welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1


(258)

المسألة السادسة:

في شرطية التعدّد في المترجم و عدمها

إذا افتقر الحاكم إلى مترجم فهل يكفي المترجم العدل الواحد، أو لابدّ من التعدّد؟ المشهور هو التعدّد.

قال الشيخ في الخلاف: الترجمة لا تثبت إلاّ بشهادة شاهدين لأنّها شهادة و به قال الشافعي. وقال أبو حنيفة و أبو يوسف: لا يفتقر إلى شهادة عدل بل تقبل فيه شهادة واحد لأنّه خبر، بدليل أنّه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ـ دليلنا ـ إنّ ما اعتبرناه مجمع على قبوله، و ما ادّعوه ليس عليه دليل و قد اعتبر الشافعي لفظ


1 ـ زين الدين العاملي: المسالك 2/400.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك 2/400.


(259)

الشهادة في ذلك(1).

أقول: إنّ دليل الشيخ يرجع إلى الأخذ بالاحتياط و هو مرجع إذا لم يكن دليل اجتهادي يدلّ على كفاية واحد.

وقد طرحه في المبسوط من غير ترجيح أحد القولين قال:

فمن قال: الترجمة شهادة. ينظر فيما يُترجم عنه فإن كان مالاً أو في معناه ثبت بشهادة شاهدين، و شاهد و يمين، و إن كان ممّا لا يثبت إلاّ بشاهدين كالنكاح و النسب و العتق و غير ذلك لم يثبت إلاّ بشاهدين عدلين، و إن كان حدّ الزنا فأصل الزنا لا يثبت إلاّ بأربعة و الإقرار، قال قوم يثبت بشاهدين لأنّه إقرار و قال آخرون لا يثبت إلاّ بأربعة لأنّه إقرار بفعل موجِب أن لا يثبت إلاّ بما يثبت به ذلك الفعل كالإقرار بالقتل(2).

يلاحظ عليه: بأنّه لو افترضنا أنّ الترجمة من مصاديق الشهادة لكن ليس المشهود به هو الإقرار بالمال، حتّى يكتفي فيه بشاهد و يمين. و لا النكاح و النسب و العتق، حتّى لا يثبت إلاّ بشاهدين، ولا الزنا حتّى لا يثبت إلاّ بأربعة والإقرار، بل المشهودبه، هو إقراره بكذا و كذا، و أنّه يقول كذا و كذا، فلا يعتبر فيه إلاّ ما يعتبر في ثبوت الإقرار. فإسراء حكم المقرّ به إلى الترجمة غريب جدّاً.

و على كل تقدير فهل الترجمة من مصاديق الشهادة فيعتبر فيها وراء التعدّد ـ البلوغ و العدالة المفروغين عن اعتبارهما ـ أو لا؟ و الظاهر في كلام المحقّق أنّه لم يتّضح عنده أنّها من أيتهما فأخذ بالقدر المتيقّن و قال: و لا يقتنع بالواحد عملاً بالمتفق عليه. و هو اللائح من كلام صاحب الجواهر حيث قال: إذا شككنا أنّه من موضوع الشهادة أو الرواية و لا أصل و لا إطلاق ينقّح أحدهما فيجري عليه حينئذ حكم الشهادة من التعدّد ولو لأنّه المتيقن بخلاف غيره.


1 ـ الطوسي: الخلاف3/كتاب القضاء، المسألة 9.
2 ـ الطوسي: المبسوط8/كتاب القضاء،103.


(260)

أقول: إنّ الشهادة من الشهود بمعنى الحضور قال سبحانه: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (البقرة/185). و إنّما سمّى الشاهد، شاهداً، لأنّه يحضر الواقعة و يشاهدها و يعاينها، قال في اللسان: المشاهدة، المعاينة و شهد شهوداً: حضره فهو شاهد، و الفرق بينه و بين الخبير أنّه إذا ضيف إلى الباطنة يقال: خبير و إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد(1).

وعرفت الشهادة بوجوه:

1ـ الشهادة خبر قاطع(2)

2ـ الشهادة الإخبار عن اليقين (3).

يلاحظ عليهما، أنّهما غير مطردين لانتقاضهما بإخبار العالم الفيزيائي عن تركّب عنصر الماء من جزءين، فهل تصحّ تسمية ذلك بالشهادة بحجّة أنّه خبر قاطع، أو إخبار عن اليقين.

3ـ إخبار جازم عن حقّ لازم لغيره (4).

يلاحظ عليه: أنّه لا يشترط في موردها وجود الحقّ كالشهادة على رؤية الهلال أو شهادة المقوّم على القيمة و القاسم على المقدار.

4ـ الخبر الصادر في مقام التوقّع و الانتظار فكلّ خبر كان مسبوقاً بسؤال محقّق أو مقدّر، بمعنى وقوعه في مقام انتظار شخص له كالهلال، هو شهادة و من ذلك تخرج الروايات عن الشهادة لأنّها إخبار ابتدائية غير مسبوقة بسؤال عن مضامينها تحقيقاً أو تقديراً. و على هذا تدخل الترجمة تحت الشهادة فيعتبر فيها التعدّد للإجماع على اعتباره فيها(5).


1 ـ اللسان: 4/293 مادة «شهد».
2 ـ ابن منظور: اللسان 4/مادة «شهد».
3 ـ ابن الأثير: النهاية 2/ مادة «شهد».
4 ـ زين الدين العاملي: المسالك 2/445.
5 ـ الرشتي: القضاء1/117. نقله عن شيخه الأنصاري.


(261)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان هجوم العدو متوقعاً، و أخبر الرائد بقربه من البلد، فهل ترى أنّه يسمّى شهادة؟! لأجل كون المخبر به أمراً متوقّعاً.

5ـ الشهادة إخبار عن ثبوت الشيء في مظانّ انكاره (1)

6 ـ إنّ المرجع في تشخيص الشهادة عن غيرها هو العرف و لأجل ذلك تكون الترجمة تارة من قبيلها و أخرى من مصاديق الرواية. فإذا أريد بها إثبات ما يترتّب عليه الحكم كشهادة الشاهد احتيجت إلى التعدّد، ضرورة أنّها حينئذ بمنزلة شهادة الفرع التي لابدّ فيها من التعدّد لانّها شهادة حينئذ و حيث يراد منها بيان المراد في غير ذلك كانت رواية و تكفي فيها الواحدة و لعلّ منه بيان عبارة المقلَّد مثلاً لمقلِّديه أو بيان المراد من السؤال للمجتهد مثلاً ليذكر حكمه و نحو ذلك ممّا لا يعدّ شهادة بل هو قسم من الرواية ولو بالمعنى(2).

هذا ما قيل حول الشهادة و في المقام فنقول: إذا كانت الشهادة مأخوذة من الشهود بمعنى الحضور فلابدّ أن يكون في المقام واقعة شهدها الشاهد و غاب عنها القاضي، و هل ترجمة مقاصد المترافعين أو الشاهدين داخل تحت تلك الضابطة، و هل هناك شاهد وحاضر، و غائب عن الواقعة؟!. اللهم إلاّ أن يقال أن جهل القاضي باللغة جعله كالغائب عنها و هو كما ترى.

تحليل المسألة بوجه آخر

إذا لم نقل بوجود إطلاق أو عام يدلّ على حجّية الخبر العادل في جميع الموارد، أو قلنا بوجود أحدهما و لكن قلنا بأنّ الترجمة من مصاديق الشهادة، فلا


1 ـ الاشتياني: القضاء:60، نقله عن شيخه الأنصاري، و يبدو أن الكتابين تقريران لمحاضرات الشيخ الأعظم،غير أنّ المحقّق الرشتي أتى بلبّ المراد، و المحقّق الآشتياني بسط الكلام في المسائل.
2 ـ النجفي: الجواهر: 40/107.


(262)

إشكال في اعتبار التعدّد.

و أمّا إذا قلنا بوجود إطلاق في دليل حجّيته من غير فرق بين الأحكام و الموضوعات، لكن خرج منه باب الشهادة و لكنّ الخارج مردّد بين الأقل و الأكثر أي بين شمولها للترجمة و عدمها، صارت الترجمة شبهة مصداقية للعام بعد التخصيص بالشهادة، و قد قلنا في محلّه، بجواز التمسّك بالعام فيما إذا كان منشأ الشبهة في المصداق كون المخصّص دائراً بين الأقل و الأكثر كدوران الفسق بين ارتكاب الكبيرة أو هي والصغيرة، فيصحّ التمسّك بعموم أكرم العلماء بعد التخصيص بإخراج الفاسق من العلماء.

نعم ذكر صاحب الجواهر أنّ الرواية و الشهادة نوعان متباينان و أنّ التعدّد مقوّم للشهادة، قال: وضوح التباين بين الرواية و الشهادة في العرف الذي هو المرجع في أمثالهما بعد معلومية عدم الوضع الشرعي فيهما و عدم الإجمال. و اعتبار التعدّد في موضوع الشهادة لا أنّه هو المميّز لها عن الرواية، و كون جنسهما الخبر لا يقتضي أنّها قسم منه بل هما نوعان متمايزان في العرف(1).

