welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(385)

المسألة الخامسة:

براءة المنكر متوقّفة على حكم الحاكم أو لا؟

هل يتوقّف سقوط الدعوى على إنشاء حكم من الحاكم بذلك بعد الحلف أو يكفي الحلف بعد طلب المدّعي وأمر الحاكم؟

يظهر من صاحب الجواهر لزوم إنشاء الحكم. قال:«قد يتوهم من ظاهر النصوص سقوط الدعوى بمجرّد حصول اليمين من المنكر من غير حاجة إلى إنشاء حكم من الحاكم بذلك، لكن التحقيق خلافه، ضرورة كون المراد من هذه النصوص وما شابهها تعليم ما به يحكم الحاكم، وإلاّ فلابدّ من القضاء والفصل بذلك كما أومأ إليه بقوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(1) بل لو أخذ بظاهر هذه النصوص وشبهها لم يحتج إلى انشاء الحكومة من الحاكم مطلقاً ضرورة ظهورها في سقوط دعوى المدعي باليمين وثبوت الحقّ بالبيّنة ونحوها.(2)

يلاحظ بأنّه في مقام بيان الحكم الشرعي، سواء أكان هناك تعلم أو لا، والدليل على ذلك أنّه اعترف به في آخر كلامه حيث قال:«ضرورة ظهورها في سقوط دعوى المدّعي باليمين، وثبوت الحقّ بالبيّنة» من دون نظر إلى تعليم الآخرين بكيفية القضاء.

وذهب السيّد الطباطبائي إلى عدم لزوم إنشاء الحكم في الموارد الثلاثة: الحلف، والإقرار بالحقّ، والبيّنة وقد تدرج في بيان مقصوده، فجعل محور الكلام اليمين،وأنّ البراءة لاتتوقّف على حكم الحاكم إذا كان اليمين بطلب المدّعي وأمر الحاكم، قائلاً بأنّ لليمين خصوصيّه وأنّها موجبة للبراءة، غاية الأمر أنّ اللازم كونها بأمر الحاكم لابمجرّد طلب المدّعي. ثمّ عطف عليه، كون الإقرار مثل اليمين وأنّه


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 ـ النجفي، الجواهر:40/175.


(386)

يثبت به الاشتغال إذا حاز الشرطين من دون حاجة إلى حكم الحاكم، فلو مات الحاكم بعده وقبل الحكم لم يحتجّ إلى شيء.ثمّ احتمل كون الحكم في البيّنة أيضاً كذلك. قال: «وقد يحتمل كفاية الثبوت حتّى في البيّنة وعدم الحاجة إليإنشاءالحكم من الحاكم،وكون المراد من الحكم هو الثبوت عنده ويكفي إخباره به».(1)

يلاحظ عليه:أنّه إن أراد من عدم الحاجة إلى إنشاء الحكم من الحاكم، في مجال ترتّب الأحكام الواقعية على موضوعاتها فهو حقّ، فإذا حلف بطلب المدّعي وأمر الحاكم ـ لو قلنا بشرطيتهما وقد عرفت منّا أنّ الأقوى عدمها ـ يترتّب عليه سقوط الدعوى، وحرمة التقاص، لأنّهما أحكام شرعية مترتّبة على اليمين ، فعلى المدّعي المؤمن بالشريعة، الالتزام بتلك الأحكام.

وإن أُريد من عدم الحاجة إلى إنشاء الحكم من الحاكم، في مجال الأحكام القضائية أي الأثر المترتّب على حكم القاضي نفسه، فلاريب في توقّفه عليه لو كان، كفصل الخصومة وحرمة النقض، ومنع طرح الدعوى في محكمة أُخرى فالكلّ من آثار الحكم،فما ذكره من باب خلط أثر الحكم الواقعي بأثر الحكم القضائي.

ثمّ إنّ في كلامه خلطاً آخر وهو ما أفاد: «والمراد من الحكم هو الثبوت عنده ويكفي في إخباره به» وما ذكره مسألة أُخرى لاصلة لها بما ذكرناه وهي أنّه لو قلنا بلزوم حكم الحاكم يقع الكلام في أنّه هل يكفي فيه ثبوته عنده وإخباره بذلك أم لابدّ من إنشاء الحكم بمثل قوله«حكمت» والقولان مبنيان على تسليم لزوم الحكم، غير أنّهما يختلفان في كيفية إظهاره ، فهل تكفي الجملة الخبرية، أو يتوقّف على الإنشاء.

وقد ظهر بما ذكر في الموارد الثلاثة:


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/64.


(387)

1ـ طلب المدّعي.

2ـ أمر الحاكم.

3ـ إنشاء الحكم.

إنّ الأثر الشرعي الواقعي لايتوقّف على واحد منهما وأمّا الأثر القضائي فربّما يتوقّف على طلب المدّعي، وإذن الحاكم وإنشاء الحكم منه.

المسألة السادسة: إذا أكذب الحالف نفسه

إذا أكذب الحالف نفسه بالإقرار فيسقط ما كان يترتّب على الحلف ـ إذا لم يكذبه ـ من الآثار، فتجوز مطالبته وتحلّ مقاصته ممّا يجده له مع امتناعه من التسليم.وعلّله في المسالك بقوله:لتصادقهما حينئذ على بقاء الحق في ذمّة الخصم فلاوجه لسقوطه.(1)

وفي مفتاح الكرامة:«لأنّ الإقرار أبطل ما تقدّم لعموم أدلّة الأخذ بالإقرار، لكن تأمّل فيه بأنّ ظاهر الروايات المتقدّمة على خلاف ذلك.(2)

وجه التأمّل، أنّ النسبة بين عموم الأخذ بمقتضى الإقرار، وما سبق من الروايات من ذهاب الحق بيمينه هو العموم والخصوص من وجه، لصدق عموم دليل الإقرار ودونها فيما إذا أقرّ، ولم يكن مسبوقاً بالحلف، وصدق الروايات فيما حلف ولم يكذب نفسه، ويصدقان فيما إذا حلف وأكذب نفسه فلا وجه لتقديم عمومه على ما دلّ على ذهاب الحقّ باليمين.

ولكن التأمّل في غير مورده لما عرفت من أنّ ذهاب اليمين بحقّ المدّعي ليس حكماً واقعياً، بل حكم قضائي يثبت مادام الموضوع باقياً فإذا أقرّ بالخلاف، وصار المنكر مقرّاً فلا معنى لبقائه.


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/409.
2 ـ السيّد العاملي، مفتاح الكرامة: 10/77.


(388)

أضف إلى ذلك، أنّ المرتكز لدى العقلاء هو الأخذ بالإقرار، وذمّ الحالف على حلفه كاذباً وهو كاف في تقديم عموم الإقرار.

فلو كان ما ذكر مقنعاً في تقديم عموم الإقرار وإلاّ فيكفي ما رواه الصدوق عن مسمع بن أبي سيّار(1) قال قلت: لأبي عبد الله إنّي كنتُ استودعت رجلاً مالاً فيجحدنيه، وحلف لي عليه ثمّ إنّه جاءني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي أودعته إيّاه فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها فهي لك مع مالك، واجعلني في حلّ فأخذت منه المال وأبيت أن آخذ الربح منه ورفعت المال الذي كنت استودعته وأبيت أخذه حتّى استطلع رأيك فما ترى؟ فقال:«خذ نصف الربح وأعطه النصف وحلّله فإنّ هذا رجل تائب والله يحب التوّابين».(2)

والراوي بصفاء ذهنه، أدرك أنّ له أخذ ماله، وإنّما توقّف في أخذ الربح. ومقتضى القاعدة أنّ الربح كلّه لصاحب المال، إذاأجاز ما ترتّب على ما له من العقود وعندئذ يكون دفع نصف الربح إليه حكماً استحبابياً، لأجل تشويقه إلى الصدق والصفاء وحفظ الأمانة وأمّا كون عمل المسلم محترماً فلاصلة له بالمقام، فإنّ ذلك فيما إذا كان العمل بإذن من صاحب المال، لا ما إذا قام به فضولياً.

