welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(355)

الثالث: لو التمس المقرّله، الكتابة.

إذا كان القضاء ولاية الحكم شرعاً لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معيّنة(1) يظهر الفرق بين الفتوى والحكم في الشبهات الحكمية ففي مسألة ثبوت الشفعة لأكثر من شريكين، أو كون الحبوة للولد الأكبر أو لجميع الورثة، أو في إرث الزوجة عن الأراضي والعقار وعدمه، إذا لم يكن نزاع، يفتي المفتي بالحكم الكلي من دون نظر إلى وجود نزاع في البين وعدمه، وأمّا معه، فهو يطبق الفتوى الكلّي على المورد، بإنشاء حكم جزئي مماثل للحكم الكلّي في الجوهر ويفارقه في الكلّية والجزئية وإليه يشير قولهم :«الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معيّنة» وعلى ذلك لاينفكّ القضاء عن الحكم الجزئي هذا كلّه إذا كانت الشبهة حكمية.

وأمّا إذا كانت الشبهة موضوعية فحقيقة القضاء فيها عبارة عن موازته أدلّة الطرفين وتبيين الأقوى منهما، كما يشير إليه قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان وبعضكم ألحن بحجّته من بعض».(2) وبما أنّ الاختلاف فيها ليس في الحكم الشرعي الكلّي، بل في الموضوع مثلاً في أنّ المرأة الفلانية زوجة فلان المتوفّى أولا، أو أنّ العين هل هي ملك لزيد أو عمرو، أو أنّ زيداً مديون لشخص أو لا؟ فجهد القاضي يكون مركّزاً على تبيين الموضوع، وبتبيّنه ، يتبعه الحكم الجزئي القضائي فيحكم لها بالميراث، وبالعين بالردّ، وبالخروج عن عهدة الدين وبهذا تبين أنّ القضاء لاينفكّ عن الحكم مطلقاً ولولاه لما حصل الفصل.

ولو التمس المقرّ له أن يكتب له بالإقرار فهل يجب عليه أو لا؟ فمقتضى القاعدة عدم الوجوب، لأنّ الواجب عليه، هو الفصل بإصدار الحكم وقد فعل


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/388.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(356)

نعم لو توقّف استنقاذ حقّه على الكتابة وجب عليه، إذ ليست الغاية من القضاء مجرّد إنشاء الحكم بل إثبات الحقوق واستيفاؤها للمستحق.نعم له مطالبة الأجر كما له مطالبة قيمة القرطاس والمداد، وذلك لما مرّ من أنّه يصحّ الجُعل للقضاء إذا لم يكن القاضي مرتزقاً من بيت المال.(1)

الرابع: في كيفية الكتابة.

للكتابة صور: 1ـ إذا عرف القاضي المقرّ والمقرّ له باسمهما ونسبهما أو شهد عدلان عليهما، فلا إشكال في أنّه يكتب المحضر على النحو الذي عرفهما.

2ـ إذا لم يعرفهما إلاّ من جهة أنّ أحدهما أقرّ للآخر فقال الشيخ في النهاية بعدم الجواز .قال:وإذا سأل إنسان لغيره عند الحاكم فسأل المقرّ له الحاكم أن يثبت إقراره عنده لم يجز له ذلك إلاّ أن يكون عارفاً للمقرّ بعينه واسمه ونسبه أو يأتي له بيّنة عادلة على أنّ الذي أقر هو فلان بن فلان بعينه واسمه، لأنّه لا بأس أن يكون نفسان قد تواطئا على انتحال اسم إنسان غائب واسم أبيه والانتساب إلى آبائه ليقرّ أحدهما لصاحبه بما ليس له.(2)

ولكنّهقدَّس سرَّه أجاز في الخلاف، غاية الأمر الوصف يقوم مقام الاسم، وبأنّ الضبط بالحلية يمنع من استعارة النسب فإنّه لايكاد يتّفق ذلك، والذي قاله بعض أصحابنا ، يحمل على أنّه لايجوز ـ عندما لايعرفهما ـ أن يكتب ويقتصر على ذكرنسبهما فإنّ ذلك يمكن استعارته وليس في ذلك نص مستندعن أصحابنا نرجع إليه(3) وقد وافق المحقّق، كلام الشيخ في الخلاف وأجاز الكتابة بالإسم والنسب ـ عند العرفان ـ و بالحلية والوصف عند عدمه.(4)

وأظنّ عدم الخلاف في جواز الاكتفاء بالحلية والوصف أيضاً، واقتصار جملة


1 ـ لاحظ ص147ـ 158 من الكتاب.
2 ـ الطوسي، النهاية: 341ـ342.
3 ـ الطوسي، الخلاف: 3، المسألة 16، 314.
4 ـ نجم الدين: الشرائع: 4/83.


(357)

من الأصحاب على الأوّل لايقتضي الخلاف في الثاني، وعبارة الشيخ في الخلاف حاك عن عدم تجويزهم الكتابة بالاسم والنسب عند عدم العرفان، من غير نظر إلى جواز الكتابة بالحلية وعدمها.ثمّ إنّ صريح ابن إدريس موافقة رأي الشيخ في الخلاف من جواز الكتابة بالاسم والنسب، والحلية والوصف حيث قال: الذي ذكره وذهب إليه شيخنا في مسائل خلافه هو الذي أقول به وأعمل عليه ويقوي في نفسي.

لكنّه ذكر ـ بعد هذا ـ كلاماً تلقّاه العلاّمة في المختلف (1) وصاحب الجواهر(2) اعتراضاً على الاكتفاء بالحلية، مع أنّ صريح كلامه قبل ذلك اختيار ما ذكره الشيخ في الخلاف، فلابدّ من الإمعان في العبارة فلاحظ.(3)

وأظنّ أنّ الموضوع لايحتاج إلى الإطناب، وليست المسألة من صميم الإسلام فالذي يجب على القاضي رعاية الضوابط الرائجة في كلّ عصر من كيفية الكتابة، على وجه لايقع ذريعة للباطل.

قال العلاّمة: «والتحقيق أنّه لا مشاحّة هنا لأنّ القصد تخصيص الغريم وتمييزه عن غيره و إزالة الاشتباه فإن حصل ذلك بالتحلية جاز».(4)

الخامس: إذا امتنع المقرّ عن الأداء مع كونه واجداً

إذا أقرّ بالحقّ وامتنع عن الأداء فتحلّ عقوبته على وجه يهيّئه لأداء الواجب من الغلظة في الكلام، والحبس تأديباً.


1 ـ العلاّمة ، المختلف: كتاب القضاء، 139.
2 ـ النجفي، الجواهر:40/163.
3 ـ ابن إدريس، السرائر:2/162 «أي قوله» وأيضاً هذا مصير إلى أنّ الإنسان أن يعمل ويشهد بما يجد به مكتوباًبخطّه من غير ذكر الشهادة... الخ.
4 ـ العلامة، المختلف: كتاب القضاء، 139.


(358)

قال العلاّمة: فإن عرف كذبه حبس حتّى يخرج من الحقّّ(1) لقوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«ليّ الواجد يُحِلّ عقوبته وعرضه».(2) «اللّي» هو التسويف بالوفا، وفي خبر غياث بن إبراهيم عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه كان يفلِّس الرجل إذا التوى على غرمائه ثمّ يأمر به فيقسم ماله بينهم بالحصص فإن أبى باعه فقسّم بينهم (3) وفي ورواية عمار «يحبس» مكان يفلس وهو تصحيف والمراد من الالتواء هو التثاقل. والظاهر أنّ الحبس في أمثال المقام للتأديب لإيجاد التهيّؤ للقيام بالواجب فلو لم يؤثر يقوم الحاكم بالاداء ببيع ماله كما في الرواية.

ولاينافيه ما رواه زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال:«كان علي ـ عليه السلام ـ لايحبس في الدين إلاّ ثلاثة :الغاصب، ومن أكل مال اليتيم ظلماً، ومن ائتمن على أمانة فذهب بها، وإن وجد له شيئاً باعه غائباً كان أو شاهداً».(4)

وذلك لأنّ الحديث يحكى فعل الإمام لا قوله، وكم فرق بين حصر فعله في الثلاثة، وحصر قوله فيها؟ والأوّل لايفيد الحصر في الحكم الشرعي ولعلّ دائرته أوسع من الثلاثة لكن المصلحة آنذاك اقتضت أن لايحبس غير الثلاثة وهو لايدلّ على عدم الجواز في غيرها.