يلاحظ عليه: أنّه بعد تسليم كون الخبر جنساً للرواية و الشهادة، تكون الرواية بالمعنى اللغوي أيضاً جنساً للشهادة لا نوعاً مثلها، فإذا قال نبأ أو خبر أو رواية العادل حجّة، يعمّ كلامه الأحكام و الموضوعات و الشهادة، خرج عنه الأخير حيث يعتبر فيه التعدد، و مع الشكّ في الترجمة يتمسّك بعموم العام، على النحوالذي عرفت.

اللّهم إلاّ إذا أراد من الرواية ، المعنى المصطلح منها و هو الإخبار عن المعصوم في مجال الأحكام.

و على ذلك فالظاهر هو الاكتفاء بمترجم واحد. و مع ذلك كلّه ففي


1 ـ النجفي: الجواهر 40/107.


(263)

النفس من الاكتفاء به شيء و هو أن اشتراط التعدّد في الشاهد في مورد، حاك عن عناية الشارع بثبوته عند القاضي بشخصين، فإذا اكتفينا بمترجم واحد في مورد التعدّد، يكون معناه أنّه اكتفى في ثبوت الموضوع بواحد ولو في الحلقة الأخيرة، و المترجم و إن كان لا يشهد إلاّ على إقراره و مفاد كلامه و لايشهد على الزنا و لا السرقة إلاّ أنّ القاضي يتوصّل إلى الواقع عن طريقه و معنى ذلك جواز توصّله إليه بشخص واحد و هو خلاف المطلوب فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو التعدّد، كما عليه المحقّق و إن كان طريقنا إلى إثبات الحكم غير طريقه. و الله العالم.

***

المسألة السابعة:

في صفات كاتب القاضي

إنّ القضاء غالباً لاينفكّ عن كتابة دعوى المدّعي و خصوصياته، وإقرار الآخر أو إنكاره، و ما يرتبط بهما، فلأجل ذلك كانت القضاة من لدن زمان قديم يتّخذون كاتباً يكتب المحاضر والسجلات و ما يرجع إليهما فيقع الكلام في شرائطه فذكر المحقّق أنّه يشترط: أن يكون بالغاً ، عاقلاً، مسلماً، عدلاً بصيراً ليؤمن انخداعه و إن كان مع ذلك فقيهاً كان حسناً. وأضاف صاحب الجواهر أن يكون جيّد الكتابة و ادّعى على هذه الشروط عدم الخلاف.

قال الشهيد الثاني: ينبغي للحاكم أن يتّخذ كاتباً لمسيس الحاجة إلى كتب المحاضر و السجلات و الحاكم لا يتفرغ لها غالباً و من المشهور أنّه كان لرسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم كُتّاب و كذا لغيره من الخلفاء و يشترط أن يكون الكاتب بالغاً، عاقلاً ، مسلماً عدلاً ليؤمن خيانته ، عارفاً بما يكتبه من المحاضر. و غيرها لئلا يفسدها و يستحب أن يكون مع ذلك وافر العقل، عفيفاً عن المطامع الفاسدة لكيلا يخدع


(264)

من غيره بمال و غيره و أن يكون فقيهاً لا يؤتى من جهل و أن يكون جيّد الخط ضابطاً للحروف لئلا يقع في الغلط و الاشتباه و الأولى أن يُجلس الحاكم الكاتب بين يديه ليملي عليه و يشاهد ما يكتب و لبعض الشافعية قول : إنّه لايشترط فيه الإسلام و العدالة لأنّ القاضي لا يمضي ما كتبه حتى يقف ما عليه (1).

وإلى الكلام الأخير أشار صاحب الجواهر و قال: ربّما يقال بعدم الاشتراط.لأنّ ثمرة الكتابة تذكّر ما كان و إلاّ فهي ليس بحجّة شرعاً وحينئذ فلا عبرة بشيء من هذه الأوصاف ضرورة أنّه مع الذكر بها يجري عليها الحكم و إلاّ فلا و إن كان الكاتب بالأوصاف المذكورة. نعم معها غالباً تحصل الطمأنينة إلى ما يجري عليها الحكم.

وأورد عليه: بأنّ ثمرتها لا تنحصر فيما للتذكّر فيه مدخلية بل قد تكون مراسلة إلى القضاة و غيرهم، و أمراً و نهياً فيما يكون فيه زيادة و نقيصة و تغيير و تبديل فلابدّ أن يكون معتمداً عليه و هو فرع هذه الأوصاف (2).

أقول: يرد عليه ـ مضافاً إلى ما ذكره ـ أنّه كلام من لم يمارس القضاء إذ لايمكن للقاضي أن يعتمد على ذاكرته في كلّ صغير و كبير، بل لابدّ أن يعتمد على السجلات و التقارير المكتوبة المؤرخة و مع ذلك فكيف يمكن أن يعتمد على الكاتب غير الأمين و إلا لزم الفوضى و اختلال نظام القضاء كما هو معلوم للممامرس.

وعلى ضوء هذا نمنع أوّلاً عدم حجّية ما سجّله الكاتب العدل بقلمه و بَنانه مع إطلاق أدلّة حجّية خبر العادل من غير فرق بين قوله و كتابته و على ذلك جرى العقلاء في أمورهم و معايشهم.

وثانياً: ـ على فرض التسليم ـ إنّ القاضي ربّما يتردّد، فيما ضبطته ذاكرته،


1 ـ زين الدين العاملي:المسالك: 2/400.
2 ـ النجفي: الجواهر 40/109ـ110.


(265)

فبالرجوع إلى السجلات، يتذكّر ما تردّد فيه فيعود إلى ذاكرته ما ذهب وغاب مؤقّتاً. والرجوع إنّما يكون مفيداً إذا كان الكاتب عادلاً، بخلاف ما إذا كان غير ثقة فلا يعينه حتى في إعادة ما نسيه مؤقتاً.

نعم لايشترط أن يكون فقيهاً بل يكفي كونه عارفاً بكيفيّة كتابة التقارير و ادّعاء الشهود و إذا كان القاضي مملياً، فربّما يكفي كونه عارفاً بالكتابة و إن لم تكن له ممارسة في كتابة السجلات و المحاضر.

وعلى كل تقدير فالذكر الحكيم يشترط في كاتب الدين العدالة و يقول: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ»(البقرة /282)، فكيف يصحّ نفي لزومها في كاتب المحاضر و السجلات و التقارير التي ليست في الأهميّة بأقلّ منها؟!

***

المسألة الثامنة:

في عدالة الشاهدين

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم، في اشتراط العدالة في الشهود و لم يخالف فيه أحد، قال سبحانه: «وَاشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ»(الطلاق/2)

والآية واردة في الطلاق لكن الحكم العدل الذي أمرنا به في قوله سبحانه: «وَ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ»(النساء/58). لايتحقّق غالباً إلاّ أن تكون الشهود عدولاً تصدّ عدالتهم عن الشهادة على خلاف الحقّ مضافاً إلى ورود الأمر بالقضاء بالبيّنة العادلة في الروايات (1).

نعم إنّ هناك بحوثاً في عدالة الشاهدين اطرحها المحقّق في هذه المسألة و نحن نقتفيه.


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.


(266)

1ـ لزوم التحقيق في هويّة الشاهد

قال: الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين حكم، و إن عرف فسقهما، أطرح و إن جهل الأمرين بحث عنهما.

لاشكّ في أنّه تؤخذ، بالشهادة في الأولى و تطرح في الثانية، إنّما الكلام في لزوم البحث عن هويّة الشاهد إذا كانت مجهولة و هل هو من واجبات الحاكم أو لا؟ و استدلّ عليه بالخبر المروي عن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري و فيه بعد كلام: «إذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير و لاشرّ قال للشهود: أين قبائلكما؟ فيصفان، أين سوقكما؟ فيصفان، أين منزلكما؟ فيصفان، ثمّ يقيم الخصوم و الشهود بين يديه ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدّعي و المدّعى عليه، و الشهود، ويصف ما شهدوا به، ثمّ يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار ثمّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه ثمّ يقول ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما و أسواقهما و محالهما و الربض الذي ينزلانه فيسأل عنهما...».(1)

والرواية ضعيفة سنداً لا يحتجّ بها.

واستدلّ صاحب الجواهر بوجه آخر من دلالة إطلاق الأمر بالحكم بالبيّنة العادلة، لزوم الفحص عن وجود الموضوع كما هو الحال في لزوم الفحص عن دخول الوقت للصلاة أو وجود الماء للطهارة.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر قولهم: «البيّنة للمدّعي»، أنّ إقامة البيّنة عليه، و من وظائفه فيجب عليه إحضار المزكّي إذا كانا مجهولين لدى القاضي خصوصاً إذا كانت التزكية متوقفة على السفر إلى محلّ الشاهدين، في النقطة البعيدة.

ومع ذلك كلّه لو كان تحصيل العلم بعدالة الشاهدين أمراً سهلاً للقاضي،


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(267)

لم يبعد وجوبه عليه و قد قلنا بذلك في وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إذا كان تحصيل العلم بوجود الموضوع، أمراً سهلاً ، إذ لا يظهر من الأدلّة، أنّ فريضة المدّعي أزيد من إحضار من لو تفحّص القاضي عنه فحصاً يسيراً، لوقف على عدالتهما. و إلاّ لزم عليه الإكتفاء بمن عرفه من ذي قبل. و هو موجب لصدّ باب القضاء إذ ليس القاضي في كلّ زمان يعرف وجوه الناس و أوساطهم فضلاً عمّن هو في درجات نازلة عنهم، والحقّ أنّ الفحص على القدر الميسور من وظائف القاضي.