ولعلّ ما في فقه الرضا، مأخوذ من هذه الرواية فقد جاء فيه:«وإذا أعطيت رجلاً مالاً فجحدك وحلف عليه ثمّ أتاك بالمال بعد مدّة، وربّما ربح فيه وندم على ماكان منه، فخذ رأس مالك ونصف الربح وردّ عليه نصف الربح. هذا رجل تائب».(3)


1 ـ سند الصدوق إلى مسمع لم يصحح، ولكن مسمعاً ثقة، وثقه الكشي، ص262 والمجلسي في الوجيزة:167 ويظهر المدح في حقّه عن رجال النجاشي. والرواية معتبرة.
2 ـ الوسائل: الجزء 16، كتاب الايمان ، الباب 48، الحديث 3.
3 ـ النوري ، المستدرك، وهذا وأمثاله دليل على أنّ الكتاب(فقه الرضا)، مأخوذ من الأحاديث المروية عن الأئمّة لكن بتصرف وتلخيص وتقييد وتخصيص.


(389)

والظاهر عدم الفرق في إكذاب نفسه بين حضور الحاكم وعدمه بل يكفي سماع المدّعي كما لافرق بين كون التكذيب بعنوان التوبة وعدمها. كلّ ذلك لإطلاق دليل الإقرار وكونه المرتكز لدى العقلاء.

والحقّ أن يقال: إنّ الآثار المترتّبة على الشيء بوجوده الواقعي يترتّب على التكذيب مطلقاً، كالمطالبة في غير المحكمة والتقاص.وأمّا الآثار المترتّبة على حكم القاضي فهو باق، لأنّه بعد غير منتقض عنده وإنّما ينتقض إذا كان الإقرار في محضر القاضي، حتى ينتهي حكمه بانتفاء الموضوع لدى القاضي.

الجهة الثانية: إذا ردّ اليمين على المدّعي

قد عرفت أنّ للمنكرحالات ثلاث ،لأنّه إمّا يحلف، أو يردّ اليمين على المدّعي أو ينكل وقد عرفت حكم حلفه ولنبحث عن حكم الثاني ثمّ الثالث، والكلام يقع في الأُمور التالية:

1ـ إنّ للمنكر ردّ اليمين على المدّعي.

2ـ ولو ردّ وحلف ثبت حقّه.

3ـ وإذا نكل المدّعي، ينتفى حقّه.

4ـ إنّ الردّ مختصّ بالحقوق المالية.

5ـ هل يمين المدّعي بمنزلة البيّنة أو كإقرار المنكر؟

6ـ إنّ للمنكر أن يستمهل مدّة معيّنة.

قد تضافرت النصوص على الأحكام الثلاثة الأُولى، وادّعى الإجماع لولا أنّ الإجماع مستند إلى النصوص.وفيها الصحيح والمعتبر والضعيف فبعضها يدلّ على الحكم الأوّل، والأكثر يدلّ على الأحكام الثلاثة.أمّا الأوّل فتدلّ عليه روايات:

1ـ صحيحة هشام عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: تُردُّ اليمينُ (بصيغة المجهول)


(390)

على المدّعي.(1) و هل الحديث ظاهر فيما كان الرادّ نفسه أو يعمّ ما إذا كان الرادّ هو الحاكم و لعلّه ظاهر في الثاني.

وأمّا الثاني فتدلّ عليه :

2ـ صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليمها السَّلام في الرجل يدّعي ولابيّنة له قال:« يستحلفه، فإن ردّ اليمين على صاحب الحقّ فلم يحلف فلاحقّ له».(2) فتدلّ على الأوّل والثالث بالمنطوق وعلى الثاني بالمفهوم.

3ـ خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في الرجل يُدّعى عليه الحقّ، ولابيّنة للمدّعي قال: «يُسْتَحْلَفُ أو يُردّ اليمين على صاحب الحقّ فإن لم يفعل فلاحقّ له».(3)

وفي السند«القاسم بن سليمان وهو في كتب الرجال مهمل لم يوثق» ويدلّ على الحكم الأوّل والثالث ويستفاد الثاني بالمفهوم، والظاهر أنّ بناء الفعلين على المجهول، أي يُستحلف الرجل الذي أُدّعي عليه، أو تردّاليمين على المدّعي، والتفكيك بين الفعلين بكون الأوّل مبنيّاً على الفاعل وإن كان صحيحاً، لكن الثاني عندئذ يتعيّن للبناء على المفعول.نعم التفكيك على خلاف الظاهر.

4ـ مرسلة يونس عمّن رواه قال:استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين. فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان. فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدّعي ، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدّعى عليه.

فإن لم يحلف وردّ اليمين على المدّعي فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقّه فإن أبى أن يحلف فلاشيء له».(4)

والرواية تدلّ على الأحكام الثلاثة بالمنطوق.والوجوب فيها، وجوب وضعي


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 3.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1، 2، 4.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1، 2، 4.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1، 2، 4.


(391)

لاتكليفي ـ كما أنّ اللزوم في عبارة المحقق:«وإن ردّ اليمين على المدّعي لزمه الحلف» وضعيّ بمعنى أنّه لو أراد استيفاء حقّه فعليه اليمين.

5ـ مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في الرجل يُدّعى عليه الحقّ وليس لصاحب الحقّ بيّنة، قال: «يستحلف المدّعى عليه، فإن أبى أن يحلف، وقال أنا أردّ اليمين عليك لصاحب الحقّ ، فإنّ ذلك واجب على صاحب الحقّ أن يحلف ويأخذماله».(1) وهي تدل على الحكم الثاني والثالث.

6ـ صحيح جميل عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: إذا أقام المدّعي البيّنة فليس عليه يمين وإن لم يقم البيّنة فردّ عليه الذي أُدِّعي عليه، اليمين، فأبى فلاحقّ له.(2)

و الظاهر انّ «ادّعي عليه» مبني للمجهول، وضمير «أبى» يرجع إلى المدعي.

7ـ روى عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال قلت: للشيخ خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحقّ، فلم تكن له بيّنة بماله، قال: فيمين المدّعى عليه فإن حلف فلاحقّ له وإن ردّ اليمين على المدّعي فلم يحلف فلاحقّ له... .(3)

وفي السند، ياسين الضرير البصري والظاهر أنّه إماميّ وقد أهمل في الأُصول الرجالية، ونقل المامقاني أنّ صاحب الحاوي ضعّفه وبهذا اللفظ رواية أبي العباس البقباق.(4)

ثمّ إنّ هناك مواضع لايمكن للمدّعي الحلف أو لايصحّ منه، إمّا لعدم الجزم بالدعوى كما في موارد الظنة والتهمة، أو لايكون المورد، مجرى لليمين كما إذا حاول إثبات المال للغير بحلفه. كما في الموارد التالية:

1ـ إذا كان المدّعي غير جازم في دعواه.


1 ـ نفس المصدر، الحديث5و6.
2 ـ نفس المصدر، الحديث5و6.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.


(392)

2ـ دعوى الولي لليتيم مالاً على آخر.

3ـ دعوى الوصي على الوارث أنّ الميت أوصى بخمس أو زكاة أو حجّ ونحو ذلك ممّا ليس له مستحقّ بالخصوص و سيوافيك الكلام في هذه الصور فانتظر.

منصرف الروايات الحقّ المالي

ثمّ إنّ منصرف الروايات هو الحقّ المالي، ففي مثله، يجب على المنكر، الحلف أو الرّد، لا في غيره فلو تنازع رجل وامرأة وادّعى الأوّل زوجيتها فأنكرت الثانية، فليس لها، ردّ اليمين على الزوج على وجه لو حلف يثبت عندئذ كونها زوجته.

هل يمين المدّعي بمنزلة البيّنة أو كإقرار المنكر؟

هل اليمين المردودة، بمنزلة بيّنة المدّعي أو بمنزلة إقرار المنكر، أو هو أمر مستقل، لايحكم عليها، بحكم أحدهما إذا كان لكلّ حكم خاصّ؟

وجه الأوّل أنّ الذي يُطلب من المدّعي هوالبيّنة، فاليمين المردودة إليه تقوم مقامها في الإثبات.

وجه الثاني: أنّ امتناع المنكر من الحلف، وردَّه إلى المدّعي مشعر باعترافه بالحقّ فكان كإقراره .

ويتفرّع على القولين بعض الفروع:

1ـ إذا حلف المدّعي ـ بعد ردّ الحلف إليه ـ ثمّ أقام المنكر بيّنة على أداء المال أو على الإبراء فعلى القول بأنّ يمين المدّعي كبيّنته، لا مانع من قبول بيّنة المنكر وأمّا إذا قلنا بأنّه كإقرار المنكر، فهناك مانع من قبولها لأنّه بإقراره المتقدّم كذّب بيّنته المتأخّرة، ولابيّنة بعد الإقرار كما مرّ.


