welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1

نظام القضاء والشهادة
في الشريعة الاسلامية الغراء

تأليف
العلامة الفقيه

الشيخ جعفر السبحاني

الجزء الأوّل

نشر
مؤسسة الإمام الصادق (ع) إيران _ قم


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

القضاء و دوره في استتباب الأمن
و استقرار العدل

تقوم الحكومة الإسلامية على دعائم ثلاث، يلعب كلّ منها دوراً هاماً في تشييد معالمها وهي عبارة عن:

1. السلطة التشريعيّة.

2. السلطة التنفيذيّة.

3. السلطة القضائيّة.

فللسلطة التشريعية مراحل نشير إليها على وجه الإيجاز:

أ. مرحلة التشريع: أي سنّ القوانين و جعلها: و هو مختص بالله سبحانه، و ليس لأحد حقّ التقنين و التشريع، و هذا ما يعبر عنه بالتوحيد في التقنين.

ب. مرحلة الاستنباط: أي استنباط ما شرّعه الله سبحانه في الكتاب والسنّة و غيرهما من مصادر التشريع، و يقوم بتلك المهمة الفقهاء العظام.

ج. مرحلة التخطيط: و هي وظيفة المجلس النيابي الذي يضم نواب الأُمّة من ذوي الاختصاص، و تطرح فيه البرامج المختلفة في مجالات شتى على ضوء القوانين


(4)

الإسلامية.

هذا كلّه حول السلطة التشريعية.

وأمّا السلطة التنفيذية فهي التي تأخذ على عاتقها إدارة البلاد بصورة مباشرة دون أن يكون هناك التزام بأُسلوب وصورة خاصة لإدارتها غير كونه موافقاً للشرع، و لأجل ذلك تتبع كلّ ما تجده صالحاً حسب مقتضيات الزمان. فإنّ المطلوب من صاحب الشريعة هوالتركيز على لزوم السلطة و مواصفات القائمين عليها، وأمّا أساليب التنفيذ فإنّما تتبع متطلبات الزمان شريطة أن لا تكون مخالفة لما سنّه الإسلام.

وأمّا السلطة القضائية التي هي موضوع بحثنا في هذا التقديم، فتمثل مكان الصدارة في استتباب الأمن والنظام، واستقرار العدل، و صيانة الحقوق و الحرّيات من التعسّف والتعدي، و بذلك يسود التوازن والقسط والعدل ربوع ذلك المجتمع.

و يكفي في الإشارة إلى منزلة القضاء الرفيعة انّه من شؤون الأنبياء، كما نلاحظه في قوله سبحانه:«يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْض فَاحْكُمْ بَيْنَ الناسِ بالحَقِّ وَلاتتّبِعِ الهَوى فَيُضلَّكَ عَنْ سَبيلِ الله»(ص/26).

و كان الأنبياء يصدرون في فصل الخصومات عن الكتب السماوية دون أن يتعدوها قيد شعرة، قال سبحانه:«إِنّا أنْزَلْنا التَوراةَ فِيها هدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الّذينَ أَسْلَمُوا لِلّذينَ هادُوا» (المائدة/44).

و يخاطب الله سبحانه نبيّه الخاتم بقوله:«وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَل اللّهُ إِليك» (المائدة/49).

هذه هي مكانة القضاء و هؤلاء هم القضاة (الأنبياء) وهذه برامجهم، فليس للقاضي القضاء طبقاً للقوانين الوضعية التي لا تمتُّ إلى أحكام السماء بصلة، ولا القضاء بالهوى، و قد نوّه سبحانه إلى ذينك الأمرين بقوله:«فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحقّ»(المائدة/48).


(5)

وحدة السلطة التنفيذية و القضائية و فصلهما

إنّ الرائج في العصور المتأخرة فصل السلطتين القضائية و التنفيذية لمصالح تقتضيه، و لكلّ سلطة حدودها ومجال نفوذها، لئلاّ تتداخل إحداهما في شؤون الأُخرى.

ولانرى في الإسلام أصلاً لهذا الفصل، لا بمعنى انّ الإسلام ينهى عنه و يمنع منه، بل ترك فصل السلطتين أو وحدتهما إلى مقتضيات الزمان، فالنبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أوّل من مارس القضاء في الشريعة الإسلامية كما مارس في الوقت نفسه السلطة التنفيذية، فكان بشخصه يُمثِّل السلطتين، و قد بلغ عناية القرآن بلزوم التسليم أمام قضائه حدّاً ، عدّ التسليم لقضائه من مقدمات الإيمان، قال سبحانه:«فَلا وَ ربِّكَ لا يؤمِنُونَ حتّى يُحكِّمُوكَ فِيما شَجَرَبَيْنَهمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (النساء/65)، فكان حاكماًو قاضياً و في الوقت نفسه كان ينصب القضاة، فقد بعث صلَّى الله عليه و آله و سلَّم عليّاً إلى اليمن للقضاء و دعا في حقّه قائلاً: «اللّهمّ اهد قلبه و ثبّت لسانه»(1). كما بعث معاذاً إلى اليمن لهذه المهمة أيضاً، و سار على هذا النهج، الخلفاء الذين أخذوا بزمام الأُمور بعد رحيل النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فكانوا ولاة و قضاة في آن واحد.

ولما غادر الإمام ـ عليه السلام ـ البصرة إلى الكوفة و جعلها دار الخلافة، فقد مارس القضاء و هو وال إضافة إلى أنّه ـ عليه السلام ـ نصب شريحاً لمهمة القضاء و شرط عليه أن لا ينفذ ما قضاه حتى يعرضه عليه.(2)

فالفصل بين السلطتين أو وحدتهما أمر متروك إلى المصالح.

وهنا نكتة جديرة بالبحث و هي انّ الحافز من وراء فصل السلطتين في الأوساط الغربية هو عدم اشتراطهم شيئاً من المواصفات في السلطة التنفيذية سوى الدهاء و


1 ـ الجزري: جامع الأُصول: 1 / 549 أخرجه أبو داود والترمذي .
2 ـ الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 .


(6)

العقل والكفاءة الذاتية من دون اشتراط عنصر الإيمان و العدالة و الزهد على خلاف ما اشترط الإسلام، وقال سبحانه:«اَلّذينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاة وَآتوا الزَّكاة وَأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَ نَهَوا عَنِ المُنْكَرِوَ للّهِ عاقِبَةُ الأُمور»(الحج/41).

فلو مارس الحاكم بهذه المواصفات مهمّة القضاء لا يهمه سوى اجراء العدالة دون أن يستغل مقامه السامي في إحقاق الباطل و إبطال الحق. بخلاف الحاكم في الأنظمة الغربية فلا يبعد أن يستغل مقامه في صالح المبطل و ضدّ المحق .

إنّ على عاتق الجمهورية الإسلامية رفع المستوى الفقهي للقضاة، فلا تنصب لتولي مديرية هذه المهمّة إلاّ من له أهليّة الاستنباط في باب القضاء والشهادات و الحدود و الديات التي يجمعها لفظ عنوان الأحكام والسياسات.

كما أنّ على عاتق مديرية الحوزة العلمية أن تجعل القضاء إحدى مواد مناهجها الدراسية يتخصص بها، لفيف من الفضلاء و هذه أمنيّة كسائر الأماني التي لم أزل أنادي بها منذ زمن بعيد.

و في الختام أتقدّم بالشكر الجزيل إلى ولدي الروحي الفاضل حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ «محمد الهادي به» حيث حضر هذه البحوث بوعي و دقة كما حضر سائرها وأشرف على هذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ إشرافاً علمياً منذ تدوينه إلى إخراجه بهذه الحلة ا لرائعة، فشكر الله مساعيه و جعله من العلماء العاملين و نفع الله به الإسلام و المسلمين، آمين ربّ العالمين.

قم. مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ
للأبحاث و الدراسات الإسلامية
جعفر السبحاني
في 15 من شهر ربيع الأوّل من شهور عام 1418 هـ


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أمر عباده بالقضاءبالعدل و الحقِّ، و نهاهم عن الحكم بالجور و العسف. والصلاة و السلام على رسوله الذي بعثَه بالحُجج و البيّنات، و رافقه بالصحف و الكتاب، و على وصيّه الحاكمِ بالقسط، و أقضى الأمّة، و عترته الطاهرين، أئمّة العدل و خلفاء الله على الأرض، صلاة لانهاية لها.

أمّا بعد: فقد طلب منّي لفيف من الفضلاء الأكارم، و جمع من العلماء الأماثل، إلقاءَ محاضرات حول القضاء في الإسلام، الذي اشتدّت الحاجة إليه بعد قيام الثورة الإسلاميّة في ايران و زادت الرغبة إلى فهم أصوله ودقائقه بين طلاّب الفقه و بغاة الفضيلة فنزلت عند رغبتهم، سائلاً من اللّهسبحانه العصمة من الخطاء في القول، و الزلل في العمل، إنّه خير معين و مجيب.

فنقول: مقاصد القضاءأربعة :

الأوّل : القاضي و صفاته.

الثّاني :في آداب القاضي.

الثالث: في كيفيّة الحكم.

الرابع : في أحكام الدعاوي.

و قبل الخوض في المقصود نقدّم اُموراً:


(8)

الأمرالأوّل :

في أن القضاء أحد الدعائم الثلاث لسعادة المجتمع

من سَبر الكتب الفقهيّة و أمعن النظر في المصادر الإسلاميّة، يقف على أنّ الشريعة الإسلاميّة إعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة، لكل شأنه و موقفُه و لايستغني عنها اهل الدّين في زمان من الأزمنة، وأنّ رحى الحياة في جميع الأدوار تدور عليها، و هي:

1ـ السائس و الحاكم

هذا هو الركن الأوّل لإدارة المجتمع، والمقصود منه وجود قوّة تنفيذيّة، تنفّذ و تطبّق ماجاء به صاحب الشريعة في مجالات مختلفة، و في ظلّ هذه القوّة المتمثّلة في الحاكم الإسلامي، يسود الأمنُ على البلاد، و يُجْبى الصدقاتُ و الزكاةُ، و تُجرى الحدودُ و الأحكام على العصاة و الطغاة، و تُحفظُ ثغور البلاد من دخول الأعداء و تسلّل الكفّار إلى أراضيها و أجوائها ليفسدوا الأمر عليهم. إلى غير ذلك من وظائفَ لِسائس القوم و حاكمهم و منظِّم أمورهم في مجال ترويج الاقتصاد و التّجارة، و بسط العدل و القسط، وصيانة الأمّة من الظلم و التعدّي و ما شابهها، و تختلف وظائف السائس قلّة و كثرة حسب إختلاف الحضارات و البيئات الّتي تحيط به.

قال سبحانه «الّذينَ إنْ مكّنّاهم فِى الأرضِ أقاموا الصَّلوةَ وَ آتَوُا الزكوةَ و أمرُوا بِالمعْروفِ و نَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ»(الحج/41)

و قال الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ : «إنّا لانجد فرقة من الفرق ولاملّة من الملل، بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أنْ يتركَ الخلقَ ممّا يعلم أنّه لابدّ لهم منه ولاقوامَ لهم إلاّ به،


(9)

فيقاتلون به عدوّهم، ويقسمون فيئهم ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم فيه مظلومهم».(1) وعُبّر عن السائس في الروايات، بالحاكم والسلطان والإمام إلى غير ذلك.

2ـ القاضي والفاصل للخصومات

وهذا هو الركن الثاني لإدارة المجتمع الإسلامي بل مطلق المجتمع البشري لأنّ الحياة الفردية، لاتثير أي اختلاف ونزاع بخلاف الحياة الجماعيّة فإنّ الاختلاف فيها وافر نابع من جهات عديدة فتثير التزاحم والتصادم في الحقوق والأموال، إمّا طمعاً في حقوق الآخرين وأموالهم أو جهلاً بالحكم والوظيفة واعتقاداً بملكيّة ماليس يملكه أو بحقّ ليس يستحقّه، فلامناص من وجود قوة قضائية وسلطة نافذة فاصلة للخصومات، محلّة للعُقَد، ببنان العدل والانصاف وفي ضوء القانون النازل من الله سبحانه وإلى ذلك تشير الآيات الواردة في سورة المائدة من الآية الثانية والأربعين إلى الآية الخمسين .

3ـ المفتي والمجتهد

إنّ الإسلام ليس مجرّد أوراد وطقوس جافّة لاتتجاوز عدّة آداب ومراسيم، يُلْقيها القُسُّ (2) في الكنائس بل هو ذو تشريع مسهب فيه حياة الفرد والمجتمع في عاجلهما وآجلهما، يغنيهم عن الاستعانة بأيّة قوّة تشريعية أجنبية، غربية وشرقية في مجال العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والسياسات، والقضاء والشهادات.

إنّ التشريع الإسلامي بما يتمتّع من السعة والاسهاب، يعدُّ من معاجز النبي الأكرم، وآيةُ صلته بقدرة غير متناهية، استطاع على إغناء المجتمع ـ عن أيّ نظام


1 ـ علل الشرايع : 253 . وللحديث ذيل فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.
2 ـ القس: كفلس، رئيس رؤساء النصارى في الدين والعلم، وكذلك القسيس.


(10)

تشريعي ـ في كلّ ما يمت إلى الحياة الفرديّة الاجتماعية والسياسية والخُلقية والبيئيّة بصلة.

إنّ هذه الأركان الثلاثة قد تجتمع في شخص واحد كما في الرسول الأكرم وأوصيائه وقد لاتجتمع كلها في شخص لضرورات اجتماعية توجب تقسيم الوظائف والمناصب، ومثل هذا لايعني فصل الدين عن السياسة.

ويكفي في أهميّة مقام القضاء أنّه سبحانه اختار أنبياءه للقيام به وقد خاطب نبيّه داود بقوله:«يا داود إنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الأرض فاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ» (ص/26).

وقال مخاطباً نبيه «وَإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إنّ الله يُحِبُّ المُقْسِطينَ»(المائدة/42) وقال سبحانه :«وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكْتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنزلَ اللّهُ ولاتَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ»(المائدة/48) وقال سبحانه :«وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنزَل اللّهُ ولاتتَّبع أهواءَهُم واحْذَرْهُمْ أنْ يَفتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَل اللّهُ إلَيْكَ»(المائدة/49)

وليس المراد من الحكم في الآيات هو الحكم فيما يرجع إلى الأُصول والعقائد، بل المراد هو الحكم في مجال الفروع وذلك بوجهين:

1ـ قوله سبحانه: «وَكَيْفَ يُحَكِّمونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوراةُ فيها حُكمُ اللّهِ ثمّ يتولّون َمِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أولئكَ بِالمؤمِنينَ»(المائدة/43) فإنّه بحكم قوله: «يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم اللّه» صريح في كون مجال الحكم هو الفروع.

2ـ ما روي في شأن نزول الآيات عن الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ وجماعة من المفسّرين: إنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعاً


(11)

في أن يأتي لهم برخصة....(1)

والآيات وإن كان خطاباً للنبي الأكرم، لكنّه من قبيل: «إياك أعني واسمعي يا جارة» فهي تدلّ بوضوح على أنّ القاضي في مظنّة اتّباع الهوى، معرضاً عن الحقّ، وأنّ المترافعين ربّما يفتنونه عن القضاء بما أنزل الله وعليه فلايتصدّى لذلك المقام إلاّ من امتحن الله قلبه، للتقوى، وامتلأ جوانحه بالخوف والخشية.

ويكفي من السنّة، ما روي أنّ لسان القاضي بين جمرتين من نار(2) حتّى يقضي بين الناس فإمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار.(3)

وروى المفيد مرسلاً عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :فإنّ من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين.(4)

إلى غير ذلك من الآيات والروايات النّاصة على خطورة الموقف وعظمة المسؤولية للقاضي.

الأمر الثاني : القضاء لغة واصطلاحاً

ذكر اللغويون للقضاء معاني مختلفة، ففي القاموس: القضاء: الحكم، والصنع والحتم، والبيان، وقضى:مات، وقضى عليه:قتله، وقضى وطرَه:أتمّه وأدامه، وقضى عليه عهداً:أوصاه وأنفذه، وقضى إليه:أنهاه، قضى غريمه دينَه: أدّاه.

ولكن الظاهر أنّ الجميع من طوارئ المعنى الواحد، الذي نصّ عليه ابن


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان 2/193 ط صيدا.
2 ـ الجمرة: النار المتقدة.
3 ـ الوسائل : الجزء 18، الباب 2 من أبواب آداب القاضي، الحديث 3.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.


(12)

فارس في مقاييسه الذي ألّفه لبيان أُصول معاني الألفاظ وجذورها وقال:له أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه قال سبحانه: «فقضاهنّ سَبْعَ سَماوات في يَومَين»(1) أي :احكم خلقهنّ، والقضاء: الحكم، قال سبحانه :«فَاقْضِ ما أنْتَ قاض»(2) أي: اصنع واحكم، وسمي القاضي قاضياً لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسميّت المنّية قضاء، لأنّه أمر ينفذ في بنى آدم وغيره في الخلق.(3)

فكل فعل يصدر عن فاعله بإحكام وإتقان، وتنفيذ، فهو قضاء والموارد المذكورة في عبارة القاموس من مصاديق هذا المعنى الواحد.وإن شئت قلت:المادّة وضعت للفعل، الصادر عن الفاعل بإتقان واستحكام وأمّا خصوصيّة الفعل من الصنع، والحكم والموت، والأداء، وقضاء الحاجة فإنّما تعلم من القرائن والمتعلّقات فإذا تعلّق بالسماوات، يكون قرينة على أنّ الصادر بإتقان، هو الخلق، وإذا تعلق بالدّين، يكون دليلاً على أنّ الصادر، الأداء، وإذا تعلّق بحكم تشريعي، يكون المراد هو الحكم مثل قوله:«وَقَضى رَبُّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه» (الاسراء/117)

تعاريف أربعة للقضاء

هذا كلّه حول معنى القضاء لغة وأمّا اصطلاحاً فقد عرّف بوجوه:

1ـ عرّفه الشهيد بقوله:«ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامّة من قبل الإمام ».(4)

2ـ عرّفه الشهيد الثاني بقوله:«ولاية الحكم شرعاً لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعيّة على أشخاص معيّنة من البرية بإثبات الحقوق


1 ـ فصلت : 12.
2 ـ طه: 72.
3 ـ ابن فارس: المقاييس، مادة «قضاء».
4 ـ الشهيد: الدروس: 168.


(13)

واستيفائها للمستحق».(1)

والأوّل أعمّ من الثاني، لعدم شمول الأخير، لمثل إثبات الهلال، لأنّه ليس من قبيل إثبات الحقوق واستيفاؤها للمستحق.

ويرد على التعريفين أمران :

أ ـ إنّ الولاية ليست نفس القضاء وإنّما هي المصحّحة له، لأنّ نفوذ الفصل بين المتخاصمين يتوقّف على كون القاضي ذاولاية تجعل حكمه نافذاً في حقّ المولّى عليه، أشبه بنفوذ تصرّف الأب والجدّ في حقّ الصغير ، فتكون الولاية من مؤهلات القضاء ومصححاته، لانفسه.

وما ربّما يقال إنّ الغرض من ذكر الولاية بيان أنّ القضاء الصحيح من المراتب والمناصب كالإمارة وهو غصن من شجرة الرئاسة العامّة للبني(2) غير تام لأنّه صحيح ثبوتاً و لايكون مصحِّحاً لأخذها في التعريف المبين لماهيّة القضاء.

ب ـ إنّ التعريفين لايشملان قضاء النبي والإمام، لتقييد الولاية في الأوّل بكونها من قبل الإمام، و بمن له أهليّة الفتوى في الثاني، و النبيّ ليس بمفت وكذا الإمام،وكون الولاية شاملة لما يكون من قبل الله، وإن كان يدخل فيها قضاء الإمام فيهما، لكن تقييدها بكونها من قبل الإمام في التعريف الأوّل وبمن له أهليّة الفتوى في التعريف الثاني، يخرج قضاء النبي والإمام عن التعريف .

إلاّ أن يقال: المقصود هو تعريف القضاء الرائج وهو قضاء غيرالنبي والإمام .

3ـ القضاء: فصل الأمر قولاً أو فعلاً. (3)


1 ـ المسالك: 2/388، الطبعة الحجرية عام 1268.
2 ـ النجفي، الجواهر: 40/9.
3 ـ كشف اللثام، و فيه: فصل الأمر مكان الخصومة.


(14)

يلاحظ عليه ـ مع عدم شموله لمثل الحكم في مورد الهلال والنسب والنكاح إذا لم يكن مورداً للخصومة بل كان الأمر مبهماً تمام الإبهام للطرفين ـ: أنّ فصل الخصومة ليس نفس القضاء بل من آثاره أولاً و أنّ للقاضي شؤوناً وراء الفصل. كإجراء الحدود والتعزيرات، وإصدار القرار الذي هو حكم مؤقّت حتى يستمرّ التحقيق ويتميّز المحقّ عن المبطل ويصدر الحكم النهائي ثانياً، الاّ أن يقال إنّ إجراء الحدود بعد ثبوته وظيفة شرعيّة و ليس من شؤون القضاء.

4ـ القضاء: هو الحكم بين الناس. (1)

وهو أحسن التعاريف ويكمل بإضافة ما يعدّ من شؤون القاضي سواء كان غاية للحكم، كإثبات حقّ أو نفيه أو إجراء الحدود والتعزيرات، أو لغرض مصالح المسلمين كالحكم بالهلال والنسب، أو مقدّمة له كالحكم على تعقيب المجرم، وجلبه إلى المحاكم، وتوقيف الأموال، أو الحكم بجمع القرائن والشواهد.

ثمّ إنّ الفرق بين الفتوى وحكم القاضي واضح و هو أنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلي وليس لها أثر إلاّ تنجّز الواقع، وأمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئي مطابق للحكم الكلي الصادر من الله.

و إن شئت قلت: إنّه حكم جزئي في مورد شخصيّ و يفترق عن حكم الحاكم باشتراط سبق النزاع في القضاء دون حكم الحاكم في الأمور العامّة.

والحكم الصادر من القاضي له أحكام مثل عدم جواز نقضه إلاّ في موارد جزئية، ويجب على الآخرين تنفيذ حكمه وإن خالف اجتهاده مالم يخالف دليلاً قطعياً، وعدم ضمانه إذا لم يكن مقصّراً، وكون الضرر على بيت المال، وله ولاية على كل مولّى عليه إذا لميكنله وليّ إلى غير ذلك من الشؤون.

***


1 ـ الروضة 3/161.


(15)

الأمر الثالث: القضاء منصب يتقوّم بالولاية

القاضي في كلمات فقهائنا على أقسام ثلاثة:

1ـ القاضي المنصوب من قبل النبي والإمام في زمان الحضور.

2ـ قاضي التحكيم وهو ما يتراضى المترافعان على قضائه وحكمه إذا كان عارفاً بالأحكام.

3ـ القاضي المأذون بالإذن العام في زمان الغيبة كما هو الحال بالنسبة إلى الفقهاء في زمان الحضور و الغيبة حيث أمر المعصوم بالرجوع إليهم، صيانة لهم عن الرجوع إلى حكّام الجور وفقهائهم حسب ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة.(1)

لاشكّ أنّ القضاء في القسم الأوّل منصب إلهي، لايتمتّع به الإنسان إلاّ في ظلّ التنصيب والتعيين وهو يلازم الولاية فيما عُيِّنَ له ويكون القضاء عندئذ غصناً من دوحة الرئاسة العامّة الثابتة للنبي والأئمّة كما أنّه في القسم الثاني ليس منصباً وليس للمتصدّي ولاية لما يلي، لكن لمّا رضي المترافعان بقضائه وتعهّدا على تطبيق العمل على حكمه، صار قضاؤه نافذاً.

إنّما الكلام في القسم الثالث أي القاضي المأذون فهل القضاء فيه منصب وولاية على الموّلى عليهم، أو هو أشبه بقاضي التحكيم؟ المشهور، هو الأوّل وصار البعض إلى القول الثاني.

استدل للثاني بأنّ لسان أدلّة القاضي المأذون، أشبه بلسان قاضي التحكيم حيث ورد في المقبولة قوله: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً» (2) فأمرهم بالتراضي بحكم


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(16)

ذلك القاضي كما هو شأن قاضي التحكيم، ومثله خبر أبي خديجة حيث قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (1) فإنّ قوله:«فاجعلوه بينكم» أي اختاروه لأن يحكم بينكم ولايخرج هذا عن شأن قاضي التحكيم وعلى ضوء ذلك فماهية القضاء لاتلازم كونه منصباً وأن يكون فيه ولاية بشهادة صدقه على القسم الثاني ولانصب فيه ولاولاية و القاضي المأذون أشبه به، نعم يصدق قولهم في القاضي المنصوب بأنّ فيه ولاية، ولكن ذلك ليس باعتبار القضاء بل باعتبار النصب، وهو لايختصّ بالقاضي، بل كل من له صلة بالدولة ويكون منصوباً مِنْ قِبَلِها و يكون له ولاية على العمل الذي عيِّن لأجله.

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّه إذا كان القاضي المأذون في زمان الغيبة أشبه بقاضي التحكيم، بشهادة وحدة اللسان، فلماذا عقّبه الإمام بقوله:«قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».فإنّ الجعل فيه بمعنى النصب، فيكون أشبه بالقاضي المنصوب، غاية الأمر، أنّ الثاني منصوب بشخصه وعينه وهذا منصوب بوصفه ورسمه .

وثانياً: أنّ الاستدلال على أنّ ماهية القضاء لاتلازم كونه منصباً وأن تكون فيه ولاية، بقاضي التحكيم، فإنّه فاقد للمنصب والولاية مع كونه قاضياً، غير تام.

لأنّ القضاء الحقيقي، هو القضاء المؤيد بالقوّة والقدرة مادّية كانت أم معنوية كما هو الحال في قضاء النبي والإمام والفقهاء عند عدم بسط اليد، وأمّا الفاقد لها كقاضي التحكيم، فإنّه أشبه بحلّ العقدة بالرجوع إلى القرعة، أو المصالحة، أو قانون العدل والانصاف أو ما أشبه ذلك كما كان الحال عند اختلاف


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(17)

قريش في من يتولّى وضع الحجر الأسود في مكانه، عندما عمدوا إلى بناء الكعبة من جديد، فرضوا أن يكون أوّل من يدخل من باب المسجد قاضياً بينهم، فكان أوّل من دخل من قريش محمّد الأمينصلَّى الله عليه و آله و سلَّم فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، فقال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «هلمّوا إليّ ثوباً» فأخذ الحجر ووضعه فيه ثم قال:لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً...(1) وعلى هذا الاحتمال ليس قاضي التحكيم من مصاديق القضاء، وإنّما هو محاولة من المترافعين لحلّ الخلاف .

وإن أبيت إلاّ عن كونه من مصاديقه فنقول إنّ قاضي التحكيم يتمتّع بالنصب والولاية، أمّا الأوّل فمن جانب المترافعين، و أمّا الولاية فرضاهما على التصرّف في مورد القضاء تصرفاً محدوداً، وقد سلم القائل انّ النصب يلازم الولاية.

والحاصل: أنّ قاضي التحكيم لايخلو عن نصب مؤقّت من جانب المترافعين، و ولاية معطاة من ناحيتهما.

دليل القول المشهور

يمكن الاستدلال على مختار المشهور بوجهين :

الأوّل: إنّ القضاء يتوقّف على النصب وهو دليل الولاية

توضيحه: الأصل المسلّم عدم نفوذ حكم أحد، على أحد، إلاّ حكمه سبحانه فلو قلنا بنفوذ رأي قاض في مورد، فلابدّ أن يكون داخلاً في المستثنى بنحو من الأنحاء ويكون حكمه، حكمه ولايتحقق ذلك إلاّ بالنصب من جانبه سبحانه إمّا بالإسم والشخص كما في القاضي المنصوب، أو بالوصف والخصوصية كما في القاضي المأذون ولولا النصب بوجه من الوجوه، لايدخل تحت المستثنى.

ثمّ إنّ النصب لاينفكّ عن الولاية إلاّ إذا كان النصب صورياً كما هو الحال


1 ـ ابن هشام، السيرة النبوية: 2ـ1/192ـ 199.


(18)

في مورد شريح.(1) فإذا كان النصب جدّياً، لغاية نفوذ رأيه وقضائه فهذا عبارة أُخرى عن وجود الولاية له فيما يتولاّه، ولولاها، لما كان لنفوذ قضائه وجه.

والحاصل: أنّه لولا النصب، لمادخل في المستثنى، وهو آية الولاية وأنّه لولاها فيما يتولاّه لما كان لنفوذ رأيه وجه، إذ يكون مثل الأجنبي لاصلة له بمورد القضاء.

حتى لو قطعنا النظر عن كون القضاء قائماً بالنصب،قلنا بولايته مع قطع النظر عنه، وذلك بالإمعان في ماهية القضاء وآثاره، فإنّ القضاء لاينفكّ عن التصرّف في الأنفس والأعراض والأموال والحقوق، وكيف يصحّ التصرف فيها بلا ولاية له؟

الثاني: إنّ الإمعان في الآيات والروايات يعطي أنّ القضاء حسب الطبع الأوّلي أمر يتوقف على المنصب فمن الآيات قوله سبحانه: «يا داود إنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ الناسِ بِالْحَقّ» (ص/26) حيث رتّب الحكم، على جعله خليفة فيها و هو المنصب ومن الروايات قول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لايجلسه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ»(2) أي مجلس القضاء مجلس من نصبه الله سبحانه للقضاء مثل النبي داود ـ عليه السلام ـ أو وصيه الذي هو أيضاً منصوب من جانبه سبحانه بالواسطة، وقول أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ لسليمان بن خالد: «اتقوا الحكومة فانّ الحكومة إنّما هي للإمام، العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي(كنبيّ) أو وصيّ نبيّ»، والتقريب كما سبق.(3)

كلام المحقق الآشتياني

قال قدَّس سرَّه في وجه دلالة الآية على كون القضاء منصباً بأنّه سبحانه عزّوجلّ


1 ـ حيث اشترط الإمام عليه أن لاينفذ القضاء حتى يعرضه عليه(الوسائل: ج18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ3.
3 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ3.


(19)

فرّع جواز الحكومة على كونه خليفة أي منصوباً من الله، فينتفي بانتفائها. ثمّ أورد عليه بوجوه:

1ـ إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب الحكم لاجوازه، فلايدلّ على انتفاء الجواز لغير الخليفة.

2ـ إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب الحكم بالحقّ أعني القيد فيكون المتفرع وجوب الحكومة باعتبار القيد فلا دلالة للآية على أصل وجوبها على الخليفة لكونها واردة في مقام بيان آخر.

3ـ نعم لو قلنا بأنّ الأصل في الحكم، الحرمة والآية وردت لرفع الحظر في حقّ الخليفة تدلّ على بقاء الحظر في حقّ غير الخليفة.

يلاحظ عل(1)يه: أنّ المتبادر من الاحتمالات هو المعنى الأوّل، وأمّا ما أورد عليه، من أنّ المعلَّق على الخلافة، القضاء الواجب، دون المستحب وغيره فغير ظاهر لأنّ أمر القضاء يدور بين الواجب والمحظور، وأمّا الأقسام الأُخر، فلاتتصور فيه، لكونه واجباً كفائياً حسب ما يأتي. ومعه كيف يمكن أن يكون حسب الطبع راجحاً أو مباحاً أو مرجوحاً؟ وأمّا كونه مستحباً حسب الطوارئ فهو خارج عن موضوع البحث، وعليه ينتج أنّ القضاء الجائز ـ مقابل المحظور ـ لاينفكّ عن كونه متفرّعاً على جعل الخلافة له.

وأمّاالاحتمال الثاني أعني كون المتفرع هوالقيد دون المقيّد مع القيد، فهو كما ترى فإنّ التفكيك لايصار إليه بلادليل.

وأمّاالثالث فهو فرع وجود فكرة الحظر في أذهان الصحابة حين نزول الآية، حتّى تكون رادعة لذلك الوهم أو الحظر المحقق. وإن كانت دلالتها على


1 ـ القضاء/3 ،ترى ذلك الإشكال بشقوقه الثلاثة في القضاء للمحقق الرشتي ص27 ، و لعلّ العلمين أخذاه عن استاذهما الشيخ الأنصاري ـرحمه الله ـ .


(20)

المطلوب تامّة على هذا الوجه، لكن المفروض غير واضح.

***

الأمر الرابع : القضاء في زمان الغيبة ربّمايتوقف على النصب

إذاكان القضاء من المناصب، ومتوقفاً على النصب المستلزم للولاية، فهل تكفي الإجازات العامّة الواردة في المقبولة وغيرها وعليه يكون كل فقيه جامع للشرائط، قاضياً منصوباً بالنصب العام، أو يتوقف على النصب إذا كان في قمّة الحكومة فقيه مؤثر في شؤون الحكومة وصلاح الأُمّة.

الظاهر هو الثاني، لأنّ القدر المتيقّن من الإجازات العامة هو الظروف التي يكون زمام السلطة بيد الطغاة والظالمين، فعندئذ يكون الملجأ للشيعة المؤمنين هو الفقيه الجامع للشرائط، وأمّا إذا تبدّلت الظروف وقامت الثورة الإسلامية وكان في قمّة الحكومة، فقيه ذو شؤون مشرف على الأمور، فاللازم هو عدم تصدّي الفقيه، القضاء إلاّبنصبه وإجازته وذلك لالقصور في المقتضي، بل لأجل إيصاد باب الفوضى في وجه المجتمع، لئلا يحصل الاصطكاك، ويدبَّ الفساد.

نعم لايتم الاستدلال على لزوم النصب في تلك الظروف «بقياس القضاء على سائر المناصب للولاة والعمّال فكما أنّ قيادة الجيش، والولاية للمدينة، والمديرية لدائرة خاصّة تتوقف على النصب ولاتكفي الإجازات العامّة فهكذا القضاء». وذلك، لعدم وجود الإجازات العامّة في منصب سوى القضاء، ففيه المقتضي تام غير أنّه مقرون بالمانع، بخلاف سائر المناصب، فالمقتضي فيه غير موجود حتى يبحث عن وجود المانع.

***


(21)

الأمرالخامس: في أنّ القضاء واجب كفائي

إنّ الحياة الاجتماعية للإنسان، لاتخلو عن تنازع في الأملاك والحقوق ، و الأعراض والنفوس، وهذا ما فرض على العقلاء إرساء عماد القضاء في البلاد، وقد صرّح لفيف من الفقهاء بكونه واجباً كفائياً.

1ـ قال المحقق : تولّي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه وربّما وجب ووجوبه على الكفاية.

2ـ قال العلاّمة في القواعد: وتجب (تولية القضاء) على الكفاية.(1)

3ـ وقال في التحرير:إنّ القضاء من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن أخلّوا به أجمع، استحقُّوا بأسرهم العقاب لما فيه من القيام بنظام العالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتصاف للمظلوم قال رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم: إنّ الله لا يقدّس أُمّة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه.(2)

4ـ وقال الأردبيلي في شرح قول العلامة في الإرشاد:« القضاء واجب على الكفاية»:دليل وجوب قبول الولاية من الإمام حال حضوره، إن لم يفهم وجوبه منه حينئذ بخصوصه، ووجوب الحكم وارتكابه حال الغيبة مع عدم المانع كفاية، كأنّه الإجماع والاعتبار من وجوب ردّ الظالم عن ظلمه، وانتصاف المظلوم منه، ودفع المفاسد وغلبة بعضهم على بعض وإيصال حقوق الناس إليهم، وإقرار الحقّ مقرّه، بل انتظام النوع والمعيشة ، وذلك دليل وجوبه للنبي والإمام (3).

5ـ وقال السيد علي في الرياض:«وهو من فروض الكفاية بلاخلاف أجد


1 ـ مفتاح الكرامة :10/5 ، قسم المتن.
2 ـ التحرير: 2/179.
3 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/19.


(22)

فيه بينهم لتوقّف نظام النوع الإنساني عليه، ولأنّ الظلم من شيم النفوس فلابدّ من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم ولما يترتّب عليه من النهي عن المنكر، والأمر بالمعروف.(1)

6ـ وقال في الجواهر :وربّما وجب تولّي القضاء مقدّمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللقيام منه بالقسط، ولكن يكون وجوبه حينئذ على الكفاية لعموم الخطابات المعلومة إرادة حصوله من مجموعهم لامن مباشر بعينه ولو جميعهم نعم قد يتعيّن فرد للانحصار أو لمصلحة اقتضت تعيين الإمام (2).

هذه هي الكلمات الواردة في المقام وقبل الخوض في تحليل أدلّتهم، نقول: سيوافيك معنى ما ذكره المحقق من استحباب القضاء لمن يثق من نفسه، فإنّ الاستحباب، حكم طارئ على القضاء لا صلة له، بحكمه الذاتي من الوجوب الكفائي.

وقد اشير في هذه الكلمات إلى وجوه من الأدلّة على كونه واجباً كفائياً:

1ـ الإجماع الذي جاء في كلام المحقق الأردبيلي، والإجماع مستند إلى الأدلّة الواردة في كلامهم ومثله لايعدّ حجّة.

2ـ الخطابات العامّة التي تمسّك بها صاحب الجواهر ولكن ليس من تلك الخطابات في الكتاب والسنّة أثر والوارد في القرآن، خطاب مشروط قال سبحانه:«وإذا حَكَمْتُم بينَ النّاسِ أن تحكُمُوا بِالعَدْل» (النساء/58) و مثله ما ورد في سورة المائدة من وصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق.(المائدة/44، 45، 47).

ولايستفاد من مثل هذه الآيات وجوب القضاء وإنّما تدلّ على أنّ الإنسان


1 ـ السيّد علي ،رياض المسائل2/330.
2 ـ النجفي ، الجواهر 40/38.


(23)

إذا مارس القضاء يجب عليه أن يحكم بالعدل، وأمّا أنّ الحكم واجب فلاتدلّ عليه.

3ـ إنّه من فروع القيام بالقسط الذي أمر به سبحانه، قال سبحانه:«يا أيُّها الّذينَ آمنُوا كُونُوا قوّامِينَ بالقِسْطِ شُهداءَ لله» (النساء/135) وقال سبحانه:«يا أيّها الّذينَ آمنُوا كُونوُا قوَاّمِينَ للّهِ شُهداءَ بِالقِسْط» (المائدة/8).

والاستدلال قابل للمناقشة، إذ فرق بين أن يقول: «أقيموا القسط » ويقول:«قوّامين بالقسط»، فالتعبير الأوّل يجرّ الإنسان إلى قبول القضاء لإقامة القسط، دون الثاني لكن الآيتين تدلان على لزوم كون الإنسان قائماً بالقسط لامقيماً القسطَ، وصيغة المبالغة تدل على كثرته ووفرته وعلى ذلك فيكون مرجعهما إلى العمل بالقسط في مجال الحياة الشخصية فلو كان عنده مال اليتيم مثلاً فلايمسّه إلاّ بالقسط قال سبحانه:«و أنْ تَقُومُوا لِليتامى بالقِسْط» (النساء/127) ولو تصدى للقضاء فلايحكم إلاّ بالقسط لقوله:«وإن حَكمتَ فاحكُمْ بَيْنَهُم بالقِسْطِ إنَّ اللّهَ يُحبُّ المُقسِطين»(المائدة/42) ولو تصدى للتوزين فيوزن به قال سبحانه:«وأقِيمُوا الوزْنَ بالقِسْطِ ولاتُخْسِرُوا المِيزان» (الرحمن/9).