2ـ إذا أحرز إسلامه وشكّ في فسقه

قد عرفت أنّ مجهول الهوية وإن علم إسلامه لايمكن القضاء به ولابدّ من الفحص والتفتيش إذا كان ميسوراً وإلاّ أقفل باب القضاء إذا اكتفى القاضي بعلمه السابق بالمشهود.

غير أنّه اشتهر عن الشيخ بأنّه إذا علم إسلامه وجهل فسقه يقضى به وربّما يفسر كلامه بأنّ العدالة المعتبرة في الشهود ليست إلاّ هذا: «علم إسلامه ولم يعلم فسقه». ولو صحّت النسبة يكون معنى ذلك أنّه لو كان فاسقاً واقعاً و لميعلم فسقه فهو فاسق وعادل وهو نفس القول باجتماع الضدّين، فإنّ الفسق والعدالة من الصفات النفسانية المتقابلة لاتجتمعان أبداً وقد ينسب هذا القول إلى بعض قدماء الشيعة كابن الجنيد، والمفيد، وأظنّ أنّ مقصود الشيخ غير هذا وأنّه يقول بكون الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريق إلى العدالة المعتبرة.

وتحقيق الحقّ يتوقف على البحث في مقامين:

1ـ هل الاختلاف بين الشيخ وغيره في مفهوم العدالة المعتبرة في الشاهد جوهري أو لا؟

2ـ وعلى فرض عدمه فهل الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريق إلى العدالة


(268)

أو لا؟

أ: هل الإختلاف في مفهوم العدالة جوهري؟

لابدّ في تحقيق النسبة نقل عبارة الشيخ برمّتها.

قال الشيخ في الخلاف:إذا شهد عند الحاكم شاهدان يُعرف إسلامهما، ولايُعرف فيهما جرح، حكم بشهادتهما، ولايقف على البحث إلاّ أن يجرح المحكوم عليه فيهما بأن يقول: هما فاسقان فحينئذ يجب عليه البحث.

وقال أبوحنيفة: إن كانت شهادتهما في الأموال والنكاح والطلاق والنسب كما قلناه، وإن كانت في قصاص أو حدّ لايحكم حتّى يبحث عن عدالتهما.

وقال أبو يوسف ومحمّد والشافعي: لايجوز له أن يحكم حتّى يبحث عنهما فإذا عرفهما عدلين حكم و إلاّ توقف في جميع الأشياء ولم يخصّوا به شيئاً دون شيء.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً الأصل في الإسلام العدالة، والفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، وأيضاً نحن نعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ولاأيّام الصحابة، ولاأيام التابعين، وإنّما هو شيء أحدثه شريك بن عبد الله القاضي فلو كان شرطاً ما أجمع أهل الأمصار على تركه.(1)

وحاصل الآراء المنقولة في عبارة الشيخ عبارة عن :

1ـ القضاء بشهادة المسلم الذي لم يعرف جرحه مطلقاً وهو مختار الشيخ.

2ـ التفصيل بين الأموال والنكاح والطلاق والنسب، وبين الحدّ والقصاص فلايقبل في الثاني وهو خيرة أبي حنيفة.

3ـ عدم القبول مطلقاً وهو خيرة الشافعي، وتلميذي أبي حنيفة : أبي يوسف ومحمّد بن الحسن الشيباني .


1 ـ الطوسي، الخلاف: 3/312، كتاب القضاء، المسألة 10.


(269)

4ـ استدلّ الشيخ بأنّ الفحص ممّا أحدثه شريك بن عبد الله القاضي ولم يكن في زمان النبي والصحابة والتابعين منه أثر.

أمعن النظر في عبارة الشيخ فهل هو بصدد تفسير العدالة، أو أنّه جعل الإسلام مع عدم ظهور الفسق دليلاً على العدالة بالمعنى المعروف بين الأصحاب، كما أنّ بعضهم جعل «حسن الظاهر بمعنى الخلطة المطلعة على أنّ ما يظهر منه حسن، من دون معرفة باطنة » طريقاًإليها.(1) ويؤيد الثاني ذيل كلامه حيث نسب الفحص إلى شريك بن عبد الله القاضي وأنّه لم يكن منه خبر في عصر الصحابة والتابعين، وهذا يدلّ على أنّه يكفي في كشف العدالة، إحراز الإسلام المقرون بعدم ظهور الفسق، ولايلزم الفحص لا أنّه نفس العدالة وأوّل من نبّه بذلك المحقّق البهبهاني في كلام له نذكر منه ما يلي:

«والمراد بالاكتفاء بالإسلام أو حسن الظاهر كونهما طريقين جعليين من الشارع إلى العدالة التي هي ملكة من الملكات، وصفة من الصفات، نظير سائر الطرق الشرعية كالبيّنة وفعل المسلم وأصالة الطهارة لا أنّ العدالة عبارة عنهما كما توهّمه جملة من المتأخرين حيث زعموا، أنّ الاختلاف في المقام راجعة إلى حقيقة العدالة وإنّها الملكة ، أو الإسلام مع عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر.(2)

ثمّ إنّ صاحب المسالك نسب قول الشيخ في الخلاف، إلى صريح ابن الجنيد، وظاهر المفيد في كتاب الأشراف(3) ولم يحضرني كتاب الاشراف حتى أُلاحظ المنقول، ولكن صريحه في كتاب المقنعة خلافه قال: العدل من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله تعالى.(4)

وأمّا ابن الجنيد، فالمنقول منه في كتاب «المختلف» خلافه قال: «فإذا كان


1 ـ لاحظ الجواهر: 40/113، نعم هو فسر العدالة بنفس هذا المعنى المذكور.
2 ـ المحقّق الرشتي: القضاء118، نقلاً عن المحقّق البهبهاني.
3 ـ زين الدين، المسالك:2/401.
4 ـ المفيد، المقنعة: 112.


(270)

الشاهد حرّاً، بالغاً، عاقلاً، مؤمناً، بصيراً، معروف النسب، مرضياً، غير مشهور بكذب في شهادة، ولابارتكاب كبيرة ولامقام على صغيرة، حسن التيقّظ،عالماً بمعاني الأقوال، عارفاً بأحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل، ولامتهاون بواجب من علم وعمل، ولامعروف بمعاشرة أهل الباطل، ولا الدخول في جملتهم، ولا بالحرص على الدنيا ولابساقط المروءة، بريئاً من أهواء البدع التي توجب على المؤمنين البراءة من أهلها، فهو من أهل العدالة المقبول شهادتهم.(1)

وبالجملة ما نسب إلى ظاهر الشيخ، في الخلاف من تفسير العدالة بما ذكر غير صحيح وعلى فرض الصحّة لم يذهب به أحد من علمائنا ولم يذكره في كتاب النهاية(2) والمبسوط(3) إذ فسّرها في الأُولى قريباً ممّا في رواية ابن أبي يعفور، وفي المبسوط بما تقدّم من ابن الجنيد. والحقّ ما ذكره المحقّق البهبهاني في تفسير كلامه.

ب ـ هل الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريق إلى العدالة؟

إذا تبيّن أنّ اختلاف الشيخ ليس في معنى العدالة، يقع الكلام في كونه طريقاً إلى العدالة المعتبرة فيها، فقد استدلّ له بوجوه:

الأوّل: ما ذكره في الخلاف:« الأصل في الإسلام العدالة و الفسق طارئ عليه، يحتاج إلى دليل» وهذه العبارة تحتمل وجوهاً أوضحها وجهان: أحدهما يرجع إلى إستصحاب حكم قبل البلوغ والآخر يرجع إلى التمسّك بأصالة الصحّة في فعل المسلم.

أ ـ إنّ الأصل في كلّ مسلم العدالة، بالنظر إلى ما قبل بلوغه، والفسق أمر طارئ يحتاج إلى دليل والأصل عدمه.


1 ـ المختلف، كتاب القضاء، المسألة 4، قال العلاّمة وظاهر كلامه يوافق كلام الشيخ في المبسوط، لاحظ المبسوط:8/217 ولاحاجة لنقل كلامه في المبسوط بعد الاتّحاد.
2 ـ الطوسي، النهاية: 325.
3 ـ الطوسي، المبسوط: 8/179.


(271)

يلاحظ عليه: بأنّه أصل مثبت، فإنّ استصحاب عدم الفسق لايثبت كونه عادلاً، لأنّه بمنزلة نفي أحد الضدّين وإثبات الضدّ الآخر، على أنّ الثابت قبل البلوغ من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع وهو التكليف، والثابت في الآن اللاحق، هو السالبة بانتفاء المحمول واستصحاب السالبة بانتفاء الموضوع لغرض اثبات السالبة بانتفاء المحمول من أوضح مصاديق الأُصول المثبتة.