(393)

2ـ إذا كانت يمين المدّعي كبيّنته، يتوقّف ثبوت الحق بها على حكم الحاكم، بخلاف كونها بمنزلة إقرار المنكر فثبوته لايتوقّف عليه. بناءً على التفريق بين البيّنة والإقرار في ثبوت الحقّ فهو في الأُولى يتوقّف على حكم الحاكم بخلاف الثاني.

وجه الثالث: إنّ الأثر الشرعي في الفرع الأوّل يترتّب على عنوان الإقرار ، وليست اليمين إقراراً، وكونها بمنزلته ثبوتاً لايكون دليلاً، على إسراء حكم المنزَّل عليه (الإقرار) على المنزّل(اليمين) إلاّ إذا كان هناك دليل على التنزيل في مقام الإثبات. ومثله الفرع الثاني، فإنّ الأثر (الحاجة إلى حكم الحاكم) مترتب على عنوان البيّنة، وليست اليمين بيّنة وكونها منزلة منزلتها، لايكون دليلاً على إسراء حكمها إليها إلاّ إذا كان دليل على التنزيل في مقام الإثبات.

وعلى ذلك فيلزم على الفقيه الرجوع إلى القواعد في الفرعين وما ضاهاهما. ففي الأوّل تُسْمع البيّنة، لعموم حجّية البيّنة، خرج عنه مورد واحد، وهو إذا حلف المنكر. وقد تقدّم قول الفقهاء :«لو أقام المدّعي بيّنة بما حلف عليه المنكر لمتسمع».

وفي الثاني، يجيىء ما قلناه من أنّ كل أثر شرعي مرتّب على الواقع المنكشف، يترتّب عليه ، دون الأثر المترتّب على حكم القاضي، فلافرق بين قيام البيّنة والإقرار بين الأمرين كما تقدّم.

وبهذا تظهر قوّة ما أفاده صاحب الجواهر وتبعه السيد الطباطبائي من كونها أمراً مستقلاً قال السيّد الطباطبائي:والأقوى أنّها أمر مستقل ففي الفروع التي فرّعوها على القولين لابدّ من الرجوع إلى سائر الأُصول والقواعد.(1)

ما هو الوجه للترديد بين الأمرين

ثمّ إنّ الداعي للترديد بين الأمرين، وعدم جعله شيئاً مستقلاً برأسه، هو


1 ـ الجواهر: 40/179، ملحقات العروة الوثقى:2/65.


(394)

الحصر المستفاد من قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:إنّما أقضي بينكم بالأيمان والبيّنات(1)فلو جعلنا اليمين المردودة كبيّنة المدّعي لتمّ الحصر وإن جعلناه كإقرار المنكر فهو وإن كان خارجاً عن الحصر، لكنّه غير مضرّ لأنّ الحديث في مقام حصر ما به تحسم الخصومة في أمرين والإقرار ليس حاسماً للخصومة بل هو رافع لموضوعها فلايضرّ خروجها عن تحت الحصر .

ونظير هذا الاختلاف في تحليل الأُمّة للوطء فهل هو داخل في التزويج، أو ملك يمين ، لحصر الحلّية في أمرين ؟قال سبحانه:«إِلاّ على أَزواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ» (المؤمنون/6).

يلاحظ عليه: أنّ عدم دخولها تحت الحصر مبني على تخصيص الأيمان في الرواية، بالمنكر وإلاّ فلو قلنا بكونها مطلقة يعمّ مطلق اليمين من كلا الجانبين فاليمين المردودة داخلة في الحصر.وإن أبيت إلاّ عن كون المراد من الأيمان، هو يمين المنكر، لامطلقاً، فنقول إنّ الرواية محمولة على الغالب بشهادة أنّه يصحّ القضاء بيمين المدّعي في مواردلايعلم إلاّ من قبل المدّعي أو كان المدّعي أجيراً، أو أميناً كالمستودع إذا ادّعيا التلف.

على أنّ ماهية اليمين المردودة إنّما هي يمين المنكر لاغير، لكنّه رضي أن يحلف بها المدّعي وأمضاها الشارع فهي مصداق ثانويّ للخبر بعد تضافرالروايات على صحّتها.

ثمّ إنّ هنا وجهاً آخر وهو إلحاقها بالبيّنة من جهة وباليمين من جهة أُخرى فبما أنّه يثبت بها الحقّ تكون أشبه بالبيّنة، ومن جهة التزام المنكر على أنّه لوحلف، لخضع على دعواه، يكون أشبه بالإقرار وعلى ضوء هذا يترتّب عليها أثرهما.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه قول ثالث، فإنّ القائل إمّا يلحقها بالبيّنة فقط، أو بالإقرار، لابكليهما ـ أنّ اجتماع الحيثيتين،لايكون كاشفاً عن إمضاء


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(395)

الشارع لها بكلا الوجهين.

فإن قلت: إنّ مرسلة يونس، جعل استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، وجعل الوجه الرابع اليمين، ومن أقسامها، اليمين المردودة على المدّعي.وهذا يقتضي إلحاقها بالبيّنة، لابإقرار المنكر، لأنّ استخراج الحقوق، مختصّ بمقام الإنكار والإخفاء، والإقرار خضوع وتصديق فلايستخدم في مورد استخراج الحقوق.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر، لايخرج عن حدّ الإشعار، لايمكن الاحتجاج به.

إذا استمهل المدّعي لإحضار البيّنة

قد عرفت تضافر الروايات على سقوط حقّ المدّعي إذا نكل عن الحلف ففي صحيح محمّد بن مسلم:«فلم يحلف فلا حقّ له».(1) وصحيح جميل:«فأبى فلا حقّ له» إلى غير ذلك.(2)

أضف إلى ذلك أنّه لولا القول بسقوط حقّه لرفع خصمه كلَ يوم إلى القاضي.والخصم يردّ عليه اليمين وهو لايحلف فيعظم الخطب ولايتفرّغ القاضي من خصومته إلى شغل.وعلى هذا لايصحّ له طرح الدعوى في مجلس آخر، أو في محكمة أُخرى ،ويكفي في ذلك إطلاق الروايات.

نعم استثنى الشهيد في المسالك ما إذا ذكر سبباً عقلائياً لامتناعه عن الحلف، واستمهل لإحضار البيّنة أو سؤال الفقهاء، أو مراجعة الحساب فلايسقط حقّه.(3)

وما ذكر هو المتفاهم عرفاً لأنّ منصرفها، هو الممتنع المطلق عن الحلف لا


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1و6.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1و6.
3 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/409.


(396)

من يحاول تبديلها بحجّة أُخرى، أو يستمهل، حتّى يكون على بصيرة من أمره فما أصرّ عليه صاحب الجواهر من إطلاقات الروايات ليس بتام ولأجل ذلك اختار السيّد الطباطبائي جواز الإمهال وقال:«الظاهر أنّ له ذلك لأنّه لايصدق حينئذ أنّه لم يحلف لأنّ الظاهر منه ما إذا بنى على عدم الحلف مع عدم الإتيان بالبيّنة، كما أنّه لو كان عدم حلفه استمهالاً ليرى ما الأصلح لايكون مسقطاً لحقّه.(1)

وعلى كلّ تقدير، يلزم أن يكون التأخير محدّداً بمدّة لأنّ التأخير بلاتحديد ضرر أوحرج على المنكر وهو يطلب إنهاء الخصومة بصورة قاطعة.

نعم ربّما يقال، إنّه يجوز الاستمهال بلاتحديد لأنّ اليمين حقّه وله تأخيره إلى أن يشاء كالبيّنة حتى يتمكّن من إقامتها وهذا بخلاف المدّعى عليه فإنّه لايمهل إذا استمهل لأنّ الحقّ فيه لغيره بخلاف تأخير المدّعي فانّه يؤخر حقّه فيقبل إذا كان له عذر مسموع.(2)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر كون الاستحلاف حكماً شرعياً لغاية إنهاء الخصومة، لا حقّاً للمدّعي. كما أنّ الحكم الشرعي هو الإتيان بالبيّنة، والإسلام بنى صَرْح القضاء على هذين الأمرين وقال:إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان، فأراد رفع الخصومة وإنهائها بهذين الأمرين لا أنّ ادعاء المدّعي، يورث حقّاً له على المدّعى عليه وهو الحلف على المدّعي، حتى يكون حلفه ـ إذا ردّ عليه ـ حقّاً له على المنكر ويكون له حقّ التأخير.

