم عليه غير قادر على الدفاع في مجلس القضاء وبذلك يندفع كلا الدليلين.

هذا كلّه في المجنون والصغير وأمّا الغائب فقد ورد فيه النصّ من القضاء بالبيّنة بلا ضمّ يمين، فعطفه عليها ، في غالب الكلمات غير صحيح.

روى الشيخ بسند صحيح عن جميل بن درّاج عن جماعة من أصحابنا، عنهما ـ عليهما السلام ـ قال:الغائب يُقضى عليه إذا قامت عليه البيّنة ويباع ماله، ويُقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجّته إذا قدم.قال:ولايدفع المال إلى الذي أقام البيّنة إلاّ بكفلاء.(1) والمراد من الكفلاء هو مطلق الضامن ولايشترط فيه التعدّد كما هو المتبادر في المقام.

ورواه الشيخ أيضاًعن محمّد بن مسلم وزاد:«إن لم يكن ملياً» ومقتضى التعليل المنصوص هو ضمّ اليمين، لأنّه قضاء على إنسان غير مستطيع على الدفاع، غير أنّ الكفيل قام مقام اليمين كما أنّ قوّة حضور الغائب، في المحكمة في المستقبل والاعتراض على الحكم، هوّن الأمر ولم يقيّد باليمين على خلاف المجنون لاحتمال عدم إفاقته، و الصبي لاحتمال عدم ذكره.

إنّ هذا كلّه إذا ادّعى شخص ديناً له على هؤلاء وأمّا إذا ادّعى وليّ الطفل والمجنون ديناًلهما على ميّت، فلايقضى إلاّ ببيّنة ويمين لأنّه ادّعاء على الميّت فيدخل في المنصوص وقد عرفت أنّ المراد بصاحب الحقّ هو الأعم من الأصيل وغيره فاليمين على الوليّ كما أنّ عليه إقامة البيّنة.

***


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم ،الحديث 1، وفي السند جعفر بن محمّد بن إبراهيم ، وهو من مشايخ الإجازة، وعبد الله بن نهيك وهو عبد الله بن أحمد بن نهيك الثقة ذكره في مفتاح الكرامة لاحظ :10/94 وبذلك يندفع تضعيف المحقّق الأردبيلي.


(437)

السادس: إذا استمهل المدّعي لإحضار البيّنة

إذا رفع الشكوى إلى القاضي وقال القاضي له:هل لك بيّنة ؟فقال :نعم لي بيّنة غائبة، فهل يجب الإمهال، أو يُقضى بيمين المنكر أو خُيّر بينهما؟ ولو اختار الإنظار، فهل تلزم على القاضي مطالبة الكفيل من المدّعى عليه أو لا؟

قال الشيخ في الخلاف :إذا ادّعى على غيره حقّاً فأنكر المدّعى عليه، فقال المدّعي لي بيّنة غير أنّها غائبة، لم يجب له ملازمة المدّعى عليه ولامطالبته بكفيل إلى أن تحضر البيّنة وبه قال الشافعي. وقال أبوحنيفة: له المطالبة بذلك وملازمته ـ ثمّ استدل الشيخ على مختاره ـ بأنّ الأصل براءة الذمة ومن أوجب ذلك فعليه الدلالة، وروى سمّاك عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه أنّ رجلاًمن كندة، ورجلاً من حضرموت أتيا النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فقال الحضرمي:«هذا غلبني على أرضي و ورثتُها من أبي وقال الكندّي في يدي أذرعها ، لاحقّ له فيها فقال النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم للحضرمي: ألك بيّنة؟ قال:لا، قال: لك يمينه، قال: إنّه فاجر لايُبالي على ما حلف، إنّه لايتورّع من شيء فقال النبيّ :ليس لك منه إلاّ ذاك» فمن قال له الملازمة والمطالبة بالكفيل فقد ترك الخبر.(1)

وقال في المبسوط: وإن كانت البيّنة غائبة قال له الحاكم: ليس لك ملازمته، ولامطالبته بالكفيل، ولك يمينه أو يرسلَ حتّى يحضر البيّنة وقال قوم له ملازمتهومطالبته بالكفيل حتّى يحضر البيّنة والأوّل أصحّ والثاني أحوط لصاحب الحقّ.(2)

وقال المحقّق في الشرائع:ولو ذكر المدّعي أنّ له بيّنة غائبة خيّره الحاكم بين


1 ـ الطوسي، الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 36; لاحظ صحيح مسلم، كتاب الأيمان: الجزء الأوّل، الباب 61، برقم 33ـ و224.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/140.