ب ـ الأصل في المسلم أن لايخلّ بواجب ولايفعل محرّماً وقد فسّر ابن إدريس العدل بأنّه الذي لايخلّ بواجب ولايرتكب قبيحاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّه على فرض صحّة الأصل لايثبت به وصف العدالة، غاية الأمر يجب حسن الظن بالمسلم بأنّه ما يخلّ بواجب ولايرتكب محرّماً، ولايثبت بهذا التعبّد بعنوان العدالة.

ثمّ إنّه ربّما يفسّر كلام الشيخ بكون الإسلام والعدالة مترادفين و هو باطل لاتصحّ نسبته إلى الشيخ، فلأجل ذلك ضربنا عنه و عن مثله صفحاً.

الثاني: اطلاق قوله سبحانه:«واسْتَشْهِدوا شَهيدَينِ مِنْ رِجالِكُم»(البقرة/282) حيث اكتفى بكون الشاهد من المسلمين ولايحمل على قوله:«وأشْهِدُوا ذَوَي عَدل مِنْكُمْ» (الطلاق/2) لعدم حجّية مفهوم الوصف.

يلاحظ عليه: أنّ التقييد ليس مبنياً على وجود المفهوم للوصف، بل مبني على الجمع العرفي بين الدليلين وليس القيد منحصراً بآية الطلاق بل جاء في آية الوصية وكتابة الدين.

قال سبحانه:«إذا حَضَرَ أحدكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثنانِ ذَوا عَدل مِنْكُمْ أو آخرانِ مِنْ غيَرِكُم إن أنتُم ضَربتُمْ فِي الأرض»(المائدة/106).

وقال سبحانه: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدل» (البقرة/282).


1 ـ الحلي: السرائر:1/280، كتاب الصلاة ، أحكام صلاة الجماعة.


(272)

وقال سبحانه: «أو لايَسْتَطيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدلِ»(البقرة/282).

ولايمكن القول باختصاص القيد بالوصية والدين فإنّ أمر الأوّل مبني على السعة ولأجل ذلك يقبل قول غير المسلم عند فقدان المسلم إذا شهد حين الوصية كما في الآية، فإذا كانت معتبرة فيها ففي غيره بطريق أولى.

الثالث: ظاهر قوله سبحانه: «إن جاءكُم فاسِقٌ بنبإ فتبيّنُوا» (الحجرات/6) .وظاهره التثبّت فيماإذا بان الفسق، والقبول في ما عداه.

يلاحظ عليه:أنّ الخارج هو الفاسق الواقعي ومجهول الهوية مردّد بين البقاء تحت العام والخروج عنه ودخوله تحت المخصّص وفي مثل ذلك لايتمسّك بالعموم لأنّه تمسّك به في الشبهة المصداقية له بعد التخصيص.

الرابع: الروايات الواردة في المقام وهي بين غير صريح أو ضعيف السند، نظير:

1ـ مرسلة يونس بن عبد الرحمان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ، أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة؟ فقال: «خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، والمناكح، والذبائح، والشهادات ، والأنساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولايسأل عن باطنه».

ورواه الشيخ إلاّ أنّه قال : يقضي بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم. و ترك الأنساب و ذكر بدلها المواريث.

قال الشيخ الحرّ العاملي: «قد عمل الشيخ و جماعة بظاهره و ظاهر أمثاله، و حكموا بعدم وجوب التفتيش، وحملوا ما عارضه ظاهراً على أنّ من تكلّف التفتيش عن حال الشّاهد يحتاج أن يعرف وجود الصفات المعتبرة هناك، و على


(273)

أنّه إذا ظهر شيء من الأمور المذكورة ممّا ينافي العدالة لم تقبل الشهادة و إن كان لايجب الفحص، و الّذي يفهم من الأحاديث الكثيرة عدم وجوب التفحّص و أنّ الأصل العدالة، لكن بعد ظهور المواظبة على الصلوات، و عدم ظهور الفسق».(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى ضعف سنده ـ أنّه لادلالة فيها على مطلوب الشيخ من كون الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريقاً إلى العدالة بل هو بصدد بيان أنّ قول الشاهد ـ المأمون ظاهراً ـ حجّة وإن لم نعلم مصدر علمه، فاشتراط العلم بمصدر علمه أوعدم اشتراطه، هو مورد العناية في الرواية لاتحديد العدالة، على أنّ قوله:«ظاهراً مؤموناً» دليل على القول الثاني وهو أنّ حسن الظاهر بالمعنى الذي مضى، طريق إلى العدالة وهو غير مختار الشيخ.

2ـ روى الصدوق باسناده عن العلاء بن سيّابة قال: سألت أبا عبد الله عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: «لا بأس إذا كان لايُعرف بفسق» (2)، وسند الصدوق إلى العلاء بن سيّابة صحيح. وأمّا العلاء نفسه فلم يوثّق ولم يرد فيه مدح. والاحتجاج به غير تام.

3ـ روى الصدوق بسند متّصل إلى علقمة قال: قال الصادق ـ عليه السلام ـ وقد قلت له: يا بن رسول الله أخبرني عمن تُقْبل شهادتُه ومن لا تُقبل؟ فقال: «يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته ـ إلى أن قال:ـ فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لميشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنباً». (3)

أقول: لا بأس بصدر السند لكنّه ينتهي إلى صالح بن عقبة وهو مردّد بين الأسدي وغيره ولم يرد فيهما توثيق، وإلى علقمة وهو أيضاً كذلك والخبر غير صالح للاحتجاج.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث3، 4.
2 ـ الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 6و13.
3 ـ الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 6و13.


(274)

4ـ عن سلمة بن كهيل قال: سمعت علياً يقول لشريح: ... واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلاّ مجلود في حدّ لم يَتُب منه أو معروف بشهادة الزور وضنين(1).

وفي السند إرسال، إذ فيه: الحسن بن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه عن سلمة بن كهيل، والأوّل من الطبقة السادسة والثاني من الطبقة الثالثة، و من البعيد أن يروي الحسن بن محبوب الذي هومن أصحاب الرضا عن عمرو بن أبي المقدام وهو عمرو بن ثابت من أصحاب الإمام السجاد والباقر والصادقعليهم السَّلام قال النجاشي: روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السَّلام وله كتاب لطيف، توفّي الإمام الصادق عام 148، وتولّد الحسن بن محبوب عام 150، وتوفّي عام 224.

على أنّ أبا المقدام وهو ثابت بن هرمز لم يرد فيه توثيق ولا مدح ولأجل ذلك لا يصحّ الاحتجاج بالحديث.

5ـ صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران فقال: إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً وأُقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق (2).

والرواية وإن كانت صحيحة تامّة الدلالة، لكن الاعتماد عليها مشكل لأمرين:

1ـ أنّها موافقة لرأي أبي حنيفة (3)، الكاشف عن وجود رأي مثله في عصر


1 ـ الوسائل: ج 18، الباب14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 18.
3 ـ مضى رأيه نقلاً عن الخلاف.


(275)

صدور الرواية.

2ـ إنّها معارضة بروايات أكثر عدداً، وأوضح سنداً.

فإن قلت: إنّ أكثر ما استدلّ على قول الشيخ و إن كان قابلاً للمناقشة من حيث السند أو المتن إلاّ أنّ المجموع من حيث المجموع قابل للاحتجاج لأنّ بعضه يشدّ بعضاً كما هو الحال في سائر المقامات.

قلت: نعم لولا أنّ الروايات المعارضة، أقوى سنداً و أكثر عدداً و أوضح مضموناً وقد عمل بها المشهور و أعرض عن مخالفه.

نعم ما نذكره من الروايات المعارضة لايُركّز على عنوان واحد و لكنّ الجميع متّفق على عدم جواز الاكتفاء بالإسلام مع عدم ظهور الفسق بل يجب أن يتمتَّع الشاهد بعنوان وارء ذاك وإليك هذه العناوين وهي بين إيجابي وسلبيّ أمّا الأوّل فإليك بيانه:

1ـ إذا علم منه خير

روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: «لوكان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس».(1)

2ـ إذا كان عفيفاًصائناً

روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:« لابأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً».(2)

3ـ إذا كان صالحاً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات ، الحديث 8 . والحديث 1 من الباب 39 من أبوابها. وحمل الخير على الإسلام بعيد خصوصاً في الحديث الأخير إذ يقول: إذا علم منهما بعد ذلك (الإسلام ) خير جازت شهادتهما أي الذمي بعد الإسلام والعبد بعد العتق.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 10.


(276)

روى العلاء بن سيّابة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : قلت فالمكاري والجمّـال والملاح فقال: «ومابأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء».(1)

4ـ أن يكون عادلاً

روى ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال قلت: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟فقال:« أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج...».(2)

روى عبد الرحمان بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «لابأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً». (3)

روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في شهادة المملوك إذا كان عدلاً فانّه جائز الشهادة إنّ أوّل من ردّ شهادة المملوك عمر بن الخطّاب. (4)

فعلى ضوء هذه العناوين الوجودية يشترط أمر غير الإسلام وعدم ظهور الفسق كما أنّ هناك روايات تشترط عدم بعض العناوين المضرّة، ككونه فاسقاً، أو ظنّيناًومتّهماً وغير ذلك وإليك الإشارة إلى تلكم العناوين.

