welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(324)

المسألة الثامنة عشرة: في إحضار الخصم بطلب المشتكي

إذا التمس المشتكي، إحضار خصمه مجلسَ الحكم، فهل يجب مطلقاً، حاضراً كان في ولاية الحاكم أو غائباً ، حررّ الدعوى أو لا، كانت بينهما معاملة أو لا، كانت فيه مشقّة أو لا، أو لا يجب مطلقاً غاية الأمر يبعث إليه ويُعلمه الموقف ويخيّره بين الحضور أو الحكم عليه غائباً. أو يفصِّل بين الحاضر والغائب فلا يُحضر الثاني إلاّ بعد تحرير الدعوى لاحتمال أن لاتكون مسموعة، والإحضار قبل إحراز المشروعية حرج وضرر أو يفصّل بين ما يعلم أنّ بينهما معاملة وعدمه فلايحضره إلاّ في الأوّل وجوه وتفاصيل وإليك نقل الكلمات:

قال الشيخ : إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل وكان المستعدى عليه حاضراً، اعتدى عليه و أحضره سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، وبه قال الشافعي وقال مالك إذا لم يعلم بينهما معاملة لم يحضره لما روي عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال: لايَعْدي الحاكمُ على خصم إلاّ أن يعلم بينهما معاملة ولامخالف له (هذا إذا كان الخصم حاضراً).

وأمّا إذا ادّعى رجل على غيره شيئاًوكان المستعدى عليه غائباً في ولاية


1 ـ المواهب: 413، 416، وقد وردا ضمن المسألة الثالثة والرابعة فلاتغفل.


(325)

الحاكم في موضع ليس له فيه خليفة، ولا فيه من يَصلَح للحكم أن يجعل الحكم إليه فيه، فانّه يُحضره إذا تحرّر دعوى خصمه قريباً كان أو بعيداً وبه قال الشافعي.(1)

حاصله أنّه يحضره مطلقاً إذا كان حاضراًوإلاّ فيحضره بعد تحرير الدعوى.

2ـ وقال في المبسوط : إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل فإن كان حاضر اعتدى عليه واحضره ـ مطلقاً ـ وليس في ذلك ابتذال لأهل الصيانات والمروءات فإنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ حضر مع يهودي عند شريح ... هذا إذا كان المستعدى عليه حاضراً وأمّا إذا كان غائباً في غير ولايته، فإنّه يقضي على غائب وفيه خلاف ، وإن كان غائباًفي ولايته فإن كان له قاض في موضع غيبته ، كتب إليه وبعث بخصمه إليه ليحكم بينهما وإن لم يكن له فيه من يصلح أن يقضي بينهما قال لخصمه : حرّر دعواك عليه.(2)

ومختاره في المبسوط يخالف مختاره في الخلاف في خصوص الغائب حيث اكتفى في الثاني برأي واحد وهو الإحضار بعد التحرير، وجعله في المبسوط شقوقاً ثلاثة:

الف: إذا كان خارج ولايته يُقضى على غائب.

ب: لو كان في ولايته وكان هناك قاض يبعث إليه .

ج: لو لم يكن من يصلح للقضاء، يُحضر بعد التحرير.

3ـ وقال المحقّق: إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم أحضره إذاكان حاضراً أمّا لو كان غائباً لم يَعِده الحاكم حتّى يحرّر دعواه والفرق لزوم المشقة في الثاني وعدمها في الأوّل. هذا كلّه إذا كان في بعض ولايته وليس له هناك


1 ـ الطوسي: الخلاف 3/كتاب القضاء، المسألة 33ـ34.
2 ـ الطوسي، المبسوط:8/154ـ155.


(326)

خليفة يحكم له وإلاّ سمع بيّنته وأرسل إلى خليفته وإن كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه بالحجّة وإن كان غائباً.

وما ذكره المحقّق يوافق المبسوط حيث جعل حكم الغائب شقوقاً ثلاثة فإذا كان خارج ولايته، يقضى عليه غائباً، وإذا كان داخل ولايته فإن كان في موضع إقامته نائب يرسل إليه وإلاّ يحضر بعد التحرير. هذا كلّه في الرجل وأمّا المرأة فقال المحقّق:

ولو ادّعى على امرأة فإن كانت برزة فهي كالرجل وإن كانت مخدّرة بعث إليها من ينوبه في الحكم بينها وبين غريمها.(1)

4ـ وقال العلاّمه: وإذا سأل الخصم إحضار الخصم مجلس الحكم اجيب مع حضوره وإن لم يحرّر الدعوى ولايجاب في الغائب إلاّ مع التحرير، ولو كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه وإن كانت امرأة مبرزة كلّفت الحضور وإلاّانفذ من يحكم بينهما.(2)

وقال الشهيد الثاني: إذا كان الخصم في البلد وجب إحضاره مطلقاً عند علمائنا وأكثر العامّة وقال مالك : إن كان من أهل المروات لم يحضره إلاّ أن يعرف بينهما معاملة صيانة له من الابتذال (ثمّ ذكر بعد بيان كيفية الإحضار) وإن كان في خارج ولايته فإنّ له أن يحكم عليه بشرائط القضاء على الغائب، وإن كان في داخل ولايته فإن كان له نائب لم يحضره بل يسمع البيّنة ويكتب إليه، فإن لم يكن هناك نائب فإن كان من يصلح للاستخلاف، استخلفه وأذن له في القضاء بينهما وإلاّ طولب المدّعي بتحرير الدعوى فقد تكون غير مسموعة.(3)

وما ذكره قريب ممّا ذكره في المبسوط غير أنّه جعل للغائب صوراً أربع.

أقول: إنّ المسألة ممّا لم يرد فيه نصّوما ذكر من الأقوال، اصطياد من


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/79.
2 ـ العلاّمة الحلي: إرشاد الأذهان2/142.
3 ـ زين الدين العاملي:المسالك: 2/405.


(327)

القواعد العامّة ولكل ذوقه وفهمه.

أمّا الحاضر في البلد، فلاشكّ أنّ القضاء شُرّع لسماع الدعاوي من الطرفين وهو يقتضي إخبارها بالموضوع ليحضرا حتّى يسمع القاضي كلامهما في مجلس الحكم ولأجل ذلك يقول ابن سعيد الحلي:«وينبغي أن لايحكم بين الخصمين إلاّ في مجلس حكم»(1)، ولكنّه إن احرز أنّ الدعوى مسموعة، سواء كان صاحبها محقّاً أو لا فيشرع من الإخطار إلى الإحضار وأمّا مع الشكّ فيها، فجواز الإحضار فضلاً عن وجوبه موضع تأمّل وذلك لأنّ الحاضر لاتخلو حاله عن أمرين إمّا أن يكون الحضور عليه حرجياً أو ضررياً فإيقاعه في الضرر والحرج القطعيين بمجرّد احتمال كون دعواه مسموعة، غير جائز قطعاً إذ معناه تقديم محتمل الضرر على قطعيه إلاّ أن يكون المحتمل أقوى، ولايعلم إلاّ بعد بيان الدعوى وتحريرها والمفروض عدمه.

وأمّا غير المتضرّر، فإيجاب الحضور عليه، بلا حجّة (الدعوى المسموعة)يحتاج إلى الدليل ولأجل ذلك يجب أن يقيّد الوجوب إمّا بتحرير الدعوى أو وقوف القاضي من القرائن على أنّ الدعوى مسموعة وإن لم يميّز المحقّ عن المبطل لأنّ سماع الدعوى غير كون مدّعيها محقّاً فعند ذلك يخبره ويطلب منه الحضور وإلاّ يحضره على نحو يجمع بين حقّ صاحب الدعوى وكرامة المستعدى عليه بخلوّ إحضاره من أيّ إهانة أوابتذال وإسقاطه عن عيون الناس، وبما أنّ حضور الخصم مقدّمة القضاء لا نفسه يتخيّر القاضي في الوصول إليه بين صورها المختلفة .(2)

والاستدلال باجتماع علي ـ عليه السلام ـ مع أحد الرعايا مجلس شريح، لايصلح دليلاً، لأنّه ـ عليه السلام ـ كان مدّعياً، لامنكراً، وكان مستعدياً لامستعدى عليه .