***


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/65.ولاحظ المغني لابن قدامة:كتاب الأقضية:11/124، الطبعة الجديدة بالأُفست لدار الكتاب العربي.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/409.


(397)

الجهة الثالثة

إذا نكل المنكر

قد سبق أنّ المنكر ـ مقابل المقرّ والساكت ـ إذا عُرِضَ عليه الحلف، إمّا أن يَحلف، أو يردّ الحلف على المدّعي، أو يَنكُل، بمعنى أنّه لايحلف ولايردّ والمقصود في المقام هو الثالث.والنكول في اللغة هو الامتناع.وهو في كلام الفقهاء، موضوع لحكمين:

1ـ إذا لم يحلف ولم يردّ قال له الحاكم أن حلفتَ أو رددت وإلاّ جعلتك ناكلاً ثلاث مرّات.

2ـ يقضى عليه بمجرد النكول أو بعد ردّ القاضي اليمين على المدّعي فإن حلف ثبت حقّه أو إن امتنع سقط حقّه.

وعلى كلّ تقدير فالنكول عبارة عن الامتناع عن أمرين أن لايحلف، ولايردّه على المدّعي وإليك كلمات الأصحاب في المقام:

1ـ قال الشيخ في النهاية: فإن أقرّ الخصم بدعواه، ألزمه الخروجَ إليه من الحقّ وإن حلَف، فرّق بينهما، وإن نكلَ عن اليمين، ألزمه الخروجَ إلى خصمه ممّا ادّعاه عليه.(1)

ومقصوده من النكول عن اليمين، هو الامتناع عن الحلف والردّ، لا الأوّل وحده.

2ـ قال في المبسوط:«وإن لم يحلف ونكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت وإلاّ جعلتك ناكلاً ورددت اليمين على خصمك فيحلف ويستحقّ عليك، يقول هذا ثلاثاً فإن حلف فقد مضى وإن لم يحلف ردّت اليمين على


1 ـ الطوسي: النهاية ، كتاب القضايا والأحكام/340.


(398)

المدّعي فيحلف ويثبت له الحقّ.(1)

3ـ قال في الخلاف: إذا نكل المدّعى عليه، رُدّت اليمين على المدّعي في سائر الحقوق وبه قال الشعبي والنخعي والشافعي، وقال مالك:إنّما تردّ اليمين فيما يُحكم به بشاهد وامرأتين دون غيره من النكاح والطلاق ونحو ذلك.ثمّ استدل على عموم الحكم بما روي عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم (عند ما قتل عبد الله بن رواحة بخيبر) أنّه قال للمسلمين:«تحلفون خمسين يميناً وتستحقّون دم صاحبكم» فقالوا من لم نشاهده كيف نحلف عليه؟ فقال: يحلف لكم اليهود خمسين يميناً فقالوا إنّهم كفّار» فنقل النبيّ اليمين من جانب المدّعي إلى جانب المدّعى عليهم وهذا حكم بردِّ اليمين عند النكول وكانت الدعوى في قتل العمد،والدماء لايحكم فيها بشاهد وامرأتين.(2)

وقد اكتفى الشيخ في النهاية بمجرّد النكول، بخلاف المبسوط فرأى لزوم ردّها إلى المدّعي.

4ـ قال القاضي: فإن لم يحلف (المنكر) قال له الحاكم: إن حلفت، وإلاّ جعلتك ناكلاً وردّدت اليمين على خصمك فيحلف فيستحقّ عليك يقول هذا ثلاثاً.(3)

5ـ قال ابن إدريس: فإذا عرض اليمين عليه، لم يخل من أحد أمرين: إمّا أن يحلف أو ينكل فإن حلف أسقط الدعوى وليس للمدّعي أن يستحلفه مرّة أُخرى في هذا المجلس أو في غيره، فإن لم يحلف ونكل عن اليمين قال له الحاكم إن حلفت وإلاّ جعلتك ناكلاً وردّدت اليمين على خصمك فيحلف ويستحقّ عليك


1 ـ الطوسي: المبسوط، كتاب آداب القضاء:8/159.
2 ـ الطوسي. الخلاف:3، كتاب الشهادات، المسألة 39.ولايخفى أنّ الكلام في نكول المدّعى عليه ونقل يمينه إلى المدّعي، لانكول المدّعي وإن استحقّ اليمين كما في مورد القسامة.
3 ـ ابن البرّاج، المهذب: 2/585.


(399)

ـ إلى أن قال: ـ ولايجوز أن يحكم عليه بالحقّ بمجرّد النكول بل لابدّ من يمين المدّعي ليقوم النكول واليمين مقام البيّنة وقد يشتبه هذا الموضوع على كثير من أصحابنا فيُظنّ أنّ بمجرّد النكول يثبت الحقّ وهذا خطأمحض.(1)

6ـ وقال المحقق: وإن نكل المنكر بمعنى أنّه لم يحلف ولم يردّ قال الحاكم: إن حلفتَ وإلاّ جعلتك ناكلاً ويكرّر ذلك ثلاثاً استظهاراً لافرضاً فإن أصرّ قيل: يقضي عليه بالنكول وقيل: يردّ اليمين على المدّعي فإن حلف ثبت حقّه وإن امتنع سقط، والأوّل أظهر.(2)

7ـ وقال ابن سعيد:فإن قال لابيّنة لي، وطلب اليمين، أحلفه له فإن نكل حكم عليه بالدعوى.(3)

8ـ وقال العلاّمة في القواعد: ولو نكل المنكر بمعنى أنّه لم يحلف ولم يرد قال له الحاكم:إن حلفت وإلاّجعلتك ناكلاً ثلاث مرّات استظهاراً لا فرضاً فإن أصرّ فالأقرب أنّ الحاكم يردّ اليمين على المدّعي فإن حلف ثبت حقّه وإن امتنع سقط وقيل يُقضى بنكوله مطلقاً.(4)

9ـ وقال أيضاً في إرشاد الأذهان : ولو امتنع المنكر من اليمين والردّ قال له الحاكم :إن حلفت وإلاّ جعلتُك ناكلاً ـ ثلاثاً ـ فإن حلف وإلاّ أحلف المدّعي على رأي، وقضى عليه بالنكول على رأي.(5)

10ـ وقال الشهيد الثاني: وإن أصرّ على النكول ففي حكمه قولان:

أحدهما :وهو ما اختاره المصنّف ( المحقق) وقبله الصدوقان والشيخان والأتباع منهم القاضي في الكامل أنّه يقضى عليه بمجرّد نكوله. وثانيهما: أنّه يردّ


1 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/165.
2 ـ الشرائع:4/85.
3 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع:524.
4 ـ مفتاح الكرامة:10/80، قسم المتن.
5 ـ العلاّمة، الإرشاد: 2/144.


(400)

اليمين على المدّعي ذهب إليه الشيخ في المبسوط والخلاف والقاضي في المهذّب وابن الجنيد وابن إدريس والعلاّمة في أكثر كتبه وسائر المتأخرين ـ إلى أن قال: ـ فلا ريب أنّ ردّ اليمين على المدّعي أولى.(1)

11ـ وتبعه الأردبيلي وقال:ويمكن الجمع بين الأدلّة بكون القضاء بالنكول جائزاً والأولى الردّ.(2)وسيوافيك كلامه.

12ـ وذهب سيّدنا الأُستاذ إلى ثبوته بالنكول مع ضمّ حكم الحاكم. (3)

قال ابن قدامة:وإن قال ما أُريد أن أحلف أو سكت فلم يذكر شيئاً نظرنا في المدّعى فإن كان مالاً أو المقصود منه المال، قضي عليه بنكوله ولم تردّ اليمين على المدّعي نصَّ عليه أحمد فقال: أنا لا أرى ردّ اليمين إن حلف المدّعى عليه وإلاّ دفع إليه حقّه وبهذا قال أبوحنيفة.

واختار أبو الخطاب انّ له ردّ اليمين على المدّعي، إن ردّها حلف المدّعي وحكم له بما ادّعاه.قال وقد صوّبه أحمد فقال :ما هو ببعيد يحلف ويستحقّ، وقال: هو قول أهل المدينة روى ذلك عن علي ـ رضي الله عنه ـ وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين ومالك في المال خاصة وقاله الشافعي في جميع الدعاوي لما روي عن نافع عن ابن عمر أنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ردّ اليمين على طالب الحقّ رواه الدار قطني ولأنّه إذا نكل ظهر صدق المدّعي، وقوى جانبه فتشرع اليمين في حقّه كالمدّعى عليه قبل نكوله وكالمدّعي إذا شهد له شاهد واحد.