ثمّ إنّ الشيخ الطوسي حاول الجمع بوجهين تبرعيين ذكرهما الشيخ الحرّ في الوسائل(5)وربّما يحاول في إدخال الغريم الواجد المتثاقل، تحت عنوان الغاصب، أو من ائتمن على أمانة... وهو كما ترى.


1 ـ العلاّمة الحلي، مفتاح الكرامة: 10/72، قسم المتن.
2 ـ الوسائل: الجزء13، الباب 8 من أبواب القرض، الحديث 4.
3 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 6 من أبواب الحجر، الحديث 1.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2.
5 ـ المصدر نفسه.


(359)

السادس: إذا ثبت إعسار المقرّ فهل يُنظر أو يسلَّم إلى الغرماء أو ...؟

إذا ادّعى الإعسار كشف عن حاله فإن استبان فقره ففيه أقوال:

1ـ الإنظار إلى ميسرة.

2ـ التسليم إلى الغرماء ليستعملوه أو يؤاجروه، ذكره الشيخ في النهاية بصوره الرواية.

3ـ إذا لم يكن ذا حرفة خُلِّي سبيله وإن كان ذا حرفة دفعه الحاكم إلى الغريم ليستعمله فما فضُل عن قوته وقوت عياله بالمعروف، أخذ بحقّه وهو خيرة ابن حمزة في قضاء الوسيلة.

4ـ يخلّي سبيله ولكن إن كان ذا حرفة يجب عليه الكسب لأداء الدين بعد إخراج المؤنة وهو خيرته في كتاب الدين .

أمّا القول الأوّل: فهو المشهور بين الفقهاء تبعاً للذكر الحكيم:«وإنْ كانَ ذُو عُسرة فنظرةٌ إلى ميسرَة». (البقرة/280)

قال المفيد :فإن ظهر بعد حبسه إيّاه أنّه معدم فقير خُلّي سبيله وأمره أن يتمحّل حقّ خصمه ويسعى في الخروج ممّا عليه.(1)

1ـ قال ابن إدريس: فإن ذكر إعساراً، كشف عن حاله ،فإن كان على ما قال، أُنظر ولم يُحبَس، وإن لم يكن كذلك، الزم الخروج إلى خصمه من حقّه.(2)

2ـ وقال المحقّق :ولو ادّعى الإعسار كشف عن حاله فإن استبان فقره، أنظره. وفي تسليمه إلى غرمائه ليستعملوه أو يؤجروه روايتان أشهرهما الإنظار.(3)


1 ـ المفيد، المقنعة: 723.
2 ـ ابن إدريس، السرائر:2/160.
3 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/84.


(360)

3ـ وقال العلاّمة: فإن ادّعى الإعسار وعُرف صدقه بالبيّنة أو اعترف خصمه أُنظرَ حتّى يوسِّع الله تعالى عليه.(1)

4ـ وقال الشهيد: فإن ثبت إعساره فهل يخلّي سبيله أو يسلّم إلى الغرماء؟ المشهور بين الأصحاب هو الأوّل لقوله سبحانه:«وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة» .(2)

5ـ وقال الأردبيلي :فالمشهور بين الأصحاب انّه يُنظر ويخلّى سبيله حتّى يوسّع الله عليه ويقدر على أداء الحقّ أو بعضه فيؤخذ بقدر ما يقدر لقوله تعالى:«وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة» .(3)

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة ويدلّ عليه ـ بعد الذكر الحكيم كما عرفت ـ ما رواه غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه أنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ كان يحبس في الدين فإذا تبيّن له حاجة و إفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالاً.(4)

وما رواه السكوني عن علي ـ عليه السلام ـ إن ّ امرأة استعدت على زوجهاأنّه لاينفق عليها وكان زوجها معسراً فأبى أن يحبسه وقال:إنّ مع العسر يسراً.(5)

أمّا القول الثاني: فقد نسب إلى الشيخ في النهاية لكن كلامه في باب الدين موافق للقول الأوّل، نعم ذكره في باب القضاء فقد ذكر في آخره أخباراً ومنها الخبر الدالّ على التسليم ولم يظهر إفتاؤه به قال في كتاب الدين:فإن حبسه ثمّ ظهر له بعد ذلك إعساره، وجبت تخليته(6)نعم روي في كتاب القضايا و الأحكام عن السكوني عن جعفر عن أبيه انّ عليّاً ـ عليه السلام ـ كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فإن كان له


1 ـ العلاّمة، إرشاد الأذهان:2/144.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/408.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/131 وقد خصّ صاحب الوسائل، باباً في كتاب الدين للأنظار فلاحظ: الجزء 13، الباب 25 من أبواب الدين.
4 ـ الوسائل : الجزء 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1و2.
5 ـ الوسائل : الجزء 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1و2.
6 ـ الطوسي، النهاية، كتاب الدين :305.


(361)

مال أعطى الغرماء وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا ـ ما شئتم. إن شئتم، ف آجروه وإن شئتم إستعملوه(1) ذكره في باب أسماه«باب جامع في القضايا والأحكام » وهو ليس دليلاً على الإفتاء به وحمله في الوسائل على من يعتادإجارة نفسه والعمل بيده.

ولايخفى أنّ الرواية مخالفة للذكر الحكيم، من الأمر بالإنظار وما استفاض به الأخبار في كتاب الدين.(2) وخصوص ما رويناه عن غياث بن إبراهيم عن عليّ ـ عليه السلام ـ كما عرفت، مضافاً إلى بعده عن روح الإسلام من تسليط الدائن على الغريم ليستعمله.

قال المحقّق الأردبيلي: وأنت تعلم أنّه لايمكن في مثل هذه المسألة العمل بمثل هذه الرواية المخالفة للعقل فإن حبس شخص قبل موجبه غير معقول، وأنّ تسليط شخص على آخر أيّ شيء شاء يفعل به مع عجزه مما يأباه العقل والنقل من عموم القرآن وخصوص «فنظرة إلى ميسرة»والحديث، وخصوص الرواية المتقدّمة والشهرة.(3)

أمّا القول الثالث: فهو خيرة ابن حمزة قال: فإذا ثبت إعساره خلّي سبيله إن لم يكن ذا حرفة يكتسب بها، وأمره بالتمحّل(الصبر)، وإن كان ذا حرفة دفعه إليه ليستعمله ممّا فضل عن قوته أو قوت عياله بالمعروف أخذ بحقّه(4) وهو في الحقيقة أخذ ببعض مضمون الحديث، فَطَرحَ مؤاجرته واكتفى باستعماله وخصّ به لمن له حرفة، لامطلق المعسر.


1 ـ الطوسي، النهاية، كتاب الوصايا:352 ولاحظ الوسائل: الجزء 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 3.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 25 من أبواب الدين.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/133 ومقصوده من الرواية المتقدّمة رواية غياثبن إبراهيم ولايخفى أنّ الحبس قبل ثبوت موجبه (اليسار) جائز لأنّه ليس تأديبياً بل استظهاراً للواقع إذ في تخلية سبيله ضرر مظنون كما لايخفى، وقد مضى الكلام فيه.
4 ـ ابن حمزة، الوسيلة ، كتاب القضاء:212.