هذا كلّه حول الحاضر بكلا قسميه من المتضرّر وغيره فالشرط الوحيد هو إحراز كون الدعوى مسموعة. ولكن لمّا كان الحضور مقدّمة للقضاء يتوصّل


1 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع:525.
2 ـ لاحظ مجمع الفائدة: 12/92.


(328)

القاضي لتحصيل المقدّمة، أسهلها وأبعدها عن الوهن، وهو يختلف حسب اختلاف الأمكنة والأزمنة فيبدأ بأسهل الطرق، وينتهي إلى الجلب إلى المحكمة ولكل محلّه وشرطه .

وأمّا الغائب فسيوافيك عنه البحث تبعاً للشرائع تحت عنوان «مسائل تتعلّق بالحكم على الغائب».(1)

***


1 ـ لاحظ الجواهر: 40/220.


(329)

النظر الثالث
في كيفية الحكم

وفيها مقاصد

المقصد الأوّل: في وظائف الحاكم وهي سبع:

الأُولى: التسوية في أنواع الإكرام بين المتخاصمين

من آداب مجلس الحكم رعاية القاضي التسوية بين المترافعين في أنواع الإكرام وهل هي واجبة أو مستحبّة، أو يفصّل بين الإنصات والعدل في الحكم فهما واجبان لأنّ الإنصات بمعنى استماع الدعوى وجوابها وهو واجب. وجوه وعبارات الأصحاب مختلفة بين ظاهرة في الوجوب، وصريحة في الاستحباب أو في التفصيل:

1ـ قال الشيخ: على الحاكم أن يسوّي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والنظر إليهما، والإنصات إليهما والاستماع منهما والعدل في الحكم بينهما. روت أُم سلمة أنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: من ابتلى بالقضاء بين الناس فليعدل بينهم في لحظه وإشارته،ومقعده فلا يرفعن صوته على أحدهما بما لايرفع على الآخر، وكتب بعض الصحابة إلى قاضيه كتاباً طويلاً. فقال فيه واس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لاييأس ضعيف من عدلك ولايطمع


(330)

شريف من حيفك.(1)

2ـ قال المحقّق: «التسوية بين الخصمين في السلام والجلوس والنظر والكلام والإنصات والعدل في الحكم»(2) ولعلّ عطف الأخيرين الواجبين على غيرهما ظاهر في كون التسوية واجباً في الجميع.

3ـ قال العلاّمة: وتجب على الحاكم التسوية بين الخصمين إن تساويا في الإسلام والكفر، في القيام و النظر، وجواب السّلام وأنواع الإكرام والجلوس والإنصات والعدل في الحكم.(3)

4ـ وقال في الإرشاد: إذا حضر الخصمان بين يديه سوى بينهما في السّلام والكلام والقيام والنظر وأنواع الإكرام والإنصات والعدل في الحكم.(4)

والعبارتان الأخيرتان صريحتان في الوجوب وأمّا عبارة المحقّق فمحتملة له، وسيوافيك في الوظيفة الثالثة أنّه جوّز تخصيص الخطاب بأحد المترافعين وهو يوافق استحباب التسوية لا وجوبها وممّن قال بالاستحباب: سلاّر، وابن ادريس.

5ـ قال سلاّر:وليكن نظره إليهما متساوياً ومجلسهما كذلك ... فهذا كلّه ندب.(5)

6ـ وقال ابن إدريس: ويستحبّ أن يكون نظره إليهما واحداً ومجلسهما بين يديه على السواء لا أنّ ذلك واجب على ما يتوهمه من لا بصيرة له بهذا الشأن.(6)

استدلّ على الحكم بروايات غير نقيّة السند، لكن التعاضد وإتقان المضمون، يدلّ على الصدور خصوصاً ما رواه سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ :واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتّى لايطمع قريبك


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/139، والمقصود من «بعض الصحابة» هو أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ على ما في رواية سلمة بن كهيل.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/80.
3 ـ العاملي، مفتاح الكرامة: 10/30، قسم المتن.
4 ـ العلاّمة الحلي، إرشاد الأذهان: 2/140.
5 ـ سلاّر الديلمي، المراسم:231.
6 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/157.


(331)

في حيفك ولاييأس عدوك من عدلك.(1)

يلاحظ عليه : أنّ في السند عمرو بن أبي المقدام، وهو لم يوثق وكون الراوي من أصحاب الإجماع كالحسن بن محبوب ليس دليلاً على كون المرويّ عنه ثقة كما أوضحنا حاله في كتابنا :«كليّات في علم الرجال»: أضف إلى ذلك أنّ «واس» الذي هو لغة في«اس» بمعنى التعاون من واسى الرجل بمعنى عاونه وهو غير المساواة، على أنّه غير مختصّ بمجلس المرافعة، والتعليل يناسب كونه مستحبّاً، لأنّ الواجب على القاضي، هو الحكم بالعدل، فلوقام بعمل طمع القريب في حيفه، ولكنّه لم يحف ، ليس عليه شيء. كلّ ذلك دليل على أنّ هذه الأُمور مستحبّة إلاّ ما دلّ الدليل على وجوبه كالإنصات والعدل في الحكم.

ومنه يظهر حال ما رواه السكوني.(2)

وقال المحقّق الأردبيلي:إنّ ظاهر الرواية (السكوني) الوجوب ولكن ـ للندرة وضعف السند والأصل وورود الأمر للندب كثيراًخصوصاً في مقام بيان الآداب الأعم ـ حملت على الندب (3) نعم لو انتهى ترك العمل بها إلى تحقير الآخر وإهانته يحرم .

و قد استثنى من ذلك أمران:

1ـ التسوية في الميل القلبي لأنّ ذلك غير مقدور.

2ـ تفضيل المسلم على الكافر فلا مانع من كون الكافر قائماًوالمسلم جالساً ليميّزا و لكنّه لايكون دليلاً على العدول عن الحقّ وقضيّة الإمام مع يهودي حضر لدى شريح معروفة.(4)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
2 ـ نفس المصدر ، الباب 3 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2ـ3.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/54.
4 ـ الطوسي: المبسوط:8/149، وابن قدامة، المغني: 11/444.


(332)

الثانية : في تحريم تلقين أحد الخصمين على الآخر

قال الشيخ: إذا جلس الخصمان بين يديه لم يكن له أن يلقّن أحدهما ما فيه ضرر على خصمه ولا يهدي إليه ،مثل أن يقصد الإقرار فيلقّنه الإنكار، أو يقصد اليمين فيلقّنه ألاّ يحلف.(1)

قال المحقّق: « لايجوز للحاكم أن يلقّن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه ، ولا أن يهديه لوجوه الحجاج»(2) ،أي ليس له أن يعين المدّعي في ادّعائه ليكون ادّعاؤه مسموعاً، كما إذا ادّعى بطريق الاحتمال فيعلمه أن يدّعي بالجزم حتّى تكون دعواه مسموعة، ولا أن يعين المنكر في إنكاره. كما إذا قال له المدّعي، أقرضته كذا درهماً، فأراد المدّعى عليه أن يقول، بأنّه أدى دينه وبما أنّ هذا النمط من الجواب يجعله مدّعياً لايقبل منه إلاّ بالبيّنة، يُعلمه القاضي لينكر الدين من أساس . كلّ ذلك إدخال ضرر على الخصم وإرشاد لأحد المترافعين ليغلب على الآخر، فالجملتان (3) في عبارة المحقّق تشيران إلى معنى واحد ودليل التحريم كونه مخالفاً لشؤون القضاء وهو المحايدة وأين هي من تلقين الحجّة على أحد المتخاصمين ـ مضافاً إلى احتمال إيراد الضرر على خصمه، وأمّا ما ذكره المحقّق من أنّه يفتح باب المنازعة وقد نصب لسدّها فليس بكاف إذ لادليل على تحريمه مالم ينجر إلى إبطال الحقوق.