ولأنّ النكول قديكون لجهله بالحال، وتورّعه عن الحلف على ما لايتحقّقه أو للخوف من عاقبة اليمين أو ترفُّعاً عنها مع علمه بصدقه في إنكاره ولايُتعيّن بنكوله صدق المدّعي، فلايجوز الحكم له من غير دليل فإذا حلف كانت يمينه


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/409ـ410.
2 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/148.
3 ـ الإمام الخميني، التحرير: 2، كتاب القضاء، المسألة 16.


(401)

دليلاً عند عدم ما هو أقوى منها كما في موضع الوفاق وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتّى يقرّ أو يحلف.(1)

وقبل الخوض في دراسة أدلّة القولين نذكر أُموراً:

1ـ إنّ الظاهر أنّ قول الحاكم للمنكر :إن حلفتَ أو رددت وإلاّ جعلتك ناكلاً ليس بواجب ولامستحبّ وإنّما هو لأجل الوقوف على حاله، وأنّه هل ناكل أو لا، إذ ربّما يكون الامتناع مؤقتاً لأجل التفكير في م آل الأمر ولأجل ذلك لو علم أنّه ممتنع من الأمرين على وجه الإطلاق، لاوجه لتذكّر الحاكم.و مع ذلك فالأقوى إعلامه على ما يترتّب على نكوله شرعاً و ذلك لعدم وجود إطلاق في دليل القضاء حتّى يعمّ كلتا الصورتين فيجب الأخذ بالقدر المتيقّن و هو أنّه لو كان جاهلاً بما يترتّب على نكوله شرعاً يلزم على القاضي إعلامه به و لأجل ذلك نأخذ بالمتيقّن في أكثر الموارد الآتية و ستأتي الإشارة إليه في آخر البحث.

2ـ يجب على القاضي، تفهيم ما على المنكر، من الحلف أو الردّ، فلو علم بالأوّل دون الثاني فتوقّف عن الحلف، لايكون داخلاً في المقام.

وبذلك يعلم أنّ تفصيل المحقق الأردبيلي غير تام لأنّه فصّل بين ما إذا علم المدّعى عليه أنّ له الردّ ولكنّه تركه تحرزاً عن إحلاف شخص حيث يُخيّل أنّه قد يضرّه في الدنيا والآخرة فيقضى بالنكول، وبين ما إذا لم يعلم ذلك فيقضى بالردّ إلى المدّعي وبذلك حاول التوفيق بين أدلّة القولين.(2)

وذلك لأنّ القضاء بالنكول مع جهله بأنّ له الردّ، حكم ضرري، خارج عن محلّ البحث وموضع البحث إثباتاً ونفياً ما إذا وقف المنكر على أنّه مخيّر بين الحلف والردّ، ومع ذلك نكل.


1 ـ ابن قدامة، كتاب الأقضية:12/124.والسكوت في صدر كلامه ، هو السكوت عن الحلف بعد الإنكار، ولاصلة له بما يأتي من القسم الثالث للمدّعى عليه.
2 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/148.


(402)

3ـ إنّ البحث فيما إذا أمكن إحلاف المدّعي ولم يكن من المستثنيات مثل دعوى الظن والتهمة، أو فيما لايصحّ اليمين هناك كالأولياء والأوصياء والوكلاء بناء على عدم صحّة أيمانهم وإلاّ فلامحيص عن القضاء بالنكول.و سيوافيك أنّ الأقوى جواز تحليفهم في خاتمة البحث.

4ـ إنّ ظاهر صحيحة هشام بن الحكم، أنّ محور القضاء هو البيّنات والأيمان(1)، كما أنّ الظاهر من صحيح جميل وهشام أنّ البيّنة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه(2) وعلى ذلك يجب أن يدور القضاء حول ذينك الأمرين مالم يدلّ دليل على خلافهما، وعلى ذلك تكون الروايات الدالّة على صحّة القضاء بيمين المدّعي إذا ردّت إليه حاكمة على صحيحهما ومفسرة لهما. وأنّ المراد من يمين المدّعى عليه الأعم من يمين نفسه أو المردودة إلى المدّعي من جانبه وعلى كلّ تقدير فاليمين يمين المدّعى عليه إمّا يقوم بها بنفسه أو يردّها إليه نعم لولاهما لاقتصرنا بالأوّل.

5ـ دلّت مرسلة يونس على أنّ استخراج الحقوق بأربعة، ثلاثة منها يرجع إلى أقسام الشاهد المذكورة في الحديث وواحد منها يرجع إلى اليمين لكن بهذا الترتيب:

الف: يمين المدّعى عليه.

ب : يمين المدّعي عند الردّ إليه.

ج: نكول المدّعي عن اليمين عند الردّ.

ففي المورد الثالث يقضى بنكول المدّعى عن اليمين على براءة المنكر. مع أنّه ليس هناك بيّنة ولا يمين فكيف يصحّ القضاء بالنكول، مع قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:إنّما أقضي


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 والباب 25، الحديث 3.


(403)

بينكم بالبيّنات والأيمان؟

والإجابة سهلة، لأنّه إذا كان الادّعاء فارغاً عن البيّنة والحلف، فلايقضي الحاكم بشيءبل يأمر بتركهما مجلس القضاء لا أنّه يحكم بالبراءة، إذ الأصل قبل القضاء أيضاً هو البراءة فلاحاجة معه إلى القضاء ولو سلّم أنّه يقضي بالبراءة،وأنّ الحكم الكلّي لايكفي مالم يصغ في قالب الحكم القضائي فهو أشبه بعدم القضاء بشيءوبذلك يعلم أنّ القضاء على الإشتغال بمجرّد نكول المدّعى عليه، بلا ضمّ يمين المدّعي إليه يحتاج إلى دليل قاطع وحاسم ليخصّص به، عموم ما دلّ على أنّ محور القضاء هو البيّنات والأيمان، ولايقاس بنكول المدّعي من اليمين. فإنّ الثاني أشبه بعدم القضاء بشيء، والأوّل قضاء على الاشتغال.

6ـ إنّ المسألة خالية عن النصّ الصريح كما اعترف به الأردبيلي وإنّما يحاول أصحاب كلّ من القولين تطبيق بعض الروايات على المقام وأمّا مقتضى الأصل ـ مع قطع النظر عن الأدلّة الاجتهادية ـ فهو عدم صحّة القضاء بالنكول فإنّ القضاء أمر شرعي يتوقّف حصوله على تحقّق سببه الشرعي وكونه سبباً مشكوك فيه.والأصل من حيث التكليف وإن كان براءة ذمّة المنكر عن الحقّ لكن التمسّك به تمسّك بالأصل المسببي مع وجود الأصل السببي لأنّ الشك في البراءة والاشتغال ناش من سببية النكول وعدمها، فإذا رفعت سببيّته بالأصل، فلايبقى مجال للأجل المسببي وإن كانا متوافقي المضمون.

هذا نظير ما إذا لم يكن لدليل السببية إطلاق، وشككنا في تأثير السبب على وجه الإطلاق أو مع قيد آخر، فالأصل عدم التأثير والنفوذ إلاّ مع القيد المشكوك.

نعم لو كان لدليل السببية إطلاق أو عموم، فهما مقدّمان على أصالة عدم التأثير.

وأمّا التمسّك ببراءة ذمّة المدّعى عليه ما لم يحلف المدّعي ،فلايثبت كون النكول مع يمين المدّعي موضوعاً تامّاً للقضاء إلاّ على القول بالأصل المثبت نعم


(404)

ذكر السيّد الطباطبائي أُصولاً مختلفة غير مجدية فلاحظ.(1)

.إذا عرفت ما ذكرنا فلنذكر أدلّة القولين:

دليل القضاء بالنكول

هذا هو الذي جعله بعضهم أظهر القولين.وهو خيرة الشيخ في النهاية، والمحقّق في الشرائع، وابن سعيد في الجامع، ومال إليه الشهيد في المسالك على ما عرفت وإن جعل الأُولى ردّ اليمين على المدّعي واستدل له بوجوه:

1ـ قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:البيّنة على من ادّعي واليمين على من ادّعى عليه.(2) وجه الاستدلال أنّه جعل اليمين في جانب المدّعى عليه كما جعل البيّنة في جانب المدّعي والتفصيل قاطع للاشتراك.ولاينقض ذلك بردّ اليمين على المدّعي من دون نكول حيث حكم عليه باليمين، وذلك لما عرفت أنّه جاء من قبل الردّ لا بأصل الشرع المتلقّى من الحديث. أو يقال إنّه يمين المدّعى عليه، حيث رضي أن يحلف خصمه ويدفع جريمة الردّ.وإن أبيت نقول:إنّ مخالفة ذلك الأصل المحكم يتوقّف على دليل قاطع، وهو موجود فيما إذا لم ينكل وردّ اليمين دون ما إذا نكل ولم يردّ فلاقيمة ليمين المدّعي عندئذ إذا لم يردّها بل قام الحاكم بردّه.