والحاصل فرق بين إقامة القسط والقيام به، والآيات تدل على الثاني دون الأوّل، والمفيد في المقام هو الأوّل ولعلّ هذين القسمين من الآيات هو مراد صاحب الجواهر من قوله للعمومات وقد عرفت أنّها قابلة للمناقشة.

4ـ كون القضاء مقدّمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو مصداق له وهذا أيضاً استدل به صاحب الجواهر وهو قابل للمناقشة لأنّ القدر المتيقّن من وجوبه هو ما إذا كان هناك معروف مشهود، ومنكر معلوم، فيجب الأمر بالأوّل والزجر عن الثاني ، لاما إذا كان محتملهما كما في مورد القضاء لأنّ القاضي غير واقف على صحّة دعوى المدّعي، وعدمها فلم يتبين المعروف ولاالمنكر عنده.

وأمّا أنّه يجب عليه تبيين المعروف والمنكر بتصدّي القضاء فلا دلالة لأدلّتهما


(24)

عليه، ومن المعلوم أنّ الحكم لايثبت الموضوع.

5ـ توقف نظام النوع الإنساني عليه كما في عبارة الرياض والدليل لا يخلو من إبهام.

فإن أُريد بقاء الحياة الإنسانية في هذا الكوكب، فإنّه لايتوقّف على القضاء إذ ما زال البشر موجوداً في الغابات والمناطق البعيدة، ولم يكن عندهم قضاء فكان الحاكم مكان القضاء ومنطق العدل، منطق القوّة والزور.

وإن أُريد النظام الاجتماعي والحضارة الإنسانية فهو واجب على من بيده القوّة والقدرة، ويجب عليه، نصب القضاء لحفظ النظام فالوجوب يتوجّه إلى أصحاب القدرة ويجب على القاضي قبوله للملازمة بين وجوب النصب ووجوب القبول وإلاّ يكون وجوب النصب لغواً و أين هذا من كون القضاء واجباً كفائياً ابتداءً.

ولو قلنا بأنّ مرادهم من الوجوب الكفائي هو هذا النوع من الوجوب، يقيّد وجوبه بما إذا كان ترك القضاء ، مستلزماً للإخلال بالنظام لامطلقاً، مع أنّ المفروض في كلامهم كونه واجباً مطلقاً.

والحاصل: أنّ هذه الأدلّة غير وافية لإثبات المقصود، قابلة للمناقشة. وهناك وجوه أُخر ربّما تكون خالية عن المناقشة، نأتي بها بالعنوان الخاص.

6ـ القضاء مبدأ لتطبيق الأحكام

إنّ من رجع إلى الكتاب والسنّة يقف على أنّ الشارع الأقدس، لايرضى بتعطيل الأحكام بل الغاية من التشريع، هو تطبيق العمل عليها، من غير فرق بين الأحكام الفردية أو الاجتماعية، فالمطلوب من التشريع هو العمل وهو غاية الخلقة قال سبحانه:«الّذي خَلَقَ الموتَ والحياةَ لِيَبلُوَكُم أيُّكُم أحسنُ عَمَلاً»(الملك /2) فإذا كان تطبيق العمل على الأحكام الشرعية هو الغاية من التشريع ،


(25)

فكيف لايجب القضاء مع أنّ كثيراً من الأحكام يتجسّد في ظل القضاء؟ وإليك بيانه:

إذا كان الإمام المعصوم حاضراً وباسط اليد، فيجب عليه نصب القاضي لتلك الغاية ويجب على المنصوب قبوله إطاعة لأمر الإمام المعصوم. إنّما الكلام إذا كان غائباً، فيجب على القاضي أيضاً التصدي. وذلك بالبيان التالي:

1ـ إنّ السبب الوثيق لإجراء الأحكام ولو في مجالات مخصوصة، هو القضاء والشارع لايرضى بتركها في زمان الغيبة والحضور، فإذا علمنا ذلك، وكان تصدي القضاء من أسباب إجرائها، يجب التصدي وإلاّ يلزم حذف الأحكام الإسلاميّة من الساحة وهو مما لايرضى به الشارع.

فإن قلت: إنّ من المحتمل أن يكون الأحكام الجزائية مشروطة بحضور الإمام المعصوم، ولولاه ، لما جاز العمل بها، فما روي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ أنّه قال :«حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيّامها».(1) وإن كان يعرب عن لزوم اجراء الحدود لكنّها مخصوصة بزمان الحضور لأنّ اجرائها من شؤون الإمام المعصوم، فعلى هذا لايجب التصدي للقضاء لتلك الغاية.

قلت: مضافاً إلى عدم صحّة ذلك كما أوضحنا حاله في الحدود، إنّ هذا الاحتمال لو صحّ فإنّما يصح في الأحكام الجزائية دون سائر الأحكام مما يتعلّق بالحقوق والأموال.

7ـ القضاء سبب لحفظ الحقوق

إنّ الشارع حرّم المراجعة إلى محاكم الجور، و أرجع الشيعة إلى الفقهاء فإذا جاز لهم الرجوع إلى الفقيه لأجل القضاء وجب عليه التصدي، وإلاّ لزم تفويت الحقوق على المؤمن وهو قبيح، إذ كيف يصحّ للشارع أن يترك القضاء في هذه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2.


(26)

الظروف، مع إمكان إحياء الحقوق و لو بالرجوع إلى الفقيه، وهو القائل لن تقدّس أُمّة لايؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي(1).

8ـ إقامة العدل من وظائف الفقيه المقتدر.

إذا كان الفقيه في البلد ذا قوة وقدرة تجب عليه إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، عن غير طريق البيان واللسان، فإنّ الإرشاد بهما، وظيفة من لايملك العدة والعدد، كما في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: وسئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمة جميعاً؟فقال:«لافقيل له:ولم ؟قال:« إنّما هو على القويّ المطاع ، العالم بالمعروف من المنكر، لاعلى الضعيف الذي لايهتدي سبلاً...».(2)

ومن وظائف القويّ المطاع ردّ المظالم، والانتصاف من الأعداء كما عن أبي جعفر قال: «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر».(3)

إنّ وظيقة القويّ المطاع فوق الفرد العادي، فلايصحّ له أن يعتذر بما أوردناه على الإستدلال بأدلّة الأمر بالمعروف من عدم العلم التفصيلي بالمعروف قبل التصدّي إذ العلم الإجمالي في حقّه منجّز و العلم القطعي حاصل للقويّ المطاع بأنّ هناك حقوقاً مهضومة وأموالاً مغصوبة ودماء مسفوكة بغير الحقّ، فتجب عليه معالجتها بعد التبيين ، ومفتاحه ممارسة القضاء، فيجب عليه القيام به.

ومن أراد أن يستدل على وجوب القضاء بأدلة الأمر بالمعروف فعليه التقرير


1 ـ نهج البلاغة، الرسائل/53; الوسائل: الجزء 11، الباب 12من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 9.
2 ـ الوسائل: الجزء 11، الباب 2 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.
3 ـ الوسائل الجزء 11، الباب 1 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 6.


(27)

بهذا النحو الذي عرفت.

الأمرالسادس: استحباب تولّي القضاء لمن يثق من نفسه

يظهر من غير واحد من الأكابر استحباب تولي القضاء لمن يثق من نفسه والمقصود استحبابه العيني، مع وجوبه الكفائي وإليك بعض الكلمات:

1ـ قال المحقق: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه.(1)

2ـ قال العلاّمة في القواعد:ويستحب التولية لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطها على الأعيان.(2)

3ـ قال الشهيد الثاني: وفي استحبابه مع التعدد عيناً (مع كونه واجباً كفائياً) قولان أجودهما ذلك مع الوثوق من نفسه بالقيام به.(3)

4ـ وقال أيضاً في شرح قول المحقّق: «تولي القضاء مستحب...» :فحكم المصنف باستحبابه لمن يثق بنفسه محمول على طلبه من الإمام ممن لم يأمره به إذا كان من أهله، أو على فعله لأهله في حال الغيبة حيث لايتوقّف على إذن خاصّ ـ إلى أن قال: ـ وخالف في استحبابه أو وجوبه بعض العامّة فحكم بكراهته نظراً إلى الأحاديث المحذِّرة عنه ومن ثم امتنع جماعة من أكابر التابعين وغيرهم.(4)

5ـ وقال الفاضل الهندي:ويستحب التولية على الأعيان إلاّ من وجبت عليه عيناً لأنّه أمر مرغوب عقلاً وشرعاً (5).


1 ـ الشرايع: 4/861.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/5 قسم المتن.
3 ـ الروضة البهية: 3/62.
4 ـ المسالك: 2/390 وفي هامش المطبوع عن الميرزا محمد الشيرواني :هنا احتمال ثالث هو قبول من كلّفه الإمام على سبيل التخيير.
5 ـ كشف اللثام :2/141.


(28)

6ـ وقال العاملي:وقد أجمعت الأُمّة كما في المبسوط (ما عدا أبا قلابة لأنّه كان يحتمل أنّه غير فقيه) على أنّه طاعة ومرغوب عقلاً و نقلاً والاستحباب العيني لاينافي الوجوب الكفائي فلا ريب في رجحانه على الاكتساب بالمباح وفي الوسيلة: قسّمه إلى واجب ومكروه ومندوب ومحظور(1) إلى غير ذلك من الكلمات.

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو الدليل على استحبابه؟

الثاني: ما هو الموضوع للاستحباب وكيف يجتمع الاستحباب العيني مع الوجوب الكفائي؟

أمّا الأوّل فالقول باستحبابه إنّما هو فيما إذا كان القاضي متعدداً كما عرفت من الشهيد في الروضة، فيقع الكلام في استحبابه عيناً، مع كونه واجباً كفائياً وأمّا إذا اتحد يكون واجباً عينياً ومعه لاملاك للاستحباب. وأمّا الدليل على الاستحباب فهناك وجوه مذكورة في كلمات القوم نشير إليها:

1ـ الإجماع الوارد في كلام الشيخ في المبسوط(2) الذي نقله في مفتاح الكرامة، ولكن الظاهر أنّ معقده، هو كونه القضاء طاعة، وأمراً مرغوباً عقلاً ونقلاً في مقابل مانقل عن بعض أهل السنّة من الكراهة للأحاديث الذامة، وهو غير كونه مستحباً، إذ يكفي في كونه طاعة وأمراً مرغوباً، كونه واجباً كفائياً، ولايتوقّف على كونه مستحباً وراء وجوبه الكفائي.


1 ـ مفتاح الكرامة :10/5.
2 ـ قال الشيخ في المبسوط: القضاء جائز بين المسلمين و ربّما كان واجباً فإن لم يكن واجباً كان مستحباً...ـ إلى أن قال: ـ وعليه إجماع الأمة إلاّ أباقلابة فإنّه طلب القضاء فلحق بالشام و أقام زماناً ثمّ جاء ... ـ إلى أن قال:ـ إنّ أباقلابة رجل من التابعين لايقدح خلافه في إجماع الصحابة(المبسوط8/82) ، والإمعان في العبارة يعطي أنّ معقد الإجماع هو جواز القضاء أو وجوبه الكفائي لا استحبابه، ولأجل ذلك يقول، لايعبأ بخلاف أبي قلابة.


(29)

2ـ عظم الفوائد المترتّبة عليه، المعلوم رجحانها عقلاً ونقلاً.(1) وهو موافق لما نقلناه عن كشف اللثام.

يلاحظ عليه: بأنّها لاتلازم الاستحباب العيني، بل يكفي كونه واجباً كفائياً، فلأجل هذه الفوائد المترتبة ، ما أهمله الشارع بل أوجبه عيناً فيما إذا لم يكن هناك إلاّ قاض واحد، وكفائيّاً فيما إذا تعدد.

ولو أُريد من الفوائد العظيمة ترتّب الأجر، وهو أيضاً لاتلازم الاستحباب لكفاية الوجوب الكفائي في ترتّبه إذا كان هناك إخلاص.

3ـ عمومات باب القضاء، ولكنّها مثل الأجر لاتلازم الاستحباب.

وبالجملة لم نجد دليلاً صالحاً للاستحباب مع التحفظ على كونه واجباً كفائياً هذا كلّه حول المقام الأوّل.

الثاني: ما هو الموضوع للاستحباب على فرض ثبوته؟ هناك احتمالات:

1ـ كون تولّي القضاء مستحباً وهو الظاهر من المحقّق والعلاّمة، والشهيد في الروضة والفاضل في كشف اللثام.

2ـ طلبه من الإمام إذا لم يأمره كما في المسالك.

3ـ قبول من كلّفه الإمام على سبيل التخيير كما من الشيرواني في هامش المسالك.

4ـ استحباب المبادرة والتسابق ليتقدّم إليه على الغير كما صرح الفقيه الطباطبائي في ملحقات العروة(2) ولنأخذ كل واحد بالبحث.

أمّا الأوّل فهو المتبادر من كلماتهم إلاّ من صرّح بالخلاف لكنّه يستلزم اجتماع الوجوب والاستحباب في شيء واحد.


1 ـ الجواهر: 40/37 وقد تبع في ذلك كشف اللثام فلاحظ.
2 ـ السيد الطباطبائي: ملحقات العروة:2/4.


(30)

وما ذكره في المفتاح(1) والرياض(2) من أنّ الاستحباب العيني لاينافي الوجوب الكفائي غير تام لأنّ مفاد الأوّل جواز ترك المتعلّق مطلقاً، سواء قام به الآخرون أو لا ولكن مفاد الثاني، جواز تركه إذا قام به الآخرون و ربّما يتصور إمكان الجمع من باب تجويز اجتماع الأمر والنهي في شي واحد، بسبب عنوانين، و لكنّه غير مفيد في المقام .لأنّ البحث هناك فيما إذا كان بين العنوانين عموم وخصوص من وجه لامثل المقام فإنّ النسبة بين القضاء، وقضاء من يثق من نفسه عموم وخصوص مطلق، ومن قال بجواز الجمع فإنّما قال به فيما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، لاعموم مطلق.

فلامحيص من حمل الأمر الاستحبابي على فرض ثبوته على الإرشاد إلى أفضل الأفراد كما في الأمر بإقامة الصلاة جماعة أو في المسجد، وعندئذ يخرج الأمر عن كونه مولويّاً وهو خلاف المفروض.

وأمّا الثاني، فإنّ الطلب يكون مقدّمة للقضاء ومع فرض كونه واجباً كفائياً، تكون مقدّمتة كذلك، لامستحباً نفسيّاً إلاّ إذا كانت المقدّمة بوصف كونها مستحبّة مقدّمة كما في الطهارات الثلاث، وليس المقام كذلك.و ذلك لوجود ملاك الاستحباب النفسي في الطهارات لأجل أنّ لها شأناً وراء المقدميّة لكونها نوراً في حدّ نفسها فالكون على الطهارة مستحبّ في ذاته و لا مانع من أن تقع بهذا الوصف مقدّمة للصلاة، بخلاف الطلب، إذ ليس له شأن وراء المقدميّة للقضاء و ليس نفس الطلب بما هو هو مطلوباً سواء انجرّ إلى التصدي أم لا فتدبّر.

ومنه يظهر حال الثالث أي قبوله من الإمام ـ عليه السلام ـ إذا أمر بالتخيير فإنّ حال القبول لايزيد على الطلب، وكلاهما مقدّمتان للقضاء فيكون حكمه حكمه.


1 ـ مفتاح الكرامة: 10/5.
2 ـ الرياض :2/333.


(31)

وأمّا الرابع الذي احتمله السيد الطباطبائي، فقد أشكل عليه هو نفسه بأنّه كيف يُعْقل استحباب المبادرة من كل أحد عيناً، مع كون الفعل واحداً لايقبل التكرار بل لايتصوّر استحباب مثله عيناً وإن لم يكن وجوب.(1)

اقول : ماذكرهقدَّس سرَّه أظهر الوجوه ولايرد عليه ما أوردناه على الوجه الثاني و الثالث وذلك لأنّ الواجب الكفائي هو أصل القضاء، و قبوله أو طلبه مقدّمة، و هي أيضاً واجبة مثله ، بخلاف المبادرة والإستباق إلى القبول فهو ليس مقدمة بل هو مستحبّ مثل قوله سبحانه « فاستَبقوا الخَيْرات» (المائدة/48) فالإتيان بالخير واجب، و مقدّمته مثله، لكن المبادرة اليه مستحب.

و ماأوردهقدَّس سرَّه على هذا الوجه ـ و هو أنّه كيف يعقل استحباب المبادرة من كلّ أحد عيناً مع كون الفعل واحداً لايقبل التكرار... ـ غير تامّ إذ لوصحّ لتوجّه على جميع الواجبات الكفائيّة ، لأنّه كيف يطلب الفعل الواحد من الجميع مع عدم إمكان قيام الجميع به؟ والحلّ في جميع الموارد واحد و على ضوء ذلك فالإستباق مطلوب من الجميع لكنّه لوبادر أحد قبل الجميع سقط عن الباقين.

و في الختام نقول: إنّ الإختلاف في موضوع الإستحباب ، دليل واضح على عدم وجود دليل صالح على أصل الإستحباب، إذ لوكان، لكان الموضوع متبيّناً.

تمّ الكلام في المقدّمات ، ولندخل في النظر الأوّل من النظرات الأربع.


1 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/4.


(32)

النظرالأوّل

في صفات القاضي

قد عرفت أنّ المحاور الأصليّة في القضاء ثلاثة ، فالأوّل منها هوالبحث عن صفات القاضي و مؤهّلاته لذلك الأمر الخطير ، فنقول: ذكر الفقهاء هنا صفات نذكرها بعد بيان النكتة التالية:

القضاء من الأُمور الخطيرة المهمّة التي يطلب لنفسه شروطاً تعطي للإنسان صلاحية القيام بها والقضاء من أخطرها و أهمها، وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أُموراً بعنوان صفات القاضي وهي بين ما هو بيّن الثبوت لايشكّ في لزومها اثنان، وما ليس كذلك بل يحتاج القول بالاشتراط وعدمه إلى دراسة علميّة.والصفات المذكورة في كلام المحقق وغيره عبارة عن الأُمور التالية:

1ـ البلوغ، 2ـ كمال العقل، 3ـ الإسلام، 4ـ الإيمان، 5ـ العدالة،6ـ طهارة المولد، 7ـ الذكورة، 8ـ الاجتهاد 9ـ الضبط، 10ـ الكتابة، 11ـ البصر، 12ـالنطق ، 13ـالسمع14ـ الحريّة . وأضاف المحقّق بعد اشتراط العدالة:الأمانةَ والمحافظةَ على الواجبات.ولكنّهما مستدركان باعتبار دخولهما في العدالة.إلاّ أن يكون التخصيص بالذكر لأجل العناية ببعض المصاديق ولنأخذ بالبحث واحداً بعد الآخر:

الشرط الأوّل والثاني: البلوغ وكمال العقل

البلوغ وكمال العقل من الشروط القطعية التي لم يختلف فيهما اثنان لا من


(33)

العقلاء ولامن الفقهاء وطبيعة الموضوع تقتضي شرطيتهما، فلم يـُـرَ صبيّ ولاسفيه على منصّة القضاء، وكيف يمكن للصبي أن يدير دفّة القضاء مع أنّه رفع عنه القلم(1) وعمده وخطؤه سيّان(2)؟! أضف اليه أنه هو مولّى عليه،فكيف يكون وليّاً للمتحاكمين؟! على أنّ شرطية العدالة تلازم اشتراطهما لأنّ العدالة أو الفسق فرع التكليف وأمّا قوله سبحانه:«وآتَيناهُ الحكم صبيّاً» (مريم /12) حيث نصب يحيى على القضاء والحكم وهو صبيّ، فإنّما هو من باب الكرامة على سبيل خرق العادة فلايقاس عليه ولاعلى أئمّة أهل البيت ، آحاد الناس.وقد قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «لايقاس بآل محمّد من هذه الأمّة أحد».(3)

غير أنّ المحقق عبّـر عن الشرط الثاني بكمال العقل والظاهر أنّ مراده هو أن لايكون سفيهاً بحيث يقال إنّه ناقص العقل وأمّا الذكاء والتوقد الفكري، أو الفطنة فلايطلبه أصل القضاء.

غير أنّ هنا نكتة نلفت نظر القاضي إليها وهو أنّ الموضوع إذا كان ملتوياً ومعقداً، بحيث لايطمئنّ القاضي بتمحيصه وتشخيصه، يلزم عليه أن لايمارسه، بل يستعين فيه بالخبراء الذين لهم ذكاء خاص في حلّ الأُمور المعقّدة والمعضلات من المسائل القضائية، لأجل الممارسة الممتدّة.

و ذلك لأنّ المسائل القضائية مع اشتراك الجميع في جهة، تختلف في البساطة والتعقيد ، وليس كل موضوع منهلاً لكل وارد وشارد، وعليه في الأُمور المعقدة، التي تطلب لنفسها مهارة وذكاء وتوقداً خاصاً أن يجب لايمارسها القاضي إلاّ بعد توفّر الشروط التي تطلب لنفسها إمّا بجعلها شورى بين القضاة، أو الاستعانة بمن توفرت فيه الشروط كما لايخفى.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث2.
2 ـ الوسائل: الجزء 19 ، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 2،3،5.
3 ـ نهج البلاغة: الخطبة 3.


(34)

الشرط الثالث: الإسلام

لم يشكّ في اعتبار الإسلام أو مانعية الكفر اثنان، ولم يُـرَ في تاريخ القضاء كافر يشغل منصَّة القضاء قال المحقّق :لأنّه ليس أهلاً للأمانة ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

1ـ القضاء منصب يستتبع ولاية، والعصمة بين المسلم والكافر مقطوعة فكيف يكون وليّاً للمسلم، وهو سبحانه ينهيعن إتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ومن يتولهم فهو منهم(1) ؟!أفيصح ـ بعد ذلك ـ أن يُضفِيَ لهم ولاية في مقام القضاء.؟!

2ـ إنّه سبحانه ينهى عن التحاكم إلى الطاغوت، ويأمر بالكفر به، ويقول:«أَلَمْ تَرَ إلى الّذينَ يَزْعُمُونَ انّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ و ما أُنْزل مِنْ قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلَى الطاغُوتِ وَ قَدْ أُمرُوُا أنْ يَكْفُروا بِهِ وَ يُريدُ الشيطانَ أن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعيداً» (النساء/60). والتحاكم لدى الكافر من مصاديق التحاكم إلى الطاغوت، روى المفسرون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي:أُحاكم إلى محمّد لأنّه عَلِم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم فقال المنافق:لا ! ، بل بيني وبينك كعب الأشرف (اليهودي) لأنّه عَلِم أنّه يأخذ الرشوة فنزلت الآية.

3ـ إنّه من قبيل السبيل للكافر على المسلم حيث إنّ القضاء لاينفكّ غالباً عن الجلب وإصدار القرار والحبس، والقضاء في مورد الجزاء، لاينفك عن الإعدام وإجراء الحدّ والتعزير، وقد قال سبحانه: «وَلَنْ يَجْعَلَ الله لِلكافِرينَ عَلَى المُؤمِنينَ سَبيلاً» (النساء/141).وما ربّما يقال إنّه من قبيل إجراء الحكم الحقّ في حقّ المحكوم وليس بسبيل مدفوع بأنّ مالكية الكافر للمسلم أيضاً تمسك بالحكم المشروع مع أنّه يعدّ سبيلاً، وللقاضي سيادة على المحكوم في أنظار الناس


1 ـ النساء/144، المائدة /51.


(35)

وهو لاينفك عن جعل السبيل.

4ـ إنّ اشتراط العدالة تلازم شرطية الإسلام وليس المراد منها المعنى النسبي أي العادل في دينه بل المعنى المطلق كما سيوافيك.

5ـ طبيعة الموضوع تقتضي الاشتراط، إذ كيف يمكن تسليط الكافر على دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وحقوقهم مع أنّه ليس أهلاً للأمانة.

نعم الانظمة الإلحاديّة غير معترفة بهذا الشرط حتى الإيمان بالله،و قائلة بأنّ حرمان طائفة من القضاء لأجل العقيدة مخالف للعدل الاجتماعي، ومشاركة الناس في الحقوق من دون تبعيض.

يلاحظ عليه: أنّه ليس تبعيضاً وإنّما هو أخذ لصالح القضاء والمتحاكمين فإنّ من لايؤمن بالقضاء الإسلامي ومصادر أحكامه، كيف يتحرّى الحقيقة في إجرائه؟ولكن الجنس إلى الجنس يميل «وكلّ اناء بالّذي فيه ينضح»نعم نقل الشهيد الثاني جواز قضاء الكافر لأهل نحلته ووصفه بأنّه شاذ.(1)

الشرط الرابع: الإيمان

إن ّ الايمان له استعمالات:

1ـ ربما يستعمل ويراد منه نفس ما يراد من الإسلام من غير فرق بينهما«فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْت مِنَ المُسْلِمينَ»(الذاريات/35ـ36). والمراد منهما الاعتقاد الجازم بالله ورسالة نبيّه وما جاء به.

2ـ ربما يطلق الإسلام ويراد منه التظاهر به من دون نفوذ إلى القلب ويقابل الإيمان وهو التسليم النافذ من الظاهر إلى الباطن وعلى ذلك قوله سبحانه:


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/389.


(36)

«قالَتِ الأعرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ» (الحجرات/14).

3ـ وربمايطلق ويراد منه الإيمان بالمعنى الخاص وهو كونه إمامياً وهذا هو المراد هنا بعد اشتراط الإسلام ولنذكر شيئاًمن كلمات الفقهاء.

اشتراط الإيمان في كلمات الفقهاء

1ـ قال المفيد :ولاينبغي لأحد أن يتعرّض له حتى يثق من نفسه بالقيام به وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتى يكون عاقلاً، كاملاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه...(1) ولم يصرح باشتراط الإيمان.

2ـ قال الشيخ :وقد فوضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم في حال لايتمكّنون فيه مِنْ تولّيه بنفوسهم، فمن تمكَّن من إنفاذ حكم أو إصلاح بين الناس، أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك وله بذلك الأجر والثواب.(2)

3ـ قال الشيخ في الخلاف:لايجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً بجميع ما وليه ولايجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به وقال الشافعي :ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد... ولاتجوز أن تكون المرأة قاضية في شيء من الأحكام....(3) وليس فيه تصريح باشتراط الإيمان.

4ـ وقال في المبسوط: وأمّا من يحرم عليه أن يلي القضاء فأن يكون جاهلاً ثقة كان أو غير ثقة، أو يكون فاسقاًمن أهل العلم.(4) ولعلّه اكتفى بالإشارة عن


1 ـ المفيد: المقنعة:721.
2 ـ الطوسي: النهاية، كتاب الجهاد:301.
3 ـ الطوسي: الخلاف، ج3/كتاب القضاء، المسألة 1ـ6.
4 ـ الطوسي: المبسوط: 8/83.


(37)

التصريح.

5ـ قال ابن إدريس:فأمّا من تحرم عليه فأن كان جاهلاً، ثقة كان أو غير ثقة أو فاسقاً من أهل العلم.(1) ولعلّه اكتفى بالإشارة عن التصريح.

6ـ وقال المحقق: «ويشترط الإيمان والعدالة» غير أنّه أراد به الإسلام بشهادة قوله:فلايعقد للكافر لأنّه ليس أهلاً للأمانة وكذا الفاسق.

7ـ وقال(2) العلاّمة: ويشترط الإيمان والعدالة فلاينفذ قضاء الكافر والفاسق،(3) ولأجل خلوّ عبارة القواعد عن هذا الشرط حاول السيّدالعاملي إدخال غيرالإمامي، تحت الفاسق تارة،و الكافر أُخرى لاشتراكه معه في القضاء بأُصول لانعترف بها فلا يجوز نصبه للقضاء.

8ـ وقال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلاً، بصيراً، كاملاً، كاتباً، عالماً بالقضاء ديّناً، وورعاً فهو أهل لولاية القضاء.(4) وليس فيه تصريح بهذا الشرط.

9ـ قال العلاّمة في الإرشاد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى.(5)

10ـ ونسب التردد إلى المحقّق الأردبيلي ولم يظهر لي من كلامه نعم جوّز قضاء العامي إذا اقتضت المصلحة نصبه.(6)

11ـ وقال في الجواهر: تواترت النصوص في النهي عن المرافعة إلى قضائهم بل هو من ضروريات مذهبنا.(7)


1 ـ ابن إدريس، السرائر: 3/153.
2 ـ نجم الدين: الشرائع:4/67.
3 ـ العاملي ، مفتاح الكرامة، قسم المتن:10/9.
4 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع :522.
5 ـ مجمع الفائدة :12/18و22.
6 ـ مجمع الفائدة :12/18و22.
7 ـ النجفي : الجواهر 40/13.


(38)

12ـ وقال السيد الأُستاذ: يشترط في القاضي : البلوغ و العقل، والإيمان ، والعدالة، والاجتهاد المطلق، و الذكورة وطهارة المولد، والأعلميّة ممن في البلد أو مايقربه على الأحوط(1).

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأصل هو عدم نفوذ رأي أحد على أحد إلاّ الله سبحانه أو من عيّنه و أنفذ رأيه والقدر المسلّم من هذا الإستثناء هو رأي النبي والوصيّ والفقيه الإمامي الجامع للشرائط حسب مقبولة عمر بن حنظلة.(2)، وأبي خديجة.(3) وأمّا غيرهم سواء أكان شيعياً غير إمامي كالزيدي والاسماعيلي ، أم غير شيعيّ فليس هناك إطلاق يتمسّك به فعدم الدليل على نفوذ قضائه كاف في المقام ولانحتاج إلى الدليل على عدم الصحّة.

الاستدلال على عدم الاشتراط

ويمكن الاستدلال على عدم الاشتراط بنصب علي ـ عليه السلام ـ شريحاً على مقام القضاء أو إبقائه عليه، وطبع الحال يقتضي أنّه أبقى سائر القضاة المنصوبين قبله على مناصبهم حتّى أنّ الإمام ربّماكان يرفع الشكوى إليه روى عبد الرحمان بن الحجّاج أنّ عليّاً كان قاعداً في مسجد الكوفة فمرّ به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة فقال علي ـ عليه السلام ـ :«هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة» فقال له عبد الله بن قفل:اجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين فجعل بينه وبينه شريحاً....(4)

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالفعل إنّما يصح إذا علمت جهته إذ من


1 ـ الإمام الخميني: تحرير الوسيلة:2/407.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 5.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.


(39)

المحتمل أنّ الإبقاء كان لضرورة اجتماعية دعت الإمام إلى إبقاء شريح مقامه ولأجل ذلك أفهمه تلويحاً بأنّه ليس لائقاً لهذا المنصب وقال:«جلست مجلساً لايجلس فيه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ».(1) وفي مورد آخر شرط عليه أن لاينفذ قضاءه حتى يعرضه (2)عليه. و عندئذ لايبقى اطمئنان بأنّ وجه النصب هو صلاحيته في نفسه مع قطع النظر عن الضرورة الاجتماعية.

إكمال

لاشكّ في استفاضة الروايات في أنّه لايجوز الرجوع إلى غير فقهاء الشيعة، وهي مبثوثة في أبواب صفات القاضي لكن يقع الكلام فيما هو المانع وهو مردّد بين الأمور التالية:

1ـ العقيدة المخالفة للحق.

2ـ اعتماده على أُصول لانقول بحجّيتها.

3ـ كونه منصوباً من جانب حكّام الجور.

وتختلف النتيجة حسب اختلاف الموضوع، فلو كان المانع، هو الأوّل، يلزم حرمان كل فقيه غير إمامي ولو كان الثاني، يتحدّد الحرمان بما إذا قضى بأُصول غير مرضية، بخلاف ما إذا التزم بأُصول صحيحة ورفض القياس والاستحسان، وقول الصحابي بما هو صحابي من دون ثبوت صدوره عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وغير ذلك، وعلى الثالث يختص الحرمان بما إذا كان منصوباً من جانبهم، وإلاّ فلو كان قاضياً حرّاً وإن قضى بأُصول باطلة، لما أخل.

ولكن لم نجد ما بأيدينا من الروايات ما يعتمد على الوجه الأوّل، وإنّما السبب في النهي عن الرجوع إليهم يدور بين الأُمور التالية:


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ1.


(40)

1ـ الإفتاء بغير علم والقضاء بلا وعي وقد عقد صاحب الوسائل باباً بهذا العنوان وقال: باب عدم جواز القضاء والإفتاء بغير علم بورود الحكم عن المعصومين(1).

2ـ الإفتاء بغير الكتاب والسنّة وقد عقد صاحب الوسائل باباً له.(2)

3ـ القضاء بالمقاييس والاستنباطات الظنّيّة وقد عقد أيضاً باباً له.(3)

وهذه الجهات الثلاث يرجع إلى الملاك الثاني وهناك بعض الروايات ما يؤيد كون الملاك هو الثالث وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك.(4)

روى أبو بصير قال:قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قول الله عزّ وجلّ في كتابه:«ولاتَأكُلوا أموالَكُم بَينكُمْ بالباطلِ وتُدلوا بِها إلى الحُكّام »(5) فقال: «يا أبابصير إنّ الله عزّ وجلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أما إنّه لم يعن حكّام أهل العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور».(6)

وعلى كل تقدير فلو كانت الروايات الناهية قاصرة الدلالة على المنع المطلق، فلايخلّ بالمقصود لما عرفت من أنّ الجواز يحتاج إلى الدليل وعدمه كاف ولايحتاج عدم الجواز إلى الدليل.

نحن نفترض أنّ هذه الروايات الناهية واردة في الملاكين الأخيرين غاية الأمر تكون النتيجة عدم دلالتها على المنع المطلق، ولكنّه غير كاف في إثبات جواز التصدي ، لأنّ الجواز يطلب الدليل وعدمه كاف في كون الأصل الأوّلي محكّماً.

وعلى فرض المنع ، فهل لايجوز نصبه حتى على أهل نحلته أو يختصّ


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب صفات القاضي.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب صفات القاضي.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.
5 ـ البقرة:188.
6 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.


(41)

التحريم، بما إذا نصب على غيرهم من الشيعة؟ وجهان. وقد تقدّم نظيره في قضاء الكافر على أهل نحلته. و هاتان المسألتان تطلبان بحثاً واسعاً تستمدان من قوله سبحانه:«فَإِنْ جاءوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَو أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ إِنْ تُعرض عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وإنْ حكمت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إِنّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ»(المائدة/42).

الشرط الخامس:العدالة

وقد اختلفت عباراتهم في التعبير عن هذا الشرط:

منهم من جعل الفسق مانعاً كما عليه الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر .

ومنهم من جعل العدالة شرطاً، كالمحقق في الشرائع والعلاّمة في القواعد، والسيد الأُستاذ في التحرير.

ومنهم من عبّر بالموصوف مكان الوصف وقال ديّناً و ورعاً كابن سعيد في الجامع(1) ومنهم من عبّر بالورع.(2)

والظاهر أنّ التعابير من قبيل التفنّن في العبارة والكل يشير إلى أنّه يلزم أن تكون للقاضي حالة نفسانية تصدَّه عن ارتكاب المحرّمات واقتراف المعاصي خوفاً من الله وخشية منه أو ما يقرب من ذلك ولم يختلف فيه اثنان ولأجله أرسله صاحب المفتاح إرسال المسلّم بلا إيعاز إلى مخالف وقال:وأمّا الفاسق فيشمل المؤمن وغيره، من غير فِرَق المسلمين، أمّا المؤمن الفاسق فلعدم ثقته وصلاحيته في الصلاة والشهادة والإفتاء فالقضاء أولى.(3)


1 ـ تقدّمت مصادر كلماتهم عند البحث عن شرطية الإيمان.
2 ـ أبو الصلاح: الكافي :423.
3 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/9.


(42)

وقد أدى حقّ المقال في هذا التعبير الموجز وإليك التفصيل :

يدلّ على الاشتراط أُمور:

1ـ التصريح بالاشتراط في رواية سليمان بن خالد(1) وأخذه أمراً مسلّماً في مقبولة ابن حنظلة(2)، حيث قال:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما » و قدجعل التفاضل فيها مرجحاً.

2ـ كونه شرطاً في المفتي والشاهد، وإمام الجماعة وفي الولاية على القُصَّر والغيّب والتقسيم(3) يقتضي اشتراطه في القضاء بوجه أولى، لأنّ القاضي بيده الدماء والأعراض، والأموال والحقوق وأين هو من إمام يصلّي ويترك كل شيء للمأموم.

3ـ طبع الموضوع يقتضي الاشتراط لخطورته وعظمته كما مرّ مراراً.

وظاهر الأدلّة ، كونه عادلاً على وجه الإطلاق، لا أن يكون أميناً ومحترزاً عن الحكم بالباطل فقط ومع ذلك ربّما يقترف المعاصي إذ مع كونه خلاف المتبادر انّالأصل هو عدم نفوذ القضاء إلاّ من دلّ على نفوذه دليل قطعي وهو العادل المطلق.

وذكر المحقّق وراء العدالة اشتراط الأمانة والمحافظة على فعل الواجبات وقد عرفت كونهما داخلين ضمن العدالة.

الشرط السادس:طهارة المولد

قال المحقّق: لاينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله كما لاتصحّ إمامته


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث3 .
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث1 .
3 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 16 من أبواب عقد البيع، الحديث 1، حديث اسماعيل بن سعد الأشعري والجزء 13، الباب 88 من أبواب الوصايا، الحديث 2 حديث سماعة.


(43)

ولاشهادته في الأشياء الجليلة. (1) وادّعى في الروضة عليه الإجماع قال في شرح قول الشهيد:«الفقيه الجامع للشرائط» وهي: البلوغ والعقل والذكورة والإيمان والعدالة وطهارة المولد إجماعاً (2)وقال في المسالك: أمّا طهارة المولد فلقصور ولد الزنا عن تولّي هذه المرتبة حتى أنّ إمامته وشهادته ممنوعتان فالقضاء أولى. (3)

إنّ مقتضى العمومات هو جوازه، إذا كان إماميّاً والمنع يتوقّف على الدليل على خلاف المسألة السابقة، وقد استدل على المنع بأُمور ثلاثة:

1ـ الإجماع: وقد حكاه في الروضة ولم يتعرّض العاملي في المفتاح لأيّ خلاف، وهو كما ترى، لعدم ذكر لفيف من الفقهاء هذا الشرط كالشيخ في المبسوط. (4) وابن سعيد في الجامع. (5)

2ـ الأولوية: لأنّه إذا لم يجز له التولية لإمامة الصلاة ـ على ما استفاضت الروايات عليه ـ ولم تقبل شهادته ، فالقضاء أولى ففي صحيح زرارة :لايصلين أحدكم خلف المجنون وولد الزنا (6)، وفي صحيح ابن مسلم قال:قال أبوعبداللّه ـ عليه السلام ـ :«لاتجوز شهادة ولد الزنا». (7)

3ـ نفور طباع الناس منه ولكنّه فرع علم الناس به. والمسألة قليلة الفائدة. وهناك نكتة نفيسة لابدّ من الإشارة إليها: وهي إنّ وليد الزنا تنعقد نطفته في حال يعلم والده أو أُمّه أو كلاهما أنَّهما ينقضان القانون، ويكسران عهداً من عهود الله، وهو إحساس ينتقل عن طريق النطفة إلى الوليد طبقاًلقانون التوارث الطبيعي، فيخرج المولود من الزناء مختمراً بحس نقض العهد واختراق القانون وينشأ ويشبّ


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/67.
2 ـ الروضة: 3/62.
3 ـ المسالك : 2/389.
4 ـ المبسوط:8/99.
5 ـ الجامع: 529.
6 ـ الوسائل:الجزء5، الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2 ولاحظ 1، 4، 5، 6.
7 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب31، من أبواب الشهادات الحديث3 و لاحظ أيضاً الحديث1،4،5،7.