(362)

أمّا القول الرابع: فهو أيضاً خيرة ابن حمزة في كتاب الدين قال:وإن كان المستدين معسراً صبر على من له الدين حتّى يجد، فإن كان مكتسباً أمر بالاكتساب والانفاق بالمعروف على نفسه وعياله وصرف الفاضل في وجه دينه وإن كان غير مكتسب خلّى سبيله حتّى يجب.(1) وهذا القول غير القول الثالث كما لايخفى وقدزعم العلاّمة وحدة القولين فذكر ما يؤيّد القول الرابع لا الثالث الذي هو المشهور عن ابن حمزة، قال:وما قاله ابن حمزة ليس بعيداً عن الصواب لأنّه متمكّن من أداء ما وجب عليه وإيفاء صاحب الدين فيجب(الكسب) عليه كما يجب عليه السعي في المؤونة ولأنّه مع تمكّنه من الكسب لايكون معسراً لأنّ اليسار كما يتحقّق بالقدرة على المال، يتحقّق بالقدرة على تحصيله ولهذا منع القادر على الكسب من أخذ الزّكاة.(2)

ولأجل وجود قولين لابن حمزة اعترض المحقّق الأردبيلي على العلاّمة بأنّ ما ذكره لا يؤيّد مذهب ابن حمزة من تسليم المدين إلى الغريم ليستعمله، فيمكن كون ذلك كناية عن وجوب الكسب إذا كان ذا كسب وحرفة يقدر معها من تحصيل ما يصرفه في الدين ولكن لايكون مفوِّتاً لما يجب عليه ولايكون شاقّاً لايُتحمَّل مثله عادة فيكون الكسب لتحصيله واجباً كما إذا كان عنده عروض من غير جنس ما يجب عليه، يجب عليه أن يبيع ويُحِّل ما هو من جنس ما عليه على أيّ وجه كان فيأمره الحاكم بذلك.(3)

الظاهر أنّ القول الرابع هو الحقّ فإنّه إذا كان ذا حرفة لائقة بشأنه آنذاك وجب عليه التكسّب، وتعليق أداء الدين على حصول اليسار، مخالف لإطلاق الأدلّة غاية الأمر خرج العاجز موضوعاً.وإن شئت قلت :إنّ العرف يرى الطبيب


1 ـ ابن حمزة، الوسيلة، كتاب الدين: 274.
2 ـ العلاّمة الحلّي، المخلتف، كتاب القضاء، الفصل السادس في توابعه:159.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/134.


(363)

وأمثاله قادراً على أداء الدين فيجب عليه.

نعم لايجب عليه ما هو خارج عن شأنه كالاحتشاش والاصطياد والاغتنام والتلصّص في دار الحرب وقتل الأبطال وسلب ثيابهم وسلاحهم، كما لاتؤمر المرأة بالتزويج لتأخذ المهر، ولايؤمر الرجل بخلع زوجته فيأخذ عوضه(1) لأنّ الواجب أداء الدين وهو منصرف إلى الصورة اللائقة بحال الرجل لا الخارج عنه.

والحاصل أنّ ما ذهب إليه ابن حمزة في كتاب الدين هو الأقوى وأمّا حمل الحديث عليه، فهو بعيد عن ظاهره ولأجل ذلك يقول في الجواهر:«فإنّ ذلك(قول ابن حمزة) لايفيد إلاّ وجوب التكسّب عليه وهو غير دفعه إليهم وجعلهم أولياء إن شاءوا استعملوه وإن شاءوا آجروه».(2)

السابع: في حبس مدّعي الإعسار حتّى يتبيّن حاله

إذا ادّعى الإعسار ولم يصدّقه الخصم فهل يجوز حبسه حتّى يتبيّن الحال أو لا؟ فيه أقوال:

1ـ الحبس حتّى تتبيّن حاله وهو الظاهر من المفيد وأبي الصلاح.

2ـ التفصيل بين ما كان له أصل مال فيُحبس حتّى يثبت الإعسار وما لم يكن لذلك قبلت دعواه ولايكلّف البيّنة وللغرماء مطالبته باليمين وهو خيرة المحقّق في كتاب الحجر والمقام.(3)


1 ـ الطوسي، المبسوط، كما في مفتاح الكرامة:10/74.
2 ـ النجفي، الجواهر: 40/166 والعجب أنّ صاحب المسالك عند تحرير المقام لم تحضره الرواية ، و أعجب منه ما احتمله الفاضل الابي في كشف الرموز،( ج2/449) أنّ مستند هذا الحكم ـ وراء رواية السكوني ـ رواية زرارة عن أبي جعفر التي رواها في الوسائل في الجزء 18، الباب 11 من أبواب كيفيّة الحكم، مع أنّه لاصلة لها بهذا الحكم.
3 ـ سيأتي مصدره.


(364)

3ـ لايُحلَّف مدّعي الإعسار، وإن كان بعد اليسار ويخلّى سبيله ولايتوقّف على إقامة البيّنة، وهو خيرة الأردبيلي.(1)

قال أبو الصلاح:وإن ادّعى المقرّ أو المشهود عليه إعساراً يعلمه الحاكم أو تقوم به بيّنة في الحال لم يحبسه ولكن يقرّر عليه ما يفضل من تكسّبه عن قوته وعياله لغريمه وإن لم يعلم ذلك من حاله ولا قامت به البيّنة حبسه وكشف عن أمره.(2)

وقال المفيد: «وإن لم يعلم بصحّة دعواه في الإعسار كان له حبسه».(3)

وقال المحقّق: وهل يحبس حتى تتبيّن حاله فيه تفصيل ذُكر في باب الفلس وقال فيه:لو لم يكن له مال ظاهر وادّعى الإعسار فإن وجد البيّنة قضى الحاكم بها وإن عدمها وكان له أصل مال أو كان


1 ـ سيأتي كلامه أثناء القول الثاني.
2 ـ أبو الصلاح، الكافي، كتاب القضاء: 447.
3 ـ المفيد، المقنعة، كما في مفتاح الكرامة:10/75.


(365)

أصل الدعوى مالاً حُبس حتّى يثبت إعساره، فإن لم يعلم أصل مال(ولا كانت الدعوى الثابتة عليه مالاً ) وادّعى الإعسار قبلت دعواه ولايكلّف بالبيّنة وللغرماء مطالبته باليمين.(1)

وقال العلاّمة في القواعد:وإن اشتبه فإن عرف ذا مال أو كان أصل الدعوى مالاً حبس حتى يثبت إعساره، وإلاّ حلف على الفقر فإن نكل حلف المدّعي على القدرة وحُبس.(2)

وقال في الإرشاد: فإن ادّعى الإعسار وعُرِف صدقُه بالبيّنة أو اعترف خصمه أُنظر حتى يوسّع الله تعالى عليه، وإلاّ طولب بالبيّنة إن كان له مال ظاهر أو كان أصل الدعوى مالاً، وإلاّ حلف.(3)

وقال الشهيد:فإن ادّعى الإعسار فإن كان له أصل مال قبل ذلك أو كان أصل الدعوى مالاً كلّف البيّنة على تلفه فإن لم يقمها حبس حتّى تبيّن إعساره ولو لم يعرف له أصل مال ولا كانت الدعوى مالاً بل كانت جناية أو صداقاً أو نفقة قريب، قبل قوله:بيمينه.(4)

وقبل الخوض في أدلّة الأقوال نذكر مقتضى القاعدة:

هل المتفاهم من الأدلّة أنّ الإعسار شرط الإنظار أو أنّ المتفاهم منها أنّ اليسار شرط جواز الإجبار والحبس ؟

فإن قلنا بالأوّل، فما لم يحرز الشرط ولم يتبيّن كونه معسراً، لايجب إنظاره، فتكون النتيجة جواز إجباره وحبسه.

وإن قلنا بأنّ اليسار شرط الإجبار والحبس، فمالم يتبيّن كونه موسراً، لايجوز التغليظ عليه وتكون النتيجة هو وجوب الإنظار وعدم جواز الحبس.

يدلّ على الأول، ظاهر قوله سبحانه:«وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة»حيث علّق الإنظار على الإعسار، وروى عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: قال النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: كما لايحلّ لغريمك أن يمطلك وهو مؤسر فكذلك لايحلّ لك أن تعسره، إذا علمت أنّه معسر(5)، فدلّ على أنّ الإعسار شرط لعدم حل التعسر وهو يلازم عدم وجوب الانظار ما لم يحرز الشرط.

ويدلّ على الثاني، قوله : ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته(6)، حيث علّق العقوبة على كونه واجداً وموسراً والظاهر أنّ الأدلّة ليست ناظرة إلى هذه الجهة وأنّ الإذعان بأحد الأمرين مشكل، فتصل النوبة إلى الأُصول وسيوافيك أنّ الصور ستّة لأنّ الحالة السابقة إمّا أن تكون الإيسار، أو الإعسار، أو مجهولة أو على كلّ تقدير إمّا أن يقيم المدّعي البيّنة على الإيسار أو لا.