نعم لابأس بالاستفسار والتحقيق وإن استفاد منه الخصم، كما أنّه لا بأس بالتلقين، إذا علم أنّه الحقّ ولايلزم منه فتح باب المنازعة.

هذا كلّه في القاضي وأمّا الوكيل فهو على طرف النقيض من الحيادة، فله أن يعلمه ويلّقنه طريق الغلبة ، مالم يقف على فساد الدعوى وإلاّ فيحرم الدفاع عنه


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/150.
2 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/80.
3 ـ التلقين، والهداية و حاول في مفتاح الكرامة أن يفرّق بينهما بوجه غير مهمّ فلاحظ ج10/34.


(333)

الثالثة : في عدم مواجهة أحدهما بالخطاب

قال المحقّق: إذا سكت الخصمان استحب أن يقول لهما تكلّما أو ليتكلّم المدّعي، ولو أحسّ منهما أنّ سكوتهما بسبب احتشامه، أمر من يقول ذلك ويكره أن يواجه بالخطاب أحدهما لما يتضمّن من إيحاش الآخر.(1)

وذكر العلاّمة صدر الكلام وترك ذيله أي قوله: «ويكره أن يواجه أحدهما بالخطاب» ولو كانت التسوية واجبة لماجاز أن يخصّ أحدهما بالخطاب إلاّ أن يجعل ذلك قرينة ، على كون التسوية لدى المحقّق مستحبّة.

ويظهر من الشيخ أنّه على الحرمة قال: «ولايقول لواحد منهما تكلّم لأنّه إذا أفرده بالخطاب كسّر قلب الآخر».(2)

ولكن الكراهة أظهر وقد مرّ عدم الدليل الواضح على وجوب التسوية في غير الإنصات والعدل في الحكم.

الرابعة: في الدعوة إلى الصلح

قال المحقّق: إذا ترافع الخصمان وكان الحكم واضحاً لزمه القضاء ويستحبّ ترغيبهما في الصلح فإن أبيا إلاّ المناجزة، حكم بينهما.(3)

وقال العلاّمة: وإذا اتّضح الحكم وجب، ويستحبّ الترغيب في الصلح وإن أشكل أخّر إلى أن يتّضح.(4)

إذا ظهر للحاكم ـ بعد تحرير الدعوى والمنازعةـالحكم الحقّ، يحب عليه الحكم به ـ إذا طلب المحكوم له ـ لا مطلقاًكما سيوافيك وكونه فورياً لأجل أنّه


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/80.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/150.
3 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/81.
4 ـ العلاّمة الحلي، إرشاد الأذهان: 2/141.


(334)

حقّ مطالب ولامسوّغ للتأخير، كما أنّه إذا لم يظهر الحكم الحقّ، فعليه أن يتأمّل ويجتهد ويطالع ويباحث العلماء حتّى يظهر الحكم .إنّما الكلام استحباب الدعوة إلى الصلح بعد ظهور الحكم وطلب المحكوم على وجه لاينافي الفورية العرفية وما في المسالك من أنّ الترغيب إلى الصلح ، ينافي الفورية وإلاّ لم يصحّ الاشتغال عنه بالترغيب في الصلح، ليس بتام لعدم منافاته مع الفورية العرفية .

ويمكن استظهار الاستحباب مما نذكر.

1ـ عمومات الدعوة إلى الصلح ، منها: ما رواه اسحاق بن عماّر عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله عزّ وجلّ: «وَلا تَجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ»(1) قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل عليّ يمين أن لا أفعل.(2)

ومعنى الآية لاتجعلوا اليمين بالله مانعاً عن البرّ والتقوى والصلح لئلاّ تبرّوا و تتّقوا، نظير قوله سبحانه «يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا...» (النساء/176) أي لئلاّ تضلّوا، والآية نزلت في عبد اللّه بن رواحة حلف أن لايدخل ... ولايكلّمه ولايصلح بينه وبين امرأته فكان يقول إنّي حلفت بهذا فلايحلّ لي أن أفعل فنزلت الآية.(3)

2ـ لولا الترغيب إلى الصلح ربّما يتوجّه إلى المنكر الحلف وهو مكروه وإن كان صادقاً.(4)

الخامسة: فيما إذا ازدحمت جماعة من المدّعين

إذا ورد الخصوم إلى المحكمة متعاقبين وعُرف المتقدِّم والمتأخر بُدِئ بالأوّل


1 ـ البقرة/224.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 1 من أبواب الصلح ، الحديث 5 ولاحظ روايات الباب .
3 ـ الطبرسي:1/322، ط صيدا.
4 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 1 من أبواب كتاب الأيمان ، لاحظ أحاديثه.


(335)

فالأوّل.

فإن وردوا جميعاً ، أو لم يُعْرَف الترتيب فقد ذكر المحقّق لحلّ مشكلة الترتيب وجهين:

1ـ يُقْرع بينهم.

2ـ تكتب أسماء المدّعين ولايحتاج إلى ذكر الخصوم، وقيل يذكرهم أيضاً لتنحصر الحكومة ويجعلها تحت ساتر ثمّ يُخْرج رُقعة رقعة ويستدعي صاحبها.

ما هو الفرق بين الطريقين وهل الطريق الثاني أيضاً نوع إقراع، والظاهر أنّه كانت للقرعة في الأعصار السابقة صورة خاصّة من وضع الرقاع في بنادق(1)من طين وسترها ونحو ذلك بخلاف الصورة الثانية فإنّها ليست إلاّكتابة أسماء المدّعين في رقاع وصبُّها تحت يدي القاضي مستورة ليأخذها واحدة واحدة ويسمع دعوى من خرج اسمه في كلّ مرتبة وهذا في الحقيقة ضرب من القرعة لا على الوجه المشهور.(2).

وكان تعبّدهم بالصورة الأُولى على حدّ نقل المحقق أنّه إنّما يعمل بالصورة الثانية إذا تعسّرت القرعة بالصورة الأُولى ونسبه في المسالك إلى المشهور.

أمّا لزوم تقديم السابق وروداً فلأجل أنّه يوجد السبق حقّاً للسابق في نظر العرف والعقلاء بحيث يرون التخلّف عنه ظلماً وتعدّياً وهذا كاف في لزوم العمل به وإذا كان عندهم كذلك فليس للقاضي التجاوز عنه فيعمّه قوله سبحانه:«فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقّ» (ص/26) فيشمل أيضاً ما يعدّ حقّاً في نظر عامّة الناس بفطرتهم.

وأمّا إذا لم يعلم السبق فبما أنّ المقام مظنّة التنازع فالإقراع، الطريق الوحيد لرفعه نعم المتقدّم بالسبق أو القرعة إنّما يقدّم في دعوى واحدة فإن كان له دعوى


1 ـ البندق كلّ ما يرمى به من رصاص كرويّ وسواه.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/405.


(336)

غيرها، يحضر في مجلس آخر، ويكفي في لزوم عدم الاشتغال به. إنّ العدول عنه يعدّ تعدّياً إلاّ إذا لم يتوقف على صرف وقت كثير يعدّ تضييعاً لحقّ الآخرين.

هذا ما يرجع إلى السابق أمّا في محاكم اليوم، فيراعى الترتيب حسب تسلسل ورود الشكوى لدائرة استلام المرافعات.

ومع ذلك فربّما يرى القاضي أنّ التأخير في القضاء، يوجّه ضرراً كثيراً بالنسبة إلى أحد المترافعين أو أنّ المتّهم سوف يترك ولاية القضاء فلاتصل اليد إليه، فعند ذلك يقدّم ما هو الأصلح للقضاء. أو أنّ الاشتغال بالمرافعة المتأخّرة، يكون مؤثّراً في حلّ المرافعة الأُولى أو انّ التحقيق بعدُ لم يتمّ من حيث تكميل ملفّ المرافعة ففي جميع ذلك يكون للقاضي، العدول عن السابق إلى اللاحق.