(44)

عليها وإلى ذلك يشير الإمام الصادق عند التحدث عن ولد الزنا:«إنّه يحنّ إلى الحرام، والاستخفاف بالدين وسوء المحضر». (1)

فإذا كانت هذه نفسيته وحالته التي يحملها، فكيف يجوز أن تفوّض إليه مقاليد القضاء ليحكم في النفوس والأعراض والأموال والحقوق؟!

نعم هذه الحالة أرضية مناسبة للانحراف والشذوذ، ومقتض للفساد والإفساد وليست بعلّة تامّة إذ في وسعه تطهير نفسه من الشوائب العالقة بطبيعته فلا يوجب ذلك جبراً في حياته وشقائه.

ولأجل هذا نرى أمير المؤمنين يؤكّد على مالك أن يختار للحكم أفضل رعيته ويقول:«ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور». (2)

ويوصي له في جميع عمّاله بانتخاب ذوي الأحساب ويقول: «ثم ألصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة ، ثمّ أهل النجدة والشجاعة، والسخاء والسماحة، فإنّهم جماع من الكرم، وشعب من العرف. (3)

نعم يبقى هنا شيء و هو أنّ هذا التسالم بين فقهائنا، كيف يجتمع مع ما روي عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه نصب زياد بن أبيه على ولاية فارس؟ وليس القضاء بأعظم من الولاية وربّماكان الوالي قاضياً. والمعروف أنّه وليد الزنا.

روى علي بن محمد المدائني قال:لمّا ولّى علي ـ عليه السلام ـ زياداً فارس أو لبعض أعمال فارس ضبطها ضبطاً صالحاً وجبى خراجها وحماها. (4)

وقد كتب الإمام إليه رسالة عندما كان زياد خليفة ابن عباس في البصرة


1 ـ القمي: السفينة:1/560.
2 ـ نهج البلاغة: قسم الرسائل: 1.برقم 53.
3 ـ نهج البلاغة: قسم الرسائل: 1.برقم 53.
4 ـ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/181.


(45)

وكان عبد الله بن عباس عامله عليها وعلى كور الأهواز وفارس وكرمان. (1)

وكتب رسالة أُخرى إليه عندما بلغه أنَّ معاوية كاتبه ليستلحقه بأبيه أبي سفيان. (2)

ويشهد على ذلك أنّه كان يدعى زياد بن عبيد وهو زوج أُمه (سميّة) ولماّ استلحقه معاوية قيل ابن سميّة وكانت أُمّه تحت عبيد وربّما قيل إنّ نسبة زياد لغير أبيه لخمول أبيه. (3)

أمّا أنّه كان غير طيب المولد فقد روى البلاذري قال:تكلّم زياد وهو غلام حدث بحضرة عمر كلاماً أعجب الحاضرين فقال عمرو بن العاص :لله أبوه لو كان قرشياً لساق العرب بعصاه، فقال أبو سفيان :أما والله انّه لقرشي ولوعرفته لعرفت أنّه خير من أهلك فقال:ومن أبوه؟ أنا والله وضعته في رحم أُمّه فقال: فهلا تستلحقه قال:أخاف هذا العير الجالس أن يخرق عليَّ إهابي. (4)

ويمكن استظهار كون زياد وليد الزنا من قول الإمام الطاهر أبي الشهداء الحسين بن علي عليمها السَّلام : «وقد ركزني الدعيّ بن الدعيّ بين الاثنتين: السلّة والذلّة وهيهات منّا الذلّة». (5)والمراد منهما هو عبيد الله بن زياد.

ويمكن أن يقال: إنّ الدعيّ ليس مرادفاً لابن الزنا بل هو كما يقول الطريحي: الدعيّ من تبنّيتَه، والأدعياء جمع «دعي» وهو من يدّعي في نسب كاذباً.(6) وفي أقرب الموارد: الدعيّ من تبنيته أي جعلته ابناً لك، والمتّهم في نسبته، والذي يدعي (يدعيه) غير أبيه والجمع أدعياء(7) وأُمّه وإن كانت زانية وقد زنى بها أبو سفيان لكن لما لم يثبت كونه متخلّقا من مائه، صار محكوماً بكونه ابن أبيه


1 ـ نهج البلاغة : برقم 20 و 44.
2 ـ نهج البلاغة : برقم 20 و 44.
3 ـ ابن أبي الحديد: شرح النهج 16/180.
4 ـ ابن أبي الحديد:شرح نهج البلاغة: 16/181.
5 ـ القمي، نفس المهموم: 132، الطبعة الأُولى.
6 ـ الطريحي، مجمع البحرين:1/144.
7 ـ الخوري الشرتوتى:اقرب الموارد13/337.


(46)

(عبيد) شرعاً بحكم الولد للفراش ولأجل ذلك كتب الإمام رسالة إليه ينهاه عن قبوله قول معاوية كما عرفت. فكان مجهول النسب لا وليد الزنا قطعاً، فلا يكون نصبه دليلاً في المسألة.

وممّا يدل على أنّه كان مجهول النسب ولكن محكوماً شرعاً بالانتساب إلى الأب ما روي عن الحسن البصريّ : انّه ثلاث كنّ في معاوية لو لم تكن فيه إلاّ واحدة منهن لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها. واستلحاقه زياداً مراغمة لقول رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وقتله حجر بن عدي فياويله من حُجر وأصحاب حُجر(1).

وقد كتب الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ إلى معاوية رسالةً يندد فيها بأعمال معاوية وممّا جاء فيها قوله: «أولست المدّعي زياداً في الإسلام فزعمت أنّه ابن أبي سفيان؟! وقد قضى رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر» (2).

وعلى ذلك كان زياد مجهول النسب، ولمّا لم يعلم كونه وليد الزنا قطعاً، فصار محكوماً بكونه وليد الفراش أعني زوج أُمّه «عبيد» فلا يكون مورداً للنقض.

الشرط السابع: الذكورة

اشتهر القول باشتراط الذكورة في القاضي ويظهر من الشيخ أنّ المسألة خلافية بين الفقهاء. قال: لاتجوز أن تكون امرأة قاضية في شيء من الأحكام وبهقال الشافعي، وقال أبو حنيفة :يجوز أن تكون قاضية في كل ما يجوز أن تكون شاهدة فيه وهو جميع الأحكام إلاّ الحدود والقصاص، وقال ابن جرير: يجوز أنتكون قاضية في كل ما يجوز أن يكون الرجل قاضياً فيه لأنّها من أهل


1 ـ ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 16/193.
2 ـ ابن قتيبة: الإمامة والسياسة: 1/165.


(47)

الاجتهاد.(1)

وقال ابن قدامة:إنّ المرأة لاتصلح للإمامة العظمى، ولالتولية البلدان ولهذا لم يولِّ النبيّ ولا أحد من خلفائه ولامن بعدهم امرأة للقضاء ولاولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً. (2)

ولما كانت المسألة مما أثارت جدالاً ونقاشاً بين الجامعيين و الجدد من الناس، لابأس بالبحث عنها في إطار الأدلّة الشرعيّة وقد أجمل الأصحاب فيها الكلام و ماقاموا بحقّها كما هو حالهم ـ أنارالله برهانهم ـ في سائر المسائل:

ولنذكر بعض الكلمات في المقام:

قال الشيخ في المبسوط:الشرط الثالث في القاضي أن يكون كاملاً في الأمرين: كمال الخلقة والإحكام... وأمّا كمال الاحكام فأن يكون بالغاً عاقلاً حرّاً ذكراً فإنّ المرأة لاينعقد لها القضاء بحال. وقال بعضهم:يجوز أن تكون المرأة قاضية والأوّل أصحّ، ومن أجاز قضاءها، قال يجوز في كلّ ما تقبل شهادتها فيه وشهادتها تقبل في كل شيء إلاّ في الحدود والقصاص.

ومع ذلك لم يذكره المفيد في المقنعة،(3) ولا الشيخ في النهاية(4)، ولا الحلبي في الكافي (5)ولا ابن إدريس في السرائر(6) ولا العلامة في المختلف.(7)

نعم ذكره لفيف من المتأخرين وإليك نصوصَهم:

قال المحقّق في الشرائع: ويشترط فيه البلوغ و... والذكورة.(8)

وقال العلاّمة في التحرير: ويشترط فيه البلوغ... والذكورة، ولاينعقد القضاء


1 ـ الطوسي: الخلاف: كتاب القضاء المسألة 6.
2 ـ المغني :10/127.
3 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
4 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
5 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
6 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
7 ـ لاحظ المقنعة:721، والنهاية:337، والكافي:420، والمهذب: 2/597 ، المختلف 4/76.
8 ـ نجم الدين: الشرائع:4/67.


(48)

للمرأة في الحدود وغيرها.(1)

وقال في القواعد:ويشترط فيه البلوغ والعقل والذكورة.(2)

وأنت إذا لاحظت الكتب المؤلفة في هذه العصور أو بعدها ترى أنّها متّفقة على اشتراطها إمّا بالتصريح أو بأخذ الرجل في التعريف، مثلاً، قال ابن سعيد: إذا كان الرجل عاقلاً بصيراً كاملاً كاتباً عالماً بالقضاء، ديّناً ورعاً فهو أهل لولاية القضاء.(3)

وقال الشهيد في المسالك:و لا ينعقد القضاء للمرأة و إن استكملت الشرائط أي الشرائط المعتبرة في القضاء غير الذكورية وهو موضع وفاق، وخالف فيه بعض العامة فجوّز قضاءها فيما تقبل شهادتها فيه.(4)

وقال في مفتاح الكرامة:أمّا المرأة فلما ورد في خبر جابر عن الباقر ـ عليه السلام ـ ولاتولّي القضاءَ المرأةُ وقد أنكر الدليل المقدّس الأردبيلي إن لم يكن إجماع وهذا خبر منجبر بالشهرة العظيمة إن أنكر الإجماع.(5)

إلى غير ذلك من هذه الكلمات ممّا لانطيل المقام بنقلها، والظاهر أنّ الشهيد الثاني استثنى الذكورة عن موضع الوفاق بين الفريقين لمخالفة أبي حنيفة في المسألة لا أنّه موضع خلاف بين الإمامية، والمحقّق الأردبيلي إن أنكر فإنّما أنكر صحّة الخبر لا الإجماع قال: وأمّا اشتراط الذكورة فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر وأمّا في غير ذلك فلا نعلم دليلاً واضحاً نعم ذلك هو المشهور فلو كان إجماعاً فلا بحث.(6)


1 ـ العلاّمة الحلّي، التحرير، ص179.
2 ـ العاملي، مفتاح الكرامة، ج10، ص9، قسم المتن.
3 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع، ص522.
4 ـ المسالك، ج2، ص283.
5 ـ السيد جواد العاملي، مفتاح الكرامة، ج10، ص9.
6 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/15.


(49)

نعم الإجماع في هذه المسألة مستند إلى الآيات والروايات والسيرة الموجودة بين المسلمين حيث لم تُرَ قاضية بين المسلمين على منصَّة القضاء، وإلى سائر الجهات التي تدعم عدم صلاحيتها للقضاء فيصبح الإجماع مدركياً لاتعبدياً، ولامحيص للفقيه عن دراسة الأدلّة.

هذا وأنّ الأصل الأوّلي في المقام هو عدم الجواز فعلى المجوّز إقامة الدليل، إذ العمومات الواردة في القاضي المنصوب منصرفة إلى الرجال وهي بينما ورد فيه لفظ «منكم» كما في مقبولة ابن حنظلة(1) أو «رجل» كما في رواية أبي خديجة(2) فهذان التعبيران، لو لم يدلا على اختصاص القضاء بالرجل فلا أقلّ أنّها منصرفة عن المرأة، ويؤيد الانصراف عدم التعارف، إذا لم تر في زمن الخلفاء ولابعدهم امرأة تتولى مهمّة القضاء وما قيل من أنّ مدار الانصراف، كثرة الاستعمال وندرته، لاكثرة الوجود وقلّته، لو تمّ، فالمقام من موارد عدم الوجود لاقلّته.فلو كان هذا المقدار كافياً في عدم الجواز فالفقيه في فسحة من الاستدلال بالآيات والروايات، وإلاّ فإن استشكل في انصراف العمومات فلامحيص من دراسة سائر الأدلّة ولنذكر ما يمكن الاستدلال به على المنع ولنقدّم البحث عن الآيات:

الآية الأُولى: «الرجال قوّامون على النساء»

إنّ الحياة الإنسانية في المجتمع لاتدوم إلاّ على منهج سيادة الرجال على النساء بما أودع الله في فطرة كل منهما ما هو الأحسن والأصلح بنظام التكامل في الوجود، ويدل عليه قوله سبحانه:«اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللّهُ وَ اللاّتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَْيْهِنَّ سَبيلاً إِنَّ اللّهَ كانَ عَلَيَّاً كَبيراً»


1 ـ الوسائل، الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل، الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5و8.


(50)

(النساء/34) والاستدلال رهن دراسة المواضع التالية:

المواضع الهامة الثلاثة في تفسير الآية

1ـ ما هو المراد من كون الرجال قوّامين على النساء فهل هو بمعنى القيمومة لهنّ؟

2ـ ما هو ملاك القيمومة؟

3ـ إذا تبيّن ملاك القيمومة، فما هو إطار تلك الولاية فهل تختصّ بما يمت بالشؤون الاجتماعية في حياة الزوجين ولاتتجاوز عن ذلك الإطار، أو يعمّ مطلق الشؤون الإجتماعية من غير فرق بين الزوجين وغيرهما فالرجال على الإطلاق قوّامون على النساء في الحياة الاجتماعية من غير فرق بين الزوج وغيره؟

وإليك دراسة تلك المواضع، بشرح مفرداتها وجملها:

1 ـ ما هو المراد من قوله سبحانه: «الرجال قوّامون على النساء» ؟

«قوّامون» جمع «القوام» وهو و «قيّم» وقيّام بمعنى واحد، والمراد أنّ الرجال قائمون بشؤون النساء قيام الولاة على الرعيّة في مجال التدبير والتأديب والذبّ عن التعدي إليهن.يقال:قام الرجل على المرأة: قام بشأنها وليس المراد من قيامهم بشأنهنّ هو انفاقهم عليهن لأنّه سبب الولاء لامورده كما يشير إليه فيما بعد بقوله:«وبما انفقوا من أموالهم » بل المراد هو القيام بسائر الشؤون ممّا تقوم عليه الحياة الاجتماعية التي تتوقف على العقل والتدبير، والقوّة والاستطاعة وقد فسرت الآية بنحو ما ذكرنا و إليك بعض الكلمات:

1ـ قال الطبرسي : إنّ الرجال قيّمون على النساء، مسلّطون عليهنّ في التدبير والتأديب.(1)


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان2/43.


(51)

2ـ وقال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه:«الرجال قوّامون على النساء» أي الرجل قيّم المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا أعرجت.(1)

3ـ وقال الفيض في تفسيره: أي يقومون عليهنّ قيام الولاة على الرعيّة.(2)

إلى غير ذلك من الكلمات المترادفة.

إنّ مرجع القيمومة هاهنا، ليس إلى تصويرهن كالمجانين والسفهاء والأطفال، وتكون قيمومة الرجال عليهن، كقيمومة الأب والجدّ إليهم بل مرجعها إلى قيمومة الوالي على الرعية، والدولة على الشعب وليس هنا من يتلقى ولاية الوالي عليه، نقصاً وتحقيراً، لأنّ الشعب المتفرق في البلد يحتاج إلى من يدبّر أمره ويؤدب خاطئه ويذبّ عن كيانه وشرفه وماله.ومثله العائلة فالبيت مجتمع صغير في مقابل البلد الذي هو مجتمع كبير والولاية عليه، كالولاية على الجماعة الكبيرة .

إذا عرفت مفاد القيمومة فلنرجع إلى الأمر الثاني من الأُمور الثلاثة.

2ـ ما هو ملاك القيمومة والسيطرة؟

إذا دلّت الآية على قيمومة الرجال على النساء فلابدّ لها من ملاك يبرّر تلك السلطة وإلاّ فهما فردان من طبيعةواحدة، مصداقان لهما وقد ذكر الكتاب العزيز، لها ملاكين أشار إليهما بقوله:« بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم».

فهذان الملاكان يختلفان في أنّ الأوّل موهوبيّ والثاني اكتسابي، بمعنى انّه سبحانه خصّهم بلا اختيار بفضيلة ثمّ هؤلاء قاموا بكسب فضيلة أُخرى.

الملاك الموهوبي

أمّا الملاك الخارج عن الاختيار فهو أنّه سبحانه فضّل الرجال على النساء في


1 ـ ابن كثير: التفسير:2/275.
2 ـ الفيض، تفسير الصافي:1/353.


(52)

مجالي التكوين والخليقة، والتشريع والتقنين.

ومع أنّ المراد هو تفضيلهم على النساء يقول سبحانه «بما فضّل الله بعضهم على بعض» ، والمقصود من البعض الأوّل هو الرجال ومن الثاني هو النساء، والتنوين في «بعض» عوض عن الضمير.وإنّما عبّر بهذا دون أن يصرّح مثل ما قلناه، لأجل إفادة أنّ الطائفتين داخلتين تحت نوع أو جنس واحد، مشاركتين في الإنسانية والبشرية ولكن فُضِّلَ بعض أفراده على البعض الآخر منه، وبذلك استطاعت الآية أن تحفظ شأن المرأة ومقامها وتفيد أنّ تفضيل الرجال عليها لايوجب دخولهما تحت طبيعتين أو جنسين متغايرين بل هما مع الوحدة في النوع والجنس يختلفان في العوارض والخصوصيات وهذا النوع من التعبير شائع في القرآن الكريم.

قال سبحانه:«أنّي لا أُضيعُ عَملَ عامِل مِنكُم مِن ذَكر أو أُنثى بَعْضُكُم مِن بَعض».(آل عمران/195).

ثمّ إنّ مجرى هذا التفضيل الذي يخبر عنه سبحانه إمّا التكوين أو التشريع، أمّا التكوين فيرجع إلى أمرين بهما فُضِّلَ الرجال على النساء، وهو العقل والإدراك، والقدرة والاستطاعة إذ لاشكّ أنّ عقول الرجال أكثر، كما أنّ قدرتهم على الأعمال الشاقّة أوفر، وليس هذا شيء ينكر ولو وجدنا هناك لفيفاًمن النساء يفضلن على لفيف من الرجال في العقل والتدبّر أو وقفنا على نساء لهنّ المقدرة والاستطاعة البالغة على أعمال شاقّة فلايكون ذلك ملاكاً لتفضيل النساء على الرجال فإنّ الملاك في القضاء هو الغلبة الساحقة والغالب على الرجال في مجال العقل والتدبير هو الزيادة على النساء فيهما، ولأجل ذلك فيهم من العقلاء ما ليس فيهنّ كما أنّ مقدرتهم على الأعمال الشاقّة أكثر، وبالجملة: الملاك المتوسطات من النساء و المتوسطون من الرجال .

1ـ قال الشيخ الطوسي: «والمعنى الرجال قوّامون على النساء بالتدبير


(53)

والتأديب لما فضّل الله الرجال على النساء في العقل والرأي».

2ـ وقال ال(1)طبرسي في تفسير قوله:«بما فضّل الله بعضهم على بعض»هذا بيان سبب تولية الرجال عليهنّ أي إنّما ولاّهم الله أمرهنّ لما لهم من زيادة الفضل عليهنّ بالعلم والعقل وحسن الرأي والعزم.(2)

3ـ وقال الزمخشري: إنّ الرجال يفضلون على النساء بالعقل والحزم والعزم والقوّة والفروسية، والرمي وأنّ منهم الأنبياء والعلماء وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى.(3)

هذا كلّه هو التفضيل في التكوين. وأمّا التفضيل في التشريع فالراجع إلى الفقه الإسلامي يجد هناك تفوقاً للرجال على النساء نشير إلى لفيف منه:

أـ وضع عنهنّ الصلاة والصوم في أيام خاصة لطروء الضعف عليهنّ في ميدان العمل.

ب ـ جعل شهادة امرأتين بمثابة شهادة رجل واحد وقال: «فَرجُلٌ وامرأتان»(البقرة/282).

ج ـ خاطب الرجال بالنفر والخروج، وقال:«انفِرُوا خِفافاً وثِقالاً وجاهِدُوا بأموالِكُم وأنفُسِكُم فِي سبيلِ الله»(التوبة/41).

وخاطب النساء بقوله:«وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنّ » (الأحزاب/33).

د ـ جعل الطلاق بيد الزوج وقال:« الطلاق بيد من أخذ بالساق» والعدّة بيد النساء.

هـ ـ جعل ميراث الذكر مثل حظّ الأُنثيين.


1 ـ الطوسي: التبيان 3/ والغاية من نقل عبارته، هو آخرها لا أوّلها لما مرّ الكلام فيه والغرض بيان ملاك التفضيل.
2 ـ الطبرسي: مجمع البيان :2/13.
3 ـ الزمخشري : الكشاف:1/206.


(54)

وـ جعل دية المرأة نصف دية الرجل.

ز ـ رفع عنهنّ الجمعة والجماعة.

ح ـ خصّ الرجال بالنبوة والخلافة.

إلى غير ذلك من التشريع المختلف الحاكي عنتفضيل بعضهم على بعض.

الملاك الاكتسابي

هذا كلّه يرجع إلى التفضيل بالملاك الأوّل وأمّا التفضيل بالملاك الثاني أي الملاك الاكتسابي فإليه أشار بقوله:«وبما أنفقوا من أموالهم» فالانفاق بالأموال في الحياة اليومية وفي مجال المهر ومن المعلوم مزية المنفِق على المنفَق عليه.

إلى هنا تمّ بيان ملاك القيمومة، وعلمت أنّ أحدهما وهبيّ والآخر اكتسابي وأنّ مرجع الأوّل تارة هو التكوين وأمر الخلقة وأُخرى إلى التشريع الإسلامي المبني على مصالح واقعية وإنّما المهم هو بيان مجال الولاية وإطارها وأنّ قيمومة الرجل إلى أيّ مدى؟

وهنا نكتتان نلفت إليهما نظر القارئ قبل بيان حدِّها:

الأُولى:إنّ التشريع الإسلامي في مجال الرجل والمرأة يبتني على رعاية فطرتهما أوّلاً والمصالح الاجتماعية ثانياً، فلو رفع بعض التكاليف عنها فإنّما هو لأجل رعاية حالها أوّلاً أو المصالح الإجتماعية ثانياً، فهذا النوع من التشريع لايعني الإطاحة بمقام المرأة فلو رفع الجهاد عنه فلأجل أنّ طبيعة المرأة طبيعة عاطفية حساسة لايناسب الأعمال الشاقة البالغة الصعوبة، فلو جعل ميراثها نصف ميراث الرجل فلأجل مصلحة ملزمة في ميدان المعيشة فإنّ الرجل هو المتكفل في حياة العائلة وهو الباذل لكل ما يحتاجون إليه دون المرأة.

الثانية: إنّ رفع بعض التكاليف وإن كان يوجب حرمانها من الثواب والأجر


(55)

الأُخروي لكن الإسلام تداركه بوضع وظائف أُخرى على عاتقها لو قامت بها لأدركت الثواب الفائت من الجهاد مثلاً وهناك حوار، بين وافدة النساء والنبي الأكرم حيث عرّفت نفسها بأنّها وافدة النساء وقالت:بأبي أنت وأُمي إنّي وافدة النساء إليك واعلم نفسي لك الفداء أنّه ما من امرأة كائنة في شرق ولاغرب سمعت بمخرجي هذا إلاّ وهي على مثل رأيي.

إنّ الله بعثك بالحقّ إلى الرجال والنساء ف آمنّا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنّا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضي شهواتكم، وحاملات أولادكم، وأنّكم معاشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحجّ بعد الحجّ وأفضل من ذلك، الجهاد في سبيل الله وأنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم وغزلنا أثوابكم وربّينا لكم أموالكم فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟

فالتفت النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى أصحابه بوجهه كله، ثمّ قال:هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟

فقالوا: يا رسول الله ! ما ظننا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا.

فالتفت النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إليها ، ثم قال لها:إنصرفي أيتها المرأة، واعلمي من خلفكِ من النساء أنّ حسن تبعل إحداكنّ لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها موافقته، تعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة وهي تهلّل وتكبّر استبشاراً.(1)

و لأجل ذلك التدارك يصفهنَّ سبحانه بقوله: «فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلغيبِ بِما حَفِظَ الله »(النساء/34).

فالصالحة عبارة عن القانتة، والمطيعة لزوجها إطاعة دائمة مهما أرادوا منهنّ ممّا له مساس بالتمتّع وسائر الجهات المرتبطة بشؤون الحياة الزوجية وهي في مقابل


1 ـ الدر المنثور:2/153.


(56)

قوله سبحانه:«واللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ» (النساء/34).

«حافظات للغيب» أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه من النفس والمال. وإخراج الحكم والأمر بصورة الوصف آكد في الوجوب.

قوله:«بما حفظ الله» الباء للمقابلة، أي يقمن بما ذكر في مقابل ما حفظ الله لهم من الحقّ فأوجب عليهنّ الإطاعة وحفظ الغيب لهم.

3ـ سعة القيمومة وضيقها

إلى هنا فرغنا من الأمرين المهمين: إثبات القيمومة، وملاكها .

بقي الكلام في إطارها وسعتها وضيقها فنقول:

إنّ ملاك القيمومة ـ بعد الإمعان في الآية ـ يتلخّص في مجموع أمرين:

1ـ بما فضل الله الرجال على النسـاء في مجـال الإدارة والتدبير، والقـدرة والاستطاعة الجسمية.

2ـ بما يقومون من عمل الانفاق على النساء.

فالملاك مجموع الأمرين فلأجلهما للرجال قيمومة على النساء.

وعلى ذلك تتحدد القيمومة بالحياة الاجتماعية للعائلة. فلو كان أمراً فردياً، كالغزل والخياطة فلا ولاية له عليها، إذا لم يكن مانعاً عن تمكينها للاستمتاع. أو كان أمراً اجتماعياً ولكن خارجاً عن العلاقات الزوجية، كما إذا تصدى للوكالة عن الغير، والقضاء بين المتخاصمين الأجنبيين فهو خارج عن مفاد الآية لعدم ملاك للقيمومة في الغير، ولا في المتخاصمين على المرأة، حتى لا تصلح للوكالة والقضاء.

وبعد ثبوت اختصاص ملاك القيمومة بالأُمور الاجتماعية العائليّة.فهل تعمّ كل الأُمور ولوكان خارجاً عن إطار الزوجية أو تختص بهذا الإطار وهذا هو المهم؟

وبعبارة أُخرى: هل تختص الولاية بالعلاقات الزوجية ونظام العائلة؟ ففي كل أمر له صلة بهذا النظام، فالرأي هو رأي الزوج وله التسلط والسيطرة إلاّ إذا


(57)

خالف الكتاب والسنة، وأمّا الخارج عن هذا الإطار فلا، سواء كان راجعاً إلى الحياة الفردية لكل من الزوجين، أو راجعاً لكل من الرجال والنساء وإن لم تكن بينهما علاقة الزوجية سواء أكان من الأمور الفرديّة أم الاجتماعيّة ففيهاالرجل والمرأة سواء.

أو أنّها تعمّ لجميع المجالات الاجتماعية ولاتختصّ بالحياة العائلية ففي الجهات العامة الاجتماعية التي لها صلة بما فضل الله به الرجال على النساء، لهم قيمومة عليهنّ؟ وجهان:

يؤيد الوجه الأوّل:ـ مضافاً إلى مسألة الانفاق ـ سياق الآية، فإنّه بصدد بيان وظائف الزوجين وشؤونهما وإن كانت تستعين بلفظ الرجال والنساء لكن المقصود هو الزوجان يقول سبحانه:«ولكُلّ جَعَلْنا مَوالِيَ (1) مِمّا تَركَ الوالِدانِ والأقربُونَ...» (النساء/33) أي لكل من الزوجين، فتأمل.

«الرّجالُ قَوّامُونَ على النساءِ... واللاّتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنّ فَعِظُوهُنّ...»(النساء/34).

«وإن خِفْتم شِقاقَ بَينهِما فَابعثُوا حَكماً من أهلهِ وحكماً مِن أهلِها»(النساء/35).

فالموضوع في الآيات، هو الزوجان، واعطاء القيمومة لواحد منهما، لايعني كونه قيّماً في خارج هذاالإطار.

ويؤيده أيضاً شأن نزولها الذي نقله المفسّرون:نزلت في امرأة نشزت على زوجها فلطمها فانطلق أبوها معها إلى النبي فقال:أفرشته كريمتي فلطمها فقال النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لتقتصّ من زوجها فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه فقال النبي : ارجعوا فهذا جبرائيل أتاني وأنزل الله هذه الآية فقال:أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد


1 ـ الموالي:أي الأولى بالميراث.


(58)

خير ورفع القصاص .(1)

ويؤيد الوجه الثاني: أنّ مورد الآية وإن كان خاصاً لكن الملاك الذي فضّل به الرجال على النساء عام يعم كل جهة اجتماعية ترتبط بحياة الرجال والنساء فعموم العلّة يعطي أنّ الحكم المبنيّ عليها أعني قوله:«الرجال قوّامون على النساء»(النساء/34) غير مقصور على الأزواج بأن يختص القوامية بالرجل على زوجته بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة القبيلتين جميعاً فالجهات العامة الاجتماعية الّتي ترتبط بفضل الرجال كجهتي الحكومة والقضاء مثلاً إنّما تقومان بالتعقل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء وكذا الدفاع الحربي الذي يرتبط بالشدّة وقوة التعقّل. كل ذلك ما يقوّم الرجال على النساء.

وعلى هذا فقوله: «الرجال قوّامون على النساء » ذو إطلاق عام وأمّا قوله بعد:«فالصالحات قانتات...» الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل وزوجته فهو فرع من فروع هذا الحكم المطلق وجزئي من جزئياته، مستخرج منه من غير أن يتقيد به إطلاقه.

ومع ذلك(2) ففي النفس من عمومية الحكم أو إطلاقه شيء وهو أنّ وقوع الحكم أعني: كون الرجال قوّامون على النساء في ثنايا الأحكام المربوطة بالزوجين، وكون الملاك الثاني للتفضيل والقيمومة هو الانفاق، المختصّ بالزوج، يصدّنا عن الحكم القاطع بإطلاقه.

وبعبارة واضحة:لو كان سبب القيمومة هو الوجه الأوّل أعني الرجاحة في العقل،والقوة في التدبير، والقدرة في الدفاع لكان كافياً في ثبوتها لهم مطلقاً ولكنّها ليست هي السبب الوحيد، بل منضمّة إلى الانفاق والقيام بتجهيز وسائل الحياة، وهو مختصّ بالزوجين. نعم لو كان كل سبباً مستقلاً لها، لعمت مطلق الرجال والنساء فلاحظ.

***


1 ـ مجمع البيان: 2/43 ط صيدا . نقله غيره أيضاً.
2 ـ الطباطبائي: الميزان: 4/365و366.


(59)

الآية الثانية: «وللرجال عليهن درجة»

قال سبحانه :«والمُطلّقاتُ يتربَّصنَ بأنفسهِنَّ ثلاثةَ قُروء ولايحلُّ لَهنَّ أن يكتُمنَ ما خلقَ اللّهُ في أرحامهِنَّ إن كُنَّ يؤمنَّ باللّهِ واليَومِ الآخرِ وبُعُولتُهُنَّ أحَقُّ بردّهنَّ في ذلكَ إن أرادُوا إصلاحاً ولهنَّ مثل الذي عليهنَّ بالمعرُوفِ وللرجالِ عليهِنَّ درجةٌ واللّهُ عزيزٌ حكيم» (البقرة/228).

الآية متضمنة لبيان أحكام الطلاق الرجعيّ وتذكر الأُمور التالية.

1ـ المطلّقة تتربّص ثلاثة أطهار ولاتتزوّج فيها لئلا يلزم اختلاط المياه ويفسد النسل، والقُرء في الآية بمعنى الطهر، لا الحيض خلافاً للعامّة وذلك لأنّه من القَرء بمعنى الجمع، والدم يجتمع أيام الطهر شيئاً فشيئاً حتى يقذفه الرحم أيام الحيض والذي يدل على أنّه بمعنى الجمع، قوله سبحانه:«لا تُحرِّك بهِ لسانكَ لِتعجَلَ به* إنّ عَلَينا جَمْعهُ وقرآنَهُ * فإذا قرأناهُ فاتّبِع قُرآنَه»(القيامة/16ـ 18). وقال أيضاً:«وقرآناً فَرقناُه ِلَتقرأهُ على الناِس على مُكث»(الأسراء/106). وجه الاستدلال أنّه سبحانه عبّر بالقرآن، ولم يعبّر بالكتاب أو الفرقان أو ما شابهما، للتناسب الموجود بين الجمع والقرآن في الآية الأُولى، والقرآن والتفريق في الآية الثانية.

2ـ تحرم عليهنّ كتمان الولد في الرحم استعجالاً في خروج العدّة أو اضراراً بالزوج في رجوعه.

3ـ للزوج الرجوع مادامت هي في العدّة، وليكن الرجوع لغاية الإصلاح لا للإضرار.


(60)

4ـ ولهنّ مثل الذي عليهن بالمعروف أي أنّ الحقوق بينهما متبادلة ولو استحق الزوج شيئاً عليها، فهي تستحق شيئاً آخر عليه. قال الطبرسي: وهذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمّة وإنّما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة وترك المضارة والتسوية في القَسم والنفقة والكسوة كما أنّ للزوج حقوقاً مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له وأن لاتَدخل فراشَ غيره، وأن تحفظ ماءه فلاتحتال في إسقاطه.

5ـ وللرج(1)ال عليهن درجة: أي منزلة فضيلة عليهنّ مع كون الحقوق بينهما متبادلة، ولمّا كان ذلك موهماً ، لتساوي منزلتهما، دفع ذلك الوهم بأنّ للرجال عليهنّ منزلة وفضيلة وكون الحقوق متبادلة لايقتضي تساويها في جميع المراحل الاجتماعية ولأجل ذلك صار سهم الذكر ضعف الأُنثى في الميراث، وحقّ الطلاق بيد الزوج، والرجعة موكولة إليه ولم يكتب الجهاد على المرأة لعدم تلائمه مع فطرتها إلى غير ذلك من الأُمور التي تثبت، تقدّم الرجل عليها في مجالات خاصة.

هذا كلّه يرجع إلى توضيح جمل الآية إنّما الكلام في عمومية قوله:«وللرجال عليهنّ درجة» بالنسبة إلى القضاء وفصل الخصومة ويمكن منعه لأنّها قضية موجبة جزئية، تصدق بوجود المنزلة للرجال في موارد خاصة كالميراث والطلاق، والجهاد وغيرها ممّا عرفت ولايتوقف صدقها على حرمانها من القضاء فيكون التمسك بها في مورد المنع عن القضاء تمسّكاً بالدليل في الشبهة المصداقية.

نعم هناك وجه آخر للتمسّك ربّما يظهر من كلام العلاّمة الطباطبائي قدَّس سرَّه ويمكن تقريره بالنحو التالي:

إنّه سبحانه يقول قبل هذه الجملة:«ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف» فلو قلنا إنّ المعروف هو العمل المطابق بالفطرة تكون الخلقة ميزاناً لتمييز مالها عمّا


1 ـ الطبرسي، مجمع البيان: 1/327.


(61)

عليها، ولمّا كان أمر القضاء مما يطلب لنفسه العقل والدراية الكثيرة بخلاف الحضانة وأمثالها فيكون للرجل في القضاء عليهن درجة دون الحضانة.

ولكن تفسير المعروف بماذكره، غير واضح لأنّه كما يقول الراغب (1): كل فعل يعرف حسنه بالعقل أو الشرع والمنكر ما ينكر بهما. وكون القضاء أمراً معروفاً بالنسبة إلى الرجل دون المرأة أوّل الكلام.

***

الآية الثالثة: قوله:«وَ هُوَ فِي الخِصامِ غَيْرُ مُبين»

قالسبحانه:«أَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا في الحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي الخِصامِ غَيْرُ مُبين »(الزخرف/18).

لما ذكر قول المشركين بأنّ الله سبحانه اتخذ ممّا يخلق بنات و أصفاهم بالبنين ردّه سبحانه بوجهين:

1ـ كيف تصفونه بأنّه سبحانه اتخذ لنفسه بنات، مع أنّ أحدكم إذا بشر بها ظلّ وجهه مسوّداً وهو كظيم؟ فإذا كان اتخاذ البنات أمراً حسناً، فَلِماذا تتسوّد وجوهكم عند التبشير بها؟ ولو كان الإتخاذ قبيحاً فلِمَ تنسبونه إلى الله؟

2ـ كيف تصفونه سبحانه باتخاذ البنات، مع أنّ الأُنثى تنشأ وتشب في الحلية و في الوقت نفسه فهي في مقام المخاصمة والاحتجاج ضعيفة التقرير، والتعلّق الشديد بها آية كونها موجودة حساسة عاطفية، ضعيفة التعقّل ومع ذلك فكيف تصفون الله باتخاذهم بنات؟

وجه الاستدلال: إنّ قوام القضاء بالاحتجاج والجدال وتحقيق الحقّ وهو رهن منطق قوي وعقل واع، والمرأة فاقدة لذلك. لأنّ المتوسطين من الرجال أعقل من


1 ـ الراغب: 331مادة «عرف».


(62)

متوسطات النساء وأبين حجّة وأوضح بياناً فلاتصلح الثانية لها .

لكن كون القضاء رهن الاحتجاج والجدال غير واضح خصوصاً إنّ القضاء في المحاكم يتوقف على الدقة في كلمات المترافعين وما حول القضية من الأمارات والقرائن التي تثبت صدق دعوى المدعي أو كذبها ولاحاجة إلى جدال ولايقوم على المناظرة.

هذا كلّه حول الآيات ، واتضح عدم دلالتها القطعية على المراد وإليك البحث في الروايات الواردة في المقام.

الاستدلال بالروايات

1ـ ما رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن حمّاد بن عمرو، وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر عن أبيه عن آبائه في وصية النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لعلي ـ عليه السلام ـ قال: يا علي! أُوصيك بوصية فاحفظها فلاتزال بخير ما حفظتَ وصيّتي ـ إلى أن قال: ـ ليس على المرأة جمعة ولاجماعة، ولا أذان ولاإقامة ولاعيادة مريض ولااتّباع جنازة ولاهرولة بين الصفا والمروة ولااستلام الحجر ولاحلق ولاتولي القضاء ولاتستشار(1) ببيان أنّه بصدد بيان نفي التشريع بقرينة بعض ما جاء فيها كالحلق.