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 2/250 .
2 ـ العاملي، مفتاح الكرامة:10/74، قسم المتن.
3 ـ العلاّمة، إرشاد الأذهان: 2/144.
4 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/401.
5 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 8 من أبواب الدين، القرض، الحديث 5و4.
6 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 8 من أبواب الدين، القرض، الحديث 5و4.


(366)

وإليك أدلّة الأقوال:

أمّا القول الأوّل أي الحبس مطلقاً حتّى يثبت الإعسار فيدلّ عليه خبر غياث بن إبراهيم عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه كان يحبس في الدين فإذا تبيّن حاجة وإفلاس خلّى سبيله حتّى يستفيد مالاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لاينافي تفصيل المحقّق ، لأنّ الظاهر من الدين هو المال المقترض، أو ثمن الجنس المشترى لا مثل مهر الزوجة أو أرش الجناية، وبما أنّه نقل فعل لايمكن الأخذ بإطلاقه حتّى يعمّ جميع الصور وعندئذ ينطبق على القسم الأوّل المذكور في كلام المحقّق من كون أصل الدعوى مالاً والاستصحاب يقتضي بقاءه، وادّعاء الإعسار يخالفه فعليه البيّنة وإلاّ يحلف المنكر أي الدائن إلاّ إذا تبيّن الإعسار.

وأمّا القول الثاني ففيه شقوق:

1ـ إذا ادّعى الإعسار و لم يكن له مال ظاهر، وأقام البيّنة قضى بها الحاكم، مطلقاً من غير فرق بين كون الحالة السابقة هي الإعسار أو اليسار أو كانت مجهولة. فيكون حكم الجميع واحداً.

2ـ إذا ادّعى الإعسار و لم يكن له مال ظاهر ولم يقم بيّنة فهنا صور ثلاث:

أ: إمّا أن تكون الحالة السابقة، اليسار.

ب: أو تكون الحالة السابقة الإعسار.

ج: أو تكون الحالة السابقة مجهولة.

أمّا الصورة الأولى كما إذا كان له أصل مال معهود سابقاً أو كان أصل الدعوى مالاً كالقرض ونحوه ، حُبسَ حتّى يثبت إعساره وذلك لأصالة بقاء المال و لو قيل بكونها أصلاً مثبتاً بالنسبة إلى اليسار، أستصحب نفس وصف اليسار


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1.


(367)

حتّى يثبت الاعسار فعلى المدين إقامة البيّنة على عروض الإعسار وإلاّ حلف المنكر وحكم عليه بأداء الدين فإن أدّى وإلاّ حبس حتى تتبيّن حاله فإن تبيّن يساره، أمر بالأداء، وإلاّ قام الحاكم مكانه وإن تبيّن عروض الإعسار خلّى سبيله.

والحاصل أنّ مدّعي عروض العسر بعد اليسر، يكون مدّعياً، والقول قوله مخالفه وهو بقاء اليسار بيمينه فعلى الأوّل إقامة البيّنة وإلاّ يحلف الثاني.

واستشكل فيه المحقّق الأردبيلي (1) بأنّه لايخلو عن شيء وقال:إذ قد لايكون له بيّنة ويكون معسراً والمال تالفاً ولم يكن ظالماً حتى يحلّ عرضه وعقوبته عاجلة من غير ظهور وجهها ومجرّد وجود مال عنده لايستلزم بقاءه حتّى يحبس لإعطائه فالحبس بعيد خصوصاً إذا كان ظاهر حاله إتلافه مثل أن يستقرض ليُخرِجه في مؤنته مع حاجته أو وجد عنده ولكن يحتاج في كلّ يوم إلى نفقة، فالظاهر من حاله أنّه أخرجه ومن أنّى يأتي بالبيّنة حين إخراج كلّ درهم درهم فيمكن عدم الحبس بل الإحلاف على عدم بقائه عنده، فتأمّل، ويخلّى سبيله إلى ميسرة.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مجرّد احتمال لايقاوم الحجّة وهو الاستصحاب، وإلاّ لزم الامتناع عن القضاء في أكثر الموارد لأجل هذه الاحتمالات، نعم لو كان ظاهر حاله إتلافه كما في الاستقراض لأجل الصرف في المؤنة فهو خارج عن مصبّ الكلام بل يجب عندئذ إقامة البيّنة على مدّعي البقاء لما سيوافيك . من أنّ المدّعي والمنكر من المفاهيم العرفية ، فعلى مدّعي البقاء مع الاعتراف بأنّه استقرض للصرف في المؤنة، إقامة البيّنة نعم للعلاّمة في المقام كلام قيّم قال:«ومع ذلك، فليس للحاكم حبسه والغفلة عنه بالكلّية ، ولو كان غريباً لايتمكّن من إقامة البيّنة وكّل القاضي من يبحث عن منشئه ومنتقله، وتفحّص عن أحواله بقدر الطاقة فإذا غلب على ظنّه إفلاسه شهد به عند القاضي لئلا تتخلّد عليه


1 ـ بيان للقول الثالث الذي نوّهنا به في صدر البحث.
2 ـ الأردبيلي ،مجمع الفائدة:12/135.


(368)

عقوبة السجن.(1)

أمّا الصورة الثانية أعني: إذا لم يكن له مال ظاهر وكانت الحالة السابقة هي الإعسار، كما إذا طلب الزوجة مهرها، ففي هذه الصورة، البيّنة لمن يدّعي اليسار والتمكّن وإلاّ يحلف مدّعي الإعسار، وإن ردّ اليمين على مدّعي اليسار وحلف حكم على المدين بأداء الدين فإن أدّى وإلاّ حبس حتّى تتبيّـن حاله فإن تبيّن يساره أمره الحاكم بالأداء وإلاّ يقوم عنه بالأداء وإن تبيّن إعساره خلّى سبيله.

أمّا الصورة الثالثة أعني: إذا جهلت الحاله السابقة، فهل مدّعي اليسار والقدرة يقيم البيّنة وإلاّ يحلف الآخر، أو أنّ الأصل في الأموال جواز المطالبة والتضييق عند العقلاء حتّى يثبت الخلاف وعليه عملهم؟ ولعلّ الثاني هو الأقويويؤيّده ما حكى من عمل الإمام علي ـ عليه السلام ـ من الحبس من غير فصل بين الحالات.

و أمّا القول الثالث و هو خيرة المحقّق الأردبيلي فقد علم وجهه ممّا نقلناه عنه استشكالاً على المحقّق فلاحظ.

نعم لايحبس الوالد و لا الوالدة للولد لمنافاة الحبس للمصاحبة بالمعروف كما قال سبحانه:«وصاحِبْهُما في الدّنيا مَعْرُوفاً» (لقمان/15).

ويدلّ عليه خبر الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله : ما يحلّ للرجل من مال ولده؟ قال ـ عليه السلام ـ : «قوته بغير سرف إذا اضطرّ إليه» قال: فقلت له: فقول رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له: أنت ومالك لأبيك فقال ـ عليه السلام ـ : «إنّما جاء بأبيه إلى النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فقال: يا رسول الله :هذا أبي وقد ظلمني ميراثي عن أُمي فأخبره الأب أنّه قد أنفقه عليه وعلى نفسه وقال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنت ومالك لأبيك ولم يكن عند الرجل شيء أو كان رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم يحبس الأب للابن» ويؤيّده سائر


1 ـ العلاّمة الحلّي، التذكرة ، كتاب الحجر:2/59.


(369)

الأخبار الدالّة على أنّ الولد وماله لأبيه.(1)

قال في القواعد:ويجوز الحبس في دين الولد. (2)

وقال المحقّق الثاني :في رواية الحسين بن أبي العلاء عن الصادق ـ عليه السلام ـ ما يدلّ على عدم الجواز، وإن كان في الحسين قول، لكن ظاهر قوله ـ عليه السلام ـ :«أنت ومالك لأبيك» ومؤكّدات القرآن في حقّ الوالدين مؤيدة لهذا الرواية ، والقول بعدم الجواز لايخلو من قوّة، واختاره في التذكرة.(3)

ومنه يعرف حال المريض، إذا كان الحبس ضررياً أوحرجياً عليه فينظر حتى يبرأ.