يلاحظ عليه: بأنّ الرواية بصدد بيان الوظيفة الأصلية وأنّ طبع القضية يقتضي أن يتمسّك المدّعي بالبيّنة والمنكر باليمين وهذا لاينافي العدول عنه في بعض الأحايين، وسيوافيك بعض الموارد التي يحلف فيها المدّعي(3)مع أنّ وظيفته


1 ـ السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة:2/66.
2 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1 وفي الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.البيّنة على من ادّعى واليمينُ على مَنْ أنكر.
3 ـ كدعوى الدين على الميّت إذا أثبته بشهود حيث يحلّف الحاكم المدّعي على أنّه لم يستوفه هو بنفسه أو بوكيله من الميّت ولا أبرأه ولا أحاله ولارضي عليه. وله نظائر.


(405)

البيّنة.

على أنّ الاستدلال بها، إنّما يتمّ لو لم يَقُم في المقام دليل على لزوم الحلف كما قام ـ بالاتّفاق ـ في صورة ردّ المنكر إلى المدّعي من دون نكول، على أنّ الصورتين غير مختلفتين جوهراً والردّ تارة يقوم به المنكر، وأُخرى ينوب عنه الحاكم فيردّه على المدّعي ولعلّ العرف يستأنس بما ورد فيه النص، لما لم يردّ فيه.

2ـ صحيح محمد بن مسلم قال:سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن الأخرس كيف يحلف إذا ادّعي عليه دين وأنكر ولم يكن للمدّعي بيّنة؟فقال:«إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ أُتِي بأخرسَ فادّعى عليه دين، ولم يكن للمدّعي بيّنة ـ إلى أن قال: ـ كتب أمير المؤمنين: والله الذي لاإله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة... ثمّ غسله وأمر الأخرس أن يشربه فامتنع فألزمه الدين».(1)

والمتبادر منه أنّه لم يردّ اليمين على خصمه وإلاّ لنقل ولزم تأخير البيان عن وقت الخطاب بل عن وقت الحاجة وأيضاً فقوله:«فامتنع فألزمه» يدلّ على تعقيب الإلزام للامتناع بغير مهلة لمكان الفاء وهو ينافي تخلّل اليمين بينهما وفعله ـ عليه السلام ـ كقوله حجّة.وتوهم أنّه مخصوص بالأخرس كما ترى ـ مع أنّه أحقّ ـ للترحّم بأن لايقضي عليه بمجرّد النكول بل يردّ على خصمه.

يلاحظ عليه بوجوه:

أ: أنّ الرواية كما يدلّ عليه قوله:«كيف يحلف الأخرس إذا ادّعي عليه دين، وأنكر ولم يكن للمدّعي بيّنة» بصدد بيان كيفية تحليف الأخرس، لابصدد بيان كيفية ثبوت الحقّ على المنكر، فلايعدّ عدم ذكر الردّ على المدّعي، تأخيراً للبيان و إلى ما ذكرنا أشار الأردبيلي وقال:«ويكون الغرض بيان تحليفه، كما هو المتبادر من أوّل الخبر...».(2)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/144.


(406)

ب: أنّ القضاء بالنكول مشروط بالامتناع عن الحلف والردّ، والمذكور هو الأوّل دون الثاني ، فتأخّر البيان عن وقت الحاجة لازم على كلّ تقدير.وهذا الإشكال وارد على مجموع ما استدلّ له على القول الأوّل، حيث اكتفي فيه بالامتناع عن الحلف،دون الحلف والردّ مع أنّ النكول متحقق بالامتناع عن الأمرين.

ج: إنّ الرواية بصدد بيان عدم سقوط الحقّ بامتناعه عن الحلف وأمّا أنّه لايشترط في القضاء شيء آخر وراء النكول وهو ردّ الحاكم اليمين إلى المدّعي، فلاتدلّ عليه.

3ـ خبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله: قلت للشيخ ـ عليه السلام ـ خبّرني عن الرجل يدّعي قبل الرجل الحق، فلم تكن له بيّنة بماله؟ قال: «فيمين المدّعى عليه.

فإن حلف فلا حقّ له.

وإن لم يحلف فعليه».(1)

إنّ الشقّ الثاني من كلامه يدلّ على ثبوت الحقّ، بمجرّد امتناعه من الحلف وهو معنى القضاء بالنكول.

يلاحظ عليه بوجهين:

1ـ إنّ الموضوع للقضاء بالنكول، ليس الامتناع عن الحلف، بل الامتناع منه ومن الردّ والمذكور في الرواية هو الأوّل دون الثاني.فكما أنّ عدم ذكر الامتناع عن الردّ لايضرّ بكونه في مقام البيان فكذلك عدم ذكر ردّ الحاكم على المدّعي فلعلّه ردّه عليه ولم يذكر لعدم العناية به.

2ـ إنّ المقصود منها ، عدم سقوط الحقّ بامتناعه وأمّا أنّه لايشترط في القضاء شيء آخر وهو إحلاف المدّعي، من جانب القاضي فلايدّل على عدم اعتباره بل هو ساكت عنه.


1 ـ الكليني، الفروع:7/415ـ416 ووافقه الشيخ في التهذيب في كيفية النقل:6/229.


(407)

على أنّ الرواية ضعيفة سنداً لأجل قاسم بن سليمان ـ لما عرفت من أنّه مهمل في الرجال ثمّ الرواية مضطربة متناً فنقلها الكليني حسب ما نقلناه ، ونقلها الصدوق. بصورة أُخرى فابدل قوله:«وإن لم يحلف فعليه» بقوله: وإن ردّ اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حقّ»(1) وفي الوسائل(2) ، جمع بين المتنين. وعلى ما نقله الصدوق فلا صلة للرواية بالمقام.

وهناك احتمال آخر وهو أنّ الضمير المجرور في قوله:«وإن لم يحلف فعليه» يعود إلى المدّعي، ومعنى الجملة: إن لم يحلف المدّعى عليه، «فاليمين على المدّعي» ويكون مفاد النقلين أمراً واحداً وتكون الرواية متعرضة لصورتين:

1ـ حلف المدّعى عليه.

2ـ عدم حلفه وحلف المدّعي.على وجه الإجمال من دون يكون ذكر لمستند حلف المدّعي وهل هو ردّ المدّعى عليه، أو الحاكم؟

وعلى هذا التفسير، يختلف مرجع الضمير المجرور والمتبدأ المقدّر، فعلى التفسير الأوّل يرجع الضمير إلى المدّعى عليه والمبتدأ المقدّر عبارة عن الحقّ والمعنى وان يحلف المدّعى عليه، فالحقّ على ذمّته ويكون شاهداً للقول.

وعلى الثاني، يرجع الضمير إلى المدّعي(الرجل) والمبتدأ المقدّر هو الحلف: أي إن لم يحلف المدّعى عليه،فالحلف على المدّعي و يكون ناظراً للقول الثاني.

هذا ما ذكره بعض حضار بحثنا ونبّه به أيضاً السيّد الطباطبائي.(3)

والغريب انّ المحقّق الآشتياني نقل عن بعضهم أنّ الرواية أخذت من كتاب «أحمد بن محمّد بن عيسى» الذي أخرج جماعة من الرواة عن قم، منهم


1 ـ الصدوق، الفقيه: 3/38.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
3 ـ ملحقات العروة الوثقى: 2/67.


(408)

البرقي لأجل روايتهم عن الضعفاء وبذلك حاول أن يثبت إتقان الرواية، لأنّ من يعترض على من يروي عن الضعفاء لاينقل عنهم.