لكنّها ضعيفة سنداً ودلالة أمّا الأوّل فلأنّ حمّاد بن عمرو سواء كان الصنعائي أو الكوفي مجهول. ومثله أنس بن محمد، وليس له رواية في الكتب الأربعة إلاّ هذه الرواية(2) على أنّ في سند الصدوق إليهما مجاهيل يظهر من الرجوع إلى المشيخة فانّ فيها: «وما كان فيه عن حمّاد بن عمرو وأنس بن محمّد في وصية النبي لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقد رويته عن محمّد بن علي الشاه بمرو الرود، قال: حدّثنا أبوحامد أحمد بن محمّد بن أحمد بن الحسين، قال:حدثنا أبويزيد أحمد بن


1 ـ تنقيح المقال:1/155.
2 ـ الوسائل، الجزء 18، الباب 2من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(63)

خالد الخالدي، قال: حدّثنا محمّد بن أحمد بن صالح التميمي قال:أخبر محمّد بن حاتم القطّان، عن حمّاد بن عمرو عن جعفر بن محمّد الخ.

قال:ورويته أيضاً عن محمد بن علي الشاه، قال :حدّثنا أبو حامد، قال:أخبرنا أبو يزيد، قال:أخبرنا محمّد بن صالح التميمي قال: حدّثنا أبي قال:حدّثني أنس بن محمد أبو مالك عن أبيه عن جعفر بن محمّد.(1)

وأمّا الثاني فلأنّ الظاهر أنّ المرفوع هو الوجوب بقرينة أكثر ما جاء فيه من الأذان والإقامة واتباع الجنازة وعيادة المريض، إلاّ الحلق فإنّه محرّم عليها.

2ـ ما رواه جابر عن الباقر ـ عليه السلام ـ :«ولاتولّى المرأة القضاء ولاتولّى الإمارة(2) وهي مرسلة لاتصلح للاحتجاج.

3ـ ما في نهج البلاغة في الوصية التي كتبها الإمام لولده الحسن عند منصرفه من صفين بحاضرين:«ولاتملك المرأة ما جاوز نفسَها فإنّ المرأة ريحانة وليست بقهرمانة» والمراد الأُمور الخارجة عن قدرتها. وكون القضاء من مصاديقه أمر مشكوك فلايمكن التمسّك به.

نعم قال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قُبيَل تلك الجملة: «وإيّاك ومشاورة النساء فإنّ رأيهن إلى أفن(3) وعزمهنّ إلى وهن».(4) ولكن النهي عن المشاورة بمعنى أن تقع طرف المشاورة، والقضاء يجرها إلى المشاورة، لا أن تكون طرف المشاورة.

4ـ ما رواه البخاري مسنداً واحتجّ به الأصحاب في الكتب الاستدلالية عن أبي بكرة قال:لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله أيام الجمل بعد ما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأُقاتل معهم قال:لمّا بلغ رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّ أهل فارس قد


1 ـ الفقيه، ج4 ، قسم المشيخة،ص134.
2 ـ المجلسي: البحار:103/254، الحديث1.
3 ـ الأفن ـ بسكون الفاء ـ: النقص وبالتحريك ضعف الرأي.
4 ـ نهج البلاغة، قسم الرسائل: الرسالة 33


(64)

ملّكوا عليهم بنت كسرى قال:لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.(1)

والرواية على فرض القبول لأجل استناد الأصحاب إليها في الكتب الاستدلالية، تنهى عن الحكومة العامة والولاية المطلقة على البلد والمدينة وأين ذلك من مراجعة النساء لحلّ العقد، إلى امرأة في قرية أو مدينة ومن المعلوم أنّ ثبوت الحكم في القوي لايلازم ثبوته في الضعيف.

إذا عرفت ذلك فلنا أن نقول ـ بعد هذا البحث الضافي ـ:

1ـ إنّ كل واحد من هذه الأدلّة وإن كان غير واف بالمراد، وغير صالح للاستدلال، لكن حكم المجموع غير حكم كل فرد، ولعلّ المجموع من حيث هو، كاف في إفادة الاطمئنان على عدم صلاحيتها للقضاء وهذه هي السيرة المستمرة بين الفقهاء في أمثال المقام إذ ربما لاتكون الأدلّة إذا لوحظت بانفرادها مفيدة للاطمئنان لعدم خلوّها عن المناقشة لكن إذا لوحظت بصورة المجموع، ربّما تكون قوة دلالة البعض جابرة لضعف دلالة الآخر وبالعكس، أي قوّة سند البعض جابرة لضعف سند الآخر فيتفاعلان ويؤثران.

2ـ التمسّك بالسيرة المستمرة بين المسلمين عبر القرون، فإنّ السيرة وإن كانت على الإيجاب في جانب الرجل، وهي بوحدتها لاتسلب الصلاحية عن المرأة لكن استمرارها على نصب الرجال دون النساء، ربّما تحمل بياناً سلبياً بالنسبة إلى المورد الآخر.

3ـ إنّ الأصل الأوّلي في باب القضاء هو عدم الجواز، فعلى القائل بالجواز إقامة الدليل، لاعلى النافي لما عرفت من أنّ الأدلّة الواردة في زمان عدم بسط اليد، واردة في مورد الرجل أو منصرفة إليها.

أضف إلى ذلك أنّ ممارسة القضاء للمرأة لاتخلو في زماننا هذا عن


1 ـ البخاري: الصحيح، ج6; كتاب المغازي/10 وغيره.


(65)

مضاعفات تحطّ من منزلتها وكرامتها وتقواها وتجعلها في مقربة ممّا لاتحمد عاقبته كما لايخفى إلاّ إذا حدَّدت أعمالها بتخصيص رجوع النساء إليها. ولذلك يلزم عليهنّ الاشتغال في مراكز تحفظ كرامتهن.

الشرط الثامن: الاجتهاد

هذا الشرط يعبّر عنه تارة بالاجتهاد المطلق وأُخرى «بالعلم بجميع ما وليه» و سيوافيك أنّ الشرط الواقعي هو صدور القاضي عن الكتاب والسنة مباشرة و هو لا ينطبق في الأعصار المتأخرة إلاّ على المجتهد دون المقلِّد وما يبدو منّا من كون الشرط هو الاجتهاد فهو من باب المجاراة للقوم في الاصطلاح و إلاّ فالشرط الواقعي هو ما ذكرناه.

ومعنى الشرط عدم صلاحية المقلِّد لتصدي القضاء ولا المتجزي، وهو معروف بين الأصحاب لم يخالف فيه إلاّ المحقّق القمي عند الاضطرار على ماحكاه المحقق الرشتي في قضائه(1)و يظهر من صاحب الجواهر جواز تصدّي المقلّد في موضع من كلامه(2) وقبل الخوض في الأدلّة نذكر كلمات الأصحاب:

1ـ قال الشيخ في الخلاف: لايجوز أن يتولّى القضاء إلاّ من كان عارفاً بجميع ما ولي ولا يجوز أن يشذ عنه شيء من ذلك، ولايجوز أن يقلّد غيره ثمّ يقضي به. وقال الشافعي:ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد ولايكون عامياً ولايجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه وقال في القديم مثل ماقلناه. وقال أبو حنيفة:يجوز أن يكون جاهلاً بجميع ما وليه إذا كان ثقة ويستفتي الفقهاء ويحكم به، ووافقنا في العامي انّه لايجوز أن يفتى به.(3)


1 ـ الرشتي: كتاب القضاء : 29.
2 ـ النجفي: جواهرالكلام:40/18.
3 ـ الطوسي : الخلاف، ج3، كتاب القضاء، المسألة 1.


(66)

2ـ وقال في النهاية:وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتّى يكون عاقلاً، كاملاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه، وعامِه وخاصِه وإيجابه، ومحكمِه ومتشابِهه، عارفاً بالسنّة وناسخها ومنسوخها، عالماً باللغة مضطلعاً بمعاني كلام العرب، بصيراً بوجوه الإعراب.(1)

3ـ وقال أبو الصلاح الحلبي في بيان شروط القاضي:العلم بالحقّ في الحكم المردود إليه، والتمكّن من إمضائه على وجهه، ثم قال:واعتبرنا العلم بالحكم لما بيّناه من وقوف صحّة الحكم على العلم، لكون الحاكم مخبراً، بالحكم عن الله سبحانه، نائباً في إلزامه عن رسول الله.(2)

4ـ وقال ابن البراج:والقضاء لاينعقد للقاضي إلاّ بأن يكون من أهل العلم والعدالة والكمال، وكونه عالماً بأن يكون عارفاً بالكتاب والسنّة والإجماع والاختلاف ولسان العرب.(3)

5ـ وقال ابن إدريس: وليس يثق أحد بذلك من نفسه حتّى يكون عاقلاً، عالماً بالكتاب وناسخه ومنسوخه إلى آخر ما ذكره الشيخ في النهاية بلفظها.(4)

6ـ وقال المحقّق :وكذا لاينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ولايكفيه فتوى العلماء ولابدّ أن يكون عالماً بجميع ماوليه وفسّره في الجواهر بقوله: أي مجتهداً مطلقاً كما فسره به في المسالك فلايكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد.

7ـ وقال (5)العلامة في القواعد: ولا المرأة إن أجمعت باقي الشرائط ولا ولد الزنا ولا الجاهل بالأحكام ولاغير المستقل بشرائط الفتوى ولايكتفي بفتوى العلماء


1 ـ الطوسي: النهاية، كتاب القضايا والأحكام :337.
2 ـ الحلبي: الكافي: 421ـ422.
3 ـ ابن البرّاج: المهذّب:2/597.
4 ـ ابن إدريس: السرائر: 2/154.
5 ـ النجفي : الجواهر، 40، قسم المتن :15.


(67)

ويجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه.(1)

8ـ وقال الشهيد في المسالك عند قول المحقّق:«وكذا لاينعقد لغير العالم» المراد بالعالم هنا المجتهد في الأحكام الشرعية وعلى اشتراط ذلك إجماع علمائنا ولافرق بين حالة الاختيار والاضطرار ـ ثمّ قال ـ والمراد بكونه عالماً بجميع ما وليه كونه مجتهداً مطلقاً فلايكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد.(2)

9ـ وقال العاملي في مفتاح الكرامة عند شرح قول العلاّمة:«ويجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه» فالاجتهاد دون التقليد قوة قريبة أو فعلاً فلايكفي التجزي إجماعاً كما هو ظاهر المسالك والكفاية.(3)

10ـ وقال في الجواهر عند شرح قول المحقّق:«وكذا لاينعقد لغير العالمالمستقل بأهلية الفتوى» بلا خلاف أجده(4) إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاقهم على شرطية الاجتهاد المطلق في القضاء وسيوافيك من بعضهم مايخالفه.

و قد اكتفى العلاّمة في المختلف بنقل كلام الشيخ في المبسوط على تفصيله و لم يزد شيئاً عليه.(5)

أدلّة القول بشرطيّة الاجتهاد

استدل القائل بشرطية الاجتهاد بأُمور:

الأوّل: الشهرة الفتوائية المحقّقة لو لم نقل بوجود الإجماع من فقهائنا عليها


1 ـ العاملي: مفتاح الكرامة ، ج10 ، قسم المتن :9.
2 ـ الشهيد الثاني: المسالك: 2/389.
3 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/9.
4 ـ النجفي: الجواهر: 40/15.
5 ـ العلاّمة: المختلف، كتاب القضاء، المسألة 3.


(68)

وقد ذكرناشيئاً من عبائرهم. لكن الاعتماد عليه مشكل لاحتمال استناد المجمعين على ما سيوافيك من الأدلّة النقلية.

الثاني: إنّ الأصل في القضاء هو المنع ولم يخرج منه إلاّ العالم بالحكم لا الحاكي عن الغير.وتمامية الدليل يتوقف على دراسة ما ورد من الأدلّة في المقام وهي روايات معدودة ونأتي بالمهمّة منها:

الأُولى: مقبولة عمر بن حنظلة:

روى الكليني عن محمّد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحُصين عن عمر بن حنظلة قال:سألت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحلّ ذلك؟قال: من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً، وإن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، وما أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: « يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلى الطاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ » (1).

قلت: فكيف يصنعان؟ قال: «ينظران (إلى) من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فانّي قد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله، وعلينا ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله».

قلت: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما،واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟قال:«الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولايلتفت إلى ما يحكم به الآخر ».


1 ـ النساء/60.


(69)

إلى أن قال:

قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟فقال:«ماخالف العامّة ففيه الرشاد».(1)

أمّا من جاء في السند فالكل غير الأخير أجلاّء ثقات وإليك ترجمتهم إجمالاً:

1ـ محمّد بن يحيى: هو العطار القمي شيخ الكليني وقد أكثر الرواية عنه.

2ـ محمّد بن الحسين هو ابن أبي الخطاب أبو جعفر الزيات الهمْداني جليل من أصحابنا عظيم القدر، وكثير الرواية ثقة عين حسن التصانيف مسكون إلى روايته(2) المتوفى عام (262) الثقة.

3ـ محمّد بن عيسى العبيدي اليقطيني الذي وثقه النجاشي وإن راب في حقّه استاذ الصدوق ابن الوليد ولايعبأ به بعد توثيق النجاشي إيّاه وغيره.

4ـ صفوان بن يحيى، ثقة جليل توفي عام (210) غني عن الترجمة.

5ـ داود بن الحصين الأسدي هو أسدي الولاء كوفي المولد ، قال النجاشي:ثقة روى عن أبي عبد الله و أبي الحسن وهو زوج خالة علي بن الحسن الفضال(3) وإن وصفه الشيخ بكونه واقفياً، إلاّ أنّ النجاشي لم يتعرّض لوقفه وهو أضبط، فلم يبق في السند إلاّ عمر بن حنظلة وهو لم يوثق وحاول الشهيد الثاني توثيقه بوجوه مذكورة في معجم رجال الحديث(4) ولكنّا في المقام في غنى عن توثيقه فقد تلقّى المشهور هذه الرواية بالقبول ولأجل ذلك سمّيت مقبولة، وعليها المدار في كتاب القضاء (5) وإتقان الرواية يكشف عن صدورها عن الإمام ـ عليه السلام ـ ، وقد


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11و 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ رجال النجاشي 2:220، برقم 898.
3 ـ رجال النجاشي1:367، برقم 419.
4 ـ الخوئي: معجم رجال الحديث 13/27 ، برقم 8720 فقد أتى بها وضعّفها كلّها، فلاحظ.
5 ـ ولعلّ ما رواه في الوسائل في الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20 عن داود بن r R الحصين عن أبي عبد الله بلا وساطة عمر بن حنظلة جزء من هذه الرواية، و ليس حديثاً مستقلاً سقطت الواسطة فيها.


(70)

قلنا في محلّه إنّ الملاك هو الوثوق بالصدور، لا الوثوق بالراوي.

هذا هو حال السند وإليك دراسة المتن فنقول:

والمستفاد منه أنّ القاضي لابدّ أن يتمتّع بشروط يجب الأخذ بجميعها:

1ـ يجب أن يكون شيعياً إماميّاً لقوله ـ عليه السلام ـ :«إلى من كان منكم» وبما أنّ الزيدية كانت منفصلة عن الإمام الصادق يوم صدور الرواية فلاتعمّهم الرواية ولاأضرابهم كالإسماعيلية ويكون المراد الفقيه الإمامي.

2ـ أن يحكم بحكمهم لقوله ـ عليه السلام ـ :«فإذا حكم بحكمنا» فلو كان موالياً لهم ولكن حكم بحكم فقهاء العامة، فلاينفذ حكمه.

3ـ أن يكون رواياً لحديثهم لقوله ـ عليه السلام ـ :«روى حديثنا»والمتبادر كونه ممارساً لأحاديثهم،لاأنّه روى حديثهم مرّة أو مرّات، ونقل الحديثمقدّمة للشرط الآتي.

4ـ أن يكون صاحب النظر والفكر في الحلال والحرام لقوله ـ عليه السلام ـ :«نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» وليس المراد من النظر، الالتفات إليهما سطحياً، بل النظر في الحلال والحرام والحكم الشرعي المروي عنهم بإمعان ودقّة قال سبحانه:«فَسِيروا في الأرضِ فَانظُروا كيفَ كان عاقبةُ المُكذِّبين» (آل عمران/137) وممّا يؤيّد ذلك، استعمال لفظ «عرف» فانّه لايستعمل إلاّ في المورد الذي سبقه الاشتباه والاختلاط و كل ذلك يخصّ المقبولة، بصاحب النظر المعبّر عنه بالمجتهد.

5ـ وبما أنّ الجمع المضاف يفيد العموم، فلايكفي العلم بواحد أو اثنين من أحكامهم، بل يجب أن يكون على حدّ يقال إنّه عارف بأحكامهم وهو الفقيه العارف باستنباط جميع ما يبتلى به، وعند ذاك تكون المقبولة ظاهرة في المجتهد


(71)

المطلق وقسم من المتجزئ.

6ـ ويؤيد ذلك الظهور قوله :كلاهما اختلفا في حديثكم فلو أُريد الاختلاف في مضمون الحديث فهو شأن الفقيه وإن أُريد الاختلاف في نقل الحديث فهو أيضاً لاينفك عن الاجتهاد غالباً وإن لم يكن دائماً كذلك.

7ـ ويؤيد أيضاً قوله:«فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما».

8ـ وقوله:أرأيت الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة.

والناظر في جميع القيود الواردة في المقبولة يقف على أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ نصب الفقيه الإمامي ـ الذي يمارس الأحاديث وينظر في الحلال والحرام ويعرف الأحكام الصادرة عن الأئمة ويصدر في فتياه عن الكتاب والسنّة،ـ قاضياً. وهذا لاينطبق إلاّ على الفقيه المستنبط لجميع الأحكام الشرعية او مايقاربه فيما تبتلي به الأُمّة في فترات مختلفة.

الثانية: مشهورة أبي خديجة الأُولى

روى الشيخ بإسناده عن محمّد بن علي بن محبوب، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن أبي الجهم، عن أبي خديجة. قال:بعثني أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ إلى أصحابنا فقال قل لهم: «إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، وإيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».(1)

والحديث لاغبار عليه من حيث السند فإنّ محمّد بن علي بن محبوب الأشعري ثقة عين فقيه كما قاله النجاشي و أمّا الباقون أعني أحمد بن محمّد،


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.


(72)

والحسين بن سعيد فلم يشكّ في وثاقتهما أحد وأمّا أبو الجهم فهو أخو زرارة واسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ ولما بلغه موته قال في حقّه: أما والله لقد أنزله الله بين رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم وأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ (1)ومن أحفاده حسن بن الجهم.

ربما يقال: السند بظاهره مخدوش بوجهين:

1ـ كيف يصحّ أن يروي حسين بن سعيد الأهوازي عن أبي الجهم المتوفى في عصر الصادق ـ عليه السلام ـ فإنّ الحسين بن سعيد من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السَّلام وتوفي الإمام الرضا عام 203، والإمام الجواد عام 220 والهادي عام 254 فكيف تصحّ روايته عمّن توفي في عصر الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ الذي توفي عام 148 ففي السند سقط.

ولكن يمكن أن تستظهر الواسطة من سائر الروايات التي نقل فيها الحسين ابن سعيد عن بكير بواسطة أو بوسائط وإليك أسماءهم:

أ ـ حريز بن عبد الله عن بكير.(2)

ب ـ ابن أبي عمير عن عمر بن أُذينة عن بكير.(3)

ج ـ حمّاد بن عيسى عن حريز عن عبد الله عن بكير.(4)

د ـ صفوان عن عبد الله بن بكير عن أبيه بكير بن أعين.(5)

هـ ـ حمّاد بن عيسى عن عمر بن أُذينة عن بكير.(6)

و هؤلاء كلّهم ثقات


1 ـ الكشي: 181.
2 ـ التهذيب ، ج2، ص255، رقم 1012.
3 ـ الاستبصار، ج1، ص61، رقم 182.
4 ـ الاستبصار، ج1، ص248، رقم 892 ويحتمل أن يكون لفظ «عن »مصحف «بن» فالمراد حريز ابن عبد الله كما يحتمل أن يكون المراد عبد الله بن بكير.
5 ـ الاستبصار، ج1، ص430، رقم 1660.
6 ـ الاستبصار، ج2، ص270، رقم 960.


(73)

و ربّما يتخيّل أنّ المكنّى بأبي الجهم غير «بكير» وأنّ المراد هو «ثوير بن أبي فاختة» ولكنّه لايذب الإشكال لأنّه من أصحاب السجّاد والباقر والصادق وأبوه يروي عن علي. ولاطريق للتعيين إلاّ التميز عن طريق الراوي عنه، ولو مع الواسطة، وليس لحسين بن سعيد رواية عن أبي الجهم باسم ثوير بن فاخته، فتعين كون المروي عنه بكيراً.

2ـ إنّ سالم بن مكرم (بالفتح وإن كان المعروف على الألسن هو الكسر)، الذي يكنّى بأبي خديجة تارة وأبي سلمة أُخرى وقد كنّاه به أبو عبد الله عليه، اختلفت فيه كلمة الرجاليين.

قال النجاشي بعد ذكر كنيتيه: إنّه ثقة ، ثقة روى عن أبي عبد الله وأبي الحسنعليمها السَّلام . (1)

وقال الكشي: سألت أبا الحسن علي بن الحسن عن اسم أبي خديجة قال:سالم بن مكرم فقلت له: ثقة؟فقال: صالح ، ثمّ ذكر أنّ أبا عبد الله قال له: لاتكنى بأبي خديجة. قلت: فبم اكتنى؟قال: بأبي سلمة.(2)

وعدّه البرقى من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ قائلاً: أبو خديجة ويكنى أبا سلمة ابن مكرم.

هؤلاء الأقطاب الثلاثة من علماء الرجال اتفقوا على أمر وهو:

اتفق الكشي والنجاشي على أنّه ثقة وصالح.

إنّ أبا سلمة كنية نفس أبي خديجة أي سالم، وليس كنية لأبيه (مكرم) بل الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ كنّاه بأبي سلمة. وعلى رأي هؤلاء فهو مقبول الرواية.

وأمّا التضعيف فقد نقله العلاّمة عن الشيخ فقال:قال الشيخ إنّه ضعيف


1 ـ النجاشي: الرجال 1/421ـ 422، برقم 499.
2 ـ الكشي : الرجال/301، برقم 201.


(74)

وقال في موضوع آخر: إنّه ثقة ثمّ قال: الوجه عندي التوقف.(1)

والظاهر أنّ الذي ضعّفه الشيخ غير الذي وثّقه الكشي و النجاشي ويعلم بالمراجعة إلى عبارته في كتابي الرجال والفهرست.

قال في الأوّل: سالم بن مكرم أبو خديجة الجمّال الكوفي مولى بني أسد.(2)

وقال في الفهرست: سالم بن مكرم يكنى أباخديجة، ومكرم يكنى أبا سلمة ضعيف ـ إلى أن قال ـ في بيان طريقه إلى كتابه... عن عبد الرحمان بن أبي هاشم البزاز عن سالم بن أبي سلمة وهو أبو خديجة.(3)

ترى أنّ الشيخ جعل أباسلمة كنية أبيه (مكرم) مع أنّ الأقطاب الثلاثة اتّفقوا على كونه كنية لنفس سالم فتخيّل الشيخ أنّ أبا خديجة، هو سالم بن أبي سلمة الذي ضعّفه ابن الغضائري والنجاشي، قال الأوّل: روى عنه ابنه، لايعرف روى عنه غيره ضعيف جداً.(4)

وقال النجاشي: سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني حديثه ليس بنقي وإن كنّا لانعرف منه إلاّ خيراً له كتاب، ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب وانتهى إلى قوله: «حدّثنا محمّد بن سالم بن أبي سلمة عن أبيه بكتابه».(5)

والذي دفع الشيخ إلى تضعيفه تصوره اتحادهما، وأنّ سالم بن مكرم هو سالم ابن أبي سلمة الذي اتفقوا على ضعفه.

فأصبحت الرواية ـ بحمد الله ـ صالحة للاستناد.


1 ـ الخلاصة: القسم الثاني:227. سيوافيك تنصيص الشيخ في الفهرست على الضعف.
2 ـ الطوسي: الرجال/209.باب السين، برقم 116.
3 ـ الفهرست:105، برقم 339.
4 ـ العلاّمة: الخلاصة، القسم الثاني :228، برقم 4 في باب سالم.
5 ـ النجاشي: 1/427، برقم 507.


(75)

هذا كله حول السند

وأمّا دراسة المتن فالظاهر من قوله:«عرف» هو المعرفة الفعلية لكون مبادي الأفعال ظاهرة فيها، وقوله:«حلالنا وحرامنا» ظاهر في العموم ولو لم يصح حمله على الاستغراق العقلي لأجل عدم كون الرواة في ذلك الزمان عارفين بجميع الأحكام ، فلامحيص عن حمله على الاستغراق العرفي فيكون الموضوع هو العارف بالحلال والحرام فعلاً، على حدّ يقال في حقّه قد عرف حلالنا وحرامنا، وبما أنّ مادّة العرفان تستعمل في الموارد التي تشتبه في أوّل الأمر ثمّ يقف الإنسان على الصحيح، فالمراد منه من له قوّة عرفان الحقّ عن الباطل ومن يعرف من بين المشتبهات، الحقّ عن الباطل، والحلال عن الحرام وهو يعادل صاحب النظر فلايعم المقلّد .

وأمّا شموله للمجتهد المتجزئ فسيوافيك الكلام فيه.

الثالثة : مشهورة أبي خديجة الأخرى

روى الصدوق في الفقيه بإسناده عن أحمد بن عائذ أبي حبيب الأحمسي البجلي الثقة، عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال:قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليمها السَّلام : «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً فتحاكموا إليه» .(1) ورواه في الكافي غير أنّه قال:مكان (قضايانا) قضائنا.(2)

والرواية صحيحة وسند الصدوق إلى أحمد بن عائذ في الفقيه بالشكل التالي: عن أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن علي


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث5.


(76)

الوشّاء، عن أحمد بن عائد.(1) والكل غير أحمد من أجلاء الأصحاب وعيونهم وأمّا أحمد فيكفي في وثاقته قول النجاشي في حقّه: «مولى ثقة كان صحب أبا خديجة سالم بن مكرم وأخذ عنه وعرف به».(2) ولايشك في وثاقة الحسن بن علي الوشاء إلاّ غير العارف بأساليب التوثيق في علم الرجال فإنّه وإن لم يصرّح بوثاقته ولكن جاء في ترجمته ما يفيد أنّه كان في الدرجة العالية منها وهذا النجاشي يعرفه: «بأنّه من وجوه هذه الطائفة». وقد قلنا في كتابنا «كليّات في علم الرجال» أنّ هذا النوع من التعابير، يفيد أنّه في الدرجة العالية من الوثاقة.

ثمّ إنّه يستدلّ بها تارة على شرطية الاجتهاد، وأُخرى على كفاية التجزي في الاجتهاد.

أمّا الأوّل فهو مبني على كون المقلِّد جاهلاً لاعالماً ولولا كونه كذلك لما وجب عليه الرجوع إلى العالم، أو تفسير العلم بالاعتقاد الجازم والمقلّد يفقده.

وكلا الوجهين غير تامّين، أمّا الأوّل فلأنّا نمنع كونه جاهلاً بعد الرجوع إلى العالم، وأمّا الثاني، فلأنّه مبني على تفسير العلم بالاعتقاد الجازم مع أنّه في لسان الأئمّة بمعنى الحجّة والمقلّد بعد الرجوع إلى العالم واجد له والحاصل أنّ استظهار شرطية الاجتهاد من الرواية مشكل.

نعم صدور هذا المتن بعد احتمال اتحاد الروايتين مشكوك، فلايمكن الاستناد إليه بعد اختلافهمافي شرطيّة الاجتهاد و عدمها والحاصل: لمّاكان المتن مشكوك الصدور فهي غير صالحة للاحتجاج لا في المقام (شرطية الاجتهاد و عدم كفاية التقليد) ولا في المقام الآتي اعني كفاية الاجتهادغير المطلق، وأمّا الثاني فسيوافيك في محلّه.


1 ـ الفقيه:4، قسم المشيخة،ص125.
2 ـ النجاشي: الرجال 1/249 برقم 264.


(77)

الرابعة : التوقيع الرفيع

التوقيع الرفيع الذي رواه الصدوق في كمال الدين، عن محمّد بن محمّد بن عصام، عن محمّد بن يعقوب، عن اسحاق بن يعقوب قال:سألت محمّد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان ـ عليه السلام ـ :«أمّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبّتك ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجّة الله».(1)

والاحتجاج رهن دراسة الحديث سنداً ومتناً.

أمّا محمّد بن محمّد بن عصام، فهو أيضاً «كليني» ومن مشايخ الصدوق كما هو ظاهره في كتاب كمال الدين، وقال في مشيخة الفقيه: وما كان فيه عن محمّد بن يعقوب الكليني فقد رويته عن محمّد بن محمّد بن عصام الكليني، وعلي بن أحمد ابن موسى، ومحمد بن أحمد الشيباني ـ رضي الله عنهم ـ (2) واعتماد الصدوق والترضية عليه لعلّه يعرب عن كونه ثقة عنده. وليس له في كتب الرجال عنوان سوى هذا.

وأمّا إسحاق بن يعقوب، فهو أخو الكليني وقد ورد السلام عليه في التوقيع بلفظ «والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب الكليني» (3) والتسليم وإن كان لايدل على شيء لأنّ الراوي هو نفسه لكن القرائن تشهد على الاعتماد عليه والتوقيع الذي يرويه.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
2 ـ الفقيه:4، قسم المشيخة ،ص116ط دار الكتب الاسلامية وفيه « السنائي» مكان الشيباني.
3 ـ الطوسي : الغيبة176، كمال الدين: 2/482.


(78)

وأمّا المضمون ففيه احتمالات:

1ـ المراد من الحوادث، ما يرجع فيه إلى الحكّام والقضاة كأموال الغُيَّب والقُصَّر.

2ـ ما يتفق من المسائل التي لايعلمون حكمها حيث كانوا يرجعون إلى الأئمّة فنص الإمام بلزوم الرجوع إلى الرواة.

3ـ حوادث خارجية معيّنة اتّفقت في تلك الأيام لاتعلم خصوصياتها.

والثالث ضعيف فيدور الأمر بين الأوّلين والاستدلال متوقّف على كون المراد ما يرجع فيه إلى الحكّام والقضاة نعم على فرض الثبوت لم تكن الرواة يوم ذاك أشخاصاً عاديين بل كانوا ممارسين للأحاديث وبالتالي كانوا علماء ولأجل ذلك استأهلوا أن يكونوا حجج الإمام ـ عليه السلام ـ .

الخامسة: مرسلة الحرّاني

روى أبو محمّد الحسن بن شعبة الحرّاني في كتابه «تحف العقول عن آل الرسول» عن الإمام السبط الشهيد الحسين بن علي عليمها السَّلام قال: ويروى عن أمير المؤمنين ومضمون الخطبة بأجمعها يدل على أنّهاألقيت في عصر السبط وممّا جاء فيها قوله:«... وقد ترون عهود الله منقوضة فلاتفزعون، وأنتم لبعض ذمم آباءكم تفزعون، وذمة رسول الله محقورة، والعُمْي والبُكْم والزمنى في المدائن مهملة لاتُرحمون، ولافي منزلتكم تعلمون، ولامن عمل فيها تعينون، وبالإدّهانِوالمصانعة عند الظلمة تأمنون، كل ذلك مما أمركم الله به من النَهي و التناهي وأنتم عنه غافلون.

وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غُلِبْتُم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون، ذلك بأنّ مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأُمناء على


(79)

حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة وما سُلِبتم ذلك إلاّ بتفرقكم عن الحق، وإختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة».(1)

وملاحظة مجموع الكلام من أوّله إلى آخره يثبت أنّ المراد من الأُمور، في قوله:«مجاري الأُمور» هو ما كان يقوم به الخلفاء بعد رسول الله في قيادة الأُمّة وأنّ الإمام يُندِّد بهم وبأعمالهم ويقول: إنّ هذه الأُمور شأن طبقة خاصة وهم: العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه، والمراد من العالم بالله، من درس التوحيد: الذاتي والصفاتي والأفعالي حتى صار عالماً به، وشرب من منهل العلم وأملأت قلبه الخشية والخوف قال سبحانه: «إنّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ العُلَماءُ» (فاطر/28) فصار أميناً على حلاله وحرامه، ولاينطبق ذلك إلاّ على الأقل من الطبقة من العلماء فضلاً عن المقلّد.

سؤال وإجابة

إنّ دلالة هذه الروايات على لزوم إتصاف القاضي بكونه حاكماً بالكتاب والسنّة، وقاضياً بما يفهمه من الأدلّة، واضحة فلايشمل العناوين الواردة فيها المقلِّد، لكن هنا سؤال وهو عدم وجود الاجتهاد الرائج، في عصر الأئمّة وأقصى مايدلّ عليه ما سبق من الأدلّة ، كون القاضي صادراًعن الكتاب والسنّة، وأمّا كونه مستنبطاً فلا وعندئذ يصبح نفوذ قضاء المجتهد بالمعنى الاصطلاحي بلا دليل.

والإجابة عنه واضحة، لأنّ ما هو الشرط هو الصدور عن الأدلّة الشرعية، والقضاة في ذلك العصر، والمجتهدون في أعصارنا كلهم يصدرون عنهما، غير أنّ فهم المصدرين الرئيسيين والصدور عنهما كان في ذلك الزمان قليل المؤنة لكنّه أصبح في عصرنا كثيرها وليس بين العملين فرق جوهري إلاّببذل الجهد القليل،


1 ـ الحرّاني: تحف العقول: 238. ط النشر الإسلامي.


(80)

والكثير وقد أوضحنا حاله في رسالتنا في الاجتهاد والتقليد، و أمّا المقلّد فليس يصدر عن الكتاب والسنّة وإن كان ينتهي إليهما نهاية لكنّ المراد الصدور عنهما بالمباشرة وستوافيك زيادة توضيح لهذا الجواب عند البحث عن تصدّي المقلّد مهمّة القضاء، فانتظر.

وربّما يظهر من بعضهم التفرقة بين ما يصدر القاضي في قضائه عن الكتاب والسنّة، وما يصدر عن الأُصول العقلية كالبراءة العقلية أو التخيير العقلي بين المحذورين أو المتزاحمين والإجماعات المنقولة والشهرات المحكيّة فإنّه لايصدق فيها الحكم بحكمهم ...

يلاحظ عليه: أنّ المراد الصدور عن حجّة شرعية والكل من مصاديقها و ذكر الكتاب والسنّة لأجل أنّهما من الحجج الشرعية.

في صلاحية المتجزئ لممارسة القضاء

قد عرفت أنّ لسان الأكثر ناظر إلى شرطية الاجتهاد المطلق أي وجود القدرة على استخراج الحكم من الكتاب والسنّة في كل ما يرجع إليه وشمول ذلك للمتجزي بعيد جدّاً. نعم لو بلغ المتجزي مرتبة يستطيع معها، على استنباط أحكام كثيرة وإن كان لايستطيع استنباط جميعها، فلايبعد صدق العناوين الماضية عليه أعني:

1ـ «نظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا» في مقبولة عمر بن حنظلة.

2ـ «قد عرف حلالنا وحرامنا ...» في المشهورة الأُولى لأبي خديجة.

3ـ « فارجعوا إلى رواة أحاديثنا» في التوقيع الرفيع عن صاحب الزمان ـ عليه السلام ـ .

4ـ «مجاري الأُمور بيد العلماء بالله، الأُمناء على حلاله وحرامه» في الكلام المنسوب إلى السبط الشهيد.


(81)

فإنّ هذه العناوين صادقة لمرتبة خاصة من التجزي فلايشترط الاجتهاد المطلق، ويؤيد ذلك أُمور:

1ـ إنّ القضاة التي كانت الشيعة تفزع إليهم في تلك الأيام، لم يكونوا إلاّ في هذه الدرجة من العلم والعرفان، ولم يكن لهم معرفة فعلية لجميع الأحكام، لتفرّق الروايات بين الرواة، وعدم وجود جامع بين الحكّام حتى يكونوا متدرعين بالعلم بجميع الأحكام.

2ـ كان الأمر في عصر النبيّ والوصيّ عليمها السَّلام أيضاً كذلك فقد بعث النبي معاذاً ، إلى الجبل وقال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله قال:«فإن لم تجد في كتاب؟»، قال :بسنّة رسول الله ... (1) أتظن أنّ معاذاً كان مسلّطاًعلى جميع الأحكام المشرّعة إلى يوم ذاك.

3ـ كتب الإمام إلى واليه مالك الأشتر في عهده وقال: «ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك في نفسك ممن لاتضيق به الأُمور ولاتمحكه الخصوم ـ إلى أن قال: ـ وأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج».(2) وهل كانت مصر في ذلك اليوم تطفح بفقهاء ومجتهدين عارفين جميع الأحكام الشرعية، وإنّما كانوا يحفظون من الكتاب والسنّة وعمل الصحابة أشياء يقضون به ولو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.

نعم كلّما تقدّمت ا لحضارة الإسلامية ،و تفتحت العقول وازداد العلماء علماً وفهماً، تسنَّم منصَّة القضاء من له خبروية كاملة في الفقه، وعلم بحدود الشريعة علماً محيطاً، ولم يكن ذلك بوازع ديني، بل كان نتيجة سيرالعلم وتقدّم الثقافة.

نعم قد أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنِّياً، وصار عملاً يحتاج إلى التدريب والتمرين فلامناص عن إشراف قاض مدرّب ومجرّب على عمل القضاة المتجزئين


1 ـ الجزري: جامع الأُصول: 10/551.
2 ـ نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 53.


(82)

في الاجتهاد، حتى يحصل لهم قدم راسخ في مجال القضاء.

الاستدلال على كفاية التجزي برواية أبي خديجة الثانية

وربّما يستدل على كفاية التجزي، بمشهورة أبي خديجة الثانية الماضية حيث قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاًمن قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(1)

ولكن خطورة الموقف ومعضلة بعض المسائل كتعيين المدّعي والمنكر في بعض الموارد و صحّة القضاء بالنكول أو بعد ردّ اليمين أو غير ذلك من المسائل المهمّة تدفعنا إلى تفسير الحديث بالمتجزي الممارس للفقه مدّة لايستهان بها وإن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق .

على أنّه يحتمل اتحاد الحديثين المختلفين في اللسان، إذ أحد اللسانين (عرف أحكامنا) يطلب للقضاء مرتبة عليا من التجزي بخلاف اللسان الآخر (يعلم شيئاً من قضايانا) وبما أنّ الصادر مردّد بين الأمرين نأخذ بالقدر المتيقّن وهو المرتبة العليا من التجزي وتبقى المرتبة الدانية تحت الأصل الأوّلي وهو المنع ، ولولا هذا الأصل لانقلب الأمر إلى العكس، أي نأخذ بالأقل في مقام الشرطية دون الأكثر، بإجراء البراءة من شرطية المرتبة العلياء فتدبّر.