هذا كلّه حول الإجابة بالإقرار، بقي الكلام في الإجابة بالإنكار والسكوت أوبـ «لا أدري» وإليك البحثعن الجميع واحداً تلو الآخر.

الفصل الثاني
في الإنكار

ويقع الكلام في جهات ثلاث:

قد تقدّم أنّ المدّعى عليه إمّا أن يقرّ أو ينكر أويسكت فقد فرغنا من البحث في الأوّل فيقع الكلام في الإنكار.

ثم المنكر إمّا أن يحلف أو يردّ الحلف على المدّعي أو ينكل فالكلام يقع في جهات ثلاث:


1 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 78، من أبواب ما يكتسب به، ا لحديث 8 و رواه الكليني والصدوق والشيخ.
2 ـ الإيضاح:2/79 وجامع المقاصد: 5/302.
3 ـ التذكرة:2/59.


(370)

الجهة الأولى: إذا حلف المنكر

وهنا مسائل:

1ـ تعريف القاضي للمدّعي بأنّ له أحد الأمرين: إقامة البيّنة أو إحلاف المنكر، جوازاً أو وجوباً.

2ـ في إحلاف المنكر قبل رضا المدّعي.

3ـ في توقّف إحلاف المنكر على إذن الحاكم وعدمه.

4ـ ما يترتّب على حلف المنكر من الآثار: عدم جواز تجديد الدعوى، حرمة التقاص من ماله أو استنقاذ عينه ، وحرمة مطالبة إعادة المحاكمة، لا أثر لإقامة البيّنة، أو إقامة شاهد مع اليمين.

5ـ براءة المنكر متوقّفة على حكم الحاكم أو لا ؟

6ـ إذا اكذب نفسه وأقرّ بالحقّ بعد الحلف.

المسألة الأُولى: هل يجب على القاضي تعريف المدّعي بأحد الأمرين:إقامة البيّنة أو الإحلاف عند عدمها أو لايجب؟ لاشكّ في جوازه وليس من قبيل تلقين الحجّة للخصم المحرّم، وإنّما هو إرشاد، لما أعطاه الشارع من الحق او بيان للحكم الشرعي في المورد، وقال: البيّنة على من ادّعى واليمين على من ادّعى عليه.(1)إنّما الكلام في وجوبه إذا لم يكن المدّعي واقفاً بالحكم أو كان واقفاً لكن يحتمل أنّه ليس له إحضارها إلاّ إذا طلبها الحاكم منه. والوجوب لا يخلو من قوّة لأنّه مأمور بالفصل ولايتمّ إلاّ بتعليمه الحكم.قال السيد الطباطبائي :إذا أجاب بالإنكار وجب على الحاكم إذا لم يعلم المدّعي أنّ عليه البيّنة أن يعرّفه بذلك ثمّ يقول: ألك


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(371)

بيّنة فإن لم تكن عنده وجب عليه أن يقول له، لك حقّ الحلف إذا لم يعلم ذلك.(1)

المسألة الثانية: في إحلاف المدّعى عليه قبل إذن المدّعي

إذا رضي المدّعي، بحلف المنكر فلاشكّ في نفوذ حلفه وترتّب الآثار عليه إنّما الكلام إذا أحلفه القاضي من دون سؤاله واستحصال رضاه فهل ينفذ أو لا؟ اختار الثاني، الشهيد في المسالك(2)ونسب إلى الفاضل في كشف اللثام وهو صريح السيّد علي في الرياض(3)،واستدل الشهيد ما هذا حاصله: وجود الفرق بين تعريف المدّعي بأحد الأمرين، وإحلاف المنكر من دون استحصال رضاه فإنّ التعريف لايضرّه بل ينفعه، بخلاف تحليف المنكر من دون سؤاله فانّه يضرّ لأنّه يسقط الدعوى وتذهب اليمين بحقّه، وقد يتعلّق غرض المدّعي ببقائها إلى وقت آخر لعلّه يتوفق لإقامة البيّنة أو يتحرى وقتاً صالحاً لئلا يتجرّي المنكر على الحلف إلى غير ذلك من الأُمور.

وقال السيّد العاملي هذا موضع وفاق بين الأصحاب بل عند العامة أيضاً لأنّه حقّ للمدّعي ومسقط لدعواه وقد لايريد الإحلاف في الحال ليتذكّر بيّنة أو يعود الخصم إلى الإقرار.(4)

وقال السيّد الطباطبائي :لايجوز للحاكم أن يحلِّفه من دون سؤاله المدّعي، وكذا لايجوز تبرّع المنكر به قبل سؤاله بلا خلاف بل بالإجماع الظاهر لأنّه حقّه فيتوقّف على مطالبته وربّما تعلّق غرضه بأن لايُحلِّفه توقعاً لوجود شهود أو ارتداع المنكر عن إنكاره أو طيّ الدعوى بالصلح أو نحو ذلك.(5)

أقول: قد مرّ نظير المسألة وهو أنّه إذا طرح المدّعي الدعوى، فهل طلب


1 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/59.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/408.
3 ـ الجواهر: 40/170.
4 ـ العاملي، مفتاح الكرامة: 10/57.
5 ـ السيّد الطباطبائى، ملحقات العروة: 2/59.


(372)

الجواب من المدّعى عليه، مشروط بإذن المدّعي أو لا؟ وأيضاًإذا أنهى الحاكم المخاصمة وتبيـّن له الحقّ، فهل الحكم مشروط بإذن المدّعي أو لا؟وقد عرفت انّ الحقّ عدم الاشتراط وأمّا المقام فالحقّ عدم الإشتراط لضعف ما استدلّ به .

أوّلاً: أنّ المقام من باب خلط الحكم بالحقّ فليس اليمين مثل إقامة البيّنة من الحقوق بل من باب الحكم الشرعي وأنّهما من أدوات القضاء، كيف وقد فسّر الحقّ بجعل السلطنة من الشارع للشخص بحيث يوجد الجعل سلطة له وليس المقام كذلك.

ثانياً: سلّمنا أنّه من باب الحقّ، لكنّه حقّ له على المنكر، لا على القاضي فليس معناه تقييد إطلاقات أدلّة القضاء وفصل الخصومة به بل معناه أنّ للمدّعي إعماله وإسقاطه.وأمّا أنّ له إيقاف أمر القضاء وتأخيره إلى وقت آخر، فلايستفاد منه بل غايته أنّه لو أحلف، يقضى به، وإن أسقط، يحكم على المنكر بالبراءة وتكون الدعوى مختومة، ولكن ليس له وراء ذلك أمر ثالث وهو إيقاف المخاصمة وتأخيرها إلى وقت آخر للغايات المذكورة في كلامهم، لأنّها أغراض شخصية لايكون سبباً لتقييد إطلاقات الأدلّة.

والحاصل أنّ ما ذكر في المسالك وغيرها لايخرج عن كونه حقّاً للمدّعي على المدّعى عليه، وأمّا أنّ حكم القاضي مقيّد بإذن المدّعي فلايستفاد منه.فالأقوى لولا الإجماع المدّعى، وماسيوافيك من الروايات، عدم توقّف إحلاف القاضي بإذن المدّعي.

نعم هناك روايات ربّما يستظهر منها اشتراط الإحلاف بإذن المدّعي وهي ثلاث:

1ـ موثقة (1) ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:«إذا رضي صاحب


1 ـ لوجود ابن فضال في السند، والمراد من علي بن عقبة، فيه هو علي بن عقبة بن خالد الأسدي الثقة، وهو يروي عن موسى بن اكيل النميري الثقة.


(373)

الحقّ بيمين المنكر لحقّه، فاستحلفه فحلف أن لاحقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدعي فلادعوى له».(1)

2ـ خبر خضر النخعي عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ وفيه:ان استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً وإن تركه ولم يستحلفه فهو على حقّه.(2) فظاهر الفعل (إستحلفه) هو قيامه بالإحلاف عن اختيار.