السادسة : في قطع كلام المدّعي بطرح دعوى جديدة

إذا كان المتقدّم من المدّعيين أحقّ في طرح الدعوى وسماع القاضي منه من غيره، يترتب عليه أنّه لو قطع المدّعى عليه، دعوى المدّعي بدعوى، لم تسمع حتى يجيب عن الدعوى وتنتهى الحكومة فإنّه حينئذ مدّع متأخّر عن الأوّل فلاتسمع دعواه مالم يفرغ القاضي عن الحكومة في الاولى إلاّ إذاكانت بين الدعويين صلة، ربّما تلقى الثانية ضوءاً في حال الدعوى الأُولى فلا مانع عندئذ من استماعها.

نعم بعد الفراغ، يستأنف هو دعواه الثانية إن لم يكن هناك مدّع متقدّم.

السابعة: فيما إذا سبق أحد الخصمين بالكلام

لاشكّ أنّ المدّعي هو الأحقّ بالابتداء بالكلام لأنّه المشتكي هو وإذا ترَكَ تُرِكَ ، لكن إذا تنازع الخصمان وزعم أنّ كلّ واحد منهم هو المدّعي نظر، فإن سبق أحدهما بالدعوى، لم يلتفت إلى قول الآخر الذي يقول :أنا المدعي بل عليه أن


(337)

يجيب ثمّ إن شاء طرح الدعوى.

لكن إذا لم يبتدئ واحد منهما بالدعوى فلابدّ في ترجيح أحدهما على الآخر، من مرجّح، فقيل: يقدّم من كان جالساً على يمين خصمه ويكون بالطبع أمام يسار القاضي . قال الشيخ : إذا حضر اثنان عند الحاكم معاً في حالة واحدة كلّ واحد منهما يدّعي على صاحبه، من غير أن يسبق أحدهما بها. روى أصحابنا أنّه يقدّم من هو على يمين صاحبه واختلف الناس في ذلك على ما حكاه ابن المنذر، فقال: منهم من قال: يُقْرع بينهما وهو الذي اختاره أصحاب الشافعي وقالوا: لا نصّ فيها عن الشافعي ، ومنهم من قال:يُقدِّم الحاكم منهما من شاء، ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا، ومنهم من قال :يستحلف كل واحد منهما لصاحبه. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم ولو قلنا بالقرعة كما ذهب إليه أصحاب الشافعي كان قوياً لأنّه مذهبنا في كلّ أمر مجهول.(1)

فظهر أنّ هنا قولين:

1ـ يقدِّم قول الجالس عن يمين الخصم.

2ـ يقرع، ودليل القول الثاني واضح أشار إليه الشيخ في كلامه إنّما الكلام في دليل القول الأوّل.

فقد استدل للأوّل بمارواه الصدوق بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قضى رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم أن يقدّم صاحب اليمين في المجلس بالكلام.(2)

و رواه ابن الجنيد عن كتاب الحسن بن محبوب عن محمد بن مسلم (3) وسند الصدوق إلى محمّد بن مسلم غير نقي، وسند ابن الجنيد إلى الحسن بن محبوب غير


1 ـ الطوسي، الخلاف: 3/319، كتاب القضاء، المسألة 32، ولاحظ المبسوط: 8/154.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.
3 ـ المرتضى، الانتصار: 244.


(338)

معلوم لنا وهل المراد يمين الخصم، أو يمين القاضي وليس صريحاً في يمين صاحبه كما عبّر به الشيخ في الكتابين.نعم على ما قرر السيّد المحقّق البروجردي من أنّ الصدوق نقل الأحاديث عن الكتب الثابتة إسنادها إلى مؤلفيها (كما صرّح به الصدوق في أوّل الفقيه). وأنّ ذكر الاسناد إلى مؤلفي هذه الكتب تبرّعي لاإلزامي، يرتفع الإشكال في السند.

روى الصدوق بسند صحيح عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: «إذا تقدّمتَ مع خصم إلى وال أو إلى قاض فكن على يمينه يعني يمين الخصم» والظاهر أنّ التفسير من الصدوق وعلى فرض صحّته لايدلّ على أنّه كان مدّعياً وأنّ له حقّ السبق بالكلام .ولو قيل بالقرعة أو فوّض الأمر إلى اختيار القاضي لكان أحسن أيضاً.

إذا كثر المدّعون، ووردوا مجتمعين، فقد تقدّم أنّ القاضي يقرع بأحد النحوين، فيقدّم في الاستماع من خرج اسمه لكن لو افترضنا أنّ بين المدّعين مسافراً أو مرأة ربّما يكون تأخير سماع دعواهما، سبباً لوقوعهما في الضرر والحرج الشديدين فيقدّما على غيرهما وربّما يقال بعدم اقتضاء ذلك سقوط حقّ الآخر، ويمكن أن يقال: إنّما يرجع إلى القرعة إذا لم يكن هناك مرجّح شرعي والمفروض تضرّرهما دون الآخرين، وعلى ذلك لايختصّ الحكم بالمسافر ولا بالمرأة بل يعمّ كل مورد يصاحب الضرر، لو أخّر، وهل يمكن إسراء الحكم إلى ما كان المتضرّر متأخّراً قطعاً، أو لا؟ وجهان:

كراهة الشفاعة للقاضي

ذكر المحقّق أنّه يكره للحاكم أن يشفع في موردين:

1ـ إسقاط حقّ بعد ثبوته

2ـ إبطال دعوى قبل ثبوتها


(339)

لقول النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لأُسامة: يا اسامة لاتسألني حاجة إذا جلست مجلس القضاء فإنّ الحقوق ليس فيها شفاعة.(1)والحديث أجنبيّ عن المقام لكون البحث في شفاعة القاضي، لا شفاعة الغير عند القاضي.

وقد سبق في الوظيفة الرابعة: أنّه إذا ترافع الخصمان وكان الحكم واضحاً يستحبّ ترغيبهما في الصلح، وعند ذلك يقع الكلام في كيفية الجمع بينهما ويمكن الجمع بوجهين:

1ـ إنّ الترغيب إلى الصلح قبل الحكم بالحقّ وإن كان واضحاً عند القاضي بخلاف المقام فإنّ الشفاعة بعده.(2)

2ـ إنّ الترغيب إلى الصلح راجع إلى حقوق الناس بخلاف المقام فإنّه راجع إلى حدودالله.

على أنّ القاضي إذا أعياه الأمر ولميجد طريقاً صحيحاً للقضاء يأمر بالصلح أيضاً.

المقصد الثاني:

في مسائل متعلّقة بالدعوى
وهي خمس:

الأُولى:لا تسمع الدعوى إذا كانت مجهولة

يشترط أن يكون المدّعى به معلوماً بالجنس والنوع والوصف والقدر كما عن الشيخ وأبي الصلاح وابني حمزة وزهرة وإدريس والفاضل في التحرير، والتذكرة


1 ـ النوري، المستدرك:الجزء17، الباب 11من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.
2 ـ لاحظ الوسائل: الجزء 18، الباب 20 من أبواب مقدّمات الحدود.


(340)

والدروس فلاتسمع إذا كان مجهولاً كما إذا ادّعى فرساً أو دابّة أو ثوباً أو شيئاً.(1)

1ـ قال الشيخ إنّ ما يدّعيه لم يخل من أحد أمرين إمّا أن يكون أثماناً أو غيرها فإن كان أثماناً فلابدّ من ثلاثة أشياء يكون بها معلومة وهو أن يذكر القدر والجنس والنوع ، فالقدر ألف، والجنس دراهم ، والنوع راضية أو عزيّة.