يلاحظ عليه: مع أنّ اعتراضه لم يكن على أصل النقل عن الضعفاء بل لكثرة روايتهم عنهم وإلاّ فالثقة قديروي عن الضعيف، إنّ الواقع في السند، هو محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، لا أحمد بن محمّد بن عيسى.

هذا كلّه حول الصدر وأمّا ذيلها فيمكن أن يتمسّك به القائل بكفاية النكول وذلك لأنّه قال: «وإن كان المطلوب بالحقّ قد مات فاقيمت عليه البيّنة. فعلى المدّعي اليمين ـ إلى أن قال : ـ لأنّ المدّعى عليه ليس بحيّ ولو كان حيّاً لألزم اليمين أو الحقّ أو يردّ اليمين عليه و من ثمّ لم يثبت الحق».

وجه الاستدلال للقول بكفاية النكول أنّه قال:«يردّ اليمين» بصيغة المعلوم ولم يذكر ردّ اليمين من الحاكم إذا امتنع عن الجميع،بل ذكر ردّ المدّعى عليه فقط.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه من المحتمل أنّه بصيغة المجهول فلايتعيّن الرادّ فيعم المدّعى عليه والقاضي.

وثانياً: نفترض أنّه بصيغة المعلوم، ولكن القاضي وليّ الممتنع ،فردّه ردّ تسبيبيّ للمدّعى عليه، فيصدق اعتباراً أنّه ردّ اليمين إلى المدّعي. على أنّ عدم الذكر لايكون دليلاً على التشريع.

فقد تبيّن ممّا ذكرنا أنّه ليس للقول بكفاية النكول عن ردّ اليمين على المدّعي دليل واضح فالمرجع هو الأصل وهو عدم سببيته إلاّ إذا ضمّت إليه يمين المدّعي، ليكون النكول عن الأمرين مع يمين المدّعي قائماً مكان البيّنة كما صرّح به ابن إدريس في كلامه المتقدّم.

استدل للقول الثاني بوجوه غير نقيّة.


(409)

1ـ ما رواه أهل السنّة من أنّ النبي ردّ اليمين على طالب الحقّ.(1)

يلاحظ عليه:أنّ السند غير نقي، والرواية ليست صريحة في المورد ولعلّ ردّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم كان في صورة رضى المدّعى عليه، بيمين المدّعي فيصدق أنّه ردّ اليمين على المدّعي.

2ـ ما في رواية عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ :في الرجل يُدّعى عليه الحقّ ولابيّنة للمدّعي قال: «يُسْتَحْلَف أو يُردُّ اليمين على صاحب الحقّ فإن لم يفعل فلاحقّ له».(2)

والاستدلال مبني على كون الفعلين مبنيين للمجهول:والمعنى أنّه يُسْتَحْلَفُ المدّعى عليه ـ وإن امتنع ـ يُردُّ اليمين على صاحب الحقّ فيكون نصّاً في المورد.

نعم لو كان الفعل الأوّل مبنيّاً للمجهول دون الثاني تكون العبارة ناظرة إلى الصورة السابقة وهو ردّ المنكر اليمين إلى المدّعي والمعنى يُسْتَحلَفُ المدّعى عليه، أو يردّ هو اليمين على المدّعي واحتمال كون الرادّ، هو الأعم من المدّعى عليه أو القاضي لأنّ له ولاية على الممتنع وإن كان له وجه كما مرّ في توضيح ذيل رواية عبدالرحمان البصري، لكنّه مجرداحتمال لاظهور.

3ـ صحيح هشام عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: تردّاليمين على المدّعي.(3) وجه الاستدلال التمسك بإطلاقه الشامل للمقام.(4)

يلاحظ عليه: أنّ الرواية جواب عن سؤال غير مذكور ولعلّه كان في مورد رضى المدّعى عليه أن يحلف المدّعي ففي هذا المورد ورد يُردّ اليمين على المدّعي.


1 ـ رواه المتقي الهندي في كنز العمال: 5/14545، الدار قطني، السنن:4/213.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
4 ـ النجفي، الجواهر:40/183 لكن نكول المدّعي سبب لسقوط حقّه، ونكول المنكر سبب لإثباته يجمعها أنّه من أدوات القضاء.


(410)

4ـ وقوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :«المطلوب أولى باليمين من الطالب».(1)وجه الاستدلال أنّ صيغة التفضيل تدلّ على وجود المبدأ في كلا الطرفين غاية الأمر وجوده في المطلوب آكد من وجوده في الطالب.

يلاحظ عليه: مع أنّ السند غير نقيّ ومع احتمال كون «أولى» في المقام مثل ما ورد في آية الميراث:«وأُولُوا الأرحامِ بعضُهُم أوْلى ببعض في كتابِ الله».(الأنفال/75) فيكون المقصود تعيّن اليمين على المطلوب وعدم جوازه للطالب، أنه لا إطلاق في الحديث، فلعلّه ناظر إلى ما إذا رضي المطلوب، بيمين الطالب لاما إذا امتنع من الحلف والردّ.

5ـ خبر ضمرة بن أبي ضمرة عن أبيه عن جدّه قال:قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة، أو سنّة ماضية من أئمّة الهدى».(2)

وجه الاستدلال أنّ القضاء بالنكول ليس بواحد منها.

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: أنّه وما شابهه ناظرا إلى الطوارئ الأوّلية، ولايعمّ الطوارئ الثانوية، مثل ما إذا أنكر، وامتنع من الحلف والردّ، فلو قلنا بالقضاء بالنكول لايكون مخالفاًله.

الثاني: الجواب بالنقض، لاتّفاقهم على صحّة القضاء بنكول المدّعي إذا ردّت إليه اليمين.

ولكن الملاحظة الثانية، غير تامّة، لما عرفت من الفرق بين النكولين. أي فرق بين القضاء بنكول المدّعي، والقضاء بنكول المدّعى عليه، فانّ الأوّل أشبه


1 ـ الدار قطني، السنن:4/219.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1، من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.


(411)

بعدم القضاء عند نكول المدّعي، و اعترافه بعدم البيّنة، فإنّ القاضي يرخّصهما عن مجلس القضاء ويشتغل بسائر المرافعات بخلاف القضاء بنكول المنكر، فإنّه قضاء بالمعنى الحقيقي وحكم باشتغال ذمّته بالحقّ، فلايصحّّ قياس أحدهما بالآخر.

وعندئذ ينحصر الجواب بما قلناه من أنّه ناظر إلى الحالات الابتدائية دون الثانوية.

وأمّا التمسّك بآية الوصية الواردة في سورة المائدة /108، فلا صلة له بالمقام.

إلى هنا تبيّن أنّه ليس لأحد القولين دليل اجتهاديّ قاطع، والمرجع، هو الأصل الذي عرفته.

بقي هنا شيء وهو ما أفاده صاحب الجواهر عند ذكر أدلّة كفاية النكول: حيث قوّاه بوجهين:

1ـ إنّ ظاهر الإحلاف أنّه حقّ المنكر فلايستوفى إلاّ بإذنه كما أنّه لايحلف المنكر إلاّ بإذن المدّعي.

2ـ انّه كنكول المدّعي عن اليمين التي هي ليست إلاّ يمين المنكر فنكوله عنها إن لم يكن أولى في تسبّب القضاء فهو مساو له».

يلاحظ على الأوّل: ما عرفت من أنّ الاحتجاج بالبيّنة واليمين من الأحكام الشرعية ومن أدوات القضاء، وليس من مقولة الحقّ الاصطلاحي، وإذا كان حكماً شرعياً مفيداً لحال بعض المكلفين يقوم به الحاكم، إذا امتنع عنه المكلّف، لأنّه ولّي الممتنع والعجب أنّه أشار بما ذكرناه في ثنايا البحث.(1)

وأمّا الثاني فهو أشبه بالقياس، لأنّ القضاء بنكول المدّعي لايكون دليلاًعلى القضاء بنكول المدّعى عليه وإن اشتركا في ترك الإقدام على الحلف وقد عرفت


1 ـ النجفي، الجواهر: 40/185.


(412)

الفرق بين النكولين في الأمر الخامس من المقدّمات عند البحث في مرسلة يونس فلاحظ.

ثمّ إنّه استدل للقول الآخر أي ردّ الحاكم اليمين على المدّعي بوجه آخر: أنّ الإحلاف هنا ليس إلاّلمصلحة المنكر بانقطاع الدعوى عنه.وربّما جاز بدون إذنه مضافاً إلى معلومية ولاية الحاكم على كلّ ممتنع فيقوم مقامه حينئذ في الردّ الذي يمكن نكول المدّعي معه فيسقط حقّه.