5ـ أن لايكون فاسقاً

روى محمد بن قيس عن أبي جعفر في حديث إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ قال: « لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه». (5)

6ـ لايكون متّهماً وظنّيناً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 34 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41، من أبواب الشهادات، الحديث 1.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 23 من أبواب الشهادات ، الحديث 1و3 ولاحظ الحديث 6 من الباب 1و5 من الباب 12 من أبواب كيفية الحكم.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 23 من أبواب الشهادات ، الحديث 1و3 ولاحظ الحديث 6 من الباب 1و5 من الباب 12 من أبواب كيفية الحكم.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 7.


(277)

روى عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : ما يردّ من الشهود قال: فقال: الظنين والمتّهم قال قلت: فالفاسق والخائن قال: ذلك يدخل في الظنين.(1)

ثمّ إنّ الروايات الواردة في ردّ شهادة بعض الأصناف أزيد ممّا ذكرنا فلاتقبل شهادة فحّاش ولا ذي مخزية في الدين ومن يبتغي على الأذان والصلاة بالناس أجراً، والمريب، وذي شحناء إلى غير ذلك من العناوين الواردة في البابين 32 و33 من أبواب الشهادات في الوسائل وأكثرها يدخل تحت عنوان الفاسق، والجميع متفّق على اشتراط أمر زائد، وهو العدالة ،لكن بعد تقييد أوسع العناوين بأضيقها كما لايخفى.

وأمّا ما هي العدالة المشترطة فهل هي ملكة التجافي عن جميع الكبائر والرادعة عنها على ما هو المشهور؟ أو هي عبارة عن حسن الظاهر بمعنى الخلطة المطلعة على أن ّ ما يظهر منه حسن من دون معرفة باطنة كما عليه صاحب الجواهر.(2) والمحقّق الآشتياني في كتاب القضاء(3) ؟فهذا هو الذي نبحث عنه في كتاب الشهادات عند البحث عن صفات الشهود التي رابعها: العدالة فانتظر.(4)وبذلك نستغني عن البحث حول قول المحقق في المقام: «ولايجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر».

3ـ لوتبيّن فسق الشاهدين

إذا حكم الحاكم بعد إحراز العدالة، ثمّ ظهر فسق الشهود في زمان الإقامة أو زمان الحكم المتّصل زمانه بزمان إقامة شهادتهما، نقض حكمه، مثل ما لو تبيّن فسوقهما قبل الإقامة المتّصل بزمان إقامتها، لفقدان الشرط (العدالة) واقعاً المستلزم


1 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 30 من أبواب الشهادات، الحديث 1 ولاحظ الحديث 2، 3، 5، 6.
2 ـ النجفي: الجواهر: 41/113.
3 ـ الآشتياني: كتاب القضاء:65.
4 ـ كتاب الشهادات: النظر الأوّل في صفات الشهود.


(278)

لفقدان المشروط و هو الحكم الصحيح ولا يختصّ جواز النقض بقول المشهور، القائل بشرطيّة العدالة حين الإقامة بل يعمّ قول الشيخ أيضاً القائل بكفاية إحراز الإسلام مع عدم ظهور الفسق، و ذلك لأنّه إنّما يكتفي به إذا لم يظهر الخلاف كما هو اللائح من عبارة الخلاف الماضية. قال ابن حمزة: «فإن حكم على ظاهر الإسلام ثم بان له فسقهما نقض الحكم» (1) .

ثمّ إنّ إطلاق النقض باعتبار الظاهر و أمّا حسب الواقع فلا حكم حتى يُنقض و على كل تقدير إنّ جواز النقص مبنيّ على كون العدالة، شرطاً واقعياً، لا شرطاً علمياً و ذلك لانصراف الأدلّة إلى أنّ العدالة بوجودها الواقعي شرط فقوله سبحانه: «وَاشْهِدُوا ذَوَى عَدْل مِنْكُمْ»(الطلاق/2) وقوله ـ عليه السلام ـ :«أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة...» (2) مثل قول القائل: «إذا غسلته في الكرّ» في أنّ الموضوع هو العدل الواقعي كالكرّ الواقعي، لا المحرز منهما وإن لم يكونا كذلك.

أضف إلى ذلك أنّ أخذ العدالة شرطاً في الشاهد ليس أمراً تعبّديّاً بل لأجل صدِّه عن اقتراف الكذب و شهادة الزور و من المعلوم أنّه لا يترتّب إلاّ على وجودها الواقعية لا الذهنية.

نعم ذهب الأصحاب في باب صلاة الجماعة إلى كونها شرطاً علمياً و ذلك لما رواه على بن أبي راشد عن أبي جعفر الجواد ـ عليه السلام ـ ، أنّه قال: «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه» (3) و رواه الشيخ في التهذيب مضيفاً إليه كلمة «وأمانته» مستظهرين بأنّ المتبادر منه هو كون الشرط هو الوثوق الذي هو أمر قلبي لاواقعي. ولكن الاستظهار في غير محلّه، وذلك لأنّ المتبادر من أمثاله، هو كون


1 ـ الوسيلة:210 .ولاحظ كلام الشيخ في المبسوط :8/249.
2 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.
3 ـ الوسائل: الجزء 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.


(279)

العلم مأخوذاً على وجه الطريقية لا الموضوعية و بما أنّ في المسألة دليلاً غير هذا، نقول بما ذهب إليه المشهور من كفاية إحراز العدالة في صحّة الجماعة لا في المقام.

ثمّ إنّ كونها شرطاً واقعياً يتصوّر على وجوه:

1 ـ أنّها شرط في حقّ القاضي فقط فلو وقف على فسقهما نقض حكمه، و إلاّ يكفي إحرازه ـ و إن كان خطأ ـ في وجوب ترتيب الأثر على آخرين فليس لهم حقّ النقض و إن علموا فسق الشاهدين، مثلاً إذا طلق القاضي عند شاهدين وقد أحرز عدالتهما و إن كانا فاسقين عند الآخرين، يجب عليهم ترتيب الأثر و المعاملة معها معاملة المطلّقة.

2ـ شرط في حقّ كل من له صلاحية القضاء فلو قضى بشاهدين وقد أحرز عدالتهما، ولكن ثبت عند الآخرين فسقهما، جاز لهم النقض لأنّ علمهم بفسقهما كعلم القاضي به في كونه مجوّزاً للنقض.

3ـ شرط في حقّ جميع المكلفين من غير فرق بين من له القضاء و غيره و كون العامي عاجزاً عن إحراز شرائط العمل بالبيّنة، لايكون سبباً لعدم توجّه الخطاب إليه، كما أنّ عدم تمكّنه من إحراز شرائط العمل بالخبر الواحد الوارد في الأحكام، لا يكون سبباً عن انصراف الخطاب عنه غاية الأمر ينوب القاضي و المجتهد عنه فيما يعجز لا فيما لا يعجز فإذا وقف العامي على فسق الشاهدين فله نقض حكم القاضي أخذاً بعموميّة الخطاب.

لكن لاسبيل إلى الاحتمال الثالث: لما أفاده المحقّق الرشتي من أنّه يترتّب عليه من المفاسد التي لا يظنّ بالتزام أحد إيّاها مثل سماع قول كلّ من يتمرّد من قبول حكم الحاكم ـ و إن لم يكن من أطراف المرافعة ـ مدّعياً فسق الشهود فلا يكون علم غير الحكّام بفسق الشهود مؤثراً في جواز النقض وحينئذ يدور الأمر بين القولين و الأظهر هو القول الثاني فلا يجب عليهم إنفاذ الحكم المستند إلى البيّنة الفاسقة، إذا كانوا عالمين لها.


(280)

نعم قلنا ليس للعامي نقض الحكم و إن كان من أطراف المرافعة لكن للمحكوم عليه، جرح الشهود قبل الحكم، أو إقامة الدعوى على القاضي بأنّه حكم بشاهدين فاسقين، أو لم يتفحّص عن الجارح، ولكنّه غير صلاحيّة كلّ المكلّفين، بنقض الحكم كما لا يخفى.

وهل الفسق حال الحكم كالفسق حال أداء الشهادة أو لا؟ ذكروا فيه وجهين:

قال الشيخ :وإذا حكم بشهادتهما بظاهر العدالة عنده نفذ حكمه، فلو ثبت أنّهما فاسقين حين الحكم بشهادتهما لم ينقض الحكم و الأوّل أحوط عندنا، و الثاني تدلّ عليه رواياتنا، غير أنّه إذا علم أنّهما كانا فاسقين حين الشهادة نقض حكمه (1).

أقول: لا شكّ في عدم تأثير الفسق بعد الحكم إنّما الكلام في تأثير الفسق الطارئ بعد الإقامة، و قبل الحكم ففيه وجهان. و الظاهر كفاية وجود العدالة حال الأداء التي تصدّه عن الكذب و الشهادة بالزور، و إنّ زلّ قدمه بعد الأداء، إذ لا تأثير لبقاء عدالته بعد الأداء. ثمّ إنّ المحقّق طرح في المقام بأنّه «لا يجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر» و سيوافيك البحث عنه في كتاب الشهادات فانتظر .