وأمّا إذا كانت من غير الأثمان فقسّمها إلى القائمة والتالفة، والقائمة إلى ما يمكن ضبطها بالصفات كالحبوب والثياب فيذكر صفاتها وإلى ما لايمكن فليذكر القيمة، ثمّ قسم التالف إلى مثلي يذكر صفاته وقيمي يذكر قيمته.(2)

2ـ وقال عماد الدين الطوسي:ولايجوز سماع الدعوى غير محرّرة إلاّ في الوصيّة وإنّما تتحرّر الدعوى في الدين بثلاثة: قدر المال والجنس والنوع وربّما احتاج إلى وصف رابع إذا اختلف النوع مثل من ادّعى مائة درهم فلاني وكان بين الصحيح والعلّة تفاوت.(3)

3ـ وقال ابن إدريس: فإن كان أثماناً فلابدّ من ذكر ثلاثة أشياء تكون معلومة وهو أن يذكر القدر والجنس والنوع وأمّا إن كانت غير الأثمان فقد ذكر نفس ما ذكره الشيخ في المبسوط.(4)

4ـ وقال المحقّق: لاتسمع الدعوى إذا كانت مجهولة مثل أن يدّعي فرساً أو ثوباً ويقبل الإقرار بالمجهول ويلزم تفسيره وفي الأوّل (عدم قبول الدعوى المجهولة) إشكال.(5)

ولعلّ المحقّق أوّل من خالف الرأي السائد قبله إذ أيّ فرق بين الدعوى


1 ـ النراقي، المستند: 2/513ـ514 ; والسيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/38.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/156ـ157 بتلخيص.
3 ـ عماد الدين، الوسيلة: كتاب القضاء216.
4 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/178.
5 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/82.


(341)

والإقرار، فإنّ الأوّل لايقبل، والثاني يقبل لكن يلزم بتفسيره وربّما قيل إنّ الفرق وهو أنّ إقرار المقرّ يسمع إذ لو ردّ ربّما يرجع عن إقراره فلأجل ذلك يقبل، حتى يفسره بخلاف ادّعاء المدّعي فبما أنّه لصالحه، فلو لم يقبل يرجع ويدّعي شيئاً معلوماً، إذ له داع لأخذ حقّه من غيره.

يلاحظ عليه: أنّ المهم ، شمول الأدلّة للمجهولة منهما أوّلاً، ولا اعتبار بهذه الاستحسانات ثانياً.

والأولى أن يقال: يجب أن تكون الدعوى ذات أثر شرعي فلو ادّعى على رجل شيئاً لا أثر شرعي لها كما إذا قال لي عنده شيء، وهو مردّد بين ما له القيمة وما ليس له قيمة، فلاتشمله الأدلّة وأمّا إذا كان مع كونه مجهولاً، ذا أثر شرعي فيقبل وإن كان مجهولاً من جهة ومعلوماً من جهة أُخرى كما إذا ادّعى أنّ له على زيد ثوباً أو دابّة فيقبل الادّعاء فإن قامت البيّنة على تعيين المدّعى به من حيث الخصوصيات التي تختلف بها القيم، وإلاّ فيُلزم بالأقلّ قيمة من محتملات الثياب أو الدواب لاالخارج عنهما وتحتمل القرعة فإذا ادّعى أنّ له عليه ثوباً لكن نسي خصوصياته، وكان المدّعى به محتملاً بين ثياب أو دوابّ مختلفة محدودة فإن كان موجوداً يقرع بين الثياب أو الدواب، فإن تلف فإن اتّفقا في القيمة وإلاّ، فيدفع الأقل.

الثانية: إيراد الدعوى بصيغة الجزم

من شروط صحّة طرح الدعوى إيرادها بصيغة الجزم وعليه لفيف من الفقهاء فلايصحّ أن يقول: أظنّ أو أتوهّم كذا سواء أكان في قلبه جازماً أو لا:

1ـ قال المحقّق:ولابدّ من إيراد الدعوى بصيغة الجزم فلو قال: أظنّ أو أتوهّم لم تُسمع وكان بعض ما عاصرناه يسمعها في التهمة ويحلف المنكر. وهو بعيد عن شبه الدعوى.(1)


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/82.


(342)

2ـ وقال العلاّمة :لايجوز أن يعتمد على خطّه إذا لم يتذكّر.

وقد تتبّع المحقّق النراقي الأقوال في المسألة وتبعه السيّد الطباطبائي وهي لاتتجاوز عن ستّة.

1ـ لاتسمع الدعوى الظنيّة والوهمية.

2ـ تسمع مطلقاً لو كانت احتمالية.

3ـ تسمع في صورة التهمة.

4ـ تسمع في صورة الظنّ.

5ـ تسمع فيما يخفى ويعسر الاطّلاع عليه كالقتل والسرقة ونحوهما دون ما لايخفى.

6ـ تسمع عند احتمال الإقرار أو وجود البيّنة أو ادّعاء المدّعي أحدهما فإن تحقّق وإلاّ سقطت، كما تسقط مع عدم احتمال شيء منهما من الأوّل.(1)

إنّ الظاهر من كلماتهم أنّ وجه الاشتراط أحد أمرين: إمّا لعدم صدق الدعوى إذا لم يكن جزم في عرضها، أو لعدم ترتّب أثرها عليه من حلف المدّعي إذا ردّ المنكر عليه، أو القضاء بالنكول، فلايصحّ للمدّعي الحلف لعدم علمه بصحّة الدعوى كما أنّه لو قضى القاضي بالنكول لما صحّ له التصرّف في المدّعى به للوجه المذكور، فلأجل ذينك الوجهين التزموا باشتراط الجزم في صيغة الدعوى مطلقاً أو في بعض الموارد كما عرفت في الأقوال.

غير أنّ هذه الوجوه غير صالحة للاستدلال.

أمّا الأوّل فيمنع عدم صدق الدعوى مع الظنّ والتهمة ولايمكن إنكاره بل تطلق عليه الدعوى في مقام التهمة وغيرها ولأجل ذلك يجوز تحليف الأمين مع


1 ـ النراقي، المستند: 2/514، والسيد الطباطبائي ، ملحقات العروة:2/42 والقول الأخير لوالد النراقي ، أعني: الشيخ مهدي النراقي في المعتمد فإذا كان للولد« المستند»فللوالد«المعتمد».


(343)

التهمة كما في غير واحد من الروايات.

روى بكر بن حبيب: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : اعطيت جبّة إلى القصار فذهبت بزعمه قال:إن اتّهمته فاستحلفه، وإن لم تتّهمه فليس عليه شيء.(1)

كلّ ذلك يدلّ على أنّه لايشترط في طرح الدعوى الجزم بالصيغة بل يكفي كون الدعوى مقبولة عند العقلاء.

نعم فرق بين المقام ومورد الرواية فإنّ الحالف فيها، هو المدّعي ، أعني: القصّار و الحائك اللذين يدّعيان أنّ الثوب قد سُرِقَ، بخلاف المقام فإنّ الحالف ـ لو قلنا بسماع الدعوى ـ هو المنكر ، دون المدّعي ولكن وجه الاستدلال غير مبني على التماثل بين البابين من جميع الجهات بل من جهة أنّه يجوز طرح الدعوى مع عدم الجزم بهما .

وأمّا الثاني والثالث: أي قبول اليمين المردودة من المنكر، أو القضاء بالنكول فلانلتزم بكونها من آثار الدعوى على وجه الإطلاق لأنّه إنّما يحلف باليمين المردودة أو يُقضى بالنكول إذا لم يكن هناك مانع وهو في المقام موجود لأنّ المفروض عدم جزم المدّعي بالمدّعيبه فكيف يحلف ، أو يتصرّف فيما قُضي له بالنكول.

هذا هو إجمال الكلام في المسألة وتحقيق الحقّ يقتضي التفصيل وهو.

لاشكّ أنّه إذا علم بالحقّ، صحّ له طرح الدعوى على وجه الجزم كما أنّه إذا علم بعدمه يحرم عليه طرح الدعوى مطلقاً إنّما الكلام فيما إذا لم يكن له علم جازم أي العلم حسب اصطلاح المنطقيين فهنا صورتان:

الأُولى: إذاكانت معه حجّة شرعية كما إذا قامت البيّنة على كونه مديوناً أو دلّ الاستصحاب على كونه كذلك، أو أقرّ خارج مجلس الحكم ، أو وجد بخطّه أو


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 29، من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 16، ويلاحظ الحديث 17و12.