يلاحظ عليه: أنّ الردّ كما يمكن أن يتمّ لصالح المنكر بأن ينكل عن الحلف، يمكن أن يتم لصالح المدّعي، حيث يحلف ويأخذ حقّه و معه كيف يمكن وصفه بأنّه لصالح المنكر فقط.

بقيت هنا كلمة: وهو أنّه لو قلنا بجواز القضاء بالنكول فالمتيقّن منه، ما إذا عرض حكم النكول عليه، ولو قضى بنكوله من غير عرض فادّعى الخصم الجهل بحكم النكول ودلّت القرائن على صدق قوله فالحكم بالنكول مشكل جدّاً لما عرفت من عدم وجود إطلاق في دليل القضاء حتّى يُنفى وجوبُ العرض بأصالة البراءة والمرجع هو الأصل أعني:عدم النفوذ إلاّ إذا كان نفوذه متيقّناً.

ويعرب عمّا ذكر أنّ الدّليل المهم لجواز القضاء بالنكول هو رواية عبد الرحمان البصري ببيان :أنّ قوله: «ولو كان حيّاً لألزم باليمين، أو الحقّ أو يردّ اليمين( بناء على كون الفعل (يردّ) مبنياً للفاعل) يدلّ على أنّه إذا انتفى الأمرين أي لم يحلف ولم يردّ لألزم بالحقّ»، ولكن الرواية ليست في مقام بيان شرائط القضاء بالنكول والإلزام بالحقّ، فلعلّ نفوذ القضاء مشروط بعلم المنكر، بالموضوع وحكمه.

والمقصود من وجوب العرض هو الوجوب الشرطي لا النفسي، كما لايخفى.

***


(413)

إذا بذل المنكر اليمينَ بعد النكول

إنّ للمسألة صوراً يختلف حكم بعضها حسب اختلاف المبنى في المسألة السابقة، وإليك الصور:

1ـ إذا بذل بعد النكول والامتناع عن الحلف والردّ.

2ـ إذا بذل بعد النكول وحكم القاضي بالحقّ بعده.

3ـ إذا بذل بعد النكول، وردّ القاضي اليمين إلى المدّعي وقبل حلفه.

4ـ تلك الصورة ولكن بعد حلفه.

والبحث عن الصورتين الأولتين على القول بكفاية النكول في الحكم، بخلاف الأخيرتين فإنّما يطرحهما من يقول بعدم كفاية النكول ولزوم ردّ اليمين.

لاشكّ في لزوم الالتفات في الصورة الأُولى (قبل صدور الحكم) وإن قلنا بأنّ النكول موضوع تام له ولأجل ذلك أدخل صاحب الجواهر لفظ الحكم في عبارة الشرائع حتّى تتمحض في الصورة الثانية.

وأمّا الثانية، فالحكم بعدم الالتفات مبني، على ما هو المختار في المسألة السابقة، من جواز الحكم بالنكول فلايلتفت لحرمة نقض حكم القاضي.

وأمّا الصورة الثالثة أي إذا بذل قبل حلف المدّعي اليمينَ المردودة فالظاهر لزوم الالتفات من غير فرق بين كون الردّ منه أو من الحاكم خصوصاً إذا كان مع رضا المدّعي، لأنّ قول الحاكم له«احلف» ليس قضاء بل تمهيد له، فإذا لم يحلف ورضي فلا وجه لعدم الالتفات.

بل ولو لم يرض وحلف، مع كون المنكر مستعدّاً للحلف وذلك لما عرفت من خلوّ دليل مطلق يدلّ على القضاء في هذه الصورة إلاّ الأصل الحاكم بالأخذ بالقدر المتيقّن، ولازمه هنا، هو الالتفات بيمين المنكر، لأنّ المقطوع بالقضاء بيمين


(414)

المدّعي إذا بقى المنكر على نكوله حتّى يتمّ حلف المدّعي لامطلقاً وإن رجع قبل يمين المدّعي.

وأمّا الصورة الرابعة فعدم الالتفات هو المتعيّن، لكونه هو القدر المتيقّن.

مســائل

الأُولى: إذا كانت للمدّعي بيّنة فهل يجوز للحاكم أن يقول احضرها أو لايجوز؟

الثانية: إذا كانت البيّنة حاضرة فهل يجوز سؤالها قبل التماس المدّعي، أو لايجوز؟

الثالثة: فإذا سألها وتبيـّن الواقع فهل يجوز الحكم قبل التماس المدّعي، أو لايجوز إلاّ بعد التماسه؟

أمّا الأُولى: فقد نقل عن جماعة الجواز مطلقاً، وعن جماعة أُخرى عدمه كذلك وعن بعضهم التفصيل بين علم الحاكم بمعرفة المدّعي بكون المقام مقام بيّنة فلايجوز، وجهله بذلك فيجوز. واستحسن المحقّق الجواز.

أمّا الثانية: فقد اختار المحقّق عدم الجواز وقال:«ومع حضورها لايسألها الحاكم مالم يلتمس المدّعي» وعلّله صاحب الجواهر بقوله:«لأنّه حقّه فلايتصرّف فيه من غير إذنه»(1) وقال العلاّمة في القواعد:«إذا أراد السؤال فليقل من كانت عنده شهادة فليذكر إن شاء ولايقول لهما إشهدا.(2) وعلّله في


1 ـ الجواهر:40/192.
2 ـ الجواهر:40/192.


(415)

الجواهر بأنّه أمر لهما بالشهادة وقد لاتكون عندهما شهادة.(1)

أمّا الثالثة: فقال المحقّق:«لايحكم إلاّ بمسألة المدّعي أيضاً» وعلّله في الجواهر بأنّ ذلك حقّ له، وربّما كان له غرض في عدم الحكم ولو فرض جهل المدّعي بتوقف حكم الحاكم على طلبه بيّنه له، ونقل عن بعضهم:أنّ له الحكم وإن لم يسأله المدّعي لأنّ ذلك منصبه ووظيفته ومفروض المسألة عدم رفع يد المدّعي عن دعواه.

أظنّ أنّ حكم المسائل الثلاث من الوضوح بمكان ،وذلك ببيان أمرين:

الأوّل: إنّ الاحتجاج بالبيّنة، أو دفع الدعوى باليمين من أدوات القضاء في الإسلام. ومن الأحكام الشرعية فقد أوجب سبحانه على القاضي أن يحكم بكذا وكذا ، وليس من الحقوق وإن كانت البيّنة لصالح المدّعي، واليمين لصالح المنكر، وليس كلّ ما تمّ لصالح الإنسان معدوداً من الحقوق، فقد أحلّ الله البيع والطيّبات، مع أنّ الحليّة فيهما ليست من الحقوق.

الثاني: إنّ القضاء أمر عرفي وقد كان رائجاً قبل الإسلام بين الناس، وإيقاف القضاء بهذه الأُمور ربّما يعرقل أمر القضاء ويأخذ من وقت القاضي شيئاً كثيراً.نعم ليس للقاضي دعوة الناس إلى الترافع وإنهاء الخصومة مالم يرفع المترافعان الأمر إليه، فإذا رفعا، يصير القاضي مخاطباً بالقضاء وإنهاء الخصومة، و كلّما يعدّ مقدّمة لرفع المخاصمة يكون جائزاً له فيسأل عن بيّنته ،وعلى فرض وجودها يأمر بالإحضار، وإذا حضر يسألها عن حقيقة الحال وإذا تمّت المقدّمات، يحكم، ويُنهي القضاء ويُرخص المترافعين وإن أرادا أو أراد أحدهما تحرير المحضر، يكتب لهما محضراً.وجواز كلّ ذلك يعلم من الخطاب المتوجّه إلى القاضي بفصل الخصومة.

وما ذكر في مقالة القائل بالتوقّف من أنّه ربّما يكون للمدّعي غرض في عدم الحكم غير تامّ لأنّ القاضي أُمر بإنهاء الخصومة، لابتأمين غرض المدّعي، على أنّه ربّما يتعلّق غرض المنكر بالحكم، وفصلها وإن كان غرض الآخر إبقاءها بحالتها فلا وجه لتقديم أحد الغرضين على الآخر.


1 ـ مفتاح الكرامة، قسم المتن:10/88.
Website Security Test