***

4ـ في تزكية الشاهد أو جرحه

إذا قامت البيّنة ولم تعرَف حالُها توقّف القاضي عن الحكم ، حتّى تعلَم هويّة الشاهدين بالفحص عن حالهما حتّى يقف على تعديل أوجرح فهناك فروع:

أ: ينبغي أن يكون السؤال عن هويّة الشاهد من حيث العدالة والفسق سرّاً


1 ـ الطوسي: المبسوط 8/104 ـ 105.


(281)

من غير أن يعلم الشاهد.

ب : هل يكفي في التعديل والجرح الإطلاق أو لابدّ من التفسير؟

ج : يفتقر التعديل إلى المعرفة الباطنة المتقادمة.

د: لايفتقر الجرح إلى تقادم المعرفة.

أمّا الأوّل : فينبغي أن يكون سرّاً، من غير اطّلاع الشاهد، لأنّه يكون أبعد من التهمة إذ لو كان التحقيق بحضوره، أو مع اطّلاعه ربّما توقف المزكّي أو الجارح عن بيان الواقع فربّما يزّكي خوفاً أو حياء، بخلاف ما إذا كان بعيداًعن حضوره أو اطّلاعه.

قال الشيخ: ويكون المسألة عنه سرّاً لأنّه ليس المقصود هتك الشهود، فإذا كان جهراً ربّما انكشف عليه ما يُفتضح به، ولأنّه إذا كان جهراً ربّما توقّف المزكّي عن ذكر ما يعرفه فيه حياء، ومراعاة حقّ، ولأنّه قد يخاف المشهود عليه....(1)

وأمّا الثاني : فالأقوال فيه خمسة:

1ـ ما نسب إلى المشهور من كفاية الإطلاق في العدالة ولزوم التفسير في الجرح.

2ـ من لزوم التفسير في كلا الأمرين وهو خيرة الشهيد في المسالك.

3ـ من كفاية الإطلاق فيهما واستحسنه الشهيد الثاني فيما إذا كان المزكّي مقلّداً للحاكم أو موافقاً معه في أسباب الفسق وكفاية الإطلاق أيضاً خيرة الجواهر.

4ـ يلزم التفسير في التعديل دون الجرح على خلاف ما هو المشهور نسبه في المسالك إلى العلاّمة.


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/107.


(282)

5ـ يكفي الإطلاق إذا كان المزكّي والجارح عالمين بأسبابهما و إلاّ لزم ذكر السبب فيهما.(1)

ولنذكر بعض كلمات الفقهاء في المقام:

1ـ قال الشيخ: فإذا ثبت أنّ الجرح مقدّم على التزكية فإنّه لايقبل الجرح إلاّ مفسّراًويقبل التزكية من غير تفسير وقال قوم يقبل الأمران معاً مطلقاًوالأوّل أقوى عندنا لأنّ الناس يختلفون فيما هو جرح وما ليس بجرح، فإنّ أصحاب الشافعي، لايُفسِّقُون من شرب النبيذ ومالك يفسقه ومن نكح المتعة في الناس من فسّقه، وعندنا أنّ ذلك لايوجب التفسيق، بل هو مباح مطلق، فإذا كان كذلك لم يقبل الجرح إلاّمفسّراً لئلا يجرحه بما هو جرح عنده وليس عند القاضي، ويفارق الجرح التزكية لأنّ التزكية إقرار صفة على الأصل فلهذا قبلت من غير تفسير، والجرح إخبار عمّا حدث من عيوبه، وتجدّد من معاصيه فبان الفصل بينهما.(2)

2ـ وقال في الخلاف: لايقبل الجرح إلاّمفسّراً، وتقبل التزكية من غير تفسير وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يقبل الأمران مطلقاً فقاس الجرح على التزكية. دليلنا : الناس يختلفون فيما هو جرح وما ليس بجرح فيجب أن يفسّر فإنّه ربّما اعتقد فيما ليس بجرح، أنّه جرح، فإذا فسّره عمل القاضي بما يقتضي الشرع فيه من تعديل أو جرح.(3)

وقال المحقّق: وتثبت (العدالة بالشهادة بها) مطلقة ولايثبت الجرح إلاّمفسّراً.(4)

وقال ابن سعيد: ولايقبل الجرح إلاّ مفسّراً بخلاف العدالة.(5)


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/402ـ 403 والأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/76 وقد ذكر أقوالاً أربعة.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/109.
3 ـ الطوسي، الخلاف: 3 كتاب القضاء ،المسألة 13.
4 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/77.
5 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع: 530.


(283)

وقال العلاّمة: ويفتقر المزكّي إلى المعرفة الباطنة المفتقرة إلى تكّرر المعاشرة ولايجب التفصيل وفي الجرح يجب التفسير على رأي.(1)

وعلى كلّ حال فقد قيل إنّ المشهور هو الاكتفاء بالإطلاق في التعديل دون الجرح واستدلّ له بوجوه:

1ـ إنّ العدالة لاتتحقّق إلاّ بفعل أُمور كثيرة وترك أُمور مثلها، غير أنّ ذكرها موجب للعسر فلامحيص من الإجمال بأن يقول: رأيته مواظباً على الطاعات وترك المحرّمات زماناً معتدّاً، وأمّا إيجاب التفصيل فيؤول إلى تعطيل الأحكام وليس ذلك في الجرح ويكفي فيه ذكر اقتراف معصية واحدة.(2)

يلاحظ عليه: إذا كان المراد من التعديل الإجمالي هو قول المزكّي أنّه عادل يكون المراد من التعديل التفصيلي، قريباً ممّا يلي: عاشرت معه فترة مطلعة ورأيت أنّه كان يواظب الواجبات ويترك المحرّمات وما يعدّ خلاف المروءة. وليس التكلّم بمثل ذلك أو بأكثر منه أمراً معسوراً على أنّ كونه معسوراً يوجب سقوط المقدار المعسور، لا أصل التفصيل.

2ـ إنّ الجارح قد يتبنّى الجرح عن ظنّ خطأ، واشتباهاً ونسياناً.

يلاحظ عليه: أنّه أمر مشترك بين العدالة والجرح، وربّما يحكم بقيامه بالواجبات وترك المحرّمات عن خطأ وعن اشتباه ونسيان.

3ـ إنّ المذاهب فيما يوجب الفسق مختلفة فلابدّ من البيان ليعمل القاضي باجتهاده.

يلاحظ عليه:أنّ الاختلاف في سبب الفسق يقتضي الاختلاف في أسباب العدالة فإنّ الاختلاف مثلاً في عدد الكبائر كما يوجب في بعضها ترتّب الفسق على


1 ـ العلاّمة الحلّي، إرشاد الأذهان: 2/141.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك 2/402، مجمع الفائدة:12/76.


(284)

فعله، يوجب في بعض آخر عدم قدحه في العدالة بدون الإصرار عليه فيزكّيه المزكّي مع علمه بفعل ما لايقدح عنده فيها وهو قادح عند الحاكم.

والحاصل أنّه لو كان سبب التفصيل في الجرح هو احتمال الاشتباه والسهو في ارتكاب الخلاف، أو اختلاف العلماء في أسبابه فهما أمران مشتركان لاينحصر بالجرح ولأجل ذلك يصبح التفصيل المشهور أمراً غير تام.

وأضعف منه القول الرابع المنسوب إلى العلاّمة من لزوم التفصيل في العدالة، دون الجرح.

ومثله القول الخامس من التفصيل بين وحدة النظر بين المزكّي والقاضي فيكفي الإطلاق، وإلاّفيجب عليه التفصيل مطلقاً. وذلك لأنّه خارج عن محلّ النزاع كما هو اللائح من كلام المحقّق الأردبيلي.(1)

فبقى القولان وهو الاكتفاء بالإجمال مطلقاً، أو التفصيل مطلقاً. والظاهر هو كفاية الأوّل وذلك بوجوه:

الأوّل: أنّ الأصل هو حمل عبارة الشاهد على الواقع وإن كان هناك اختلاف بينه وبين القاضي، من غير فرق بين الموضوعات الصرفة الخارجية كالماء والتراب والنار والرماد والهلال والبدر، أو الموضوعات الاعتبارية المتعلّقة للأحكام كالملكيّة والحرّيّة والزوجيّة والبيع، سواء كان هناك اختلاف في أسبابها كما في هذه الأمثلة، أو في مفاهيمها كالعدالة والفسق وذلك إمّا لعموم حجّية قول العدل إلاّ إذا علم الاستناد في الشهادة إلى الأسباب الفاسدة ، أو لأُمور غير صحيحة كالجرح بما ليس بخارج عند القاضي وإمّا لاعتبار حمل الفعل على الصحيح الواقعي ، كما هو المحقّق في باب أصالة الصحّة فإذا شكّ في صحّة عمل، ولو مع العلم بالاختلاف بين الفاعل والحامل، يحمل على الصحّة.


1 ـ الأردبيلي : مجمع الفائدة: 12/76.


(285)

ولأجل ذلك يسمع قول الشاهد إذا شهد بالتطهير والتنجيس والبيع مع وجود الاختلاف في أسبابها.