(344)

خطّ المدّعى عليه أنّه مديون وأمن من التزوير فإنّه حجّة عقلائية بلا كلام.

الثانية: إذا لم تكن له حجّة شرعية أو بيّنة عقلائية بل لم يكن له إلاّ مجرّد احتمال يحتمل معه انتهاء الأمر إلى إقرار المدّعى عليه بالدين ونحوه والكلام في كلّ منهما يقع في موردين:

تارة في جواز طرح الدعوى من جانب المدّعي وعدمه وأُخرى، في جواز سماع الدعوى للقاضي وعدمه، وبعبارة أُخرى يقع الكلام تارة في الحكم التكليفي للمدّعي، وأُخرى في الحكم الوضعي للقاضي من حيث وجوب السماع واعمال قواعد القضاء فلنبحث عن الصورتين واحدة بعد الاخرى.

الأُولى :إذا كانت للمدّعي حجّة شرعية

أمّا جواز طرح الدعوى فلا شكّ في أنّه إذا كان للمدّعي حجّة شرعية، أنّ له حق المطالبة وطرح الدعوى باحدى الصور التالية :

1ـ أن يطرح الدعوى بصورة الاخبار ويقول:لي على فلان دينار، من دون أن يذكر مصدرها.

2ـ تلك الصورة ، لكن يضمّ إليها ذكر المصدر، ويقول: لي على فلان دينار، لقيام البيّنة.

3ـ أن يطرح الدعوى بصورة الإنشاء، ويقول خطاباً للقاضي : أُطْلب من فلان ديناراً. وإن لم يكن له علم وجداني، إذ يكفي في عدم صدق الكذب استناده إلى الحجّة الشرعية خلافاً للمحقّق الرشتي حيث زعم أنّه كذب مسوَّغ لأجل استنقاذ الحقّ الذي قامت عليه أمارة شرعية.

يلاحظ عليه: أنّ إظهار الدعوى بالجزم مع عدمه في القلب إنّما يعدّ كذباً وتدليساً إذا لم يستند إلى دليل شرعي، وأمّا معه فلايوصف به، وقد أشار إليه


(345)

صاحب الجواهر في ثنايا كلامه (1) وأمّا الكذب المضموني فهو يتحقّق مع الجزم أيضاً، كما هو واضح.

وأمّا سماع الدعوى فيجب على القاضي سماعها، لوجود المقتضي وهو الدعوى الصحيحة وفقدان المانع ، حتّى ولو علم القاضي أنّه استند إلى البيّنة أو القواعد الشرعية وذلك لشمول الإطلاقات للمقام ولولاه لزم إبطال كثير من الحقوق ويترتب عليه كلّما يترتّب على الدعاوي الصحيحة من لزوم اقامة البيّنة على المدعي والحلف على المنكر، فلو ردّ الحلف جاز له اليمين حسب ما قامت عليه البيّنة أو الأصل الشرعي ولو قضى القاضي بالنكول جاز له التصرّف في العين لنفس الدليل، ومعه لاحاجة إلى الاستدلال بما ورد في جواز إحلاف الأُمناء إذا ادّعوا التلف أو إحلاف القصار والحائك في صورة التهمة(2) وقد أشار صاحب الجواهر إلى هذه الصورة وقال:«إنّ المدّعي لايشترط جزمه في نفس الأمر لأنّه إذا كانت للمدّعي بينّة تشهد له بحقّ وهو لايعلم به فله أن يدّعي به عند الحاكم لتشهد له البيّنة، وكذا لو أقرّ له مقرّ بحقّ وهو لايعلم فله أن يدّعيه عليه وإن لم يعلم سببه في نفس الأمر ما هو».(3)

الصورة الثانية: إذا كانت فاقدة للحجّة الشرعيّة

لاشكّ في أنّه لايجوز طرح الدعوى بصيغة الجزم لكونه كذباً مخالفاًلما يعتقد إذ ليس في نفسه جازماً نعم يجوز له، إظهارها على النحو المنزّه عن كذب ونفاق فقال: أظنّ أو احتمل أنّ لي عندك درهماً فالكلام في وجوب السماع وترتيب الأثر وإعمال قواعد القضاء في حقّه وعدمه، وربّما يرجّح عدمه لأنّ الدعوى يلزمها أن


1 ـ الجواهر: 40/154، السطر 9.
2 ـ الوسائل: الجزء13، الباب29 من أبواب الإجارة، الحديث 16ـ17.
3 ـ الجواهر:40/154ـ153.


(346)

يتعقّبها يمين المدّعي إذا ردّت إليه أو القضاء بالنكول وكلاهما غير ممكنين مع عدم العلم بأصل الحقّ، ولكنّك قد عرفت أنّ الأمرين المذكورين ليسا من أثر مطلق الدعوى، وإنّما يقوم به المدّعي أو القاضي إذا كان العمل بهما ممكناً، لا ما إذا لم يكن كذلك، والظاهر الاكتفاء بكون الدعوى أمراً مقبولاً عند العقلاء وهو كذلك إذا كان مظنوناً أو متّهماً أو ما إذا اكتنفت الدعوى بأُمور تسوِّغ إقامة الدعوى عند العقلاء فيكفي ترتّب الأثر عليها من احتمال إقرار المدّعى عليه على الحقّ ، أو يمينه المسقط لحقّ الدعوى أو نحوهما وأقصى ما يلزم أنّه إذا توقّف عن اليمين، تكون الدعوى متوقّفة و كم لها من نظير في باب القضاء. ويؤيّد ما ذكرنا أمران:

1ـ ما قدّمناه من الروايات الواردة في القصار والحائك فإنّ الأثر المترتّب عليها، هو جواز إحلاف القصّار هناك وفي المقام.

2ـ إنّه لو بنى على سماع خصوص الدعوى القطعية لصار كثير من الحقوق خصوصاً فيما تردّد المدّعى عليه من بدء الأمر بين شخصين، ولكن مهما طال التحقيق والاستنطاق، يتجلّى الواقع، ويُميّز السارق عن الأمين.

ويمكن أن يقال إنّه يجوز له الجزم في طرح الدعوى إذا كان المحتمل أمراً مهمّاً يحتمل معه إقرار المدّعى عليه به كالقتل والمال الطائل، بحيث لو طرحها بصورة الظن أو الوهم ، يبعد اعترافه به.

ثمّ إنّ القوم قد عدّوا من الصورة الثانية ما لو وجد الوارث في ديوان أبيه بخطّه ديوناً لأبيه، أو وجد الإمام في ديوان من لاوارث له ديوناً له، بخطّه، وقد سبق أنّه حجّة إذا كان مأموناًمن التزوير فيلحق بالصورة الأُولى، وإلاّ فهو من الصورة الثانية.


(347)

المسألة الثالثة: في طلب الجواب من المدّعى عليه

إذا تمّت الدعوى من المدّعي هل يُطالِبُ الحاكمُ، المدّعى عليه بالجواب أو يتوقّف ذلك على التماس المدّعي؟ وجهان:

قال الشيخ : كلّ موضع تحرّرت الدعوى، هل للحاكم مطالبة المدّعى عليه بالجواب من غير مسألة المدّعي أم لا؟ قال قوم : لايطالبه بالجواب من غير مسألة المدّعي، لأنّ الجواب حقّ المدّعي فليس للحاكم المطالبة به من غير مسألته كنفس الحقّ وهو الصحيح عندنا وقال قوم: له مطالبته به من غير مسألة المدّعي لأنّ شاهد الحال يدلّ عليه لأنّ الإنسان لايُحضِر خصمه إلى الحاكم ليدّعي عليه، وينصرف من غير جواب وهو قويّ أيضاً.(1)

ولايخفى أنّ الاستناد إلى شهادة الحال، يُرجع القول الثاني إلى الأوّل ومعناه، عدم جواز المطالبة إلاّ بطلبه صريحاً أو بشهادة الحال.