3ـ خبر عبد الله بن وضّاح وقد جاء فيها:«ولولا أنّك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك ولكنّك رضيت بيمينه.وقد ذهبت اليمين بما فيها».(3)

وجه الاستدلال بالروايات الثلاث هو أنّه إذا كان ذهاب الحقّ باليمين مشروطاً برضى المدّعي، باليمين فيدلّ بالدلالة الالتزامية على اشتراط إحلاف القاضي أيضاً برضاه. إذ لو لم يكن إحلافه مشروطاً،برضا المدّعي، كانت شرطية رضاه بحلف المنكر أمراً لغواً، لأنّ القاضي يحلِّفه، وهو يذهب بحقّ المدّعي و إن لم يكن راضياً بيمينه هذا غاية توضيح للاستدلال بالروايات الثلاث.

ومع هذا ففي دلالة الروايات على القول المشهور إشكال فإنّ كون الحلف واقعاً عن رضاه يتصوّر على وجهين:

1ـ تصريحه بأنّه راض بحلف المنكر.

2ـ استدعاؤه من القاضي أن يحكم بينهما بالحقّ والشرع ويُنهي الخصومة، فمعنى ذلك أنّه راض بكلّ ما يقوم به ـ طبق الضوابط الدينية أو العرفية ـ من الأمر له بإقامة البيّنة وللآخر بالحلف، والرضا بالكلّ رضاً بالجزء وهو الحلف ولايتوقّف على رضاً آخر، فالحضور عنذه كاف فيما هوالمعتبر في الرضا.

وبالجملة: نحن نقول باشتراط الإحلاف بالرضا، لكن ليس المقصود منه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18 الباب 10 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1ـ2.
3 ـ الوسائل: الجزء 18 الباب 10 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1ـ2.


(374)

شيئاًسوى الحضور لدى القاضي وطلب المحاكمة منه.

المسألة الثالثة : في توقّف إحلاف المنكر على إذن الحاكم

الإحلاف المؤثّر الذي تترتّب عليه آثار القضاء مشروط بإذن المدّعي والحاكم، وقدمرّ الكلام في الأوّل وإليك البحث في الثاني:

1ـ قال ابن إدريس «ومتى بدأ الخصم باليمين، من غير أن يُحلِّفه الحاكم، لم يبرَّه ذلك من الدعوى و كان متكلّفاً».(1)

2ـ قال المحقّق: لو تبرّع هو (المدّعي) أو تبرّع الحاكم بإحلافه لم يعتدّ بتلك اليمين وأعادها الحاكم إن التمس المدّعي.(2)والمقصود من تبرّع المدّعي إحلافه المنكر بلا إذن صادر من الحاكم.

3ـ وقال العلاّمة في القواعد: وكذا الحالف لايبتدي باليمين من غير أن يُحلِّفه الحاكم فلو تبرّع الحالف أو الحاكم باليمين وقعت لاغية ولم يعتدّ بها ويعيدها الحاكم بعد سؤاله وكذا لو حلّفه من غير حاكم.(3)

4ـ وقال في الجواهر : نعم ذكر الشهيدان و غيرهما من غير خلاف أجده فيه أيضاً بل في مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب، أنّه لايستقلّ الغريم باليمين من دون الحاكم وإن كان حقّاً لغيره لأنّه وظيفته.(4)

5ـ وقال السيّد الطباطبائي: وكذا لايعتدّ بإحلاف المدّعي من دون إذن الحاكم بلا خلاف لأصالة عدم ترتّب الأثر.ولأنّه المعهود المنصرف إليه الأخبار، وللأخبار المشتملة على قوله:«أضفهم إلى اسمي» كخبر محمد بن قيس أنّ نبيّاً من الأنبياء شكا إلى ربّه كيف أقضي بأُمور لم أخبر ببيانها؟ قال: فقال له : «رُدّهم إليَّ


1 ـ ابن ادريس ، السرائر : 2/160.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/84.
3 ـ مفتاح الكرامة، قسم المتن:10/75.
4 ـ الجواهر 40/171.


(375)

وأضفهم إلى اسمي يحلفون به» ونحوه مرسلة أبان ، وصحيحة سليمان بن خالد. والحاصل أنّه يمكن أن يستظهر من الأخبار(1)، أنّ ذلك من وظائف الحاكم ومع قطع النظر عن ذلك ففي الإجماع والأصل كفاية.(2)

يلاحظ عليه مااستدلّ به من الروايتين(3) لا دلادلة لهما على الشرطية وإنّما وردتا في مورد إحلاف القاضي ، ولايدلاّن على لغوية إحلاف ذي الحقّ من دون إذن القاضي كما هو المطلوب وأمّا كونه منصرف الروايات أو الأصل عدم ترتّب الأثر إنّما يصحّ لو لم يكن هناك إطلاق في روايات الإحلاف، فإنّ إطلاق قوله:«إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر... ذهبت اليمين بحقّ المدعي» أو قوله: «من حلف لكم فصدِّقوه».(4) يعمّ كلتا الحالتين .ولأجل ما ذكر قال في الجواهر إنّ إقامة الدليل عليه ـ إن لم يكن إجماع ـ في غاية الصعوبة بل لعلّ ظاهر الأدلّة الآتية خصوصاً خبر اليهودي المشتمل على تحليف الوالي المعلوم كونه ليس من أهل الحكومة، خلافه.

والأحوط لو لم يكن الأقوى سقوط حقّه إذا أحلفه في غير حضرة الحاكم، نعم لايترتّب عليه أثر الحكم لعدمه بالفرض لو افترضنا أنّ له أثراًفي المقام من حرمة النقض و غيرها.

والعجب أنّ السيّد اختار ما نقلناه عنه في المسألة الثانية منالفصل الرابعمن كتابه ولكنّه في نفس الفصل في المسألة السادسة بعد استظهار اختصاص الحلف المسقط للحق بما إذا كان باستحلاف الحاكم في المرافعة قال: ما نصّه:«وإن كانت الأخبار مطلقة والأحوط التعميم بل يستفاد من خبر عبد الله ابن وضّاح المتقدّم عدم اعتبار كون الحلف عند الحاكم الشرعي لكونه عند


1 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 3.
2 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/60.
3 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1ـ2.
4 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1ـ2.


(376)

الوالي.(1)

المسألة الرابعة: في ما يترتّب على الحلف:

إذا أحلف المنكر يترتّب عليه أُمور:

1ـ سقوط الدعوى.

2ـ لو ظفر بمال الغريم لم تحلّ له المقاصة.

3ـ ولو أعاد المطالبة أثم ولم تسمع دعواه.

4ـ ولو أقام بيّنة بما حلف عليه المنكر لم تسمع.

5ـ ولو أقام شاهداً وضمّ إليه اليمين لم تسمع .

و إليك دراسة هذه الآثار:

أمّا سقوط الدعوى فإنّه لازم نفوذ حكم القاضي وإلاّ يكون لغواً .

وأمّا عدم جواز التقاص فتدلّ عليه ـ مضافاً إلى ما تقدّم من الروايات الثلاث أعني: موثقة ابن أبي يعفور، وخبر خضر النخعي وابن وضّاح ـ، صحيحة سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السلام ـ عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه وحلف، ثمّ وقع له عندي مال ف آخذه لمكان مالي الذي أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع قال: إن خانك فلا تخنه ولاتدخل فيما عتبه عليه.(2)

وفي مقابل هذه النصوص رواية أبي بكر الحضرمي وقد رويت مضمرة ومسندة أما الأُولى:قال قلت: له رجل عليه دراهم فجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن أخذ منه بقدر حقي؟قال: فقال: نعم ولكن لهذا كلام


1 ـ السيّد الطباطبائى، ملحقات العروة: 20/62.
2 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 7.


(377)

قلت: وما هو؟قال:تقول:«اللّهمّ إنّي لاآخذه ظلماً ولاخيانة وإنّما أخذته مكان مالي الذي أخذ منّي، لم أزدد عليه شيئاً».(1)

أمّا المسندة فروى عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال، قال: فجحده إيّاه وذهب به ثمّ صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله. أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل ؟قال: نعم ولكن لهذا كلام يقول الخ.