الثاني: إنّ قدح عمل في عدالة الشاهد تابع لاعتقاده أنّه قادح فيها أولا اجتهاداً، فلو فرضنا انّ الجارح أطنب في الكلام و ذكر شيئاً قادحاً للعدالة عنده و وصل إليه القاضي و لم يعلم كونه قادحاً عند الشاهد كبيع الدهن الذي لاقى عرق الجنب من حرام لاحتمال اعتقاده بطهارته اجتهاداً أو تقليداً و إن كان نجساً عند الجارح و القاضي فالتفصيل في الجرح لا يوصله إلى عقيدة الشاهد التي هي الملاك في كون العمل قادحاً أو لا.

وبذلك تعلم حال ما ذكره المحقّق الآشتياني في المقام قال ما هذا حاصله:

إنّ معنى حجّية قول العادل هو نفي الكذب عنه وأمّا جعل ما أخبر به، أمراً واقعاً في الخارج فهو ممّا لايستفاد من أدلّة الحجّية لاحتمال الاشتباه في الإخبار فلابدّ من الرجوع إلى الأدلّة الأُخر فحينئذ إذا كان المخبر به أمراً حسيّاً كنقل الراوي كلام الإمام. يجري الأصل المتّفق عليه، وهو أصالة عدم الخطأ في الحقّ وعدم الاشتباه في الرواية والحسّ.

وأمّا إذا كان حدسياً فإن كان ما أخبر عنه نفس الحكم الشرعي كإخبار المجتهد عن الحرمة والوجوب فهو ممّا قام الإجماع على وجوب تصديقه في حقّ المقلّد.

وأمّا إذا كان المخبر به، الموضوع الذي تعلّق به الحكم الشرعي وكان طريق ثبوته مختلفاًفيه حسب اعتقاد المجتهدين كما في الفسق فلايجب فيه تصديق العادل حتّى يشهد تفسيراً حتّى ينتقل الحاكم في كلامه إلى نفس ما انتقل إليه المزكّي.(1)


1 ـ الآشتياني، كتاب القضاء:67.


(286)

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: أنّ لازم ذلك عدم قبول الشهادة على الزوجيّة والملكيّة التي تختلف فيها أنظار العلماء من حيث الأسباب حيث إنّهما وإن كانا ينتهيان إلى الأسباب الحسّية لكن لأجل اختلافهم في أسبابهما لايجب فيه تصديق العادل حتى يشهد تفسيراً لينتقل الحاكم من كلامه إلى نفس ما انتقل إليه الشاهد بهما.

وثانياً: أنّ اختلاف الجارح والقاضي في كون عمل معصية كبيرة عند الجارح ومعصية صغيرة عند القاضي لايكون مؤثراًفي المقام ، وإنّما المؤثر اعتقاد الشاهد الفاعل في كونها صغيرة أو كبيرة اعتقاداً ناشئاً عن اجتهاد أو تقليد فلا فائدة في وصول القاضي إلى نفس ما وصل إليه المزكّي، بل لو وجب التفصيل يجب أن يكون على وجه يصل القاضي إلى عقيدة الشاهد بالنسبة إلى الفعل الذي ارتكبه، هل كان يراه محرّماً أو مباحاً والمفروض أنّ التفصيل في المقام لايوصل القاضي إليه.

الثالث:صحيح يونس بن عبد الرحمان عن بعض رجاله عن أبي عبد الله: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم : الولايات، والتناكح ، والمواريث، والذبائح، والشهادات...(1)وقد تقدّم أنّ مفاد الحديث بشهادة ذيله أعني: «ولايسأل عن باطنه» هو قبول شهادة الشاهد والأخذ بظاهر قوله من دون لزوم السؤال عن مصدر شهادته وسببها.

وأمّا الثالث والرابع تقادم المعرفة في التعديل والجرح وعدمه فقال المحقّق: تفتقر العدالة إلى المعرفة الباطنة المتقادمة ولايحتاج الجرح إلى تقادم المعرفة وذلك لأنّ العدالة سواء فسّرت بالملكة أو بحسن الظاهر، لايثبت إلاّ بالمعرفة المتقادمة أمّا الملكة فواضح وأمّا حسن الظاهر، فإنّ المراد عدم رؤية شيء منه سرّاً وجهراً إلاّ الحسن وهو يتوقّف على مرور زمان. وأمّا الجرح فيكفي العلم بموجب الجرح كالكذب أو الغيبة ولو مرّة واحدة من غير تقادم المعرفة.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1.


(287)

اعلم أنّ دخول التعديل والجرح في باب الشهادة ، غير دخولهما في باب الدعاوي التي يعتبر فيها التعدّد والظاهر جواز الاكتفاء فيهما بواحد من المزكّي والجارح.

توضيحه: أنّا قوّينا في محلّه(1) حجّية خبر العدل في الأحكام والموضوعات، خرج عنه باب الدعاوي لقوله: إنّ البيّنة للمدّعي واليمين على المدّعى عليه(2) ومثله ما اعتبر الشارع في ثبوته التعدّد كالهلال، والقدر المتيقّن من هذه الروايات ما يدخل في عنوان الادّعاء ، فيرجع في غيره إلى عموم حجّية خبر العدل ، اللّهمّ إلاّ أن يتأمّل في كفاية العدل الواحد بما تقدّم في كفاية المترجم الواحد فلاحظ.

5ـ في اختلاف المزكّي والجارح

إنّ اختلاف المزكّي والجارح على قسمين:

تارة يرجع الاختلاف إلى وقوف واحد منهما على مالم يقف عليه الآخر من دون أن يكون هناك تكذيب من أحدهما بالنسبة إلى الآخر، وأُخرى إلى التكاذب، بأن يخطِّئ كلّ الآخر، ويكذّبه، ولأجل ذلك يعبّر المحقّق عن الأوّل بالاختلاف وعن الثاني بالتعارض وإليك بعض النصوص.

قال الشيخ في الخلاف:«إذا شهد إثنان بالجرح وشهد آخران بالتعديل وجب على الحاكم أن يتوقّف وقال الشافعي: يعمل على الجرح دون التعديل. وقال أبو حنيفة : يقبل الأمران فيقاس الجرح على التذكية.دليلنا إذا تقابل الشهادتان ولاترجيح لأحد الشاهدين وجب التوقف.(3)

قال المحقّق: وإذا اختلف الشهود في الجرح والتعديل، قدّم الجرح لأنّه


1 ـ السبحاني، كلّيات في علم الرجال:159ـ160.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 3.
3 ـ الطوسي، الخلاف: 3، كتاب القضاء، المسألة 12.


(288)

شهادة بما يخفى على الآخرين، ولو تعارضت البيّنتان في الجرح والتعديل قال في الخلاف: توقّف الحاكم ولو قيل يعمل على الجرح كان حسناً.(1)

أقول: لابدّ من البحث في موردين: فتارة في اختلاف المزكّي وأُخرى في تعارضهما.

أمّا الاختلاف، فإن كان على وجه الإطلاق بأن يقول المزكّي، عادل والجارح أنّه فاسق، فوجه تقديم الجارح، لعدم وجود التعارض بينهما، لأنّ الأوّل يدّعي أنّه ذو ملكة رادعة وأنّه لم يرَ منه طول المعاشرة، أيّة معصية، والجارح لاينكر الملكة، غاية الأمر يدّعي أنّ الميول النفسانية غلبت عليها و أنّه رأى منه ما يوجب الفسق فهو يدّعي شيئاً لا يدّعيه المزكي، لا أنّه ينكره.

وربّما يعكس الأمر، فالمزكّي يدّعي ما لا يدّعيه الآخر، كما إذا قال الجارح: صدر منه يوم كذا معصية، قال المزكّي:لكنّه تاب عنه في مشهد منّي ثمّ مارسته وخالطته بعد ذلك فوجدته ذا ملكة بعدها ولم يصدر منه ما ينافيها، وبذلك يظهر أنّ إطلاق كلام المحقّق أنّه يقدّم الجارح ليس بتامّ . لابدّ أن يقال: يقدّم قول من يدّعي شيئاً لايدّعيه الآخر بمعنى لايكذّبه فهو تارة ينطبق على قول الجارح وأُخرى على قول المزكّي.

أمّا إذا كانت الشهادة بنحو التعارض كأن شهد الجارح بفعل المعصية في وقت ومكان كذا وشهد المزكّي بأنّه كان في ذلك الزمان في غير ذلك المكان وكان متفرغاً للعبادة مثلاً.

ففيه وجهان:

الأوّل: ما عرفته من الشيخ من التوقّف وذلك لأنّ مقتضى القاعدة في تعارض الأمارات هو سقوطهما عن الحجّية. لا الرجوع إلى المرجّحات لأنّ الأصل


1 ـ الشرائع:4/77.


(289)

فيما شكّ في اعتباره من الظنون استقلالاً وترجيحاً هو عدم الحجّية، لأنّه لافرق في الاحتجاج بين الاستقلال، أو الترجيح وادّعاء أنّ سيرة العقلاء في المقام على متابعة أقرب الطريقين إلى الواقع وأرجحهما ، غير ثابت بل الظاهر هو السقوط. نعم خرج باب الأحكام الشرعية ففيه يرجع إلى المرجّحات أخذاً بالنصوص كالمقبولة وغيرها ، ثمّ إنّ الشيخ الطوسي عبّر عن سقوطهما بالتوقّف وأمّا ماذا يصنع القاضي بعد التوقف فسيوافيك المراد منه .