وقوّاه المحقّق وقال: إنّه يتوقّف لأنّه حقّ له فيقف على المطالبة.(2)

ولكن الحقّ خلافه، ـ مضافاً إلى كونه خلاف سيرة العقلاء في المحاكم ـ .

أنّ شاغل منصّة القضاء إنّما نُصب عليه لقطع المخاصمات، وحلّ المشكلات، فما لم يكن هناك موضوع مطروح فلا تكليف له، وأمّا بعده ، فهو مأمور بالقضاء بالقواعد، فلا شأن له إلاّ هذا فهو يتّبع القواعد إلى نهاية الأمر، إلاّ أن يدلّ دليل خاص على لزوم التوقّف واستفسار الأمر عن أحد المترافعين ، وبما أنّه لا دليل على لزوم سؤال المدّعي، في مورد مطالبة الجواب عن الخصم، لكونه على خلاف المفهوم من الأمر بالقضاء فينهي المخاصمة بالقضاء.

و هناك احتمال ثالث و هو أنّ الجواب حقّ الخصم، ليدفع عن نفسه ما


1 ـ الطوسي، المبسوط:8/157.
2 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/82.


(348)

وجّهه إليه المدّعي، و هو يؤيّد عدم الحاجة إلى إجازة المدّعي.

المسألة الرابعة : في الشكوى على القاضي

قد سبق أنّه يشترط في صحّة الترافع أن لايكون القاضي من أطراف المرافعة، فلايصحّ إذا كان أحد المترافعين قاضياً فيها بل يجب أن يكون كأحد الرعايا وترفع الشكوى إلى قاض آخر والمسألة عندئذ لاتخلو من الصور الآتية:

1ـ إذا كان هناك إمام له رئاسة كلّية على الأنظمة، ومنها نظام القضاء، رفعها إليه.

2ـ إذا لم يكن رفع الشكوى إلى الإمام ميسوراً وكان المدّعي في غير ولاية الخصم (القاضي) رفعه إلى قاضي ولايته ،ويجب على القاضي الحضور، شأن غيره ممّن تكون بينه وبينه خصومة، وذلك، لأنّ تعيين القاضي حقّ طبيعي للمدّعي، فتجب على الخصم الإجابة إذا دعى إلى المحكمة.

3ـ إذا كان المدّعي في بلد الخصم الذي هو قاضي ذلك البلد، فلايصحّ رفع الشكوى إليه، لما عرفت من بطلان كون القاضي أحد المترافعين ، لكن إذا كان له خليفة في ذلك البلد رفعه إليه كما حضر علي ـ عليه السلام ـ مع أحد الرعايا عند خليفته أعني : شريحاً، وبما أنّ النائب يكون خارجاً عن طرف الدعوى، يكون حكمه نافذاً في حقّهما ، وافتراض الخليفة عادلاً، يصدّه عن الجنوح إلى جانب المنوب عنه، إلاّجنوحاً عن لا شعور، وهو ليس بمحرّم.

وهناك احتمال آخر وهوأن يرفع الشكوى إلى قاضي بلد آخر كالصورة الثانية إذ لا دليل على لزوم الرجوع إلى قاضي البلد الذي هو و خصمه، فيه خصوصاً بعد ما عرفت من أنّ تعيين القاضي حقّ طبيعي للمدّعي، فلا وجه لعدم حضوره في المحكمة وإن كانت في غير بلده إلاّ إذا كان ضررياً أو حرجياً، فما لم يمنعه مانع عن رفع الشكوى إلى أيّ محكمة من المحاكم القريبة أو النائية، فله رفع الشكوى


(349)

إليها، إلاّ إذا كان هناك تحديد من الحاكم الأعلى للمرافعات خلافاً للشهيد الثاني، حيث منع العدول عن الترافع لدى الخليفة وقال:«ولاتجب إجابة المدّعي إلى الذهاب معه إلى غيره مع وجوده لأنّ العدالة تمنع من التهمة»(1) وهو كما ترى.

4ـ ولو لم يكن له خليفة رفعه إلى حاكم آخر في غير ولايته.

هذا هو مقتضى الأنظمة السالفة وأمّا اليوم فللاعتراض على أحكام القضاة محكمة خاصّة، هم المعنيّون لرفع التظلم عن الرعايا، نعم تختصّ تلك المحكمة بالنظر إلى الشكاوى المتوجّهة إلى أحكامهم ، لا إلى أعمالهم الخارجة عن حيطة قضاءهم فهم في ذلك مغ غيرهم سواء.

المسألة الخامسة: في جلسة المتخاصمين

يستحبّ للمتخاصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم لأنّه الموافق للأدب، وليتمكّن القاضي من التساوي بينهما في النظر، وقد جلس علي ـ عليه السلام ـ مع خصمه عند شريح(2) ولو قاما لكان أيضاً جائزاً، كلّ ذلك لباس للقضاء، وليس لبّاً له والحاكم يتحرّى في كلّ زمان ، الصورة المناسبة له.

المقصد الثالث:

في جواب المدّعى عليه

ذكروا أنّ جواب المدّعى عليه لايخلو عن ثلاثة :إمّا الإقرار أو الإنكار أو السكوت ولكلّ حكمه ولكن جعل الأخير من أقسام الجواب لايخلو عن تأمّل فإنّه يرجع إلى عدم الجواب، ولعلّ عدّه منه لأجل اشتراكه في الإنكار في الأثر إذا أصرّ


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/407.
2 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.


(350)

عليه فيكون كالناكل في ردّ اليمين على المدّعي أو القضاء بالنكول لو قلنا به، وقد نسب إلى المحقّق الأردبيلي قسم رابع وهو الجواب بـ «لاأدري» وهو جواب حقيقة، وأكثر ما يجاب به في كلام الوارث فيما إذا اُدّعيَ على موّرثه من الديون فيجيب بـ «لاأدرى» وعدّه قسماً من الإنكار كما ارتكبه المحقّق الرشتي بحجّة اشتراكهما في نفي العلم ، لا في نفي الواقع ، ضعيف لأنّ الإنكار، ادّعاء علم بالعدم ، بخلاف «لاأدري» فهو ادّعاء عدم العلم، وشتّان بينهما فجعله أمراً مستقلاً أولى من إدخاله تحت الإنكار، ولأجل ذلك لايترتّب عليه حكمه من الاستحلاف على نفي الواقع .

وإليك البحث عنها واحداً بعد الآخر فهنا فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل
في إقرار المدّعى عليه

اقرار المدّعى عليه بما ادّعاه المدّعي موضوع للمسائل التالية:

1ـ يُلزم المدّعى عليه بما أقرّ به و هل اللزوم يتوقّف على حكم الحاكم أولا؟

2ـ هل يتوقّف حكم الحاكم على مسألة المدّعي و موافقته لصدور الحكم أو لا؟

3ـ لو التمس المقرّ له، أن يكتب له إقرار المدّعى عليه، هل تجب الكتابة أولا؟

4ـ ما هو صورة الحكم، إذا حاول أن يكتب؟

5ـ إذا امتنع المقرّ عن الأداء مع كونه واجداً.

6ـ إذا ادّعى الإعسار واستبان فقره فهل يُنظر أو يسلّم إلى الغرماء؟


(351)

7ـ إذا جهل حاله، فهل يحبس لتُبيَّن حاله أو لا؟

فهذه فروع سبعة مطروحة حول الجواب بالإقرار فنبحث عن كلّ بعد الآخر.

الأوّل: إلزام المقرّ و التوقّف على حكم الحاكم؟

إذا أقرّ يلزمه ما أقر به إذا كان جامعاً للشرائط، أي جامعاً لشرائط الإقرار والتصرّف وإقراره حجّة على نفسه لما روى عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم انّه قال::«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(1)و هل الإلزام مقيّد بحكم الحاكم كما هو الحال في البيّنة إذا قامت لصالح المدّعي أو لا ؟ذهب العلاّمة إلى عدم التوقّف قال في الإرشاد :«فإن اعترف الزم بأن يقول الحاكم حكمت أو قضيت أو اخرج من حقّه ـ مع التماس المدّعي ـ وإلاّ ثبت الحقّ»(2)وفسّره الأردبيلي بقوله:«وإن لم يلزمه الحاكم ويحكم عليه، ثبت».