ثمّ إنّه ربّما استشكل على الاستدلال بها على كفاية المتجزئ بالنحوالتالي:

1ـ إنّ القلّة المستفادة في قوله:«شيئاً» إنّما هو بالنسبة إلى علومهم وإن كان كثيراً في حدّ نفسه.(2)

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر، فإنّها وردت في مجال ردع الشيعة عن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.
2 ـ مباني تكملة المنهاج:1، ص8.


(83)

الرجوع إلى غيرهم وعندئذ يخاطب الإمام شيعته بأنّه يكفيهم أن يرجعوا إلى من يعلم شيئاً من قضاياهم. وعند ذلك يناسب جعل الملاك هو نفس علم الراوي قلّة وكثرة، لاعلم الإمام كما لو قال إنسان ناصح مشفق لأخيه: إذا لم تستطع على العمل الكبير فعليك بما في وسعك، فكأنّ الإمام ـ عليه السلام ـ يقول: إذا فاتكم الرجوع إلى هؤلاء الحكّام لأخذ الحقوق ، فلايفوتنّكم الرجوع إلى عالم شيعي يعلم شيئاً من قضايانا.

2ـ إنّ الرواية ناظرة إلى القاضي الذي اختاره الطرفان لفصل الخصومة، فلو دلّت على كفاية التجزي فإنّما تدل في مورد قاضي التحكيم لا المنصوب ابتداء وذلك لأنّه فرّع قوله: «فإنّي قد جعلته قاضياً ـ إلى قوله ـ فاجعلوه بينكم » فتكون النتيجة كفاية التجزي في قاضي التحكيم لا المنصوب.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه ليس الهدف من قوله ـ عليه السلام ـ :«فاجعلوه بينكم» كونه قاضياً مجعولاً من قبل المتخاصمين حتى تختصّ الرواية به بل هو يهدف إلى معنى آخر. وذلك لأنّ القاضي المنصوب من قبل السلطة والدولة ينفذ حكمه مطلقاً سواء أرضي الطرفان بحكمه أم لا، بخلاف القاضي الذي يرجع إليه المتخاصمان من الشيعة، فلايمكن نفوذ حكمه إلاّ بتحقق رضا الطرفين به، لا أنّ لرضائهما به مدخلية في الحكم والجعل بل لأنّ التنفيذ فرع الرضا وبعبارة أُخرى; إنّ الإمام نصب كل من يعلم شيئاًمن قضاياهم للحكم والقضاء ولكن تحقق الغاية رهن رضا الطرفين بحكمه وخضوعهما له. بعد عدم قوّة تقهر المتخاصمين على القبول.ولأجل ذلك قدّم قوله:«فاجعلوه بينكم» وهو لازم الظروف التي وردت فيها الرواية.

***


1 ـ مباني تكملة المنهاج: 1/8.


(84)

المقلِّد ومنصَّة القضاء

تمّ الكلام في نفوذ قضاء المجتهد ، مطلقاً كان اجتهاده، أو غير مطلق وحان حينُ البحث عن قضاء المقلِّد فنقول:

تصدي المقلِّد لمهمة القضاء يتصوّر على وجوه أربعة:

1ـ أن يستقلّ بالحكم والقضاء.

2ـ أن يكون منصوباً من جانب المجتهد وعندئذ يقع الكلام في جواز نصبه للقضاء وعدمه.

3ـ أن يكون وكيلاً عن المجتهد، والفرق بين النصب والوكالة واضح، فإنّ النصب مستند إلى سعة ولاية المجتهد حتى بالنسبة إلى نصب العامي للقضاء وأمّا التوكيل ، فليس التوكيل في المقام إلاّ كالتوكيل في سائر الأُمور.

وبعبارة أُخرى: انّ عمل العامي مع النصب، عمل نفسه، لاعمل الناصب، بخلاف الوكيل فإنّ عمله، عمل الموكّل.

4ـ أن يتصدى للقضاء عند الاضطرار وعدم التمكّن من الرجوع إلى المجتهد.

وإليك الكلام في هذه الوجوه واحداً تلو الآخر:

أـ استقلال المقلّد في القضاء

مقتضى الأصل الأوّلي هو المنع ولم يخرج منه إلاّ المجتهد بكلا قسميه، والقول بجواز استقلاله يحتاج إلى دليل خصوصاً إذا كانت هناك شبهة حكمية و لايدري أنّ مجراها أصل البراءة أو الاحتياط أو مقتضى الاستصحاب أو إذا كان تشخيص المدّعي عن المنكر أمراً عويصاً متوقفاً على إعمال قواعدـ حسب ما


(85)

قالوا ـ ، فإنّ القيام بحلّ هذه الأُمور العويصة خارج عن طاقة المقلّد، إلاّ إذا تربّى تحت يد قاض مدّة لايستهان بها، وشاهد القضايا ووقف على حكمها من كتب وعرف حكم الأمثال والأضداد وهو قليل جدّاً ومع ذلك، فقد استدل على جواز استقلاله بالقضاء بالوجوه التالية:

1ـ إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف

إذا كان القضاء من شعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكفي في جواز تصديه، إطلاقات أدلّتهما نظير قوله:«والمؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهُم أولياءُ بعض يأمُرونَ بالمعروفِ وينهَوْنَ عنِ المنُكر » (التوبة/71).

يلاحظ عليه: أنّ مورد أدلّتهما، هو الدعوة إلى التكليف الثابت للمكلّف مع قطع النظر عن قضاء القاضي، كما إذا رأى إنساناً يغتاب أو يكذب أو يظلم وهذا هو الذي يجب على المؤمن والمؤمنة تحت شرائط، وأمّا التكليف الذي يقتضيه حكم القاضي بحيث لولاه، لما كان هناك تكليف ، فلاتشمله الأدلّة العامّة للأمر بالمعروف مثلاً إذا اختلف العامل والمالك فقال الأوّل:رددت رأس المال،وأنكره المالك فليس هنا أي تكليف متوجه إلى العامل بعد ادعاء ردّ المال وإنّما يتوجه إليه التكليف بالردّ، بعد قضائه بأنّ القول قول المالك مع حلفه، فعندئذ يتوجّه عليه تكليف بالرّد، بعد مالم يكن أيّ تكليف قبل القضاء فمثل هذا ليس مشمولاً لأدلّتهما.

وإن شئت قلت: إنّ مورد أدلّتهما ما إذا اتفقا الآمر والمأمور على وجود التكليف فيقوم أحدهما بالدعوة لاما إذا أنكر أحدهما أصل التكليف، كما هو الحال قبل القضاء.

2ـ إطلاق الحكم بالحقّ والعدل

إنّ المستفاد من الكتاب والسنّة صحّة الحكم بالحقّ والعدل والقسط من


(86)

كل المكلّفين ، قال الله تعالى:«إنّ اللّهَ يأمُركُم أن تُؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها وإذا حَكمتُم بينَ النّاسِ أن تحكُمُوا بالعدل» (النساء/58).

«يا أيّها الّذينَ آمنُوا كُونُوا قوّامينَ للّهِ شُهداءَ بالقِسطِ ولا يَجْرِمنَّكُم شنئانُ قوم على أن لاتعدِلُوا» (المائدة/8).

«يا أيّها الّذِينَ آمنُوا كُونُوا قوّامِينَ بالقِسْطِ شُهداءَ للّهِ و لوعلى أنفسِكُم أوِ الوالِدَينِ والأقربينَ إن يكُن غَنِياً أو فَقِيراً فاللّهُ أولى بهما فَلاتتَّبِعُوا الهوى أن تَعْدِلُوا وإن تَلْووا أو تُعرِضُوا فإنَّ اللّهَ كانَ بِما تَعمَلُونَ خَبِيراً» (النساء/135).

ومفهوم قوله تعالى:«ومَن لَم يَحكُم بما أنزلَ اللّهُ فأُولئكَ همُ الفاسِقون»(المائدة/47) وفي أُخرى «...هُمُ الكافِرون»(المائدة/44) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

وقال الصادق ـ عليه السلام ـ :«القضاة أربعة: ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لايعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو لايعلم، فهو في النار، ورجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنّة». (1)

وقال: « الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية».(2)

3ـ وقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : «الحكم حكمان: حكم الله عزّ وجلّ وحكم أهل الجاهلية، وقد قال الله عزّ وجلّ:«ومَن أحسنُ مِنَ اللّهِ حُكماً لِقوم يُوقِنون»(المائدة/50) وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية».(3)

إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالّة على


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث6 ، 7 ، 8.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث6 ، 7 ، 8.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4من أبواب صفات القاضي، الحديث6 ، 7 ، 8.


(87)

أنّ المدار الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم ـ وأنّه لاريب في اندراج من سمع منهمعليهم السَّلام أحكاماً خاصّة مثلاً وحكم بها بين الناس فيهاوإن لم تكن له مرتبة الاجتهاد.

يلاحظ على الجميع:

أنّ الآيات والروايات ليست بصدد بيان شرائط الحاكم وخصوصياته حتى يتمسّك بإطلاقها وإنّما هي بصدد بيان أمر آخر.

فالآية الأُولى والثانية بصدد بيان خصوصيات الحكم وأنّه يجب أن يكون حكماً بالعدل وقضاءً بالقسط و أن لايخاف الحاكم من شنئان قوم فيحكم على خلافهما وأين همامن بيان خصوصيات الحاكم حتى يتمسّك بإطلاقهما؟!

ومنه يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثالثة فإنّها بصدد النهي عن القضاء بغير ما أنزل الله، لابصدد بيان خصوصيات الحاكم.

ومثل الآيات، تقسيم القضاة إلى أربعة، أو تقسيم الحكم إلى حكمين، فإنّ الجميع بصدد سوق المجتمع إلى القضاء بحكم الله لابحكم الجاهلية وليس بصدد بيان شرائط الحاكم من كونه رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً، سميعاً وبصيراً والاستدلال بالجميع غفلة عن شرائط انعقاد الإطلاق فإنَّ التمسك به في المقام نظير تمسّك بعضهم بإطلاق قوله سبحانه:«فَكُلوا مِمّا أمسكنَ عليكُم »(المائدة/4) على أنّه يجوز الأكل ممّا أمسك الجوارح بالأنياب بلا لزوم غسل مواضعها، مع أنّ الآية بصدد بيان شيء آخر وهو حلّية ما أمسكته وأنّه من الطيّبات لامن المحرّمات وأمّا أنّه هل يؤكل مطلقاً أو بعد الغَسْل فليس بصدد بيانه حتّى يتمسّك بإطلاقه.

وهناك وجه آخر وهو أنّ الآيات والروايات بمعزل عن باب القضاء، لأنّ المراد من الحقّ، هو الحقّ في الشبهات الحكمية،والحقّ في باب القضاء يرجع إلى


(88)

الحقّ في الشبهات الموضوعية غالباً كما لايخفى.

3ـ الاستدلال بإطلاق حديث الحلبي

قال:قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيه فيتراضيان برجل منّا فقال: ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط.(1)

والاستدلال موهون جدّاً لعدم كون الإمام بصدد بيان شرائط القاضي حتى يتمسّك بإطلاق لفظ «رجل» وإنّما هو بصدد الفصل بين القاضيين وأنّه لايجوز الرجوع إلى قضاة العامّة بل يجب الرجوع إلى قضاة الشيعة وأمّا ما هو صفاتهم وخصوصياتهم فليس الصحيح بصدد بيانه.

4ـ صحيح أبي خديجة

قال:قال أبوعبدالله جعفربن محمّد ـ عليه السلام ـ إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم... .(2)

وقد أُجيب عن الاستدلال بهذه الرواية على قضاء المقلِّد بوجوه نأتي بها:

أـ انّ الوارد فيها لفظ العلم وهو لايشمل المقلّد لأنّ العلم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، والمقلِّد فاقد له.

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين العلم المصطلح عليه في علم المنطق، والعلم الوارد في الكتاب والسنّة والمراد من الأوّل ما ذكر في كلامه ،والمرادبه في الحديث من هو ما قامت عليه الحجّة وإلاّ لزم عدم صحّة قضاء المجتهد لعدم علمه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(89)

بالواقع، والعلم بالحكم الظاهري مشترك بين المجتهد والمقلِّد.

ب ـ انّ الرواية محمولة على صورة الاضطرار وعدم التمكّن ممن يعرف الأحكام عن أدلّتها التفصيلية، وبما أنّ الشيعة كانت متفرقة آنذاك في بلاد نائية، ولم يكن في كل بلد وكورة، من يعرفها بالدليل، اكتفى صاحب الشريعة بمن يعلم شيئاً من الأقضية حتّى يصدّ بذلك باب الرجوع إلى أبواب الطواغيت.

يلاحظ عليه : بأنّه حمل تبرعي لادليل عليه وليس في الرواية ما يحكى عن كونها واردة في صورة الاضطرار، نعم هو احتمال في الحديث.

ج ـ إنّ العلم بشيء من قضاياهم مختصّ بالفقيه أو منصرف إليه، لأنّ العامي إمّا أن يتّكل إلى فتوى الفقيه في القضاء فلايصدق أنّه يعلم شيئاً من قضاياهم بل هو يعلم فتوى الفقيه وهو طريق إلى حكم الله. وإمّا أن يتّكل بإخبار الفقيه بقضاياهم وهذا غير جائز لأنّه لايزيد عن رواية مرسلة غير جائزة العمل، إلاّ بعد الفحص عن الجهات الأربعة: الصدور، والدلالة ،وجهة الصدور، وعدم المعارض وأنّى للمقلّد هذا.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل، وهو الأخذ بإفتاء الفقيه لكنّه عند المقلّد هو حكم الإمام وقضائه، خصوصاً إذاكان الإفتاء بلفظ الحديث، كما في الفقيه والنهاية، والإفتاء وإن كان غير التحديث، والأوّل مشتمل على إعمال النظر، دون الثاني لكنّه لدى العرف، يعكس حكم الكتاب والسنّة وحلال الأئمّة وحرامهم.

والحق في الإجابة أن يقال: إنّ الصادر من الإمام مردّد بين ما نقل وبين ما جاء في روايته الأُخرى التي جاء فيها :«اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» (1)وقد عرفت أنّ لفظ «العرفان» لايستعمل


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي،الحديث 6.


(90)

إلاّ إذا كان هناك اشتباه يعقّبه التميز وهو لايصدق إلاّ في حقّ الفقيه لا المقلّد المحض. ولمّا تردّد لفظ النص بين ما يصح الاستدلال به وما لايصح، يسقط الاستدلال بها.

وبعبارة أُخرى لمّا تردّد بين كون الخارج عن تحت الأصل خصوص المجتهد ولو كان متجزئاً أو مطلق من يعلم شيئاً، فيؤخذ بالقدر المتيقن في مقام الخروج . وهو الأوّل وقد مرّتوضيحه أيضاً.

5ـ الإستدلال بخبر محمّد بن حفص

قد يستدل بخبر محمّد بن حفص (1) عن عبد الله بن طلحة (2) عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلمّا جمع الثّياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها [فتحرّك ابنها فقام فقتله بفاس كان معه] فلما فرغ حمل الثياب وذهب ليخرج، حملت عليه بالفاس فقتلته. فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد. فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ :«اقض على هذا كما وصفتُ لك فقال: يضمن مواليه الذين طلبوا بدمه، دية الغلام، ويضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها إنّه زان وهو في ماله عزيمة وليس عليها في قتلها إيّاه شيء[لأنّه سارق ]قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: من كابر امرأة ليفجر بها فقتلته فلا دية له ولا ق(3)ود».

يلاحظ عليه: أوّلا : أنّ ضمان الموالي، دية الغلام على خلاف القاعدة وعلى فرض كونهم عاقلة، إنما تضمن الدية في مورد الخطأ لا في مورد العمد.

وثانياً: أنّه من المحتمل أن يكون كلامه هذا:«اقض على هذا كما وصفت»


1 ـ محمد بن حفص بن خارجة مجهول لم يعنون في كتب الرجال غير التنقيح.
2 ـ هو الهندي الكوفي لم يذكر في حقّه توثيق ولامدح.
3 ـ الوسائل: الجزء 19، الباب 23، من أبواب قصاص النفس، الحديث 2.


(91)

أشبه بالمشاكلة لا الحقيقة وأنّ المراد بيان الحكم الشرعي للمسألة.

وثالثاً: يحتمل كون ابنطلحة ممنكان ينطبقعليه المقياسالوارد في المقبولة.

رابعاً: أنّه يصح الاستدلال بها على صورة النصب أو الوكالة والثانية أظهر من النصب، لاعلى التصدي على وجه الإستقلال.

6ـ الإستدلال بالسيرة

إنّ الموجودين في زمن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ممن أمر بالترافع إليهم كانوا قاصرين عن مرتبة الاجتهاد وكانوا يقضون بين الناس بما سمعوه من النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد، عن منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدليل.(1)

وأجاب عنه المحقّق الآشتياني بأنّ الشرط الواقعي هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد فالمنصوبون من قبل الأئمّة كانوا يعلمون الأحكام وإن كانوا غير مجتهدين وأمّا زماننا هذا فالعلم فيه لايحصل إلاّ بالاجتهاد فليس للاجتهاد موضوعية إلاّ كونه طريقاً إلى العلم بالأحكام وهو كان حاصلا للمنصوبين يوم ذاك دون مقلدي أعصارنا (2) وحاصله:أنّ الميزان ، هو العلم بالأحكام، لا الاجتهاد، والعامي في السابق كان عالماً بالأحكام بخلاف العامي في أعصارنا.

يلاحظ عليه: أنّه إن أراد، من العلم ، العلم بالأحكام الواقعية فهو لم يكن حاصلاً يوم ذاك للمنصوبين ولاللمجتهدين في الأعصار المتأخرة ضرورة أنّ أصحاب الأئمّة ربّما كانوا يأخذون الأحكام عن أصحابهم، وقد كانوا مبتلين بالأخبار المتعارضة والصادرة عنهم تقية إلى غير ذلك ممّا لا يوجب العلم بالحكم الواقعي، ومثله المجتهد، فإنّ ما يحصله أحكام قامت عليها الحجّة لا أنّها أحكام


1 ـ الجواهر الجزء 40/15ـ16.
2 ـ الآشتياني: كتاب القضاء ، ص9


(92)

واقعية.

وإن أراد الأعمّ من الحكم الواقعي، فهو حاصل لمقلدي عصرنا.

والأولى أن يقال: إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط فيتّجه الإشكال وأمّا لو قلنا بأنّ الموضوع له هو من روى حديثهم، ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم. فهو كان صادقاً على قضاة عصر الرسول ومن بعده.كما كان صادقاً على المتربّين على أيدي الأئمة من المحدّثين والفقهاء لاتصالهم بالمعصومين ، وسماعهم منهم أو عمّن سمع منهم، وأمّا في عصرنا هذا فلايصدق إلاّ على من له قوّة الاستنباط حتّى يبذل الجهد بالتتبع في الروايات وينظر في حلالهم وحرامهم ـ ويعرف نهاية ـ أحكامهم فالموضوع لنفوذ القضاء واحد في جميع الأعصار، غير أنّ بُعد العهد واختلاط الصحيح بالسقيم من الروايات، والصادر تقية بالصادر لبيان الواقع، صار سبباً لعدم صدقه إلاّ على لفيف قليل أي المجتهدين لأنّهم هم الممارسون بأحاديثهم والناظرون في حلالهم وحرامهم والعارفون بأحكامهم ولايصدق ذلك على المقلّد المحض الذي لايعرف شيئاً منها سوى ما جاء في رسالة مقلَّده.

ثمّ إنّ الفرق بين الجوابين واضح فإنّ جواب المحقّق الآشتياني مبنيّ على أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، غير أنّ العلم بالأحكام كان ميسوراً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً، وأمّا في عصرنا، فليس ميسوراً إلاّ على من له ملكة الاجتهاد.

وأمّا جوابنا فهو مبنيّ على أنّ الميزان في صحّة التصدّي هو ما جاء في لسان الرواية أعني قوله:« روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا» وهو كان صادقاً للقضاة الموجودين في زمن النبي مطلقاً(مجتهداً كان أو لا) ولكنّه في عصرنا هذا لايصدق إلاّ على المجتهد فليس الإجتهاد شرطاً وانمّا هو طريق لتحصيل موضوع الدليل.


(93)

ب: في نصب المجتهد، المقلِّد للقضاء

فرغنا عن البحث في تصدي المقلّد منصب القضاء استقلالاً وقد عرفت عدم الدليل على جوازه ونفوذ قضائه إنّما الكلام في تصديه له بعد نصب المجتهد إيّاه للنظر في المرافعات، والقضاءفيها على وفق رأيه .

إنّ جواز النصب للمجتهد رهن أمرين:

1ـ أن يكون النصب جائزاً في نفسه بأن لاتكون الفقاهة شرطاً شرعياًللقضاء ونفوذ الرأي كالذكورة والإيمان وإلاّ فلا ، لأنّها لو كانت شرطاً لايجوز للإمام فكيف يجوز للمجتهد الذي هو نائبه؟!

2ـ إنّ كل حكم يجوز للإمام يجوز للفقيه الجامع للشرائط.

فالدعوى الأُولى بمنزلة الصغرى للثانية وهي كبرى للأُولى أمّا الأُولى فيمكن أن يقال إنّها غير ثابتة أي لانعلم أنّه يجوز للإمام نصب العامي للقضاء أو لا، والشكّ فيه كاف في الحكم بالمنع بالنسبة إلى المجتهد.

ومع قطع النظر عن ذلك نقول:إذا دلّت المقبولة والمشهورة على أنّ المأذون للقضاء من ينطبق عليه عنوان الناظر في الحلال والحرام والعارف بالأحكام، وفرضنا عدم انطباقه على المقلّد، يصير قضاء المقلّد، كقضاء المرأة فكما لايصح نصبها للقضاء، فهكذا العامي العارف بمسائل القضاء.

هذا كلّه على القول بدلالتهما على شرطية الاجتهاد في القضاء، و أمّا لو قلنا بعدم دلالتهما على شرطية الاجتهاد فنفس الشك في جواز نصبه المقلّد كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ لما قلنا إنّ الأصل عدم حجية رأي أحد في حقّ أحد إلاّ إذا قام عليه الدليل وبذلك ظهر أنّ لتبيين حكم المسألة مراحل ثلاث:

1ـ الشكّ في جواز نصب العامي للقضاء، لنفس الإمام وعدمه ومع الشكّ


(94)

فيه، لاتفيد أدلّة ولاية الفقيه إذ لا يتجاوز عن كونه منزّلاً منزلته. مع وجود الشكّ في المنزّل عليه.

2ـ مع قطع النظر عنه، إذا قلنا بدلالة المقبولة وغيرها على شرطية الاجتهاد، ومعه كيف يجوز للفقيه ، نصبه للقضاء؟

3ـ إذا كانت دلالتها قاصرة فنفس الشكّ يكفي في الحكم بالعدم أخذاً بحكم الأصل الأوّلي.

وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده سيّدنا الأُستاذ ـ قدّس اللّهسره ـ في ردّ الاستدلال حيث قال: إنّ المقبولة لاتدل إلاّ على نصب الإمام الفقيه للقضاء وأمّا كون ذلك بإلزام شرعي بحيث يستفاد منها أنّ الفقاهة من الشرائط الشرعية فلا.

يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه لو افترضنا أنّ المقبولة والمشهورة ليستا بصدد بيان شرائط من له حقّ القضاء لكن نفس الشكّ في مشروعية قضاء العامي العارف بمسائل القضاء عن تقليد، كاف في الحكم بعدم الجواز والنفوذ وذلك مثل الشك في جواز التعبّد بالظن، فإنّ نفس الشك كاف في الحكم بحرمة التعبد ولا يحتاج إلى دليل آخر.

ويمكن أن يستدل على عدم مشروعية قضاء العامي بصحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: «اتقوا الحكومة فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي أو وصيّ نبيّ».(1)

فإنّها صريحة في أنّ القضاء شرّع للأنبياء وأوصيائهم ولاينافيه ما دلّ على جوازه للفقهاء، لأنّهم أوصياء الأنبياء.(2) بوجه فتكون المقبولة حاكمة عليها


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3، من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 ص7 ; المستدرك: الجزء 17، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10و48.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.


(95)

بالتصرّف في الموضوع وتوسيعه وإدخال مالايدلّ عليه ظاهرها (الصحيحة) والعامي ليس وصياً لنبي. فلم يدل دليل على مشروعية قضائه.

ج: في توكيل المقلّد للقضاء

قد عرفت عدم جواز استقلال المقلّد للقضاء ولانصب المجتهد إيّاه للتصدّي، بقي الكلام في توكيله حتّى يقوم العامي المقلّد، بفعل المجتهد ويعمل عمله، لاعمل نفسه كما هو الحال في صورة النصب على ما عرفت الفرق بينهم.

والقول بالجواز مبني على ثبوت أحد أمرين على نحو مانعة الخلو:

1ـ أن يكون هنا دليل خاص من العرف وغيره على أنّ القضاء أمر قابل للتوكيل والنيابة ومع ثبوته بالخصوص، لايشترط في الوكيل سوى ما يشترط في غيره.

2ـ إذا لم يدلّ دليل خاص على أنّ القضاء أمر قابل للتوكيل وصارت النيابة فيه مشكوكة، ولكن كان في باب الوكالة دليل يدلّ على أنّ كلّ أمر قابل للنيابة إلاّ ما خرج بالدليل ومعه لايبقى شك في كونه قابلاً للنيابة وتعمه أدلّة الوكالة وعموماتها.

وبذلك ظهر أنّ المراد من الأمر الثاني، ليس مطلق عمومات باب الوكالة كعمومات باب البيع والعقود، التي لاتفيد عند الشك في كون شيء قابلاً للبيع أو العقد عليه، بل الدليل الخاص الدال على أنّ كل أمر قابل للنيابة إلاّ ما خرج وهذا غير عمومات باب الوكالة الناظرة إلى الحكم ، دون قابلية الموضوع كسائر العمومات.

إذا عرفت ذلك فالمسألة غير معنونة في كلمات القدماء فلنكتف بكلمات المتأخرين فقد قال المحقّق الرشتي: «الحقّ عدم الجواز وفاقاً للكل أو الجلّ لأنّ


(96)

التوكيل مشروط بعدم اشتراط المباشرة في تأثير الحكم وإلاّ لم يعقل فيه التوكيل واشتراطها هنا معلوم أو مشكوك والتمسّك بأدلّة الوكالة غير مجد في المقام.(1)

أمّا الأمر الأوّل أي الدليل الخاص فتوضيح المقام:

إنّ الموضوعات من جهة ترتّب الأثر عليها مختلفة وهي:

1ـ ما يترتّب عليه الأثر بملاحظة كونه قائماً بفاعل خاص كالمضاجعة فهي محكومة بالحلّية إذا كان المباشر لها هو الزوج لاغير.

2ـ ما يترتّب عليه الأثر بملاحظة أصل وجوده في الخارج من غير خصوصية للفاعل وذلك كتطهر الثوب بالماء فهو يطهر سواء كان المباشر للغَسل إنساناً بالغاً أو صغيراً أو غير إنسان بل حيواناً أو ريحاً. فالموضوع هو تحقّق الغسل بالماء كيفما كان.

3ـ ما يترتّب عليه الأثر المقصود بملاحظة قيامه بإنسان عاقل بالغ مباشرة أو تسبيباً كالبيع والإجارة، والنكاح والطلاق.

4ـ ما يشك في أنّه من أيّ قسم من هذه الأقسام، كالقضاء كما سيأتي.

فالأوّلان لايقبلان الوكالة، لاعتبار الفاعل الخاص في ترتّب الأثر في الأوّل ومثله لاينفك عن اعتبار المباشرة، وعدم لحاظ الفاعل في الثاني حتى يكون هناك نائب ومنوب عنه، والثالث يقبلها بلاشك.

وأمّا الرابع: فيمكن أن يقال: إنّه مع الشك يحكم بأنّه غير قابل للنيابة كنظائره والضابطة الكلية: إنّ كل عمل يتوقف على إعمال النظر والدقّة والعلم واليقين بالموضوع، وبالتالي اتخاذ عقيدة خاصة فيه فهو يقوم بالفاعل المباشر، ولاتصح نسبته إلى الغير الفاقد لهذه الأُمور ، وبالجملة: إنّ تشخيص كل واحد ينسب إلى نفسه و لاتقبل النسبة إلى غيره بالتسبيب .


1 ـ المحقّق الرشتي: كتاب القضاء1/52.


(97)

وعلى ذلك يترتّب عدم جواز الوكالة في الأُمور التالية:

1ـ الطبابة: فإنّ الطبيب بعد المعاينة والدقّة في أحوال المريض وأوصافه، يتبنّى عقيدة ونظراًفي حقّ المريض، فيأخذ بكتابة نسخة العلاج ويأمره بالاتباع فهذا أمرقائم بالطبيب ولا تصح نسبته إلى الشخص الآخر وإن أمر بالمعالجة وذلك لعدم وجود شيء من هذه الأُمور فيه حسب الفرض.

2ـ الحلف 3ـ الإقرار 4ـ الشهادة. فإنّ الجميع إخبار عن واقع بعلم جازم قاطع أخذاً بماهية هذه الأُمور، فلو تحقق في الوكيل دون الموكّل، لاتصح له نسبة هذه الأُمور إلى الموكّل لافتقاره مقوِّمها وإن تحقّق في الموكّل دون الوكيل، لايصح من الوكيل الإقرار والشهادة والحلف لتقوّمها بالعلم والاطلاع القاطع، وهو فاقد له وإن تحقق في كليهما، كلّ يقوم بعمل نفسه.

5ـ ومنه يظهر حال القضاء فإنّ مورده إمّا شبهة حكمية أو موضوعية، فالقضاء في الصورة الأُولى بنفس الإفتاء وهو قائم بالمجتهد دون العامي، كما أنّه في الثانية يتضمّن الإفتاء في مورد جزئي، والإفتاء لايقبل النيابة لأنّه فرع العلم بالحكم والعامي فاقد له.

وبذلك يعلم أنّ القضاء لايقبل الوكالة وإن كان الوكيل مجتهداً. سواء وكّله بالقضاء على رأي الموكّل أو رأي الوكيل، و إن كان يظهر من السيّد الطباطبائي جوازه حيث قال: «قد تكون هناك ما يوجب الحاجة إلى التوكيل كما إذا لم يرض المترافعان إلاّ بالرجوع إلى مجتهد وكان معذوراً في المباشرة فحينئذ يوكل مجتهداً آخر مع فرض عدم رضاهما بالإرشاد إلى ذلك الآخر وقالا إنّا نريد أن تكون أنت الفاصل بيننا بالمباشرة أو التسبيب ـ ثم ّ قال: ـ وهل على النائب حينئذ أن يقضي في المسائل الخلافية بمقتضى رأيه أو برأي المستنيب يظهر من المسالك الأوّل وانّه لايجوز أن يقضي إلاّ برأيه والظاهر جواز الأمرين وكونه تابعاً لكيفية التوكيل فإن وكّله في أصل القضاء فيعمل برأيه وإن وكّله في القضاء بينهما بمقتضى رأي


(98)

الموكّل فيعمل برأيه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ القضاء يتضمّن الإفتاء وهو لايقبل الوكالة، لأنّه إن قضى برأي نفسه، فقد قضى مباشرة لاوكالة وإن قضى برأي الموكّل، فهو فرع جواز الوكالة في الفتوى.

ولو رفضنا تلك الضابطة و افترضنا الشكّ في قابلية القضاء للوكالة فلايمكن التمسك في إثبات القابلية له بالعمومات الواردة فيه لعدم كونها بصدد بيان تلك الجهة.

و أمّا الكلام في الأمر الثاني أي وجود دليل في باب الوكالة يدلّ على أنّ كل موضوع قابل للنيابة إلاّ ما دلّ على اعتبار المباشرة فيه، فربّما يوهمه بعض الروايات التالية:

1ـ ما رواه الصدوق في الفقيه بسند صحيح عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ أنّه قال:من وكّل رجلاً على إمضاء أمر من الأُمور فالوكالة ثابتة أبداً حتى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها.(2)

والإمعان فيها يعطى أنّه ليس بصدد بيان قابلية كل «أمر من الأُمور» للوكالة بل بصدد بيان أنّ عمل الوكيل نافذ إلى أن يبلغه العزل.

2ـ صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر من الأُمور وأشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر فقال :اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة، فقال: إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبلَ العزل فإنّ الأمر واقع ماض على ما أمضاه الوكيل. كره الموكّل أم رضي.قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يَعْلَمَ العزل أو يبلغه أنّه قد


1 ـ السيّد الطباطبائي : ملحقات العروة 2/12.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 1 من أبواب الوكالة، الحديث 1، ص285.


(99)

عزل عن الوكالة فالأمر على ما أمضاه؟! قال:نعم قلت له: فإن بلغه العزل قبل أن يمضى الأمر ثمّ ذهب حتى أمضاه لم يكن ذلك بشيء؟! قال : نعم، إنّ الوكيل إذا وكّل ثمّ قام عن المجلس فأمره ماض أبداً والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه أو يشافهه بالعزل عن الوكالة.(1)

وهذه الرواية كسابقتها ليست بصدد بيان انّ الوكالة في كل أمرماض، وإنّما هي بصدد بيان مضيّ ونفوذ الوكالة في كل ما تصحّ الوكالة فيه، مالم يبلغه العزل بثقة، كما هو واضح. فإذا شككنا في انّ القضاء يقبل الوكالة أو لا فليس هنا دليل على صحّة التوكيل فيه.

ثمّ إنّ السيّد الطباطبائي نقل عن المسالك دليلاً على عدم الجواز ـ ولم نعثر عليه فيها ـ حاصله: أنّه يشترط في القاضي أن يكون مجتهداً ومعه لافرق بين النائب والمستنيب في ثبوت ولاية القضاء له فلامعنى لكون أحدهما وكيلاً عن الآخر فهو نظير توكيل أحد الوليين أو الوكيلين أو الوصيين للآخر فكما أنّه لغو فهكذا في المقام.(2)

يلاحظ عليه : أنّ ذلك خلط بين النصب والوكالة، فبما أنّ المنصوب مستقل في عمله يشترط فيه ما يشترط في الناصب ، وهذا بخلاف الوكالة فإنّ الوكيل يقوم بنفس عمل الموكّل كأنّ المجتهد، يقضي بواسطة وكيله. فيكفي وجود الشرط فيه من دون لزوم وجود شرط خاص في الوكيل سوى الشروط العامة في مطلق الوكالة.

فالحقّ في عدم جواز الوكالة منه ، لعدم ثبوت كون القضاء ممّا يقبل الوكالة، ولم يدل دليل عليه، لامن العرف ولاغيره.


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 2 من أبواب الوكالة، الحديث1.
2 ـ الطباطبائي اليزدي: ملحقات العروة ، كتاب القضاء، ج2/12.


(100)

د: نصب المقلّد للقضاء عند الاضطرار

ما تلوناه عليك من الأدلّة على عدم جواز تصدّي العامي للقضاء استقلالاً أو نصباً إنّما كان راجعاً إلى حال الاختيار وإنّما الكلام في حال الاضطرار، قال المحققّ:«إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط انعقدت ولايته مراعاة للمصلحة في نظر الإمام ـ عليه السلام ـ كمااتّفق لبعض القضاة في زمن علي ـ عليه السلام ـ وربّما منع من ذلك.(1)

وقال في المسالك:إذا اقتضت المصلحة عند الإمام تولية من لم يستكمل شرائط القضاء بأن كان قاصراً في العلم أوالعدالة ففي جواز توليته عندنا وجهان:أحدهما المنع لفقدالشرط، المقتضي لفقد المشروط ـ إلى أن قال :ـ الثاني، الجواز نظراً إلى وجود المصلحة الكلية التي هي الأصل في شرع الأحكام ولوقوع مثله في زمن عليّ ـ عليه السلام ـ فقد كان ولّى شريحاً القضاء مع ظهور مخالفته له في الأحكام المنافية للعدالة التي هي أحد الشرائط.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التمسك بسيرة الإمام غير واضح، لعدم وضوح وجهة عمله ولعلّ القاضي كان صالحاً يوم ذاك!!، أو كان الإمام مضطراً في إبقائه في منصبه، لاشتغاله بالقضاء من عصر الخليفة الثاني إلى زمان الإمام ولايعني ذلك أنّ الإمام كان يعمل بالتقية، حتى يقال إنّه ما كان يعمل بالتقية، بل المصالح اقتضت الإبقاء وتصوّر أنّ المصالح كانت تقتضي إبقاء معاوية فلماذا رفضها؟ مردود بأنّ المبايعين الذين صدّروا عليّاً منصَّة الخلافة وبايعوه، كانوا هم المضطهدون المطالبون عزل ولاة عثمان الذين امتصوا دماء الأُمة، فعزل معاوية ـ مضافاً إلى أنّه كان واجباً شرعياً على الإمام ـ كان واجباً اجتماعياً وعلى كل تقدير يمكن تقرير الجواز بالوجه التالي:


1 ـ نجم الدين: الشرائع:4/863.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك، ج2/395.


(101)

إنّ حفظ الحقوق رهن فصل الخصومات ورفع المنازعات فإذا لم يتمكّن من الرجوع إلى المجتهد:ولم يجز نصب العامي للقضاء تقليداً لزم بعد ذلك ارتكاب أحد محاذير ثلاثة:

1ـ فإمّا أن يُرفع الشكوى إلى ديوان الظالمين وهو حرام.

2ـ أو يمنع من الترافع إلى الأبد وفيه إبطال للحقوق ورفع للأمان عن الدماء والأعراض والأموال.

3ـ أو يلزم الصبر إلى أن يتمكّن من الرجوع إلى الفقيه وهو موجب للعسر والحرج وربّما لايتمكّن المدّعي من إقامة الشاهد عند ذاك.

وعلى ضوء ذلك: لامناص للفقيه من نصب (العامي) للقضاء تقليداً في الشبهات الموضوعية والحكمية حفظاً للحقوق، إذاكان له المقدرة على التمييز والتشخيص في تطبيق الأحكام والكلّيات على مصاديقها.

فإن قلت: إنّ الرجوع إلى المحاكم العادية التي لاتحكم على وفق الكتاب والسنّة يحفظ الحقوق كما كانت الحال على ذلك قبل الثورة الإسلامية في إيران.

قلت: إذا دار الأمر في حفظ الحقوق بين الرجوع إلى المحاكم العادية، والنزول عند حكم المقلّد العارف بالأحكام الإسلامية عن تقليد، فالثاني هو المتعيّن، لأنّ حرمة الأُولى مطلقة متأكدة قال سبحانه:«ألَم تَرَ إلى الّذِينَ يزعُمونَ أنّهم آمنوا بِما أُنزِلَ إليكَ وما أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُريدونَ أنْ يَتحاكَمُوا إلى الطاغوتِ وقد أُمروا أن يكفُروا بِهِ ويريدُ الشيطانُ أن يُضِلَّهُم ضَلالاً بعيداً»(النساء/60). ولأجل ذلك لامناص في حفظ الحقوق من اختيار قضاء المقلّد وتقديمه عليها.