الثاني: ما ذكره المحقّق من أنّه :«لو قيل يعمل على الجرح كان حسناً» وأيّده في الجواهر باعتضاد بيّنة الجارح بأصالة عدم حصول سبب الحكم فيبقى المنكر مثلاً حينئذ على حجّته بلا معارض.ضرورة عدم الفرق في العمل بين الجرح الثابت و بين عدم ثبوت العدالة. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الأصل عند التعارض مرجع لا مرجّح فلايصحّ قوله:«باعتضاد بيّنة الجارح بالأصل» لما قد حقّق في الأُصول من أنّ الترجيح فرع وحدة الرتبة بين المرجّح وذي الترجيح، وليس الأصل في درجة البيّنة.

وثانياً: أنّ المرجع بعد التعارض هو قوله:«واليمين على المدَّعى عليه» فتصل النوبة إلى الاستحلاف من دون حاجة إلى اعتضاده بالأصل المزبور.فتترك بينة المدّعي ـ لأجل تعارض التذكية الجرح ـ و يطلب من المنكر في الواقعة، اليمين.

هذا والظاهر أنّ الثمرة بين القولين: (التوقّف أو العمل بقول الجارح) يظهر في صورة واحدة، وهي تفسير التوقّف في كلام الشيخ، بالتوقّف المطلق وترك القضاء ودعوة الطرفين إلى المصالحة، فعلى قول الشيخ يرجع إلى المصالحة وعلى قول المحقّق يعمل بمقتضى قول الجارح وهو استحلاف المنكر.

وأمّا إذا قلنا إنّ مراد الشيخ، هو التوقّف عن القضاء ببيّنة المدّعي، لا التوقّف عن القضاء على وجه الإطلاق فيلزم العمل بمقتضى إنكار المنكر


1 ـ النجفيّ: الجواهر:40/121ـ122.


(290)

أعني:«واليمين على المدَّعى عليه»، فتكون النتيجة على كلا القولين واحداً.

ويظهر من الجواهر ترجيح المعنى الأوّل وهو التوقّف عن الحكم أصلاً حتّى بيمين المنكر الذي لم تعلم حجّيته في هذا الحال باعتبار وجود بيّنة المدّعي وإن كان لاعمل عليها باعتبار معارضتها ببيّنة الجرح وحينئذ يكون ميزان الحكم مجهولاً لانسياق الأدلّة في غير هذا الفرض فيرجع إلى الصلح أو غيره.(1)

يلاحظ عليه: لاوجه لانصرافها عن هذه الصورة إذ المتقدّم من بيّنة المدّعي على يمين المنكر، هو الحجّة منها والتي يصلح للاحتجاج وأمّا ما لايصلح له، وكان إقامتها وعدمها سيّان فلاتكون مانعاً من الرجوع إلى مقتضى إنكار المنكر وهذا مثل ما إذا أقام بيّنة لم تعرف بعدل أو غيره.

المسألة التاسعة: في تفريق الشهود

إذا أُقيمت البيّنة على المدّعى. فإن كان القاضي عالماً بصدقها أو ظانّاً به أو غير واقف بشيء من صدقها وكذبها، فيقضي بها إذا طلب المدّعي صدور الحكم ولايجوز التأخير الحاكي عن المساهلة في الانتصاف وأخذ الحقّ ودفعه لذيه.

إنّما الكلام إذا كانت هناك ريبة في شهادة الشهود ومظنّة على كذبهم، إمّا لاحتمال تواطئهم على التزوير، أو لالتباس الأمر عليهم لأجل افتقادهم البصيرة اللازمة والذهن القويّ. فهل يجوز له القضاء بحجّة اكتمال أركان القضاء أو يلزم عليه التثبت إلى أن ترتفع الريبة بظهور سيماء الحقيقة؟ الظاهر هو الثاني وذلك لوجهين:

الأوّل: انصراف عمومات القضاء وخصوص ما دلّ على أنّ البيّنة للمدّعي واليمين على المدّعى عليه عن مثل هذه الصورة التي يتمكّن القاضي من رفع


1 ـ النجفي: الجواهر: 40/121.


(291)

الغشاء والتزوير عن وجه الحقيقة بطريق سهل غير عسير.

الثاني: ما ورد في الآيات والروايات من لزوم القضاء بالحقّ قال سبحانه:«يا داودُ إنّا جَعَلناكَ خَليفةً في الأرضِ فاحْكُم بينَ الناسِ بِالحقِّ ولاتتّبعِ الهَوى»(ص/26)فالواجب هو القضاء بالحقّ مهما أمكن، ولاشكّ أنّ التثبّت في المقام والتحقيق عن صدق مقالهم أو كذبه، أقرب إلى الحقّ من التسرّع إلى القضاء فيكون واجباً.

وبذلك يظهر أنّه لاحاجة في إيجاب التثبّت إلى الاستدلال بعمل دانيال، أو داودعليمها السَّلام إذا كانت نفس أدلّة القضاء كافية في إثباته حتّى يستشكل بنسخ شرائعهم بشريعتنا، ويجاب بأنّه لاينافي الأمر ببعض ما كان عندهم، إذ المسلَّم منعه التعبّد بشرعهم من حيث إنّه مشروع عندهم لامطلقاً.(1) وذلك لأنّ ما ذكرهمن الإشكال والجواب تبعيد للمسافة بعد إمكان استفادة ذلك من نفس الأدلّة.

ومن طرق التثبت هو تفريق الشهود تارة، والمتّهمين أُخرى وقد قام بهما علي ـ عليه السلام ـ فتارة فرّق الشهود، واستنطق كلّ واحد بعيداً عن الآخر كما في قصّة يتيمة شابّة تربّت في بيت رجل وخافت امرأة الرجل من أن يتزوّجها(زوجها) فرمتها بالفاحشة وأقامت البيّنة من جاراتها(2) وأُخرى فرّق المتّهمين بالقتل، المنكرين له كما في حديث جماعة خرجوا إلى السفر فرجع الجميع إلاّ واحد منهم، فرفع ابن المفقود الشكوى إلى أمير المؤمنين قال: هؤلاء النفر خرجوا وأبي معهم في السفر فرجعوا ولم يرجع إليّ فسألتُهم عنه، فقالوا مات فسألتُهم عن ماله فقالوا ما ترك مالاً فقدّمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت أنّ أبي خرج ومعه مال كثير فقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : والله لأحكمنّ بينهم بحكم ماحكم به قبلي إلاّ داود، إلى


1 ـ النجفي: الجواهر: 40/122.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 19 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(292)

آخرها.(1)

ويستفاد من الروايات ـ بعد التأمّل فيها ـ عدم اختصاص التثبت بالتفريق بل للحاكم التوصل إلى معرفة الحقّ بما يراه في ذلك الوقت مما لاينافي الشرع و عليه لو كانت للحكومة دائرة خاصّة تسجّل أسماء الجانين وهويّاتهم ففي إمكان القاضي الاستعانة من ملفّاتهم أو غير ذلك من الطرق المبيّنة للحق. كما استعان علي ـ عليه السلام ـ بالتكبير، وإراءة السيف وما عرّف به نفسه إلى غير ذلك كما ورد في الروايتين.

ثمّ إنّ الشهيد الثاني خصَّ التفريق بما قبل الاستزكاء إن احتيج إليه (2) وأضاف إليه في الجواهر فقال :«بل ظاهره حتى مع الريبة لعدم ثبوت مانعيتها عن الوزن بالميزان الشرعي الموضوع للوزن به بين الناس»(3) ومعنى ذلك أنّه بعد الاستزكاء يسقط التثبت سواء كان هناك ريبة أو لا.ولكن الظاهر، عدم اختصاصه بما قبل الاستزكاء فإنّ عروض الريبة، مطلقاً يصدّ الفقيه عن التمسّك بالعمومات ، لما عرفت من حديث الانصراف، أو لزوم القضاء بالحقّ مهما أمكن كما أنّ له التفريق من أوّل الأمر عند سماع الشهادة وإن لم تكن ريبة لإطلاق قوله تعالى:«وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجالِكُم»(البقرة/282) .

وتصوّر كونهم عدولاً بالاستزكاء يُغني عن التثبت ويرفع الريبة مدفوع بأنّ العدالة تصدّ صاحبها عن الكذب غالباً ولكن ربّما يصير مغلوباً للميول النفسانية، وبذلك يظهر أنّه ربّما يكون التثبت واجباً لا مستحبّاً و يصبح التفرق المحقِّق له مثله في الحكم، نعم الوجوب يتعلّق بالعنوان و هو التثبُّت، والتفريق و كلّ ما يحقّقه مصداق له.

ثمّ إنّ المحقّق ذكر في المسألة الرابعة عشرة، مايعدّ تكميلاً لما ذكر في المقام وسيوافيك نصُّه هناك.


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 20 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/402.
3 ـ النجفي:الجواهر: 40/123.

Website Security Test