ولعلّ الروايتين واحدة وإن كان الداين في الأوّل نفس الراوي، وفي الثانية رجل، غير أنّ الثانية خالية عن الحلف فالتقاص عندئذ لايكون مخالفاً لما مرّ، وأمّا الأُولى فربّما تحمل على ما إذا كان الحلف تبرّعياً لا في محضر القاضي ولكنّك عرفت عدم كونه شرطاًفي تأثير الحلف والأولى أن يطرح لإعراض الأصحاب عنه، والعمل بالمشهور هو المتعيّن.

نعم يبقى في المقام سؤال وهو أنّه ما هو المقصود من ذهاب الحقّ باليمين فإن أُريد منه الذهاب الظاهري فهو إنّما يصحّ إذا كان المدّعي شاكاً في كون العين له أو كونه مديوناً وأمّا إذا كان قاطعاً بالخلاف فلاموضوع للحكم الظاهري.

وإن أُريد الذهاب الواقعي، فلازمه عدم التأثير إذا أقرّ بالحقّ بعد الإنكار والحلف، لأنّ المفروض خروج العين عن ملك المدّعي.

والجواب أنّ الحكم بالذهاب، حكم قضائي بأنّ العين للمنكر،والحكم القضائي، لاظاهري حتى لايتصوّر، جعله في حقّ العالم بالواقع كالمدّعي، ولاواقعي حتّى لايؤثر الإقرار بعد الإنكار في رجوع العين إلى المالك بل هو قسم ثالث تجب متابعته تكريماً للحلف واحتراماً لمقام القضاء فهو أشبه بالأحكام الواقعية الثانوية كجواز الدخول في الصلاة بالطهارة الترابية وجواز الاقتداء بصلاة


1 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، 5.


(378)

المخالف عند التقية ، فلايشترط في صحّة جعله الشكّ، بل يصحّ جعله وإن كان أحد الطرفين قاطعاً بالخلاف. نعم الحكم معتبر، مالم ينكشف الخطاء لدى القاضي فإذا أقرّ بالحقّ انكشف الخطأ في حكمه، ويرجع كلّ شيء إلى أصله.

وهل يجوز احتساب ما في ذمّة المنكر خمساً أو زكاة ممّا لايوجب حقّاً للمدّعي على المنكر أو لا؟ قال السيّد الطباطبائي: إنّ القدر المتيقن من سقوط حقّ المدّعي هو عدم جواز المطالبة وعدم جواز المقاصّة، وعدم سماع الدعوى منه بعد الحلف ونحو ذلك ممّا يعدّ معارضة للمنكر كبيع العين أو هبتها من غيره وبيع الدين أو صلحه من الغير وأمّا ما لايعدّ معارضة كإبرائه من الدين أو عتق العبد أو احتساب ما عليه خمساً أو زكاة أو مظالم إذا كان من أهلها فلا مانع منه إذ الإطلاقات منصرفة عنه.(1)

وما ذكره لايخلو من قوّة لانصراف الروايات إلى أنّه لايحقّ له المطالبة وأمّا الاحتساب المذكور فلايعدّ مطالبة بل هو إحسان له بالنسبة وإلاّ يلزم عدم صحّة إبراءه وهو كما ترى.

ومنه يعلم حكم فرع آخر ذكره السيّد الطباطبائي وهو شراء العين المحلوف عليها من الحالف والتصرّف فيها بعده، في ظاهر الشرع وإن كان الشراء باطلاً لأنّ المفروض أنّها باقية على ملكه وكذا يجوز اتهابها منه بل الظاهر جواز التصرّف فيها بإذنه ورضاه وإن كان إذنه بعنوان أنّها له، وهكذا نحو ذلك مما لايعدّ معارضة.(2)

أمّا حرمة مطالبة إعادة المحاكمة

قال المحقق :ولو عاود المطالبة أثم ولم تسمع دعواه.


1 ـ السيّد الطباطبائى، ملحقات العروة: 2/62.
2 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2، المسألة 8/63 في الفصل الرابع.


(379)

إنّ لمطالبة إعادة المحاكمة صورتين:

إحداهما: أن يطالبها مع عدم البيّنة سواء أعادها عند الحاكم الأوّل أو عند حاكم آخر. وذلك لأنّ المفروض ذهاب حقّه باليمين، فلاحقّ حتّى يطالبه.

ثانيهما: أن يطالبه مع إقامة البيّنة وهذا هو البحث التالي.

إذا أقام المدّعي بيّنة بعد حلف المنكر

المشهور أنّه إذا حلف المنكر لاتسمع بيّنة المدّعي.

1ـ قال الشيخ في الخلاف:إذاحلف المنكر ثمّ أقام المدّعي البيّنة بالحقّ لم يحكم له بها. وبه قال ابن أبي ليلى، وداود وقال باقي الفقهاء إنّه يحكم بها، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.

وأيضاً قوله : من حلف فليُصدَّق، ومن حلف له فليرض.ومن لم يفعل فليس من الله في شيء.(1)

2ـ وذهب في المبسوط إلى خلاف ما في الخلاف وقال:إذاعرض اليمين عليه فلم يخل من أحد أمرين إمّا أن يحلف أو ينكل فإن حلف أسقط الدعوى وليس للمدّعي أن يستحلفه مرّة أُخرى في هذا المجلس ولا في غيره اللّهم إلاّ أن يكون له بيّنة عليه فحينئذ يأتي بالبيّنة.(2)

3ـ وذهب المفيد إلى السماع إلاّ إذا شرط المنكر سقوط دعواه باليمين. قال:وإذا التمس المدّعي يمين المنكر فحلف له وافترقا وجاء بعد ذلك ببيّنة تشهد له بحقّه الذي حلف له عليه خصمه، ألزمه الحاكم الخروج منه إليه اللهمّ إلاّ أن يكون المدّعى عليه قد اشترط للمدّعي أن يمحو عنه كتابه عليه، أو يرضى بيمينه


1 ـ الطوسي، الخلاف،:ج3، كتاب الشهادة ، المسألة 40.
2 ـ الطوسي، المبسوط: ج8، كتاب القضاء/158.


(380)

في إسقاط دعواه فإن اشترط له ذلك لم تُسمع بيّنته من بعد، وإن لم يشترط له ذلك سمعت على ما ذكرناه.(1)

4ـ وقال ابن إدريس:وإن قال المدّعي ليس معي بيّنة، وطلب من خصمه اليمين فحلفه الحاكم ثمّ أقام بعد ذلك البيّنة على صحّة ما كان يدّعيه لم يلتفت إلى بيّنته وأبطلت.(2)

5ـ وقال المحقّق :ولو أقام بيّنة بما حلف عليه المنكر لم تسمع وقيل يعمل بها مالم يشترط المنكر سقوط الحق باليمين.(3)

6ـ وقال العلاّمة:وإذا حلف المنكر سقطت الدعوى...ولاتسمع دعواه ولابيّنته ثمّ نقل قولين:

أ: يحكم بالبيّنة إلاّ أن يشترط سقوط الحقّ باليمين.

ب: وتسمع مع النسيان.(4)

7ـ وقال في الإرشاد: ولو أقام المدّعي بيّنته بعد إحلاف الخصم، لم تسمع،وإن لم يشترط سقوط الحقّ باليمين أو نسيها.(5)

8ـ قال في المختلف: اختلف الشيخان فقال المفيدرحمه الله :إذا التمس المدّعي يمين المنكر فحلف له وافترقا فجاء بعد ذلك بيّنة تشهد له بحقّه الذي حلف له عليه خصمه ألزمه الحاكم الخروج منه إليه .اللّهمّ إلاّ أن يكون المدّعى عليه قد اشترط للمدّعي أن يمحو عنه كتابه عليه أو يرضى بيمينه في إسقاط دعواه فإن اشترط له ذلك لم تسمع بيّنته من بعد وإن لم يشترط له ذلك سمعت على


1 ـ المفيد، المقنعة:733.
2 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/159.
3 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/84.
4 ـ العلامة الحلي، القواعد كما في متن مفتاح الكرامة:10/77.
5 ـ العلاّمة: إرشاد الاذهان:2/144.


(381)

ماذكرناه.

وقال الشيخ في الخلاف: إذا حلف المدّعى عليه ثمّ أقام المدّعي البيّنة بالحق لم يحكم له بها وبه قال في النهاية والمبسوط(1) وهو قول ابن الجنيد ونقله عن الباقر والصادقعليمها السَّلام .