وتبعه الشهيد الثاني في المسالك فحكم بالثبوت وإن لم يرافقه الحكم، خلافاً للأردبيلي حيث قيّد الثبوت بحكم الحاكم وقد استدل الشهيد وغيره على الفرق بين الإقرار والبيّنة في أنّ الثبوت فيها منوط بحكم الحاكم دون الإقرار بوجوه:

1ـ إنّ البيّنة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها وردّها وهو غير معلوم بخلاف الإقرار.(3)

يلاحظ عليه: أنّه لم يعلم الفرق بينهما من هذه الجهة فإنّ الثبوت في الإقرار أيضاً منوط باجتهاد الحاكم في قبوله وردّه لأنّه ربّما لايكون جامعاً للشرائط إقراراً


1 ـ الوسائل: الجزء13، الباب2 من كتاب الإقرار ، الحديث 2.
2 ـ العلاّمة الحلي: إرشاد الأذهان:2/144.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/129. والظاهر زيادة بل.


(352)

وتصرّفاً كما إذا كان محجوراً أو سفيهاً، وربّما يكون غير صريح فيما يدّعيه المدّعي فنفوذه يتوقّف على حكم الحاكم.

2ـ إنّ قبول البيّنة وردّها يرجع إلى الاجتهاد بخلاف الإقرار.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس شيئاً جديداً بل هو نفس الفرق السابق أضف إليه ـ أنّ الإقرار مثل البيّنة ربّما لايتوقّف قبولها على حكم الحاكم إذا علم قبولها عند الحاكم وإن لم يُنشأ الحكم لمقتضاهما وربّما تتوقف، وليس هنا ضابطة كلّية في أحد الجانبين دون الآخر.

3ـ لامجال لحكم الحاكم مع الإقرار إذ لاخصومة حينئذ كي يحكم بقطعها بخلاف البيّنة.

يلاحظ عليه: أنّ معناه لغويّة حكم الحاكم مع الإقرار مع أنّهم اتفقوا على صحّة الحكم إذا حكم.

4ـ إنّ البيّنة حجّة لدى المدّعي دون المدّعى عليه فلا يحصل قطع الخصومة بإقامتها وحدها ويحتاج إلى حكم الحاكم حتّى يكون قوله قاطعاً للنزاع بخلاف الإقرار فإنّه حجّة لدى المترافعين ، فلاوجه للتوقّف.

يلاحظ عليه :أنّ الأثر مترتّب على الإقرار الجامع للشرائط و لا يعلمه إلاّ القاضي، الكاشف عنه حكمه فكيف لا يحتاج إليه كما سيوافيك بيانه.

وأمّا ثمرة القولين فتظهر الثمرة في الموارد التالية:

أ: إذا كان مورد النزاع عيناًمن الأعيان عند المدّعى عليه، فلو قلنا بعدم الحاجة يجوز للمدّعي التقاص دون القول الآخر.

ب : إذا لم يكن له علم بالمدّعى به إلاّ عن طريق إقرار المدّعى عليه، فلو قلنا بعدم الحاجة فله أن يطالبه دون القول الآخر.


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/408.


(353)

ج : إنّ للحاكم الآخر إنفاذ حكم الحاكم الأوّل، فلو قلنا بعدم الحاجة فله تنفيذه وإن لم يحكم دون القول الآخر.

والظاهر كما مرّ ـ مضافاً إلى حفظ النظام، واتّباع السيرة المألوفة ـ أنّ رفع الخصومة أمر فنيّ لا عادي لا يقوم به إلاّ العارف بشؤون القضاء، فلا يتحقّق إلاّ بحكم من يعرفها، من غير فرق بين البيّنة والإقرار، ويمين المنكر أو اليمين المردودة وغيرها، فإحراز كون الإقرار جامعاً للشرائط لايقف عليه الاّ القاضي، ولا يعلم علمه إلاّ بحكمه.

ويظهر من المحقّق الأردبيلي، اختيار ذلك القول لكن علّله بوجه غير تام وقال:إذ الحكم بالثبوت مشكل ولهذا لم يقدر أحد أن يشهد بثبوته في ذمّته بل(كذا) بإقراره فليس الحكم إلاّ للحاكم لاجتهاده أنّ اقرار العقلاء على أنفسهم جائز ونحوه وللإجماع فحينئذ تجويز الحكم وأخذ الحقّ عنه لكلّ أحد بغير رضاً للمقرّ له محلّ التأمّل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ عدم الحكم بثبوته في ذمّته، لايكون دليلاً على عدم الثبوت من دون حكم الحاكم وذلك لأنّ الإقرار ليس أمارة على الثبوت، حتّى يتّخذ دليلاً على الثبوت في الذمّة ويشهد عليه، بل هو موضوع عقلائي للأخذ بما أقرّ به، ثبت في ذمّته أو لا. وبالجملة عدم جواز الشهادة لايكون دليلاً على توقّف سائر الأحكام المذكورة على الحكم.

الثاني: توقّف حكم الحاكم على رضى المقرّ له

إذا أقرّ المقرّ، فهل يتوقّف حكم الحاكم على مسألة المقرّ له كما عليه الشيخ الطوسي، أو لايتوقّف كما عليه الآخرون؟ قال الشيخ:فإذا ثبت أنّه يلزمه لم يكن


1 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/129.


(354)

للحاكم أن يحكم عليه به، إلاّ بمسألة المقرّ له، به لأنّ الحكم عليه به ، حقّ له فلا يستوفيه إلاّ بأمره كنفس الحق. (1)

ونسبه المحقّق في المقام إلى «القيل» مشعراً بتمريضه قال:«قيل لا لأنّه حقّ له فلا يستوفى إلاّ بمسألته».(2) مع أنّه ذهب في مطالبة الجواب عن المدّعى عليه، إلى لزوم مسألة المدّعي كما سبق، والفرق بين المسألتين غير واضح والحقّ عدم الحاجة إلى المسألة في كلا المقامين ويمكن تقريب ذلك بوجوه:

1ـ إنّه مقتضى إطلاق أدلّة القضاء، فالقاضي ـ بعد رفع الشكوى إليه وحضور المتخاصمين لديه ـ مأمور بفصل الخصومة ورفعها ولزوم السؤال في كلتا المرحلتين ، خلاف الإطلاق.

2ـ ولو قلنا بأنّ الإطلاقات غير ناظرة إلى هذه الجهة حتّى يتمسّك بإطلاقها ، يصحّ التمسّك بالإطلاق المقامي فإنّ لزوم الاستجازة من المدّعي، ممّا يُغفَل عنه فلو كان واجباً لزم التنبيه عليه ولو بدليل مستقلّ.

3ـ إنّ فصل الخصومة ورفع النزاع من حقوق القاضي كي يطهّر المجتمع من الخلاف وهو مطلوب للشارع فما لمينصرف المدّعي عن النزاع فهو مأمور بالفصل، ويعدّ من شؤونه، ومعه، لاوجه لتعليق الحكم برضى المدّعي وهذا البيان غير التمسّك بالإطلاق كما في الوجهين الأوّلين.

4ـ والذي يدلّ على أنّه من حقوق القاضي لا المدّعي، أنّه ربّما يكون التوقّف مزاحماً لحقّ المنكر، كما إذا حلف بطلب من المدّعي، فإيقاف الحكم ـ بعد حلفه ـ على رضى المدّعي ربّما يزاحم لحقّ المنكر، وذهاب اليمين بحقّه وهذا وإن كان خارجاً عن محطّ البحث (الإقرار لا الإنكار)لكنّه يصلح مؤيداً للمختار.


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/158.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/83.

Website Security Test