وعلى ذلك فوجود المحاكم العادية وعدمها سواء فيتعيّن على الفقيه نصب العامي العارف بالقضاء لرفع الخصومات بين الناس، من غير فرق بين كون المورد من قبيل الشبهات الموضوعية أو الحكمية، وهو من القضايا التي قياساتها معها


(102)

لأنّ ترك المرافعة والقضاء، يؤدي إلى تضييع الحقوق والأموال وإيقاف الأمر إلى التمكّن من المجتهد، لاينفع إذا طال الزمان وما زالت الشكاوى والدعاوي تترى وتتزايد وشدّ الرحال إلى المجتهد النائي أمر مشكل وعندئذ فإذا كانت الشبهة موضوعية، يعمل بقواعد «المدّعي والمنكر» (التي مارسها مدّة على أيدي القضاة المهرة). وإذا كانت الشبهة حكمية مثل منجزات المريض وثبوت الشفعة إذاكانت الشركاء أزيد من ثلاثة، وتحريم عشر رضعات فبما أنّ القضاء فيها لايحتاج إلى إقامة بيّنة وجرحها وتعديلها يكفي العثور على رأي المجتهد والحكم على وفقه.

وإن شئت قلت: إنّ الشرط هو الصدور عن الكتاب والسنّة، فلامانع من سقوط شرطيته عند الاضطرار وفقد القائم به.

فإن قلت: إنّ القضاء في الشبهات الحكمية والموضوعية لايخلو عن إفتاء بالحكم الكلي أو الإفتاء بالحكم الجزئي وليس العامي أهلاً له.

قلت: يظهر حلّه بعد بيان ما تجب على العامي مراعاته من باب الاحتياط والأخذ بالقدرالمتيقّن وإليك بيانها:

الأوّل: إذا قلنا بسقوط شرطية الاجتهاد في حال الاضطرار لكن القدر المتيقّن للجواز هو العامي الذي ينصبه المجتهد لذلك المقام.وذلك لالوجود الدليل على الشرطية (لما عرفت من أنّه لايجوز نصب العامي للقضاء في حال الاختيار) بل لاحتمال مدخلية نصب المجتهد في هذه الحالة، دفعاً للهرج والمرج وحفظاً لنظام القضاء على الحدّ الممكن.

الثاني: للتأكد من إصابة الحقّ ، والتجنب من الاشتباه يلزم عليه التشاور في القضاء والسؤال عن سائر العارفين بالقضاء فإنّ الرأي الصادرعنده أقرب إلى الحقّ وألصق بالواقع، وحقّ الرأي للمنصوب فقط.


(103)

الثالث: إذا نصب المجتهد العامي العارفَ بالقضاء في زمان كان الرجوع إلى المجتهد موجباً للعسر والحرج، فهل يختصّ قضاؤه بخصوص لو كان مناط الرجوع موجوداً ، أو يعمّه وما إذا كان الرجوع إليه سهلاً ويسراً؟ وجهان:

1ـ إنّ الحكم النابع عن العسر والحرج يدور مدارهما فلو كان رفع الشكوى إلى المجتهد سهلاً، يلزم عليه إرجاع المتداعيين إلى المجتهد وإلاّ فيباشر بنفسه خصوصاً إذا قلنا بأنّ العسر الرافع للحرج هو الشخصي منه لا النوعي.

2ـ إنّ تحديد القضاء بوجود العسر الشخصي وعدم كفاية العسر النوعي يوجد الغموض في أمر القضاء و ربّما يزيد في العسر والحرج، والأوّل أحوط والثاني أقوى، خصوصاً إذا كان هنا نظام في القضاء يشتغل فيه أشخاص كثيرون، لايمكن تعليق عملهم يوماً دون يوم.

الرابع: إذا نصب المجتهد العامي للقضاء يجب عليه العمل بفتوى الأعلم وليس له أيّ تدخل في ترجيح الآراء بعضها على بعض، وتقديم المشهور على الشاذ، إذا كان فتوى الأعلم مطابقاً للثاني، أو ترجيح مايؤيّد بعض الظنون على الأُخر، لأنّ كل ذلك من وظائف أصحاب النظر فقط .

الخامس: إذا نصبه مجتهد للقضاء فهل له الصدور عن رأي الأعلم أو عن رأي المجتهد الناصب له، أو يتخيّر؟ فالأقوى هو الأوّل، كما عرفت لأنّه من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير.

السادس: إذا كان هناك من هو أعرف بموازين القضاء تقليداً من غيره وإن كان له أيضاًعرفان بالقضاء فيقدم الأعرف فالأعرف في مقام النصب إلاّ إذا لم يستعد الأعرف للقضاء فيتعيّن غيره.

السابع: إذا تعذّر النصب من جانب المجتهد، فعلى ا لمسلمين أن يختاروا أعرفهم بموازين القضاء، ولو عن تقليد.


(104)

الثامن: الذي يترتّب على قضاء العامي، هو لزوم طاعته وتنفيذ رأيه، وأمّا عدم جواز نقضه وعدم جواز تجديد المرافعة، لدى التمكّن من المجتهد فلا، لأنّ كلّ ذلك من آثار قضاء المجتهد، لا العامي العارف بالقضاء نعم لايصحّ النقض إلاّ من جانب المجتهد الناصب، لاغيره لأنّه يستلزم الهرج والمرج.

وبذلك اتضح جواب الإشكال السابق و ذلك لأنّ القضاء في المقام ليس قضاء حقيقياً حتى يعترض عليه بأنّ القضاء لايخلو عن إفتاء وهو شأن المجتهد دون العامي، بل عمل بالواجب بالقدر الممكن وإن كان مشوباً بالخلاف.

وعلى كل تقدير لو كان في هرم النظام مجتهد جامع الشرائط، فعليه أن يتكفّل بهذه الأُمور، وعليه النصب والعزل والنقض وليس للآخرين التدخل وإلاّ استلزم الفوضى في النظام.(1)

وبما ذكرنا يظهر أنّ المسوغ لنصب المقلّد العارف بالأحكام على القضاء ليس هو المصالح العامة الواردة في عبارة المحقّق وغيره حتى يقال:«إنّ الأحكام الشرعية لاتتغير بالمصالح المرسلة فلايجوز رفع اليدعن بعض شرائط النكاح والطلاق والمعاملات بمجرّد وجود مصلحة تقتضي خلافها، بل يلزم العمل بإطلاق أدلّة الشرائط فلايجوز رفع اليد عن شرطية العدالة، أو الاجتهاد في القاضي بوجود مصلحة ملحوظة في قضاء الشخص الفاقد لذلك الشرط».

وذلك لما عرفت من أنّ المسوّغ، هو أدلّة رفع الحرج في الشرع، أو كون الاضطرار مسقطاً لشرطية الشرط إذا كان في دليل المشروط إطلاق، وإلاّ فالمصالح المرسلة ليست مناطاً للتشريع في فقه الإمامية.

ثمّ إنّ بعض المانعين عن ممارسة المقلّد مهمّة القضاء عند الاضطرار قال:


1 ـ لاحظ رسالة القضاء للمحقّق ميرزا حبيب الله الرشتي(م1312هـ) فقد صدرنا في المقام عن تلك الرسالة الجزء الأوّل: باب :ما يختص بأحكام المقلّد المنصوب للقضاء، ص:60، 61، 62، 63.


(105)

إنّ التخلّص من هذه المشكلة الاجتماعية لاينحصر بذلك بل هنا طرق أُخرى تنحلّ معها عقدتها وإليك الطرق:

1ـ العمل بالبيّنة لو كانت، و إلاّ فيخلي سبيل المنكر، كما هو الحال بين الأُمم غير الدينية، من دون حاجة إلى الحلف.

2ـ العمل ببيّنة المدّعي أو أيّ دليل يقيمه بحيث يحصل العلم منه وإلاّ فيتوجّه الحلف على المنكر بناءً على عدم اختصاص الحلف بصورة وجود القاضي، ولمّا كان المفروض قبول المتنازعين الحقّ والحكمَ الشرعي فيمكن لهما العمل بذلك من دون حاجة إلى وجود شخص ثالث.

3ـ الرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف وليس مصداق العدالة أمراً خفيّاً.

4ـ العمل بالصلح القهري حيث يدور الحقّ بين شخصين.

5ـ العمل، بالقرعة في الشبهات الموضوعية لا الحكمية.

يلاحظ عليه: أنّ صاحب النظرية افترض المترافعين رجلين عادلين يريدانِ العمل بالحقّ المرّ، فعند ذلك يصحّ بعض ما افترضه رافعاً للمشكلة ولكن قلّما يتّفق ذلك وتصوّر أنّ موضوع البحث هو ما إذا لم يكن للإمام قدرة ظاهرية والدافع الى العمل بالحكم إيمانهما، ليس بمعنى أنّه ليس لقضائه في نفوذ الحقّ أيّ تأثير ، إذ ربّما يكون لقضائه تأثير في العمل بالحقّ وإن كانا يعرفانه قبل القضاء أيضاً بحيث لولا القضاء لما كان دافع تامّ للعمل بالحقِّ، مضافاً إلى أنّ موضوع البحث أعمّ من ذلك ويعمّ ما إذا قامت دولة إسلامية قاهرة ولكن كانت القضاة الجامعة للشرائط أقلّ ممّا تحتاج إليه الأُمّة فيقع البحث في نصب المقلّد العارف على القضاء فتكون للقاضي قدرة التنفيذ.

وعلى ذلك فالفرضان الأوّلان، لايتمشيان إلاّ في مجتمع أشبه بالمدينة الفاضلة التي صوّرها أفلاطون ولاينفعان في مجتمعنا، والرجوع إلى قاعدة العدل


(106)

والانصاف لاتفيد في الشبهات الحكمية وليس بأقرب إلى الواقع من العمل بقول المقلّد العارف، والطريق الرابع منحصر فيما إذا كان الحقّ بين شخصين خاضعين للصلح.وبالجملة اقتراح هذه الطرق، يعرب عن كون المقترح بعيداً عن المشاكل الاجتماعية، وأمّا العمل بالقرعة فلايتمّ إلاّ في مورد وجود حقّ مردد بين الشخصين لافيما إذا تردد الأمر بين وجود الحقّ وعدمه وهو الأكثر ولم ترد القرعة في المورد الأخير فلاحظ. وعلى أيّ تقدير فشكر الله مساعي كلّ من فكّر في رفع مشاكل الأُمّة الإسلامية.

الشرط التاسع :كونه ضابطاً

لاشكّ في شرطية الضبط في القضاء كاشتراطه في الإفتاء والشهادة ونقل الرواية، غير أنّ المهم تقديره، فاكتفى المحقِّق بعدم غلبة النسيان عليه، فلو غلبه النسيان لم يجز نصبه.(1)

يلاحظ عليه: أنّ لازمه جواز نصب المساوي مع أنّه لاتجوز توليته. ولأجل ذلك عطف العلاّمة عليه في القواعد، مساواتهما وقال:«ولوغلب النسيان أو ساوى ذُكرَه، لم تجز توليته».(2)

والظاهر عدم كفاية مجرّد غلبة الذُكر على النسيان وإن كان قليلاً كما إذا زاد ذُكره على نسيانه بواحد بل لابدّ ـ مع ذلك ـ أن يعدّ إنساناً ضابطاً، لاناسياً ويكون نسيانه أمراً عاديّاً لاعلى خلاف العادة، والدليل على اعتباره ـ مضافاً إلى خطورة الموقف، وبناء العقلاء في المورد ونظائره ـ انصراف النصوص إلى الإنسان المتعارف، ومن غلب نسيانه ذُكرَه ، أو ساواه، أو غلب ذُكره عليه بمقدار قليل، لايعدّ إنساناً عادياً.


1 ـ نجم الدين: الشرائع: 67.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/100، قسم المتن.


(107)

الشرط العاشر: العلم بالكتابة

اختلفت كلمة الفقهاء في شرطية العلم بالكتابة وإن كان الاجتهاد، لاينفكّ عن العلم بها غالباً. وقلّما يتّفق لإنسان، بلغ قمّة الاجتهاد، ومع ذلك يقرأ ولايكتب.

قال الشيخ في المبسوط:فإن كان يحسن الكتابة انعقد له القضاء وإن كان لايحسن الكتابة قال قوم: انعقد له القضاء لأنّه ثقة من أهل الاجتهاد وكونه لايكتب لايقدح منه لأنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إمام الأئمّة ، ماكان يكتب ولم يُؤثَر ذلك منه وقال آخرون: الكتابة شرط لأنّه يحتاج أن يكتب إلى غيره وأن يكتب غيره إليه....(1)

وعلّله في المسالك بقوله:بأنّه ربّما يضطر إلى معرفة الوقائع والأحكام التي لايتيسر ضبطها غالباً إلاّ بها وهذا اختيار الشيخ والمصنف (المحقق) وأكثر الأصحاب والتمسّك بأُميّة النبيّ وأنّه كان لايكتب مدفوع بأنّه كان مصوناً بالعصمة المانع من السهو والغلط.(2)

وقد عرفت أنّ المسألة قليلة الجدوى جدّاً لعدم التفكيك بين الاجتهاد والكتابة ومع ذلك فليست الكتابة شرطاً لجواز التصدّي كالبلوغ والعدالة فلو نصب للقضاء في أُمور لاتتوقف على الكتابة والضبط صحّ نصبه وقضاؤه وإن لم يعرف الكتابة، غير أنّ القضاء في اليوم خصوصاً القضاء العام ، لاينفكّ عن الحاجة إلى الضبط بالكتابة ولايكون القاضي مصوناً من الاشتباه وغدر المترافعين، حتّى أنّهم قالوا: ينبغي للقاضي أن يتّخذ كاتباً بين يديه يكتب عنده الإقرار والإنكار.(3)


1 ـ الطوسي: المسبوط:10/119.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/389.
3 ـ الطوسي: المبسوط: 8/112.


(108)

الشرط الحادي عشر: البصر

قال الشيخ أمّا كمال الخلقة فيشترط أن يكون بصيراًفإن كان أعمى لم ينعقد له القضاء لأنّه يحتاج إلى معرفة المقِّر من المنكر، والمدّعي من المدّعى عليه وما يكتبه كاتب بين يديه، وإذا كان ضريراً لم يعرف شيئاً من ذلك.(1)

وقال المحقّق: وفي قضاء الأعمى تردّد أظهره أنّه لاينعقد لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم وتعذر ذلك مع العمى إلاّ فيما يقّل (2) وقد علم حاله ممّا ذكرناه في الكتابة ، وأنّه ليس كسائر الشروط من البلوغ والعدالة فيجوز نصبه لأُمور، لايتوقّف القضاء فيها على البصر لكنّه قليل جدّاً. والاضطرار إليه في أغلب الموارد، يجرنا إلى القول بعدم جواز نصبه.

الشرط الثاني والثالث عشر: السلامة من الصمم والخرس

قالوا باشتراط السلامة من الصمم والخرس، لكن وزانهما وزان ما سبق من اشتراط الكتابة والبصر. فلانطيل.

الشرط الرابع عشر: الحرية

وأمّا الحرّية فلادليل على الاشتراط أوّلاً وأنّ عدم الابتلاء به أغنانا عن البحث عنه ثانياً.


1 ـ الطوسي: المبسوط :8/109.
2 ـ نجم الدين: الشرائع: 4/861.


(109)

مسائل إحدى عشرة

الأُولى: في قاضي التحكيم والمأذون

قد تعرّفت انقسام القضاء بالنسبة إلى الإذن الخاص والعام إلى المنصوب والمأذون، فالأوّل هو المختصّ بزمان الحضور إذا بعث المعصوم، شخصاً معيّناًللقضاء، روي عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال: بعثني رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم إلى اليمن قاضياً. وبعث عليّ ، عبد الله بن عباس قاضياً إلى البصرة.(1) وأمّا المأذون فهو من أذن له الإمام على الوجه الكلّي كما هو الحال في الفقيه الجامع للشرائط ولايختصّ بزمان الغيبة بل يعمّها والحضور، والفقيه الإمامي في البلاد النائية في عصر الأئمّة كانوا قضاة مأذونين حسب المقبولة وغيرها.فسيوافيك الكلام فيه بعد الفراغ عن البحث إنّما الكلام في قاضي التحكيم. فيقع البحث فيه من جهات:

الجهة الأُولى: في تفسيره وتبيين مفهومه

إنّ الهدف من القضاء هو تبيين الوظيفة للمتخاصمين من حيث الواقع إذا كانت الشبهة حكمية، أو من حيث التنازع إذا كانت موضوعية أوّلاً، وإلزامهما على الاعتناق بما حكم في ظلّ القوّة ثانياًـ وعلى ذلك ـ فقاضي التحكيم لايفتقد إلاّ الأمر الثاني، ويُتدارك باعتناق الطرفين ورضاهما بقضائه وإجرائهما حكمه وقد كانت القضاة في عصر الأُمويين والعباسيين منقسمين إلى رسميين وغير رسميين ، فكانت الدولة والحكومة وراء الرسميين دون غيرهم ، نعم كان وراءهم رضا الطرفين وطيب نفسهما بحكمهم. وبما أنّ القضاء من شؤون النبيّ أو وصيّه، (2)


1 ـ الطوسي : المبسوط: 8/82
2 ـ الوسائل 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3.


(110)

قالوا: يشترط في ثبوت الولاية إذن الإمام ـ عليه السلام ـ ولو استقضى أهل البلد قاضياً لم تثبت ولايته. ثم استثنوا منه صورة قاضي التحكيم وقالوا : نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة فترافعا إليه فحكم لزمهما حكمه وإن كان هناك قاض منصوب بل وإن كان إمام .(1) وسيوافيك وجهه.

الجهة الثانية: في تصويره في زمان الغيبة

ربّما يقال انّ قاضي التحكيم مختصّ بزمان الحضور قال الشهيد: واعلم أنّ الاتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط، التي من جملتها كونه مجتهداً وعلى هذا فقاضي التحكيم مختصّ بحال حضور الإمام ليفرّق بينه وبين غيره من القضاة فيكون القاضي منصوباً وهذا غير منصوب إلاّ من جانب المترافعين وأمّا في حال الغيبة فسيأتي أنّ المجتهد يَنفُذ قضاؤه لعموم الإذن، وغيره لايصحّ حكمه مطلقاً فلايتصوّر في زمان الغيبة. قاضي التحكيم.(2)

يلاحظ عليه : أنّ الفقيه مأذون في القضاء بالإذن العام في زمان الحضور والغيبة مطلقاً، كما هو مقتضى المقبولة وغيرها وعليه فلايتصوّر المنصوب إلاّ في حال الحضور مع بسط اليد، كعصر الإمام علي ـ عليه السلام ـ ، وأمّا مع عدم البسط فزمان الحضور وعصر الغيبة سيّان في كون الفقيه مأذوناً ونافذاً حكمه من دون حاجة إلى التحكيم.

ومع ذلك يمكن تصويره في عصر الغيبة عندما قامت دولة إسلامية وكان على رأسها فقيه جامع للشرائط، كما في عصر الدولة الصفوية حيث كان يرأسها


1 ـ نجم الدين الحلي، الشرائع:4/68.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك:2/390، وقريب منه كلام المحقّق الأردبيلي في شرح الارشاد ، لاحظ ج 2/184 وسيوافيك نصه في الجهة الثالثة.


(111)

فقيه جامع للشرائط كالمحقّق الكركي وغيره و هكذا الأمر في الثورة الإسلامية المباركة في إيران فعند ذاك يمكن أن يقال إنّ كل فقيه وإن كان قاضياً حسب المقتضي لكن لأجل إيصاد باب الفوضى، يُمْنع الفقيه عن التدخل في القضاء إلاّ بنصب من جانب الحكومة الإسلامية. وعند ذاك يصبح تلك الظروف كعصر الحضور مع بسط اليد، فينقسم القاضي إلى منصوب وغير منصوب، فليس لغيره القضاء وإن كان واجداً للولاية بنحو الاقتضاء لكن تمنعه رعاية المصالح العامّة إلاّ بنحوالتحكيم.

نعم هنا وجهان آخران لتصوّر قاضي التحكيم في زمان الغيبة و إليك بيانهما:

1ـ ما أفاده المحقّق الأردبيلي بقوله: إلاّ أن يكون أعلم منه موجوداً و يتمكّن من الوصول إليه و إنفاذ حكمه وحينئذ يتعيّن ذلك بناءً على القول المشهور من تعيين الأعلم و حينئذ يتصوّر تراضي الخصمين بواحد من الرعيّة فتأمّل.(1)

و سيوافيك عدم وجوب كون القاضي أعلم في البلد بل يكفي الصدور عن الكتاب والسنّة فعندئذ تنتفي الفائدة.

2ـ ما سيجي من المحقّق الخوئي تبعاً لصاحب الجواهر من عدم اشتراط الاجتهاد في قاضي التحكيم فتظهر الثمرة في غير المجتهد، فيصحّ حكمه بعنوان التحكيم دون المجاز و سيوافيك الدليل على شرطية الاجتهاد مطلقاً من غير فرق بين المأذون و قاضي التحكيم.

الجهة الثالثة:قاضي التحكيم في كلمات الأصحاب

قال الشيخ: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم


1 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة:12/184


(112)

بينهما كان جائزاً بلاخلاف فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار.(1)

وقال في المبسوط:إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعيّة فرضيا به حكماً و سألاه أن يحكم لهما بينهما، جاز و إنّما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء و هو أن يكون من أهل العدالة و الكمال و الاجتهاد على ما شرحناه من صفة القاضي لأنّه رضي به قاضياً فأشبه قاضي الإمام.(2)

وقال المحقق: ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة فحكم لزمهما حكمه في كل الأحكام.(3)

وقال ابن سعيد الحلي: وإن اختار الخصمان رجلاً يحكم بينهما وله شروط القضاء لزمه حكمه.(4)

وقال العلامة :ولو تراضى الخصمان بحكم بعض الرعيّة وحكم بينهما لزمهما حكمه.(5)

وقال الأردبيلي: نعم لو تراضى الخصمان بواحد من الرعيّة أن يحكم بينهما بحكم الله ولم يكن مأذوناً ومنصوباً بخصوصه من الإمام ونائبه للحكم والقضاء، وحكم بحكم موافق للحق ونفس الأمر، بشرط اتصافه بشرائط الحكم غير الإذن من الاجتهاد والعدالة، صحّ ذلك الحكم ومضى حكمه فيهما وليس لهما نقضه بعده ولايشرط الرضاء بعد الحكم على المشهور ولايجوز لهما خلاف ذلك وهذا إنّما يتصوّر في زمان الحضور وإمكان الاستئذان. لاحال الغيبة التي لايمكن


1 ـ الطوسي: الخلاف،كتاب القضاء، المسألة 40.
2 ـ المبسوط: 8/164.
3 ـ النجفي: الجواهر، ج40، قسم المتن 23.
4 ـ ابن سعيد الحلّي: الجامع للشرائع، 530.
5 ـ العلاّمة الحلّي: إرشاد الأذهان :2/138، ط النشر الإسلامي.


(113)

الاستئذان ، إذ حينئذ كل من اتصف بما تقدّم من الشرائط فهو قاض وحاكم ولم يحتج إلى شيء آخر غير ذلك كما تقرّر عندهم.(1)

الجهة الرابعة :ما هو الدليل على مشروعيّته؟

استدل الأصحاب على نفوذ قضائه بوجوه قاصرة نشير إليها:

1ـ استدل الشيخ في الخلاف بما روي عن النبيّ الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: من حكم بين اثنين فتراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله تعالى.(2)

يلاحظ عليه: أنّه ـ على فرض صحّة الاحتجاج به ـ يدلّ على أنّه يجب عليه الحكم بالعدل، وأنّه لو انحرف فعليه لعنة الله وأمّا أنّه ينفذ حكمه ويحرم خلافه فلا إذ من المحتمل أن يكون للمتخاصمين خيار بعد الحكم أيضاً.

فإن قلت: إذا افترضنا أنّه حكم بالحق، فلامعنى للخيار بعد الحكم به .

قلت: ذلك إذا حكم بالحق الواقعي لا الظاهري ، وحكم القاضي، حكم ظاهري لاواقعي، ولزوم الأخذ به مختصّ بالثاني دون الأعم منه ومن الأوّل وأمّا لزوم الأخذ بحكم القاضي لا لأجل كونه حكماً حقّاً، بل لأجل الروايات التي منها المقبولة.

2ـ ما مرّ من العمومات في الآيات والروايات من لزوم الحكم بالحق والقسط وما أنزل الله دون غيرها، وهو مطلق يعمّ كلا الصنفين، وقد دلّت الأدلّة على نفوذ حكمه إذا حاز ذلك الشرط.

يلاحظ عليه:عدم الإطلاق في العمومات من هذه الناحية فإنّها بصدد بيان لزوم كون الحكم على وفق ما أنزل الله، لاعلى وفق الحكم الجاهلي، وأمّا من هو


1 ـ الأردبيلي : مجمع الفائدة:12/184.
2 ـ الطوسي: الخلاف :3/322.


(114)

الحاكم وما شرائطه فليست بصدد بيانه حتى يتمسّك بإطلاقها.

3ـ إنّ الصحابة قاموا بعمل التحكيم، ولم ينكره الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ .

يلاحظ عليه: أنّه لم يدلّ دليل على أنّه كان بمرأى ومنظر منه. نعم لو كان وسكت كان دليلاً على السعة.

لكن الظاهر أنّا لانحتاج في إثبات نفوذ حكمه إلى دليل خاص وراء العمومات الدالّة على نفوذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط، وذلك لأنّ المستفاد منها، هو نفوذ حكم الفقيه مطلقاً، في زمان الحضور والغيبة،وتوهم اختصاصها بزمانها، غيرتام، لأنّ المقبولة تضمّنت حجية قول الفقيه في عصر الصادق وبعده فكيف تكون مختصّة بعصر الغيبة؟

غير أنّه إذا كانت للإمام المعصوم قدرة ظاهرية ، أو كان هناك حكومة إسلامية يرأسها الفقيه النائب عن الإمام المعصوم، يتوقف جوازالقضاء على النصب، لالعدم المقتضي وعدم الصلاحية بل لأجل وجود المانع وهو تسرّب الفوضى إلى المجتمع الإسلامي ، و ليس المقيّد دليلاً شرعياً حتى يؤخذ بإطلاقه وإنّما حكم عقليّ لغاية صدّ تسرّب الفساد في وجه الأُمة فلأجل ذلك يشتغل الفقيه المنصوب بالقضاء دون غيره حفظاً للمصالح ولكن الفساد رهن اشتغال غير المنصوب كالمنصوب، لاما إذا اشتغل به في واقعة أو واقعتين بصورة استثنائية، لأجل رضاالطرفين، فلايتسرّب الفساد وعند ذاك تكون العمومات شاملة له كالمنصوب، لوجود المقتضي وعدم وجود المانع.

الاستئناس بالآيات والروايات

ويمكن الاستئناس ببعض الآيات والروايات في إثبات مشروعيّته وإنّما عبّرنا به دون الاستدلال لعدم الوثوق بكونها واردة في قاضي التحكيم:


(115)

1ـ ما ورد في شقاق الزوجين من بعث الحكمين من جانبهما لينظرا في شقاقهما قال سبحانه: «وإنْ خِفتُمْ شِقاق بَيْنهما فَابْعَثُوا حَكماً مِنْ أهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أهْلِها إن يريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما إنّ الله كان عليماً خبيراً»(النساء/35) وكأنّ الطرفين اتّفقا على أن يبعث كل حكماً حتى يتشاورا ثمّ يحكما، فالحكم بالتالي لكل من الطرفين، هو مجموعهما. ولو اتّفقا على رأي يكون نافذاً.

والذي يبعِّد أن يكون مفاد الآية من قبيل قاضي التحكيم، أنّه لو كان من ذاك لزم تواجد جميع شروط القاضي في الحكمين من الإيمان والعدالة والاجتهاد، وهو كما ترى إذ لو وجبت الرعاية لانسدّ باب التحاكم في أُمور الأُسرة.

2ـ ما ورد في تشاجر قبائل قريش عند بنيان الكعبة حيثما انتهى أمرهم في نصب الحجر الأسود في موضعه، فكل قبيلة أرادت أن ترفعه إلى موضعه دون الأُخرى حتى أُعِدّوا للقتال إلى أن اتّفقوا على قضاء «محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم» وهو ابن خمس وثلاثين سنة.(1)

3ـ لما انسحب جيش قريش ويهود خيبر عن المدينة وتركوا حليفهم «بني قريظة» في المدينة وهم قد نقضوا عهدهم مع المسلمين في غزوة الأحزاب، حاصرهم رسول الله خمساً وعشرين ليلة حتّى جهدتهم الحصارة وقذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقبله الرسول صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فحكم في حقّهم بما هو المعروف في تاريخ السيرة.(2)

4ـ ولعلّ نزول الإمام علي ـ عليه السلام ـ ومعاوية على حكم الحكمين مشروطاً بشروط، من هذا القبيل .

إنّ هذا المقدار من الشواهد التاريخية يثبت جوازها، أضف إليه ، أنّ الرجوع


1 ـ ابن هشام : السيرة النبوية 1/197.
2 ـ ابن هشام :السيرة النبوية 2/239.


(116)

إلى الحكم الحرّ أمر رائج بين الأُمم ومن البعيد أن يكون غير مشروع في الإسلام.

نعم هناك روايات ربّما تحمل على قاضي التحكيم:

1ـ روى أبوبصير عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حقّه فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلاّ أن يرافعه إلى هؤلاء:كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجلّ:«أَلَمْ تَرََ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ»(1)، (2)

2ـ روى أبو بصير قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : قول الله عزّوجلّ في كتابه: «وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ» (3) فقال:«يا أبا بصير إنّ الله عزّ وجلّ قد علم أنّ في الأُمّة حكّاماً يجورون أمّا أنّه لم يعن حكّامَ العدل ولكنّه عنى حكّام أهل الجور يا أبا محمد! انّه لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكّام العدل فأبى عليك إلاّ أن يرافعك إلى حكّام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت...».(4)

3ـ روى الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ :ربّما كان بين الرّجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا فقال: «ليس هو ذاك إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط».(5)

أقول: الروايات تحتمل وجهين:

1ـ إنّها واردة في قاضي التحكيم فإنّ مقوّمه عبارة عن أُمور ثلاثة: أـ كونه غير منصوب .ب ـ كونه جامعاً للشرائط.ج ـ تراضي المتخاصمين على قضائه. والموارد فيها جامع لها.


1 ـ النساء:60.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 2و3.
3 ـ البقرة:188.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث 2و3.
5 ـ الوسائل:الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث8.


(117)

2ـ إنّها واردة في القاضي المأذون وهو يتقوّم بالشرطين الأوّلين ولايتوقف على التراضي، غير أنّ أخذ الثالث فيها لأجل أنّه لولاه لمايثمر الرجوع إليه إلاّ إذا كانا متدينين معتنقين وهو قليل.

والظاهر أنّها واردة في القاضي المأذون وأنّ وزانها وزان المقبولة وروايتي أبي خديجة حيث جاء فيها أيضاً، قيد التراضي وما هذا إلاّ لأجل أن يكون الرجوع مفيداًومثمراً وإلاّ سواء تراضيا أم لا فإنّ العمل بقولهم من واجبهم .

المقبولة و قاضي التحكيم

ولمّا بلغ الكلام إلى المقبولة وروايتي أبي خديجة فَلْندرسها فإنّ بعض الأعاظم، حاول تطبيق ما ورد في باب القضاء من إرجاع الناس إلى الفقيه الجامع للشرائط على قاضي التحكيم فلنبحث في المقبولة وغيرها.

أمّا المقبولة فالذي يوهم كون موردها من قبيل قاضي التحكيم أمران:

1ـ قوله ـ عليه السلام ـ :«فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً».(1)فإنّ رأي القاضي المنصوب و المأذون نافذ شرعاً رضيا به أم لا.

2ـ فرض تعدّد القاضي حيث قال :فإن كان كل واحد، اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم.

فقال: «الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولايلتفت إلى ما يحكم به الآخر».(2)

وجه الدلالة: إنّ اختيار كل من الطرفين رجلاً لايصحّ في القاضي المنصوب


1 ـ الوسائل:الجزء 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل:الجزء 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(118)

بل يجب عليهما فيه الرجوع إلى قاض واحد، فالقاضي المنصوب وإن كان يتعدّد وجوداً لكن لايتعدّد رجوعاً.

يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّ المراد هو القاضي المأذون وبما أنّ قضاءه نافذ شرعاً، لاعرفاً وقانوناً وليست الدولة وراءه، أمر الإمام المتخاصمين بالتراضي حتى يكون جابراً لما يفوته من القدرة الظاهرية.

يلاحظ على الوجه الثاني: أنّه لو كان المختلفان في الرأي من قبيل قاضي التحكيم، لما وجب على أحد المتخاصمين الأخذ بالقول الأرجح، لأنّه رضي بالراجح لابالأرجح. وبعبارة أُخرى رضي بقضاء العادل الفقيه الصادق الورع لابقضاء الأعدل الأفقه الأصدق الأورع ، فإلزامه بالأخذ لايتفق مع كونه قاضي التحكيم ، فلامناص من إرجاعه إلى القاضي المأذون.

روايتا أبي خديجة وقاضي التحكيم

قد ورد في إحدى روايتيه: «فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه»(1) وفي الأُخرى: «اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً».(2)

وجه الدلالة أنّه أمرهما بجعله قاضياً فإنّ القاضي المنصوب والمأذون ، لايحتاج إلى جعل المتخاصمين.

يلاحظ عليه: أنّ الدعوة إلى الجعل، ليس لأجل مدخليته في مشروعية القضاء كما هو الحال في مورد التحكيم ، وإنّما هي لأجل تدارك ما يفوت المأذون من القوّة المجرية ، حتى يقوم إقدامهما بالجعل مقامها.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1من أبواب صفات القاضي، الحديث5.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11من أبواب صفات القاضي، الحديث6.


(119)

3ـ رواية داود بن الحصين وقاضي التحكيم

روى داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في رجلين اتّفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف فرضيا بالعدلين فاختلف العدلان بينهما ،عن قول أيّهما يمضى الحكم؟ قال: «ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه ولايلتفت إلى الآخر».(1)

وليس الموهم إلاّ قوله:فرضيا وقد عرفت وجهه.

أضف إليه أنّه جزء من رواية المقبولة، لأنّ الراوي لها عن عمر بن حنظلة هو داود بن الحصين، فنقل جزء منها، بحذف آخر السند، أو سقوطه من قلم النساخ، فيأتي فيها ما قلناه في المقبولة.

وبذلك يعلم حال رواية موسى بن اكيل(2) فلانطيل الكلام.

فاتّضحت أنّه لاوجه لحمل تلك الروايات الواردة في القاضي المأذون على قاضي التحكيم وليس القاضي منحصراً بالمنصوب والتحكيم حتى يدور الأمر بينهما ـ كما ربّما يبدو من بعضهم ـ فهناك قسم ثالث وهو القاضي المأذون والروايات وردت في حقّه.

الجهة الخامسة: في بيان ما هو الشرط في قاضي التحكيم

هل يشترط في قاضي التحكيم، كل ما يشترط في القاضي المنصوب، سوى كون الثاني منصوباً دون الأوّل، أو لايشترط فيه سوى الأمورالعامّة من العقل و البلوغ والإسلام والإيمان؟


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9من أبواب صفات القاضي، الحديث 20.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب9من أبواب صفات القاضي، الحديث 45.


(120)

صريح المحقّق هو الأوّل، قال: يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب عن الإمام ـ عليه السلام ـ (1) وقال الشهيد في المسالك:«واعلم أنّ الاتّفاق واقع على أنّ قاضي التحكيم يشترط فيه مايشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهداً».(2)

والحق هوالإشتراط والدليل حسب ما استظهرنا من عمومات نفوذ قضاء الفقيه، واضح، لما مرّ من أنّ الموضوع لنفوذ القضاء هو الصادر عن الكتاب والسنّة الذي يعبّر عنه اليوم بالفقيه الجامع للشرائط أو المجتهد، من غير فرق بين زمان الحضور (من عصر الصادق بل قبله أيضاً لوحدة الحكم في جميع الأزمنة) وزمان الغيبة، غير أنّ الظروف الخاصة كبسط اليد، أو قيام الدولة الحقّة قسّمه إلى منصوب وغير منصوب، وإلاّ فالجميع داخل تحت عنوان الفقيه ولايمنع عن قضاء غير المنصوب، شيء سوى إيصاد باب الفوضى، وعند ذلك، يكون دليل الشروط في الجميع واحداً، فلو كان شيء شرطاً في المنصوب يكون شرطاً في غيره لكونه شرطاً لنفوذ قضائه لا للنصب.

ثمّ إنّ صاحب الجواهر استظهر من روايتي أبي بصير والحلبي الماضية ، عدمَ اشتراط أي شيء خاص في قاض التحكيم سوى الشروط العامة من البلوغ والعقل والإسلام والإيمان، قائلاً بأنّ الموضوع في الرواية الأُولى لأبي بصير هو الدعوة إلى قضاء الأخ فقط حيث قال:«فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه» (3) كما أنّ الموضوع في الرواية الثانية له هو كونه حاكماً بالعدل كما قال:«لو كان لك على رجل حقّ فدعوته إلى حكام أهل العدل...».(4) والموضوع في الثالث هو «رجل من الشيعة» كما قال:«فيتراضيان برجل منّا»(5) فإنّ مفاد هذه الروايات


1 ـ النجفي: الجواهر:40/28 قسم المتن.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/390.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3، 8.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3، 8.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2، 3، 8.


(121)

أنّهم أذنوا لشيعتهم أجمع، الحكم به وأنّ المدار هو القضاء بأحكامهم لابغ(1)يرها.

يلاحظ عليه أوّلاً: ما عرفت من عدم ثبوت ورود هذه الروايات في مورد قاضي التحكيم، بل هو أحد الاحتمالين، والاحتمال الآخر كونها واردة في حقّ القاضي المأذون وأخذ قيد «الدعوة إلى الأخ»، و«حكّام العدل» أو «برجل منّا»، لتدارك ما يفوت المأذون من القوّة والقدرة، على ما تقدّم.

وثانياً: أنّ الروايات بصدد بيان أصناف القضاة وأنّه لايجوز الرجوع إلى حكّام الجور، بل يجب الرجوع إلى حكّام العدل، وأمّا ما هو شرائط أُولئك الحكّام؟ فليست الروايات بصدد بيانها، بل يمكن الاستئناس من عطف أحد الحكّام على الآخر، وحدة حكمهما، لأنّ حكّام الجور يوم ذاك كانوا من فقهاء العامة ومن الذين كانوا يصدرون عن الكتاب والسنّة فليكن حكّام العدل أيضاً مثلهم.

إنّ المحقّق الخوئي ممن ذهب إلى عدم شرطية الاجتهاد في قاضي التحكيم، اعتماداً برواية أبي خديجة الّتي جاء فيها قوله:«ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم»(2) حيث حملها على قاضي التحكيم، وقد مرّ الكلام فيها وأنّه لايصح الاحتجاج بها، لأجل احتمال وحدة الروايتين وتردّد اللفظ الصادر عن أئمة أهل البيت بين دال على شرطية الاجتهاد وعدمه.