(438)

الصبر وإحلاف الغريم وليس له ملازمته ولامطالبته بكفيل.(1)

وفي النافع اختيار الإمهال وقال: لو قال: البيّنة، غائبة أُجِّل بمقدار إحضارها وفي تكفيل المدّعى عليه تردّد، ويخرج من الكفالة عند انقضاء الأجل.(2)

أمّا التخيير بين الصبر والقضاء بالبيّنة ، وإحلاف الخصم فقد عرفت خلافه وأنّه مع إمكان الاحتجاج بالبيّنة لايحتجّ بالحلف، إلاّ أن يكون الإحضار أمراً حرجياً للمدّعي فيحتج بالحلف، وتؤيده رواية سلمة بن كهيل«واجعل لمن ادّعى شهوداًغُيّباً أمداً بينهما فإن أحضرهم أخذت له بحقّه وإن لم يحضرهم أوجبتَ عليه».(3)

إنّما الكلام في أخذ الكفيل والضامن، فربّما يقال بلزوم أخذه، لأنّ في إطلاقه ضرراًعلى المدّعي.

يلاحظ عليه: أنّ معنى حكومة لاضرر، أنّه يرفع الحكم الشرعي الضرري في المورد وليس الحكم بجواز إطلاقه حكماً ضررياً، بل فيه احتمال الضرر، ومثله مالو فسّر بما هو المختار عندنا من أنّ النفي بمعنى النهي وأنّه ليس لأحد، الإضرار على الغير، إذ ليس فيه إلاّ احتمال الإضرار على المدّعي، مضافاً إلى أنّ في حبسه وملازمته ضرراً حتمياً على الخصم.

وربّما يقال بأنّ الأمر دائر بين أحد الضررين، امّا ضرر المدّعي بإطلاق الخصم، وإمّا ضرر المدّعى عليه، بحبسه أو طلب الضمان أو الكفالة منه فتجب على القاضي مراعاة أقلّ الضررين.


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/85.
2 ـ المختصر النافع:281ط مصر.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث10.


(439)

يلاحظ عليه: أنّ مورد المراعاة إذا أُكره الإنسان بالإضرار على شخص بأحد أمرين لاتساوي قيمتهما فعلى المورد، ارتكاب أقلّهما، لاما إذا كان هناك ضرر يدور أمره بالإيراد على أحد الشخصين، فلايصحّ تحميل الضرر القليل على شخص، لدفع الضرر الكثير عن الآخر. بل لابدّ من ملاحظة ضابط آخر محرّر في مبحث لاضرر.

نعم لو دلّت القرائن على صحّة مقالة المدّعي وكان الضرر المحتمل، معظماً وكان الخصم في مظنّة الهرب والفرار، كان له أخذ الضمان ولاية وإلى ما ذكرنا يشير الفاضل المقداد قال:ويقوى أنّ التكفيل موكول إلى نظر الحاكم فإنّ الحكم يختلف باختلاف الغرماء فإنّ الغريم قد يكون مطلقاً غير مأمون فالمصلحة حينئذ تكفيله وإلاّ لزم تضييع حقّ المسلم وقد لايكون كذلك بل يكون ذا مروّة وحشمة ومكنة فلاحاجة إلى تكفيله لعدم ثبوت الحقّ والأمن من ضياعه وربّما يكون المدّعي محتالاً يكون طلبه للتكفيل وسيلة إلى أخذ ما لايستحقّه.(1)

لاشكّ أنّ أخذ الضامن قبل ثبوت الحق، حكم ضرريّ لكن هذا المقدار من الضرر أمر لابدّ منه في باب القضاء، والأدلّة منصرفة عنه ولأجل ذلك لايعدّ إحضار المنكر إلى المحكمة والسؤال عن الموضوع أمراً ضررياً لأنّ القاضي مأمور بإحقاق الحقوق وليس له طريق إلاّ هذه الأُمور.وبالجملة باب القضاء في الإسلام موضوع على هذا النوع من الضرر فلايرتفع بالقاعدة.

ومنه يعلم حكم ما لو أقام شاهداً واستمهل إلى إقامة شاهد آخر فمقتضى القاعدة عدم وجوب أمر على الخصم إلاّ ما عرفت.

***


1 ـ الفاضل المقداد، التنقيح الرائع: 4/252ـ253.
Website Security Test