وللشيخ في المبسوط قول آخر أنّه إن كان أقام البيّنة على حقّه، غيره وتولّى ذلك الغير الإشهاد عليه ولم يعلم هو أو تولّى هو إقامة البيّنة ونسي فإنّه يقوى في نفسي أنّه يقبل بيّنته فأمّا مع علمه ببيّنته فلايقبل بحال وبه قال أبو الصلاح وابن إدريس (2) وقال ابن البرّاج في الكامل بما ذهب إليه المفيد وبه قال ابن حمزة أيضاًوالمعتمد ما قاله الشيخ في النهاية.(3)

9ـ و قال المحقق الأردبيلي فلو أقامها بعد إحلاف المدّعى عليه لم تسمع سواء شرط سقوط الدعوى أم لا، و سواء قال: كان لي بيّنة و نسيتها ونحو ذلك و طلبت اليمين أم لا. (4)

10ـ وقال السيّد الطباطبائي: فإن حلف سقطت الدعوى في ظاهر الشرع، لكن لايبرأ من الحقّ لو كان كاذباً فيجب عليه التخلّص من حقّ المدّعي، وعلى ذلك فليس للمدّعي بعد الحلف مطالبة حقّه ولامقاصّته ولايجوز له الدعوى ولاتسمع دعواه بالإجماع والنصوص ففي ذيل صحيحة ابن أبي يعفور المتقدّمة بعد قوله:«فلا حقّ له: قلت: وإن كان له بيّنة عادلة قال:نعم فإن أقام بعد مااستحلفه بالله، خمسين قسامة ما كان له حقّ وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه .قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«من حلف لكم بالله فصدّقوه ومن سألكم


1 ـ قد عرفت نص المبسوط وهو على خلاف هذا النقل ولعلّه ذكره في موضع آخر منه.
2 ـ قد عرفت نص السرائر على خلافه ولعلّه ذكره في موضع آخر منه.
3 ـ العلاّمة ، المختلف: الفصل الثالث من كتاب القضاء: 147.
4 ـ الأردبيلي :مجمع الفائدة:12/137.


(382)

بالله فاعطوه وذهبت اليمين بحقّ المدّعي ولادعوى له».(1)

وحصيلة الأقوال:

1ـ عدم السماع مطلقاً.

2ـ السماع مطلقاً

3ـ السماع إلاّ إذا اشترط السقوط.

4ـ عدم السماع إلاّ إذا نسي المدَّعي البيّنة.

5ـ عدم السماع إلاّ إذا تولّى الغير إقامة البيّنة أو نسي المدّعي البيّنة وهو الذي نقله العلاّمة عن المبسوط.

هذه هي الأقوال في المسألة ومنه يعلم عدم وجود إجماع في المسألة سوى الشهرة من عصر المحقّق ولابدّ من دراسة أدلة المسألة:

استدل لعدم السماع، بما رواه ابن أبي يعفور، أعني قوله: «نعم و إن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامة...(2).

أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو السماع خصوصاً إذا كان عدم الإحضار مستنداً إلى عذر مقبول عند العقلاء، كعدم حضورها أو عدم تذكّرها وذلك بوجهين:

1 ـ أنّ نسبة اليمين إلى البيّنة نسبة الأصل إلى الأمارة، فالشارع ابتكر علاجاً خاصّاً لفصل الخصومة عند فقد الدليل الموصل إلى الواقع،ومن المعلوم ارتفاع موضوع الأصل عند وجود الدليل فيكشف عن أنّ القضاء باليمين، لميكن على الوجه الصحيح وإن كان القاضي معذوراً، فإذا تبيّن الخلاف، ينتهي أمد الحكم الأوّل. هذا هو مقتضى القاعدة. ولا يعدل عنها


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/60، المسألة 3.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من ابواب كيفية الحكم، الحديث1.


(383)

إلاّ بدليل قاطع.

2 ـ أنّ مقتضى إطلاق دليل حجية البيّنة، هو لزوم الأخذ بها مطلقاً، سواء حلف أم لم يحلف وبذلك يعلم ضعف ما في المسالك: «إنّ اليمين حجّة للمدّعى عليه، كما أنّ البيّنة حجة للمدّعي وكما لايسمع يمين المدّعى عليه بعد حجّة المدّعي كذلك لايسمع حجّة المدّعي بعد حجّة المدّعى عليه».(1) وذلك للفرق الواضح بين الحجّتين. كما لا يخفى فعدم سماع يمين المدّعى عليه، عند وجود البيّنة، لايكون دليلاً على عدم سماعها عند وجود اليمين لكون النسبة بينهما نسبة الأصل إلى الأمارة.

وليس في مقابلهما سوى موثقة ابن أبي يعفور والعمل بذيلها مشكل حيث قال: «وإن أقام بعد ما استحلفه بالله خمسين قسامه ما كان له» فإنّ القسامة في مورد الدم مقدّمة على الحلف فكيف لا تكون مقدّمة في المقام فإنّ المال ليس بأهم من الدم فاللازم إرجاع علمها إليهمعليهم السَّلام فالأحوط السماع وأولى منه التصالح. كما لا يخفى.

نعم ربّما يستدلّ على السماع بأنّ: « كل حالة يجب عليه الحقّ بإقراره، فيجب عليه بالبيّنة كما قبل اليمين»(2) وأجاب عنه المحقّق الآشتياني: «أنّ المقرّ بإقراره يخرج عن موضوع ما دلّ على عدم جواز ترتّيب أثر الحقّ على المحلوف عليه كذباً، بخلاف البيّنة فإنّ الموضوع في صورة قيامها، باق بحاله فلا يجوز سماعها وترتيب الأثر عليها»(3).

ولكن الإجابة ضعيفة ، لما عرفت من أنّ نسبة اليمين إلى البيّنة إنّما هو نسبة الأصل إلى الأمارة فلا يكون الموضوع باقياً في كلتا الصورتين فالتفصيل بين


1 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/409.
2 ـ المصدر نفسه.
3 ـ الآشتياني: القضاء:112.


(384)

الإقرار والبيّنة مشكل.

وأمّا القول بجواز السماع إلاّ إذا اشترط سقوط الدعوى بالحلف، فمنظور فيه، إذ لو كان السماع جائزاً فإشتراط سقوطه يكون على خلاف السنّة إلاّ إذا رجع الشرط إلى إلزامه اختيار جانب الترك من الجواز من دون أن يمسّ الاشتراطُ كرامةَ الحكم الشرعي، كما أوضحنا حاله في مبحث الشروط في الخيارات.(1)

ومنه يظهر حكم حال النسيان أو تولّي الغير بإقامة البيّنة إذ لا دليل على التفريق بين الذاكر والناسي، أو بين تولّي النفس والغير، إذ لو كان المستند في السماع هو إطلاق دليل البيّنة، فلا وجه للتفريق بين الصورتين، كما أنّ الحال كذلك لو كان المستند في عدم السماع هو موثقة ابن أبي يعفور.

نعم ربّما يكون الشمول في صورة النسيان أولى عند العقلاء كما عرفت سابقاً.

ثم إنّ صاحب الوسائل قال بعد نقل الموثقة قال: «وتقدّم في الوصايا في إشهاد الذميين عليها، ما ظاهره المنافاة لكنّه مخصوص بتلك الصورة».

وقد أشار بذلك إلى مارواه في الباب 21 من كتاب الوصايا من مرفوعة علي بن إبراهيم من أنّ الحكم بعد إحلاف المنكر ينقض بيمين المدّعي في مورد خاص، وهو غير ما نحن فيه من ترتّيب الأثر على البيّنة بعد إحلاف المنكر، ولايصحّ إسراء الحكم منه إلى مانحن فيه إلاّ بدعوى الأولوية وهي ممنوعة، لوجود قرائن في مورد الرواية تدلّ على صدق ادّعاءالمدّعي حيث وجدوا الآنية والقلادة عند المنكر، كما لايخفى، بخلاف موضع إقامة البيّنة.

ومما ذكر يظهر حال ما إذا أقام شاهداً وضمّ إليه اليمين فإنّ حكمه حكم إقامة البيّنة. والأولى التصالح.


1 ـ المختار في احكام الخيار:ص472.
Website Security Test