الجهة السادسة: في اشتراط الرضا بعد القضاء و عدمه

المشهور، عدم اشتراط الرضا بعد القضاء قال الشيخ في المبسوط : إذا ترافع نفسان إلى رجل من الرعيّة فرضيا به حكماً بينهما و سألاه أن يحكم لهما بينهما جاز وإنّما يجوز أن يرضيا بمن يصلح أن يلي القضاء وهو أن يكون من أهل العدالة


1 ـ النجفي : الجواهر:40/30.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(122)

والكمال والاجتهاد، على ما شرحناه من صفة القاضي، لأنّه رُضي به قاضياً فأشبه قاضي الإمام، ولا فصل بين أن يرضيا به في بلد فيه حاكم سواه أو لا حاكم فيه، الباب واحد لأنّه إذا كان ذلك إليهما في بلد لا قاضي به، كذلك في بلد به قاض.

فإذا ثبت أنّه جائز فإذا نظر بينهما فمتى يلزم حكمه في حقّهما؟ قال قوم: بالرضا بما حكم به بعد حكمه . وقال آخرون: يلزم حكمه بما يلزم به حكم الحاكم وهو إذا أمضاه هو عليهما لما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: «من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فعليه لعنة الله» فلولا أنّ حكمه بينهما يلزم، ما تواعده باللّعن عند الجور . (1)

وقال في الخلاف: إذا تراضى نفسان برجل من الرعيّة يحكم بينهما وسألاه الحكم بينهما، كان جائزاً بلا خلاف فإذا حكم بينهما لزم الحكم وليس لهما بعد ذلك خيار وللشافعي فيه قولان :أحدهما أنّه يلزم بنفس الحكم كما قلناه والثاني: يقف بعد إنفاذ حكمه على تراضيهما، فإذا تراضيا بعد الحكم لزم.(2)

وقال المحقّق :ولايشترط رضاهما بعد الحكم.(3)

وقال العلاّمة في القواعد:ولايجوز نقض ما حكم به ممّا لاينتقض فيه الأحكام وإن لم يرضيا بعده إذا كان بشرائط القاضي المنصوب في الإمام.(4)

وقال الشهيد: قضاء التحكيم وهو سائغ وإن كان في البلد قاض ويلزم الخصمين المتراضيين به حكمه حتّى في العقوبة وهل يشترط رضاهما بعد الحكم؟ الأقرب لا.(5)

وقال الأردبيلي: مضى حكمه بينهما وليس لهما نقضه بعده ولايشترط الرضا


1 ـ الطوسي: المبسوط8/164.
2 ـ الطوسي: الخلاف 3، كتاب القضاء، المسألة 40.
3 ـ النجفي: الجواهر 40/23، قسم المتن.
4 ـ العاملي: مفتاح الكرامة 10/3، قسم المتن.
5 ـ الشهيد: الدروس 2/17ـ18.


(123)

بعد الحكم على المشهور ولايجوز لهما خلاف ذلك.(1)

وقال الشهيد الثاني في الروضة:وهل يلزم حكمه بنفس الحكم، كحكم القاضي أو لايلزم إلاّ بتراضيهما بعد الحكم؟فيه قولان ويقال وجهان: أظهرهماالأوّل.(2)

نعم قال العلاّمة في التحرير:ولو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة وترافعا إليه فحكم لم يلزمهما الحكم وإن كان غائباً.(3)

ومع ذلك فالحقّ هو عدم الحاجة إلى التراضي، وذلك لوجهين:

1ـ إنّ قاضي التحكيم، ليس موضوعاً جديداً بل هو والقاضي المنصوب من أقسام القاضي المأذون في عصر الغيبة، غير أنّ حفظ النظم، ألجأغير المنصوب الى الإنسحاب من ساحة القضاء مع أنّ له أهليّة القضاء وصلاحيته فإذا قضى في مورد لاتشمله أدلّة المنع، تعمّه أدلّة نفوذ القضاء وأنّه: «إذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردّ والرادّ علينا الرادّ على الله».(4)

2ـ إذا كان نفوذالحكم منوطاً بتراضي الطرفين، تلزم لغوية القضاء لأنّه لايخلو إمّا أن يحصل التراضي أو لا. فعلى الأوّل، يكون الفاصل، هو التراضي دون القضاء ويكون القضاء بمنزلة الإفتاء، وعلى الثاني، يطرح ويكون بلا أثر.

وإلى ما ذكرنا يشير الشيخ في الخلاف ويقول:وأيضاً لو كان الحكم لايلزم بنفس الالتزام والانقياد ، لما كان للترافع إليه معنى فإن اعتبر التراضي كان ذلك موجوداً قبل الترافع إليه.(5)


1 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة2/182.
2 ـ زين الدين : الروضة3/71.
3 ـ التحرير: كتاب القضاء180.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
5 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 40.


(124)

فإن قلت: إنّ قوله ـ عليه السلام ـ في صحيح الحلبي: «ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط» (1) إذا كان وارداً في قاضي التحكيم يكون مفاده شرطية النفوذ بالتراضي.

قلت: مضافاً إلى ما عرفت من أنّ الحديث يحتمل أمرين، أنّ الفقرة عنوان مشير إلى السلطات الجائرة، الذين كانوا يجبرون الناس على أحكامهم الباطلة بالسيف والسوط، وإلاّ فهل يمكن لأحد أن ينكر لزوم القوّة والقدرة في إجراء الأحكام الحقّة؟ قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «الخير كلّه في السيف وتحت ظلّ السيف ولا يقيم الناس إلاّ السيف».(2)

الجهة السابعة: نفوذ حكمه بحقوق الناس و عدمه

الظاهر من كلمات الأصحاب نفوذ حكمه مطلقاً. قال المحقّق يعمّ الجواز كل الأحكام.(3)

وقال العلاّمة في القواعد:«لزمهما حكمه في كل الأحكام حتّى العقوبات».(4) وقال شارح القواعد:«والمراد بالعقوبة في كلام المصنف، الحبس وإقامة الحدود والتعزير والنفوذ نفساً وطرفاً »وقال (المصنّف) فيما بعد: «وهل له الحبس واستيفاء العقوبة إشكال» فلاأراه إلاّ رجوعاً .(5)

وقال في الدروس:«ويلزم الخصمين المترافعين به حكمه حتى في العقوبات».(6)

وقال في المسالك:«وظاهر الأصحاب وصريح بعضهم ثبوت هذا الحكم في


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.
2 ـ الوسائل: الجزء 11 الباب 1 من أبواب جهاد العدو، الحديث1.
3 ـ نجم الدين الحلّي:الشرائع: 4/68.
4 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/30 متناً وشرحاً.
5 ـ العاملي: مفتاح الكرامة:10/30 متناً وشرحاً.
6 ـ مكي العاملي: الدروس: 2/68.


(125)

جميع ما يقع فيه التداعي من المال والنكاح والقصاص والحدود وغيرها لوجود المقتضي في الجميع وعموم الخبر ،واستشكل العلاّمة ثبوته في الحبس واستيفاء العقوبة من حيث إنّه ولاية شرعية وأمر خطير فلايصلح أن يكون لغير الحاكم الشرعي وهو قول لبعض الشافعية نعم يختصّ بحقّ الآدمي حيث إنّه يتوقّف على نصب المتخاصمين فلايحكم في حقوق الله تعالى إذ ليس لها خصم معيّن، ويختصّ حكمه بمن رضى فلايضرب دية القتل خطأ على العاقلة إذا لم يرضوا بحكمه ولايكفي رضى القاتل.(1)

ويظهر نظرنا في المقام ممّا ذكرناه في الجهات السابقة وهو نفوذ رأيه وقضائه في جميع الموارد، إلاّ فيما إذا لم يكن في المورد مشتك، وذلك لأنّه لايقصر عن القاضي المنصوب قدر شعرة وربّما يترجّح عليه و إنّما عاقه عن التصدي صيانة النظام عن تسرّب الفوضى إليه، فإذا كان المانع مفقوداً، فيكون قضاؤه نافذاً.

نعم فيما إذا لم يكن هنا أيّ مشتك ، فلاموضوع للتحكيم كما لايخفى.

في نفوذ قضاء الفقيه الإمامي : القاضي المأذون

قد عرفت أنّ القاضي ينقسم إلى قاض منصوب يختصّ بزمان الحضور مع بسط اليد، وقاضي التحكيم يتوقّف نفوذ قضائه على رضاء الطرفين وهو يختصّ عند الأصحاب بزمان الحضور، مع عدم بسطها ـ و قد عرفت إمكان تصويره في زمان الغيبة أيضاً كما تقدّم ـ وقاض مأذون من جانبهم ومنصوب عنهم بالنصب العام، لا الخاص ولأجل التفريق بين القسمين نسمّيه بالمأذون لابالمنصوب وإلاّ فالنصب ممّا لابدّ منه عموماً أو خصوصاً وما في المسالك: «وأمّا مع عدم تمكّن ذلك إمّا لغيبته أو لعدم بسط يده، فيسقط هذا الشرط من جملة الشرائط وهو نصب الإمام له» محمول على سقوط النصب الخاص لا العام وإلاّ فيفقد الولاية


1 ـ زين الدين: المسالك2/389ـ390.


(126)

كما سيوافيك توضيحه. وعلى كل تقدير يقع الكلام في جهات:

الجهة الأُولى: في نقل كلمات الأصحاب في نفوذ قضاء الفقيه

اتّفق الأصحاب على أنّه ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيتعليهم السَّلام الجامع للصفات المشروطة في الفتوى:

1ـ قال المحقّق: فمع عدم حضور الإمام ـ عليه السلام ـ ينفذ قضاء الفقيه من فقهاء أهل البيت الجامع للصفات المشترطة في الفتوى.(1)

2ـ قال ابن سعيد: فإن تنازع المؤمنون حال انقباض يد الإمام ـ عليه السلام ـ فالحاكم من روى حديثهم وعرف أحكامهم والرادّ عليه كالرادّ عليهم.(2)

3ـ قال العلاّمة في الإرشاد:وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه من علماء الإمامية الجامع لشرائط الفتوى.(3)

4ـ قال في القواعد: وفي حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء.(4)

5ـ قال الشهيد في الدروس: وفي غيبة الإمام ينفذ قضاء الفقيه الجامع للشرائط.(5)

6ـ قال الشهيد الثاني: وينفذ عندنا قضاء الفقيه العدل الإمامي الجامع لباقي الشرائط وإن لم يتراض الخصمان.(6)

7ـ قال المحقّق الأردبيلي معلِّقاً على قول العلاّمة في الإرشاد: دليله كأنّه الإجماع والأخبار المتقدّمة الدالّة على جعله العالمَ بالأحكام قاضياً وحاكماً وأنّ


1 ـ نجم الدين الحلّي:الشرائع 4/68.
2 ـ ابن سعيد الحلّي: الجامع للشرائع531.
3 ـ العلاّمة: إرشاد الأذهان.:2/138.
4 ـ مفتاح الكرامة ، قسم المتن ج10/3.
5 ـ مكي العاملي: الدروس 2/67.
6 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/390.


(127)

خلافه لايجوز بل الرادّ عليه هو الرادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله وإن لم يكن سندها معتبراً على ما عرفت إلاّ أنّ مضمونها موافق للعقل وكلامهم وقواعدهم المقرّرة.(1)

الجهة الثانية: في إغناء الإذن عن النصب

التصفح في كلمات الأصحاب يعرب عن اتّفاقهم على إغناء الإذن العام عن النصب قال الشهيد الثاني: أمّا مع عدم ذلك (التمكّن من الإمام) إمّا لغيبته أو لعدم بسط يده فيسقط هذا الشرط من جملة الشرائط وهو نصب الإمام له.(2)

وقال المحقق الأردبيلي عند البحث في روايات المقام:لعلّهم خصّوا بحال الغيبة وعدم إمكان النصب و الإذن للإجماع و نحوه.(3)

أقول: مرادهم من الغناء عن النصب ، نصب الإمام المعصوم وذلك لعدم التمكّن ولكن لايستلزم ذلك، الغنى عن النصب مطلقاً ولو عن جانب الحاكم الأعلى إذا قامت دولة حقّ للإسلام يرأسها فقيه جامع للشرائط، فإنّ صيانة النظام عن تسرّب الفوضى يقتضي توقف النفوذ على نصب الحاكم الأعلى وذلك لالعدم المقتضي، بل لرعاية المصالح الملزمة.

الجهة الثالثة: في سعة نفوذ قضائه

لاشكّ في نفوذ قضاء الفقيه في الجملة، وإنّما الكلام في سعة نفوذه فيظهر منهم أنّه نافذ حتى في الموارد التالية:

1ـ ينفذ حكمه على مجتهد آخر يخالفه في الرأي.


1 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة 12/18.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/390.
3 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة12/18.


(128)

2ـ ينفذ حكمه على مقلد مجتهد آخر يخالفه في الرأي.

3ـ لايجوز نقض حكمه بحكم آخر إلاّ إذا علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع بأن كان مخالفاً للإجماع المحقّق أو الخبر المتواتر أو تبيّن تقصيره في الاجتهاد، ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز نقضه و إن كان مخالفاً لدليل قطعي نظري كإجماع استنباطي أو خبر محفوف بقرائن وأمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأوّل أخذاً بإطلاق عدم جواز ردّ حكم الحاكم الذي منه نقضه إلاّ إذا حصل القطع بكونه على خلاف الواقع فلايكفي في جواز النقض كون الدليل علمياً لبعض دون بعض.(1)

4ـ لايجوز نقض الحكم بالفتوى المخالف.

5ـ يجوز نقض الفتوى بالحكم في مورد ذلك الحكم مثلاً إذا ترافع شخصان على بيع شيء من المائعات وقد لاقى عرق الجنب من حرام مثلاً عند من يرى طهارته فحكم بذلك كان محكوماً بالطهارة للمحكوم عليه وإن كان مجتهداً يرى نجاسته أو مقلّد مجتهد كذلك، لإطلاق دليل ما دلّ على وجوب قبول حكمه وأنّه حكمه والرادّ عليه كالرادّ عليهم ويخرج حينئذ هذا الجزئي من كل الفتوى بأنّ المائع الملاقي عرق الجنب عن حرام، نجس في حقّ ذلك المجتهد ومقلّدته وكذا البيوع والأنكحة والطلاق والوقوف وغيرها وهذا معنى وجوب تنفيذ الحاكم الثاني ما حكم به الأوّل وإن خالف رأيه مالم يعلم بطلانه.(2)

وبما أنّ المحقّق وشرّاح الشرائع بحثوا عن هذه الأحكام بعد الفراغ عن صفات القاضي وآدابه، في ضمن المسألة الثالثة، فنحن أيضاً نقتفي أثرهم فانتظر.


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/26.
2 ـ النجفي: الجواهر 40/98 ووافقه السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة :2/27، المسألة 35، ولاحظ العروة الوثقى قسم التقليد، المسألة 55، فقد أفتى فيها السيد بفساد المعاملة من رأس، وهو ينافي مع ما ذكره في المقام وسيوافيك تفصيله في محلّه.


(129)

الجهة الرابعة: في حرمة الترافع إلى حكّام الجور

يحرم الرجوع إلى حكّام الجور إجمالاً و إليك كلمات الفقهاء:

1ـ قال المحقّق : ولو عدل إلى قضاة الجور والحال هذه كان مخطئاً.(1)

2ـ قال أبو سعيد: ولايجوز الترافع إلاّ إلى الإمام أو نائبه، ومن أذن له.(2)

3ـ قال العلاّمة: ومن عدل عنه إلى قضاة الجور كان عاصياً.(3)

4ـ قال الشهيد الثاني ـ بعد نقل رواية أبي خديجة والمقبولة:ـ وقد ظهر منها الحكم بتخطئة التحاكم إلى أهل الجور.(4)

5ـ قال المحقّق الرشتي: لايجوز الترافع والتحاكم إلى حكّام الجور في حال الاختيار أي مع إمكان الرجوع إلى حكّامنا بالأدلّة الأربعة.(5)

6ـ قال السيّد الطباطبائي : لايجوز الترافع إلى قضاة الجور اختياراً ولا يحلّ ما أخذه بحكمهم إذا لم يعلم بكونه محقّاً إلاّ من طرف حكمهم.(6)

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في الكتب الفقهية في عنوان المسألة ويدل على التحريم: الكتاب والسنّة والعقل.

أمّا الكتاب فقوله سبحانه: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُروا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً». (النساء/60). وروى المفسرّون أنّه كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: أُحاكم إلى


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/68.
2 ـ أبو سعيد الحلي: الجامع للشرائع530.
3 ـ العلاّمة:الايضاح4/294، قسم المتن.
4 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/390.
5 ـ الرشتي: القضاء:14.
6 ـ السيد الطباطبائي: ملحقات العروة2/9.


(130)

محمّد لأنّه علم أنّه لايقبل الرشوة ولايجور في الحكم فقال المنافق: لا! بل بيني وبينك كعب بن الأشرف لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة.(1) ومورد الآية و إن كان هو اليهود لكن المتفاهم هو كل من يحكم بغير الحقّ .قال الطبرسي: والطاغوت يوصف به أيضاً كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله، وصريح الآية أنّه لايجتمع الإيمان بما أنزل الله إلى نبيّه والأنبياء السالفين، مع التحاكم إلى الطاغوت ، بل لايجتمع زعم الإيمان بالله مع إرادة التحاكم إليه، فإذا لم يجتمع زعم الإيمان معه، فكيف يجتمع الإيمان مع الرجوع، وذكر زعم الإيمان دون الإيمان نفسه لأجل الإيعاز إلى نفاقه.

وأمّا من السنّة فيكفي في ذلك، ما في المقبولة:«من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى طاغوت وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به».(2) أضف إلى ذلك رواية أبي خديجة (3) وصحيح الحلبي(4) وروايتي أبي بصير (5)و (6)وداود بن الحصين (7) وخبر موسى بن أكيل النميري (8) التي تقدمت وغير ذلك من الروايات الواردة في المقام.

وأمّا من العقل، فإنّ حكم الجائر بينهما حرام والترافع إليه يقتضي ذلك فيكون اعانة على الإثم وهي منهيّ عنها.

وأورد عليه في الجواهر: بمنع الصغرى أوّلاً ومنع حرمة الكبرى ثانياً (9)

أقول: إنّ المستدل تارة يستدلّ بحكم العقل على حرمة مقدّمة الحرام ، وأُخرى بما دلّ على حرمة التعاون على الإثم والعدوان وإن كان ظاهر كلامه هو الثاني، فعلى الأوّل لاوجه للشك في كونه مقدّمة للحرام، وأمّا الكبرى فلو قلنا


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان 2/66.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
6 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4، 5، 8، 2، 3.
7 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، 45.
8 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 20، 45.
9 ـ الاستدلال من المحقق السبزواري نقله في الجواهر40/35 وأورد عليه بما عرفت.


(131)

بحرمة مطلق المقدّمة أو الجزء الأخير منها فهو حرام أيضاً لأنّ المقصود من الترافع ليس مجرّد الرجوع إلى محكمته، بل طرح الدعوى بالإتيان بالشاهد أو تحليف المنكر ولاشكّ أنّه الجزء الأخير من مقدّمات الأمر المحرّم أعني :حكم الجائر.

وعلى الثاني فلمنع كل من الصغرى والكبرى وجه وإن كان غير مرضيّ عندنا أمّا منع الصغرى فلأنّ المحرم حسب ظاهر الآية، هو المعاونة القائمة بالطرفين، لا الإعانة القائمة بالطرف الواحد كما في المقام أمّا منع الكبرى فلاحتمال كون النهي تنزيهياً، كالأمر الوارد في عدله أعني :«وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَ التَّقْوى» (المائدة/2).

يلاحظ على الأوّل:أنّ التعاون كما يصدق في مورد الاجتماع على الإتيان بالإثم والعدوان كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال كذلك يصدق إذا قام واحد بالعمل مستقلاً وأعان آخرون عليه والحاصل أنّه يصدق فيما اشتركوا في الإتيان بالمحرّم وفيما إذا اشتغل واحد، وأعان الآخر عليه، قال في اللسان:«تعاونا: أعان بعض بعضاً»(1)

والذي يدلّ على ذلك أنّ أمين الإسلام فسّره بنحو عام وقال:أمر الله عباده بأن يعيّن بعضهم بعضاً ، على البرّ والتقوى أو هو العمل بما أمرهم الله تعالى به، واتقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يعين بعضهم بعضاً على الإثم وهو ترك ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان وهو تجاوز ما حد الله لعباده في دينهم وفرض لهم في أنفسهم.(2)

ويلاحظ على الثاني: بأنّ الموضوع لايناسب كون النهي تنزيهياً وهو التعاون على الإثم والعدوان وعندئذ لايكون الصدر قرينة على الذيل.

إلى هنا تمّ بيان ما دلّ على حرمة الترافع إلى قضاة الجور، غير أنّ للمسألة صوراً فيقع الكلام في كون الحكم عاماً لجميع الصور أمكن الرجوع إلى الفقيه


1 ـ ابن منظور: لسان العرب:13/ 299.
2 ـ الطبرسي: مجمع البيان: 2/155ط صيدا.


(132)

الإمامي أو لا. وأيضاً إذا ترافع إليهم ، هل يكون ما يأخذه بحكمه حراماً وسحتاً من غير فرق بين الدين أو عين ماله . أو يفرق بينها؟ ولأجل إيضاح الحال نقول:

إنّه تارة يتمكّن من استيفاء حقّه من الرجوع إلى الفقيه الإمامي وأُخرى لايتمكّن من ذلك، وعلى كل تقدير تارة يكون محقّاً قبل الترافع وأُخرى يكون محقّاً بالترافع، وعلى جميع التقادير، فتارة يكون المأخوذ بحكمهم، هو عين ماله الذي كان استولى عليه الطرف، وأُخرى يكون دينه الذي كان عليه ويتشخص بالترافع والقضاء عليه. هذه هي الصور المطروحة ونبحث عن الجميع في ضمن صور أربع:

الأُولى: إذا تمكّن من استيفاء حقّه بالرجوع إلى الفقيه الإمامي وكان محقّاً قبل الترافع، عالماً بأنّ العين الفلاني الذي في يد المدّعى عليه ماله، أو أنّ له مالاً في ذمّته فلاشكّ أنّ الرجوع إليهم حرام للأدلة السابقة، والمأخوذ بحكمه حرام أيضاً، كيف وقد أسماه الإمام سحتاً؟ فقال: وما يحكم له فإنّما يأخذه سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله أن يكفر به.(1)

واحتمال اختصاص الرواية بما إذا ثبت كونه محقّاً بالترافع، لامن كان محقّاً قبله يردّه ظهور الرواية في كونه محقاً قبله قال:«وإن كان حقّه ثابتا لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» أضف إليه عموم التعليل أعني قوله:«لأنّه أخذه بحكم الطاغوت» من غير فرق بين كونه محقّاً قبله أو بعده.

هذا مما لاينبغي الشكّ فيه إنّما الكلام في سعة الحكم للعين والدين فهل الحكم عام أو يختصّ بالثاني ؟قولان مبنيّان على أنّ السحت هل هو مطلق الحرام، سواء كان مال الغير أو لا، أو هو مال الغير الحرام، بحيث يعدُّ كونه مال الغير مقوّماً له؟ وقد اختار المحقّق الرشتي القول الثاني ولم يذكر له دليلاً (2)، ويمكن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 4.
2 ـ كتاب القضاء:65.


(133)

استظهاره من الكتاب وكلمات اللغويين أمّا الكتاب فقد استعمله في خصوص الرشوة . قال سبحانه :«سمّاعُونَ للكذبِ أكّالُونَ للسُّحت»(المائدة/42) ، وقال تعالى:«لَولا يَنهاهُمُ الرّبّانيُّونَ والأحبارُ عن قولهِمُ الإثمَ وأكلهِمُ السُّحت»(المائدة/63) وفسر في كلا الموردين بالرشوة(1) وأمّا اللغة فقد فسّروه بثمن الكلب والخمر والخنزير والرشوة وفي حديث ابن رواحة أنّ اليهود لما أرادوا أن يرشوه قال: أتطعموني السحت أي الحرام سمّي الرشوة في الحكم سحتاً وفي الحديث: يأتي زمان يستحلّ فيه كذا وكذا، والسحت : الهدية أي الرشوة في الحكم والشهادة ونحوهما.(2)

ويؤيده أنّ حرمة مال الإنسان لمالكه على خلاف الأصل لايصار إليه إلاّ لوجه، ككونه رهناً، أو كون المالك قاصراً كالسفيه أو مفلَّساً متعلّقاً ماله لحقوق الغرماء وأمّا المقام فليس هنا قصور لافي العين ولا في المالك، فلاوجه لكون التصرّف فيه حراماً وسحتاً وإن كان أصل الترافع أمراً محظوراً ولايقاس بالدين، لأنّ كون ماله عوضاً عن الدين، يتوقف على الولاية أو الرضا به، والقاضي لاولاية له، وهو أيضاً غير راض، بخلاف العين فهي باقية على ملك المالك.

ويمكن أن يستظهر القول الأوّل بوجهين:

1ـ بما ورد في صدره من منازعة في دين أو ميراث، والثاني يراد منه ما يقابل الدين.

2ـ الأخذ بعموم التعليل، وهو: لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وقد امروا أن يكفروا به .

يلاحظ على الأوّل: أنّ الميراث، يكون مشاعاً غالباً ، فاختصاص واحد من الورثة به، يتوقّف على الولاية أو الرضا وكلاهما مفقودان ويكون حكمه حكم


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان: 2/196و 217 ط صيدا.
2 ـ لسان العرب،2/41; النهاية2/340; تاج العروس550.


(134)

الدين.

وعلى الثاني: أ نّه لايعدو عن كونه إشعاراً ولعلّ المراد أنّه تملّك بحكم الطاغوت ، لامطلق الأخذ، فيكون مختصّاً بالدين لا الأعم.

ثمّ إنّ المراد من ثبوت كونه محقّاً قبل الترافع، أعم من كون الحقّ معلوماً واقعاً، كما إذا استولى المنكر على ماله، أو استقرضه ثم انكر المديون، أو معلوماً في ظاهر الشرع كما إذا شهدت البيّنة بأنّ أباه، كان له على فلان كذا وكذا، أو كان مقتضى فتوى مقلّده كونه ذا حقّ وأمّا مع عدم العلم واقعاً ولاظاهراً، ولكن لما رفع الترافع إلى حاكم الجور، فقد قضى له. وهذا، هو الصورة التالية.

الصورة الثانية: إذا أمكن الترافع لدى حكّام العدل وكان هناك نزاع بينه وبين شخص من أبناء جلدته ولم يكن الحق متبيّناً قبل الترافع وإنّما صار محقّاً بقضاء قاضي الجور، فالترافع إليه حرام أوّلاً، وهو الفرد الأجلى للروايات السابقة، ويحرم عليه الأخذ عيناً وديناً. ثانياً، لعدم الاعتداد بقضاء أهل الجور، فلايثبت به كونه مالكاً للعين، والدين فضلاً عن تشخّصه بحكمه في مال معين.

الصورة الثالثة: إذا علم كونه محقّاً قبل الترافع وعالماً بأحد الأنحاء المذكورة أنّه مالك للعين أو الدين في ذمّته غير أنّه توقف استيفاء حقّه المعلوم واقعاً على الترافع إلى غير الأهل من قضاة الجور إمّا لعدم رضى الطرف المقابل إلاّ بالترافع إلى غير الأهل من قضاة الجور، أو لعدم وجود الحاكم الشرعي، أو لعدم إمكان إثبات الحقّ عنده أو لعدم نفاذ قضائه .فالظاهر جوازه لانصراف الأخبار عن هذه الصورة، بشهادة أنّها تأمر بالتراضي على الرجوع إلى من له شرائط القضاء من الشيعة ومعناه إمكان الرجوع إلى الأهل وفيحلّ ما يأخذه عيناً أو ديناً أمّا العين فقد علمت حالها وأمّا الدين فلسقوط شرطية رضائه بإبائه وعدم وجود طريق آخر للاستنقاذ .

وأقصى ما يمكن أن يقال: أنّه إعانة على الإثم، ولكن إطلاقها مخصّصة


(135)

بنفي الضرر والضرار ويمكن الاستدلال بصحيح علي بن مهزيار عن علي بن محمّدعليمها السَّلام سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم؟ فكتب ـ عليه السلام ـ : «يجوز ذلك إن شاء الله إذا كان مذهبكم فيه التقيّة منهم والمداراة لهم».(1)

إذ بناء على ما احتمله الفيض في الوافي من «أنّه يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضائهم كما يأخذون منّا بحكم قضائهم يعني إذا اضطرّ إليه كما إذا قدّمه الخصم إليهم» (2) يكون دليلاً على جواز الترافع عند الاضطرار.

وحمله في الجواهر على أنّ المراد المعاملة معهم كمعاملتهم معنا في مثل الشفعة بالجوار، وتوريث العصبة(3) ونحو ذلك وعندئذ يخرج عن مورد الترافع ، ويكون من أدلّة قاعدة الإلزام،ولكن هذا المعنى لايلائم مع ما في كتاب أبي الأسد(4) فتعيّن الأوّل.

وأمّا خبر عطاء بن السائب عن علي بن الحسينعليمها السَّلام قال:«إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ولاتشهروا أنفسكم فتقتلوا وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم». ورواه في العلل إلاّ أنّه قال: وإن تعاملتم بأحكامهم.(5)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11، من أبواب آداب القاضي، الحديث 1، والمراد من علي بن محمّد هو الإمام الهادي، فما في الجواهر من قوله:«خبر علي بن محمّد» ليس في محلّه ، لإيهامه أنّ علي بن محمّد راو، أضف إليه أنّ الشيخ رواه في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن عيسى وسنده إليه صحيح كما نصّ به الأردبيلي في جامع الرواة2/469.
2 ـ الفيض: الوافي:
3 ـ النجفي: الجواهر40/35.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب11، من أبواب آداب القاضي، الحديث 2، وفي الجواهر المطبوع: فامضوا مكان «فاقضوا» ، الجواهر40/36. و في السند صالح بن عقبة وعطاء وكلاهما لم يوثقا، نعم عمرو بن أبي المقدام ضعّفه الغضائري في أحد كتابيه ووثّقه في كتابه الآخر، كما نقله العلاّمة في الخلاصة، وروى الكشي في رجاله مدحاً له.


(136)

ولعلّه يهدف إلى جواز العمل بأحكامهم تقيّة كتعيين أوّل الشهر صياماًوإفطاراً وعند ذلك لاتكون له صلة بباب القضاء خصوصاً على ما رواه في الجواهر «فامضوا» مكان «فاقضوا».

وأولى بالصّحة إذا كان الخصم من أهل الخلاف.

فإن قلت: جواز التصرّف في العين لاغبار عليه إنّما الكلام في جواز التصرّف في عوض الدين إذ كيف يتشخّص له مع عدم الولاية للقاضي، والرضا للمنكر.

قلت: تسقط شرطية رضاءه في المقام لأجل إبائه وعدم طريق آخر للاستيفاء ، فليس لحكم قاضي الجور دور سوى إعطاء القدرة الرسمية لإعادة عينه إلى سيطرته، واستيفاء دينه المسلّم .

الصورة الرابعة: نفس الصورة الثالثة، لكن لم يتبيّن كونه محقّاً إلاّ بالترافع إليهم، فالترافع إليهم وإن كان جائزاً لانصراف الأدلّة عن صورة الاضطرار لكن لايصحّ الأخذ بحكمهم لعدم العلم بكونه مالكاً للعين أو الدين، ولاقيمة لقضاء قاضي الجور عندئذ فيصبح كالعدم إلاّ إذا كان الخصم مخالفاً أخذاً بقاعدة الإلزام بشرط أن لايعلم باستحقاقه وإلاّ فيحرم كما هو مفاد رواية أبي الأسد.

الصورة الخامسة : إذا استعان بظالم من دون أن يكون حاكم جور أو قاضيه في استيفاء حقّه فإن لم يتبيّن له كونه محقّاً، فيحرم الرجوع ولايملك ما أخذه من العين والدين لعدم ثبوت كونه مالكاً لها.

إنّما الكلام فيما إذا كان محقّاً، فإن أمكن استيفاء حقّه بالرجوع إلى حاكم العدل، فالرجوع إليه حرام لكونه ركوناً إلى الظالم وقد قال سبحانه:«وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّار»(هود/113).فان استعان والحال هذه يجوز له التصرّف في العين دون عوض الدين وإن لم يمكن الاستيفاء به، وانحصر الطريق بالاستمداد من الظالم فالظاهر جواز الرجوع، لقاعدة لاضرر وجواز التصرّف في العين ، وعوض الدين كما عرفت في الصورة الثالثة.


(137)

المسألة الثانية (1) وفيها فروع

1ـ تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه.

2ـ ربّما وجب ويكون واجباً على الكفاية. وقد تقدّم الكلام في هذين الفرعين.

3ـ إذاعلم الإمام ـ عليه السلام ـ أنّ بلداً خال من قاض لزمه أن يبعث له ويأثم أهل البلد بالاتّفاق على منعه ويحلّ قتالهم طلباً للإجابة.(2)

ولابدّ من تقييد اللزوم بوجود الحاجة إلى القاضي. و أمّا وجوب البعث فإنَّ نصب القاضي من شؤون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّ مفاده يختلف بالنسبة إلى العامي والحاكم الإسلامي المقتدر فإنّ مفاده بالنسبة إلى الأوّل ليس إلاّ دعوة الناس بما يقتضيه تكليفهم، كما إذا كذب إنسان أو اغتاب فيلزم نهيه عن ذلك لاعتراف الآمر والمأمور بحرمة الكذب والغيبة، ولايعمّ المعروف والمنكر الثابتين بالقضاء لأنّهما بالنسبة إلى أدلّة الأمر بالمعروف، من قبيل الموضوع الجديد، والحكم لايثبت موضوعه، وإنّما يتوجّه إلى الموضوع المحرز قبل الحكم.

هذا كلّه في العامي، وأمّا الحاكم الإسلامي، المقتدر، فلايشترط في حقّه العلم التفصيلي بالموضوع قبل التمسّك بأدلّة الأمر بالمعروف بل يكفي العلم الإجمالي بوجود معروف متروك، ومنكر معمول، فهذا المقدار من العلم الإجمالي، يكفيه في إحراز الموضوع، ويصحّ التمسك عندئذ بمادلّ على لزوم الأمر بالمعروف، ومن توابعه، نصب القاضي لكونه من مبادئ الأمر بالمعروف أو نفسه بمعنى، ولأجل ذلك قال المحققّ:«لزم أن يبعث له».

وأمّا حليّة قتال المخالفين عن دخول البلد، أو قضاءه فلأنّه قيام على ضدّ


1 ـ مرّت المسألة الأُولى ص 109.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/68.


(138)

الحكومة الإسلامية المحلّ للقتال إلى حدّ الاستسلام.

4ـ لزوم التصدي للقضاء وشقوقه

قد عرفت أنّ القضاء واجب كفائي ومعناه وجوبه على الكل غير أنّه يسقط بقيام البعض. وإذا كان القادر بالإتيان واحداً يتعيّن الأمر عليه وهنا صور وشقوق و أقسام أشار إليها الشيخ في الخلاف، والمحقّق في الشرائع، وفصّلها الشهيد الثاني في المسالك وتبعهم صاحب الجواهر ونحن نذكر أكثر الأقسام.

الف: إذا كان هناك جماعة يعلمون القضاء على حدّ واحد، فعيّن الإمام واحداً منهم فولاّه قال الشيخ في الخلاف:«لم يكن له الامتناع من قبوله، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه. والآخر يجوز له الامتناع لأنّه من فروض الكفاية ثمّ استدل الشيخ على فتواه بأنّ الإمام معصوم عندنا فإذا أمر بأمر لايجوز خلافه لأنّ ذلك معصية واثم يستحق فاعلها الإثم والعقاب».(1)

يلاحظ عليه: بأنّه لو تمّ الفرض، لايختصّ الحكم بالإمام المعصوم، بل يعمّ الحاكم الإسلامي الأعلى الذي بيده رتق الأُمور وفتقها، وقدعرفت لزوم النصب عند قيام دولة إسلامية يرأسها فقيه جامع للشرائط فإذا نصب يكون لازماً على المنصوب امتثال أمره.

وأورد عليه المحقّق بنفي الصغرى وأنّ الإمام بعد تساوي الأفراد في القضاء لايأمر بواحد معيّناً فإنّه من قبيل إلزام ما ليس بلازم.(2)

ولايخفى أنّ تعدّد القابل للقضاء وصلاحية المتعدّد له، لاينفي ،تعيين فرد خاصّ على القضاء فإنّه ربّما يكون في بعض الأفراد مزية، غير ملزمة ككونه صاحب عشيرة في المنطقة أو عارفاً بلسان أهلها غير محتاج إلى المترجم أو غير


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 2.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/68ـ69.


(139)

ذلك من المرجّحات غير الملزمة، وهذا وأمثاله ، ربّما يبعث الإمام لأن يعين ذاك الفرد دون الآخر، وإن كان الجميع صالحين للقضاء وعارفين له.

ب : إذا كان العارف به واحداً فقط وعيّنه الإمام ، فيجب عليه وينقلب الوجوب الكفائي إلى العيني. ودليل الحكمين في هذه الشق وما قبله وما يأتي ـ إذا كان المعيّن معصوماً ـ قوله سبحانه:«وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً»(الأحزاب/36) وقال سبحانه:«أَطِيَعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الأَمْرِ مِنْكُمْ»(النساء/59). وأمّا إذا كان فقيهاً جامعاً للشرائط، فدليل الحكمين هو وجوب نفاذ حكمه وعموم ولايته بالنسبة إلى هذه الموارد. ثمّ إنّ الفرد المعيّن بالامتناع عن الإجابة يفقد شرط القضاء وهو العدالة ولكن لايسقط الحكم لتمكّنه من تحصيل الشرط (العدالة ) بالتوبة كما لايخفى.

ج: إذا انحصر العلم بالقضاء في واحد ولم يعلم به الإمام ـ لو صحّ الفرض في الإمام المعصوم ـ أو الحاكم الإسلامي، يجب على الواجد، إعلام الإمام نفسه ولكن إثباته بالموازين مشكل، لعدم وجوب القضاء عليه، إلاّ بالنصب والمفروض أنّه غيرمنصوب، فكيف تجب مقدّمته أعني: التعريف بنفسه عند الإمام ولامحيص عن القول بوجود العلم بالملاك وإن لم يكن هناك علم بالخطاب، كما إذا غرق ابن المولى في الماء وكان المولى غافلاً والعبد ملتفتاً إليه فيكفي في الذم والعقاب العلم بالملاك ، وقد صحح الأُصوليون موارد عن هذا الطريق منها : الإتيان بالمهمّ مع وجود الأهم بناء على بطلان الترتّب وعدم الأمر بالمهم كما هو واضح.

د: تلك الصورة ولكن تعدّد القابل والقائم بمهمّة القضاء، فيجب على الكل الإعلام كفاية، ويسقط بإعلام واحد منهم شأن كل واجب كفائي.

هـ : إذا تعدّد القابلون وطلب الإمام واحداً منهم لاعلى التعيين تجب التلبية على الكل، وتسقط بتلبية واحد منهم وإلاّ أثم الجميع .


(140)

إلى غير ذلك من الصور المذكورة في المسالك فلاحظ.

5ـ في بذل المال لتصدّي القضاء

إذا كان التصدّي للقضاء من جانب الجائر أمراً راجحاً، موجباً لرفع الظلم وإجراء العدل والحقّ، يكون بذل المال جائزاً للنصب والبقاء بل لأجل عزل القاضي الجائر وإن كان الأخذ للظالم حراماً إنّما الكلام إذا كان التصدّي من جانب الحاكم العادل ، فلايجوز أخذ المال، ولا دفعه إلى بيت المال، ولأجل عدم الجدوى في المسألة، أعرض عن شرحها، صاحب الجواهر.

المسألة الثالثة:
في تولية المفضول مع وجود الفاضل

و هنا جهات من البحث:

الأُولى: في تعيين محلّ النزاع.

فنقول: إنّ لتولية المفضول مع وجود الفاضل مجالات:

تارة يبحث عنها في باب الإمامة الكبرى والنيابة عنالرسولصلَّى الله عليه و آله و سلَّم، فقد اتفقت كلمة الشيعة على قبحها وعدم صحّتها، و أُخرى في باب التقليد وأخذ الأحكام فالمشهور عندهم هو لزوم الرجوع إلى الفاضل دون المفضول مطلقاً، أو في موارد الاختلاف، وثالثـة في كتاب القضاء وأنّه هل يجوز تصدّي المفضول لمهمّة القضاء مع وجود الفاضل مع استكمال الشرائط المعتبرة فيها أو لا؟ وهو المقصود هنا. وله شقوق:

الف: هل يجوز للإمام المعصوم أن ينصب المفضول مع وجود الأفضل؟


(141)

قال المحقّق: الوجه الجواز لأنّ خلله ينجبر بنظر الإمام ـ عليه السلام ـ . ولايخفى أنّ الإمام أعرف بواجبه، فلاجدوى للبحث، أضف إليه، أنّ خلله إنّما ينجبر إذا كان للإمام إشراف على قضائه، كما كان لعليـعليهالسلامـ إشراف على قضاء شريح لاما إذا كان بعيداً عنه.

ب: إذا كان هنا علماء موصوفون بصفات المفتي والقاضي وفيهم من هو أعلم من غيره، فما هو وظيفة العامي في الرجوع إلى الترافع قبل أن يقلّد؟

إنّ وظيفة العامي في المقام نفس وظيفته في باب التقليد فيجب عليه قبل التقليد عقلاً، العمل بالاحتياط وتكون النتيجة هو تعيّن الرجوع إلى الأفضل، لدوران الأمر بين التعيين والتخيير، وأمّا إذا قلّد فيجب عليه أن يعمل بفتوى مقلَّده سواء قال بتعيّن الرجوع إلى الأفضل أوبالتخيير بينه وبين غيره.

ج: إذا كان علماء موصوفون بصفات الإفتاء والقضاء وفيهم من هو أعلم من غيره، وكانت مفاتيح الأمور بيد قضاة الجور، فهل لغير الأفضل تصدّي القضاء في زمان الغيبة أو لا؟ وبعبارة أخرى: هل يجوزللعامي الرجوع إلى غير الأفضل حسب الأدلّة الإجتهاديّة أولا؟

د: إذا قامت دولة اسلامية في عصر الغيبة يرأسها فقيه جامع للشرائط، فهل يتعيّن عليه نصب الأفضل مع وجود الفاضل، أو يتخير؟ وهذا هو الصالح للبحث عنه في المقام وإن كانت كلمات الأصحاب غير واضحة.

الجهة الثانية: ما هوملاك الأفضلية؟

ليس الملاك في المقام تفاضل أحد القاضيين على الآخر في الروحيات والملكات كالأعدلية، والأورعية، والهاشمية، لأنّ المطلوب في باب القضاء هو عدم التهجّم على المحارم ويكفي في تحققه كونه ورعاً وعدلاً، بل الملاك في المقام كون رأي أحدهما أقرب إلى الواقع، ولايتحقق ذلك إلاّ بالأعلمية والأفقهية وقد


(142)

نصّ بذلك صاحب الجواهر في آخر المسألة وقال: والظاهر أنّ المدار على الفضيلة في الفقه ولو باعتبار الفضيلة في المقدّمات على وجه يعدّ كونه أفقه ، أمّا مالامدخلية له فيه فلاعبرة به.(1)

نعم أفاد في صدر المسألة وقال:نعم مع تساويهما في العلم يقدّم الأعدل لكونه أرجح حينئذ فيكون الحاصل حينئذ ترجيح أعلم الورعين وأورع الورعين لقاعدة قبح ترجيح المرجوح على الراجح.(2)

إنّ طبع المسألة يقتضي انحصار ملاك التفاضل بالعلم والفقه فقط ولأجله لا يصح قوله في العبارة الثانية:«ترجيح أعلم الورعين» أمّا الترجيح بالأورعية مع التساوي في العلم فلم يدلّ عليه دليل ومسألة قبح ترجيح المرجوح على الراجح، ينتفي بوجود بعض المرجّحات في جانب المرجوح ككونه طليق اللسان، رحب الصدر، صحيح المزاج، عارفاً باللسان صاحب العشيرة الذي يهاب منه فلايتأمر على ضدّه ، وبالجملة المرجّحات التي توجب اختيار الورع على الأورع ، التي بها يدفع قبح الترجيح المذكور، كثيرة فلاتصل النوبة إلى ترجيح الأورع على الورع ترجيحاً واجباً لحفظ القاعدة العقلية.

الجهة الثالثة: في دراسة أدلّة الطرفين

استدل القائل بالترجيح بالوجوه التالية:

1ـ إنّ الظنّ الحاصل من قول الأفضل، أقوى من الظن الحاصل من قول غيره والأخذ بالظن الأرجح متعيّن.

يلاحظ عليه: بمنع الصغرى تارة وأنّه ربّمايكون الظن الحاصل من قول المفضول أقوى من غيره لمطابقته رأي من هو أعلم من ذلك الأفضل كما إذا طابق


1 ـ الجواهر: 40/46و 43.
2 ـ الجواهر: 40/46و 43.


(143)

قول الفاضل، رأي المحققّ، أو الشيخ الأنصاري، ومنع الكبرى أُخرى، إذ لادليل على لزوم الترجيح بهذا المقدار، بعد إطلاق الدليل على حجّية كل من الرأيين.

2ـ نصوص الترجيح خصوصاً مقبولة ابن حنظلة الحاكمة بالترجيح بالأفقهية بل بغيرها أيضاً.

يلاحظ عليه : أنّها أجنبية عن المقام ، لأنّه ورد الترجيح فيها فيما إذا ترافع كل إلى قاض خاصّ فحصل بينهما التعارض، ولم يكن حينئذ محيص من الرجوع إلى المرجح وأين هذا من لزوم الرجوع إلى المرجح ابتداءً؟

أضف إلى ذلك أنّ المنساق من المقبولة أنّه كان في وسع المترافعين الرجوع إلى كلّ واحد من المتفاضلين ، من غير فرق بين العالم والأعلم لكنّهما، ضيّقاالأمر على أنفسهما فرجع كل إلى قاض خاص، فلم يكن لهم حينئذ بدّ من إعمال المرجّحات فلزوم العمل بالمرجّح نشأ من عملهما ولم يكن هناك أيّ ملزِم له ، وعلى ذلك فالرواية على عكس المقصود أدلّ.

3ـ قول الإمام في عهده إلى واليه في مصر المعروف فقد جاء فيه: «ثمّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ أفْضَلَ رَعِيَّتِكَ في نَفْسِكَ، مِمّن لاتَضِيقُ بِهِ الامُورُ، ولا تُمَحِّكُهُ الخُصُومُ ، ولايَتَمادى في الزَّلَّةِ، ولايَحْصَرُ مِنَ الفَيْءِ إلَى الحَقِّ إذا عَرَفَهُ، ولا تُشْرِفُ نَفْسُهُ على طَمَع، ولايَكْتَفي بِأدْنى فَهْم دُونَ أقْصاهُ، وَ أَوْقَفَهُمْ في الشُّبَهاتِ، وَ آخَذَهُمْ بِالحُجَجِ، وَ أَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُراجَعَةِ الخَصْمِ، وَ أَصْبَرَهُمْ عَلى تَكَشُّفِ الأُمُورِ، وَ أَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لايَزْدَهيهِ إطْراءٌ، ولايَسْتَمِيلُهُ إغْراءٌ، وأولئِكَ قَلِيلٌ».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ورد فيه بين ما تجب رعايته وبين مالاتجب للإجماع على عدم اشتراطه كأوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج، فلايمكن الاستدلال به


1 ـ نهج البلاغة، قسم الرسائل، رقم 53.


(144)

على الوجوب.

4ـ ادعاء الإجماع على لزوم الترجيح نسب إلى المرتضى في الذريعة والمحقق الثاني في حواشيه على كتاب الجهاد من الشرائع.

قال المرتضى: وإن كان بعضهم عنده أعلم من بعض أو أورع وأدين فقد اختلفوا: فمنهم من جعله مخيّراً ، ومنهم من أوجب أن يستفتى المقدَّم في العلم والدين ، وهو أولى لأنّ التفقه هاهنا أقرب وأوكد.والأُصول كلها بذلك شاهدة.(1)

وليس في كلامه دعوى الإجماع والاتّفاق سوى قوله في الذيل: «الأُصول كلّها بذلك شاهدة» ولذلك صحّت تسميته إجماعاً فإنّما هو إجماع استنباطي من الاتّفاق على الأُصول، التي مورد البحث من صغرياتها. أضف إليه انّ كلامه راجع إلى باب الاستفتاء لا القضاء.

وأمّا المحقّق الثاني فليس في تعليقته على قواعد العلامة المعروف بجامع المقاصد دعوى الإجماع بل لم يذكر هذا الشرط لافي متن القواعد ولافي تعليقته وقد ذكر العلاّمة صفات المفتي بالنحو التالي: الإيمان والعدالة ومعرفة الأحكام بالدليل، والقدرة على استنباط المتجدّدات من الفروع من أُصولها. وليس في تعليقته سوى توضيح قوله:«ومعرفة الأحكام بالدليل»(2) وأمّا تعليقته على الشرائع فلم تحضرني حتى أُلاحظها.

استدل القائل بعدم الوجوب ببعض الوجوه أولاها جريان السيرة عليه، فقد نصب النبي الأكرم معاذاً للقضاء مع وجود عليّ ـ عليه السلام ـ وهو أقضى الأُمة إلاّ أن يقال بلزوم الترافع إلى الأعلم إذاكانا في بلد واحد لافي بلدين وقد كان علي في المدينة، ونصب معاذاً للقضاء في اليمن ومع ذلك كلّه لايمكن إنكار جريان السيرة على الرجوع إلى المجتهدين العظام في كل بلد، من دون أن يفرق بين الأعلم والعالم، وقد نصب الإمام الصادق أصحابه للقضاء حسب المقبولة. وفيهم زرارة ومحمّد بن مسلم وغيرهم. مع أنّ الأولين من أفقه أصحابه ـ عليه السلام ـ .

إلى هنا تبيّن موقف الأصحاب في المسألة ولنا في المقام تفصيل نأتي به.


1 ـ المرتضى: الذريعة2/801.
2 ـ المحقّق الكركي: جامع المقاصد 3/490.


(145)

التفصيل بين الشبهة الموضوعية والحكمية

قد تعرّفت على دليل المثبت والنافي ولكن الحقّ التفصيل بين كون مورد القضاء شبهة موضوعية التي يدور عليها رحى القضاء في تسعين بالمائة. وكونه شبهة حكمية، أمّا الأُولى، فالأقوى هو التخيير بين الأفضل والفاضل، إذ ليس للأفقهية تأثير فيها، فإنّ فصل الخصومة يتحقّق بالبيّنة والإحلاف على تفاصيلها، فلو أتى المدّعي بها يحكم له، وإلاّ حلف المنكر، ولونكل وقلنا بالقضاء به، يُقضى عليه، وإلاّ يرّد اليمين على المدّعي، وهذه سنّة متّبعة في فصل الخصومات في الشبهات الموضوعية، والأفضل والفاضل في مقابلها سواء وليس لكون أحدهما أقوى نظراً وأحسن استنباطاً تأثير في أصابة الواقع فعندئذ يسقط دليل القائل بلزوم الترجيح بكون الظنّ الحاصل من رأي الأفضل أقوى من غيره نعم لو علم الاختلاف بين الفاضل والمفضول وكان منشأ الاختلاف ناشئاً من اختلاف النظر كان للترجيح وجه ولكنّه قليل كالاختلاف بالقضاء بالنكول وعدمه وبالجملة: كلّ مورد لايكون للاجتهاد فيه مدخل، يسقط الترجيح ويكفي كون القاضي مجتهداً وأمّا المقبولة الدالّة على الترجيح بالأفقهية فلاصلة لها بالمقام لأنّ موردها هو الشبهة الحكمية كماسيأتي.

وأمّا إذا كان مورده هو الشبهة الحكمية فلمّا كان القضاء فيها مسبوقاً بالإفتاء فيها. ولولاه لما كان للقضاء أساس، فلو لم يعلم الاختلاف بين رأيهما فيها، جاز الرجوع إلى كلّ واحد، حسب ماعرفت في باب الاجتهاد والتقليد من جواز الرجوع إلى الأفضل والفاضل مالم يعلم الخلاف بين رأيهما، وأمّا إذا علم الاختلاف وكان


(146)

الاختلاف في مورد القضاء ناشئاً من الاختلاف في استنباط الحكم الشرعي ككون الحبوة للولد الأكبر أو لجميع الورثة ففي مثله لمّا كان فتوى الأفضل حجّة قطعاً، يكون قضاؤه مثل فتواه وأمّا الفاضل فلمّا كان رأيه في المسألة مشكوك الحجّية يتسرّب الشكّ إلى قضائه أيضاً فلايجوز الرجوع إليه مادام الحال كذلك.

ويؤيّد ذلك، أنّ الإمام أمر بالأخذ بالمرجّح عند ظهور الاختلاف في مورد الشكّ في الشبهة الحكمية حيث قال الراوي: «فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقّهما واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما».(1) فإذا كان مبدأ الاختلاف هو الاختلاف في الحديث، يكون المورد من قبيل الشبهة الحكمية. هذا هو المختار وهو متين وقد حكاه المحقّق الآشتياني عن شيخه العلاّمة الأنصاري ـ قدّس سرّهما ـ.(2)

ثمّ إنّ كون مصدر القضاء في الشبهات الحكمية مسبوقاً بالإفتاء وأنّ القاضي يفتي ثمّ يقضي به ربّما يفيد في المستقبل كنفوذ رأي القاضي في حقّ المجتهد الآخر ومقلّديه وعدمه إذا كانا مخالفين في تشخيص الحكم الشرعي. فانتظر.

المسألة الرابعة: في جواز الاستخلاف وعدمه

إنّ للمسألة صوراً أربع ذكرها المحقّق في الشرائع وإليك بيانها:

1ـ إذا أذن الإمام له في الاستخلاف جاز بلا إشكال.

2ـ لو منع عن الاستخلاف لم يجز لذلك.

3ـ لو ولاّه وأطلق التولية وكان هناك أمارة تدلّ على الإذن في الاستخلاف


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الآشتياني: القضاء:23.


(147)

مثل سعة الولاية التي لاتضبطها اليد الواحدة، جاز الاستنابة.

4ـ تلك الصورة ولم تكن فيها تلك الأمارة لم يجز.

هذا ما أفاده المحقّق ووجهه واضح ولكنّه إنّما يتمّ فيما إذا كان القضاء متوقّفاً على النصب كما في زمان الحضور مع بسط اليد أو زمان الغيبة مع قيام الدولة الإسلامية فبما أنّ القضاء في هذه الظروف فرع النصب فتأتي فيها تلك الصور الأربع.

وأمّا في غيرهما كزمان الحضور مع عدم البسط، أو زمان الغيبة مع كون مفاتيح القضاء بيد الجائر، وكان في خارج دائرة القضاء الرسمية، رجال صالحون للقضاء لاصلة لهم به ففي هذين الطرفين كل مجتهد قاض مأذون، غير محتاج إلى النصب فالنائب إذا كان مجتهداً، فهو مثل المستنيب وليس فرعاً له، وإن كان مقلّداً فلايصلح للقضاء حتى بالوكالة، كما مرّ.

نعم يجوز أخذ النائب في مقدّمات القضاء وتدوين الأقارير وجمع القرائن والشواهد ممّا يسهِّل الأمر على القاضي وليس ممنوعاً كما يأتي التصريح به.

وهنا أمر آخر، وهو إذا ولاّه الإمام أو من بيده زمام الأمر في الدولة الإسلامية وصار ذا ولاية، كالجدّ والأب، فلايتوقّف استخلافه على وجود أمارة تدلّ على الإذن فيه، لأنّ المفروض أنّه صاحب ولاية على القضاء يعمل كيف شاء نعم يتوقّف استخلافه على أمر آخر، وهو إحراز أنّ القضاء قابل للنيابة أولا، أوقابل للوكالة أو لا، وقد عرفت الكلام فيهما فيما سبق فلانعيد.

المسألة الخامسة: في ارتزاق القاضي من بيت المال

لاشك أنّ القاضي كسائر الناس ، يتوقف قضاؤه على حياته، وهي رهن وجود معيشة ماليّة يسدّ بها عيلته ولولاه لما توفّق للقضاء فتارة يرتزق من ماله


(148)

الشخصي، وأُخرى من بيت المال وثالثة بأُجرة يدفعها أهل البلد للإقامة والقضاء فيه ورابعة بالجعل على المتحاكمين وخامسة بالجعل على المدّعي إلى غير ذلك ممّا تقضى به حاجته، ويدوم عيشه. والذي نركز عليه في المقام هو أمران:

1ـ ارتزاقه من بيت المال.

2ـ ارتزاقه من طريق الجعل على المتحاكمين

وأمّا البحث عن الرشوة والهدية فقد فرغنا عن بيان حكمهما عند البحث في المكاسب المحرّمة لكن نعيد إليهما في المستقبل فيقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: الارتزاق من بيت المال

هل يجوز له الارتزاق من بيت المال مطلقاً، أو لايجوز مطلقاً، أو فيه التفصيل؟ وجوه: ذهب الشيخ الطوسي إلى القول بالجواز في النهاية، ويظهر أيضاً من الخلاف ونقل أبو قدامة القول بالمنع مطلقاً، عن بعض التابعين والفقهاء ولعلّهم أرادوا الكراهة. واختار القول الثالث، الشيخ في المبسوط، والمحقّق في الشرائع والعلاّمة في القواعد. وإليك بعض نصوصهم في المقام.

1ـ قال الشيخ في النهاية:ومتى تولّى شيئاً من أُمور السلطان من الإمارة، والجباية والقضاء وغير ذلك من أنواع الولايات، فلابأس أن يقبل على ذلك الارتزاق والجوائز والصلات، فإن كان ذلك من جهة سلطان عادل كان ذلك حلالاً له طلقاً، وإن كان من جهة سلطان الجور، فقد رخّص له في قبول ذلك من جهتهم لأنّ له حظّاً من بيت المال.(1)

2ـ وقال في الخلاف:ليس للحاكم أن يأخذ الأُجرة على الحكم من الخصمين ولامن أحدهما سواء كان له رزق من


1 ـ الطوسي: النهاية، كتاب المكاسب:357.


(149)

بيت المال أو لم يكن وقال الشافعي:إن كان له رزق من بيت المال لم يجز كما قلناه وإن لم يكن له رزق من بيت المال جاز له أخذ الأُجرة على ذلك.(1)

3ـ وقال في المبسوط: وأمّا من يحلّ له أخذ الرزق عليه ومن لايحلّ فجملته: أنّ القاضي لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون ممّن تعيّن عليه القضاء أو لم يتعيّن. فإن لم يتعيّن عليه، لايخل من أحد أمرين: إمّا أن تكون له كفاية أو لاكفاية فإن لم يكن له كفاية جاز له أخذ الرزق وإن كانت له كفاية فالمستحب أن لايأخذ فإن أخذ جاز. ولم يحرم عليه بل كان مباحاً، وجواز إعطاء الرزق للقضاء إجماع، ولأنّ بيت المال للمصالح وهذا منها بل أكثرها حاجة إليه. لما فيه من قطع الخصومات واستبقاء الحقوق ونصرة المظلوم ومع الظالم.

وإذا تعيّن عليه، فقد فصّل بين من له كفاية ومن ليس له، فيحرم في الأوّل لأنّه يؤدي فرضاً تعيّن عليه، ومن أدّى فرضا لم يحلّ له أخذ الرزق عليه مع الاستغناء عنه دون الثاني لأنّ عليه فرض النفقة على عياله وفرضاً آخروهو القضاء وإذا أخذ الرزق جمع بين الفرضين.(2)

4ـ وقال المحقّق: إذا ولِّي من لايتعيّن عليه القضاء، فإن كان له كفاية من ماله، فالأفضل أن لايطلب الرزق من بيت المال ولو طلب جاز لأنّه من المصالح، وإن تعيّن للقضاء ولم يكن له كفاية، جاز له أخذ الرزق وإن كان له كفاية، قيل: لايجوز له أخذ الرزق لأنّه يؤدي فرضاً. (3)

5ـ وقال العلامة في القواعد: وإذا ولّي من لايتعيّن عليه فالأفضل ترك الرزق له من بيت المال إن كان ذا كفاية ويسوغ له لأنّه من المصالح، وكذا يجوز له إذاتعيّن ولم يكن ذا كفاية، ولو كان ذا كفاية لم يجز له لأنّه يؤدي واجباً.

6ـ وقال السيّد العاملي في تعليقته على عبارة القواعد في المقام أعني: «لم يجز


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 31.
2 ـ الطوسي: المبسوط ج8، 84ـ85.
3 ـ المحقق: الشرائع 4/69.


(150)

لأنّه يؤدي واجباً» : هذا هو الحق إذا كان وجوبه ذاتياً لاتوصلياً لأنّه لا أُجرة على الواجب كذلك إجماعاً في باب المكاسب وذهب الشيخ وشيخه المفيد إلى الجواز لأنّه منالمصالح المهمّة قالا: و نمنع أن لا أُجرة على الواجب مطلقاً وإلاّ لم يوجر المجاهدون، قلت:الأصل عدم الجواز خرج عنه جواز الاستئجار للجهاد بالإجماع عند الشيعة.(1)

6ـ وقال ابن قدامة: ويجوز للقاضي أخذ الرزق ورخص فيه شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم.

وروي عن عمر أنّه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقاًورزق شريحاًفي كل شهر مائة درهم وبعث إلى الكوفة عمّاراً وعثمان بن حنيف وابن مسعود ورزقهم كل يوم شاة نصفها لعمار ونصفها لابن مسعود وعثمان وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلّمهم، وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام أن أنظرا رجالاً من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله.

وقال أبو الخطاب: يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة فأمّا مع عدمها فعلى وجهين. وقال أحمد:مايعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً وإن كان فبقدر شغله مثل والي اليتيم. وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء وكان مسروق وعبد الرحمان بن القاسم بن عبد الرحمان لايأخذان عليه أجراً وقالا: لانأخذ أجراً على أن نعدل بين اثنين.

وقال أصحاب الشافعي:إن لم يكن متعيّناً جاز له أخذ الرزق عليه وإن تعيّن لم يجز إلاّ مع الحاجة، والصحيح جواز أخذ الرزق عليه بكل حال لأنّ أبابكر لمّا ولّي الخلافة فرضوا له الرزق كل يوم درهمين ولما ذكرناه من أنّ عمر رزق زيداً وشريحاً وابن مسعود وأمر بفرض الرزق لمن تولى من القضاة ولأنّ بالناس حاجة إليه


1 ـ العاملي: مفتاح الكرامة10/14.


(151)

ولو لم يجز فرض الرزق لتعطلّ وضاعت الحقوق، فأمّاالاستئجار عليه فلايجوز قال عمر : لاينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجراً وهذا مذهب الشافعي ولانعلم فيه خلافاً وذلك لأنّه قربة يختصّ فاعله أن يكون في أهل القربة فأشبه الصلاة ولأنّه لايعمله الإنسان عن غيره وإنّما يقع عن نفسه فأشبه الصلاة ولأنّه عمل غير معلوم فإن لم يكن للقاضي رزق فقال للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقاًعليه جاز ويحتمل أن لايجوز.انتهى.(1)

هذه هي كلمات الفقهاء وهي تعرب عن اختلافهم إلى أقوال ثلاثة والمختار عندنا جواز الارتزاق من بيت المال مطلقاً والمقصود من بيت المال هو البيت الذي يجمع فيه ما يصرف في مصالح الإسلام والمسلمين وليس له مصرف خاص كالأنفال والجزية، والخراج والمقاسمة، و المال الموصى مصرفه في مصارف البرّ والقسم الخاص من الزكاة الذي يصرف في سبيل الله.

وأمّا الزكاة وسهم السادات من الخمس والمظالم واللقطة ممّا لها مصارف خاصة فلايطلق عليه بيت المال، والقاضي يرتزق من الأوّل دون الثاني والحقّ الجواز مطلقاً بوجهين:

الأوّل: جريان السيرة بين المسلمين حيث إنّ القضاة كانوا يرتزقون من بيت المال، وقد عرفت كلام ابن قدامة في ارتزاق عدّة في زمن الخلفاء من بيت المال، وعليها سار الإمام علي ـ عليه السلام ـ في عهد خلافته، وكان شريح يرتزق من بيت المال ويأخذ في كل شهر شيئاً قليلاً ولمّا بلغ عليّاً أنّه ابتاع داراً بثمانين ديناراً، استدعاه وقال له:بلغني أنّك ابتعت داراً بثمانين ديناراً وكتبت لها كتاباً، واشهدت فيه شهوداً... ثمّ لامه وذمّه.(2) وما هذا إلاّ لأنّ الإمام رأى أنّه ابتاع داراً فوق ما يرتزقه من الإمام فصار مظنّة دفع الثمن من حرام وحلال.و روي أنّ عليّاً ولّى شريحاً و


1 ـ ابن قدامة: المغني 10/124.
2 ـ نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 2.


(152)

جعل له في كلّ سنة خمسمائة درهم (كل شهر قرابة 41 ديناراً و نصف) وكان عمر قبله جعل له كلّ شهر مائة(1) درهم .

والحاصل أنّ القضاة كانوا يرتزقون من بيت المال، من دون سؤال عن وجود الكفاية لهم وعدمه، أو فحص عن كون القضاء متعيّناً عليه وعدمه وهذه السيرة المستمرّة إلى يومنا هذا، تشهد على الجواز ولو كان هنا ذم في بعض الروايات، فإنّما هو لأجل كونهم قضاة الجور وأعوان الظلمة، وأين هو من قضاة العدل. كما سيوافيك؟

الثاني: ما دلّ عليه من الروايات ونذكر مايلي:

1ـ مرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح في حديث طويل في الخمس والأنفال والغنائم قال:«والأرضون التي أخذت عنوة فهي موقوفة متروكة في يد من يعمرها ويحييها ـ ثمّ ذكر الزكاة وحصّة العمال ـ إلى أن قال: ويؤخذ الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينوبه من تقوية الإسلام، وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك ممّا فيه مصلحة العامة.

قال الشيخ الحرّ العاملي: يظهر منه جواز الرزق للقاضي من بيت المال (2)، لأنّ القضاء من أوضح مصاديق ما فيه مصلحة العامة.

2ـ ما كتبه الإمام إلى عامله في مصر:«واعلم أنّ الرعيّة طبقات: منها جنود الله ، ومنها كُتّاب العامّة والخاصّة، ومنها قضاة العدل ـ إلى أن قال :ـ وكل قد سمّى الله له سهمه ووضعه على حدّه وفريضته ، ثم قال: ولكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه، ثمّ قال: واختر للحكم بين الناس أفضل رعيّتك وقال بعد ذكر صفات القاضي: وأكثِر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيح علّته وتقلّ معه


1 ـ ابن إدريس: السرائر: 2/178.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب آداب القاضي ، الحديث 2.


(153)

حاجته إلى الناس»(1) ولم يكن في يدعامل الإمام مايصرف في هذا المورد، سوى بيت المال.

3ـ روى في الدعائم عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال:«لابدّ من إمارة ورزق للأمير. ولابدّ من عريف ورزق للعريف، ولابدّ من حاسب ورزق للحاسب ولابدّمن قاض ورزق للقاضي وكره أن يكون رزق القاضي على الناس الذي يقضي لهم.(2)

ترى فيه الإطلاق من دون تقييد بما في كلام الأعلام من كونه كفائياً، أو عينياً; مع الحاجة، أو مع عدمها. ولم نقف على مورد، سئل الإمام القاضي المنصوب عن وجود كفاية له وعدمه، أو فصل بين الكفائي والعيني .

استدل على المنع بروايتين:

1ـ صحيحة عبد الله بن سنان ، قال:سئل أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ عن قاض بين قريتين يأخذ من السلطان على القضاء الرزق؟ فقال:«ذلك السحت».(3) ولعلّ وصف رزقه بالسحت لأجل كونه قاضي سلطان الجور ومن أعوانه، لا أنّ مجرّد الرزق من بيت المال سحت وإن كان على خلاف الظاهر.

2ـ خبر عمّار بن مروان عن أبي عبد الله قال:«والسحت أنواع كثيرة: منها: ما اصيب من أعمال الولاة .ومنها: أُجور القضاة».(4) ويحمل على الأُجور المأخوذة من السلطان الجائر.

وعلى ضوء ذلك فالحقّ هو جواز الارتزاق من بيت المال سواء كان بصورة الارتزاق من دون تعيين حدّ، بمعنى أنّ الحاكم يقوم برفع حوائح القاضي قليلاً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 8 من أبواب آداب القاضي ، الحديث 9.
2 ـ المستدرك: الجزء 18، الباب 28، من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 3.
3 ـ الوسائل:الجزء 18 ،الباب 8 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
4 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 12.


(154)

كان أو كثيراً وهويدير ذمّة القضاء، أو بتعيين حدّ معيّن كما هو اللائح من عهد الإمام الماضي وأمّا الإشكال بأنّ القضاء واجب فكيف يأخذ الأُجرة على الواجب؟ فيدفع بأنّه فرق بين الأُجرة والارتزاق، فإنّ عمل القاضي في الثاني تبرعي، غير انّ قيامه بهذا العمل التبرعي رهن سدّ عيلته، بدفع شيء من بيت المال حتى يقيم صلبه، و يدفع عادية الفقر الكاسر مضافاً إلى ما سيوافيك تحليله في المقام الثاني وما احتمل في الجواهر من اختصاص بيت المال بذوي الحاجات(1) غير تام لأنّه يصحّ في بعضه كالزكاة والصدقات دون غيرهما.

المقام الثاني: في أخذ الجعل من المتحاكمين

القاضي المنصوب إذا أخذ الرزق من بيت المال، يحرم عليه أخذ الجعل من المتحاكمين إذ لايصحّ له أخذ أُجرتين لعمل واحد، فإنّ عمله هذا ملك للحكومة الإسلامية، وقد عُيِّن للقضاء بين المسلمين مقيّداً بعدم أخذ شيء، فكيف يجوز له أخذ الأُجرة أو الجعل؟! وأمّا إذا لم يكن كذلك فالقول بحرمة الجعل وإن كان قولاً بين الأصحاب ، قال المحقّق : أمّا لو أخذ الجعل من المتحاكمين ففيه خلاف والوجه التفصيل المذكور في الارتزاق من بيت المال. وقال في الجواهر: إنّه لايجوز مطلقاً.(2) لكن ليس له دليل صالح سوى ما ذكره الشيخ في المبسوط ونقله المحقّق في الشرائع وهو أنّه يؤدّي فرضاً، فكيف يأخذ الأُجرة على الفرض؟ وإليك تحليل هذا الدليل فنقول:

إنّ مقتضى القاعدة صحّة الإجارة إذا تمّت أركانها من موجر عاقل بالغ منتفع بالإجارة، وأجير كذلك سواء كان باذل الأُجرة، أهل البلد، أو المتحاكمين أو المدّعي وعلى كل تقدير فالعمل محترم والموجر ينتفع بعمله فلاوجه للبطلان مع


1 ـ الجواهر: 40/51.
2 ـ الجواهر : 40/52ـ 53، قسم المتن والشرح.


(155)

تمامية الأركان إنّما الكلام في أنّ وجوب القضاء هل يصلح أن يكون مانعاً من صحّة الإجارة أو لا؟ فنقول:

إنّ المانع عن صحّتها أُمور ثلاثة وهي:

1ـ أن لاينتفع به الموجر، لأنّه يكون من قبيل أكل المال بالباطل وقال سبحانه:«يا أيُّها الّذين آمنُوا لاتأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطل» (النساء/29)بناء على أنّ حرف الجرّ في «بالباطل» بمعنى المقابلة أي في مقابل أمر باطل عند العقلاء فيصحّ به الاستدلال على البطلان إذا لم تكن للمبيع أو لمورد الإجارة منفعة عقلائية كبيع الحشرات وأمّا على القول بأنّه راجع إلى النهي عن الأسباب الفاسدة كالرشوة، والربا ، والقمار، فيكفي في عدم صحّته، عدم شموله مثل هذه الإجارة للعمومات الواردة في باب المعاوضات إذ موردها هو انتفاع الطرفين بالعمل والأُجرة لعدم إقدام العقلاء على الإيجار في غير هذه الصورة فتحمل عليه.

2ـ أن يكون العمل عبادياً لايترتّب عليه الأثر إلاّ بالإتيان لله أو امتثال أمره وفي مثله لايصحّ الاستيجار لأنّ أثر العبادة مشروط بالقربة، بانحصار الداعي فيها ولكن الداعي بعد الإجارة، هو الأُجرة لاغير بحيث لولاها لما قام بالعمل وعلى ضوء ذلك يبطل أخذ الأُجرة على الواجبات التعبديّة لأنّ صحّة صلاة الظهر رهن كونه لله وينافيه أخذ الأُجرة من غير فرق بين الفرائض كالصلوات اليومية، أو النوافل، كصلاة الليل وغسل الجمعة.

وأمّا صحّة النيابة عن الميّت في قضاء صلواته وصومه، وكذا النيابة عنه في تلاوة القرآن وزيارة الأئمّة، مع أخذ الأُجرة فالفرق واضح فإنّ الأُجرة في الأوّل على نفس العمل فيأخذ الأُجرة، ليصلّي فرائض نفسه أو يأتي بنوافلها، بخلاف الثاني، فإنّ الأُجرة فيها على النيابة وهي ليست من العبادات والتفصيل في محلّه.

3ـ أن يكون العمل حقّاً للغير فلو كان كذلك كانت الأُجرة سحتاً ولأجل


(156)

ذلك تحرم الأُجرة في مقابل كفن المسلم ودفنه والصلاة عليه فإنّ ظاهر الأدلّة كونها من حقوق الميّت على المسلم الحيّ فأخذ الأُجرة فيه كأخذ الأُجرة على عمل مستحقّ لآخر كما إذا نذر أن يبني مسجد لله، فلايجوز له أخذ الأُجرة في مقابل العمل.

هذه هي الموانع الثلاثة عن صحّة الإجارة وأخذ الأُجرة ويمكن إرجاع الثاني إلى الأوّل، لأنّ الموجر لاينتفع بعمل الأجير إذا كان المورد أمراًعبادياً قربيّاً، إذتشترط في صحّته نيّة القربة غير الجامعة مع أخذ الأُجرة. وأمّا إرجاع الثالث إلى الثاني، كما عليه المحقّق الرشتي (1) فلا، لأنّ المفروض أنّ الميت أو وليّه ينتفع بعمل الأجير بدفن الميّت أو الصلاة عليه.

وأمّا المقام فليس القضاء ممّا لاينتفع به أهل البلد أو المتحاكمان، بل هو قوام الحياة والمجتمع، وليس عملاً عبادياًحتى لايجتمع مع أخذ الأُجرة وليس من حقوق الغير، وإلاّ أصبح جميع الخدمات من هذا القبيل إذ أيّ فرق بين قضاء القاضي ومراقبة الحارس ومرابطة المجاهد في الحدود، وطبابة الطبيب حيث لاتخطر ببال أحد، حرمة أخذ الأُجرة على تلك الخدمات بل الجواز فيها بمكان من الوضوح إذ تحريم أخذ الأُجرة فيها يوجب اختلال النظام وتسرّب الفوضى إلى المجتمع.

وكونه واجباً لايمنع عن الإيجار مالم يكن حقّاً للغير أو لم تكن الأدلّة ظاهرة في كونه عملاً تبرعيّاً فإنّ الواجب على قسمين: واجب بقيد جواز أخذ الأُجرة ،كما هو الحال في الخدمات والصناعات من غير فرق بين الكفائي والعيني وكون العامل فقيراً أو غنياً، فلايمنع وجوب العمل فيها عن عقد الإيجار ، وواجب بقيد كونه تبرعيّاً أو متعلّقاً لحقّ الغير. فمجرّد الوجوب لايكشف عن كونه عملاً تبرعياً مستحقاً للغير، كما أنّ جواز الإجبار، لايكشف عنه، فإنّ مناط الإجبار، كون العمل


1 ـ القضاء: 87.


(157)

معروفاً لاكونه حقّاً للغير فيأمره بالإتيان به لتلك الغاية.

إنّ من زعم أنّ الوجوب مطلقاًمانع من أخذ الأُجرة ، من دون تفريق بين كونه حقّاً للغير وعدمه لما واجه الصناعات والخدمات حيث إنّها واجبة مع جواز أخذ الأُجرة، حاول تصحيح أخذ الأُجرة بوجوه زائفة مرجودة في المكاسب المحرّمة للشيخ الأنصاري ونقلها السيد الطباطبائي في المقام (1)والحقّ أن يقال: إنّ الوجوب بما هو هو غير مانع عن الإيجار وأخذ الأُجرة، والمانع كونه حقّاً للغير وليس القضاء كذلك .

وعلى ضوء ذلك يجوز جعله على المتحاكمين بالتشريك بينهما كما يجوز جعله على المدّعي، أو على المحكومعليه فيتّبع على كيفية الاتفاق.

قال الشهيد في المسالك :ثمّ على تقدير جوازه بوجه ففي جواز تخصيص أحدهما به أو جعله على المدّعي أو التشريك بينهماأوجه، من الشكّ في أنّها تابع للعمل أو للمنفعة الحاصلة، فعلى الأوّل هو عليهما وعلى الثاني يجب على المحكوم له أو على المدّعي.(2)

أقول: الظاهر أنّه لو رفع المتحاكمان الشكوى إليه فالأُجرة عليهما، وإن رفع المدّعي فهو عليه ، إلاّ أن يكون هنا اتّفاق آخر.

ثمّ إنّ المحقق أجاز للمؤذّن والقاسم وكاتب القاضي والمترجم وصاحب الديوان و والي بيت المال أن يأخذوا الرزق من بيت المال المعدّ للمصالح وكذامنيكيل للناس ويزن ومن يعلم القرآن و الآداب .(3) من غير تفصيل بين كون العمل واجباً كفائياً أو عينياً أو كونهم من ذوي الكفايات أو من ذوي الحاجات. ولكنّهقدَّس سرَّه استشكل في القاضي فيما إذا كان متعيّناً عليه وكان غنيّاً والفرق عجيب.


1 ـ السيد الطباطبائي: ملحقات العروة 2/20، المسألة 17.
2 ـ المسالك 2/393.
3 ـ نجم الدين: الشرائع:4/69.


(158)

نعم لو رفع المدّعي الشكوى إلى المجتهد وكان فقيراً ، بذل الحاكم نفقة القضاء من بيت المال لئلا يتضرّر المسلم ولو تعذّر التوصل إليه، فيجب على القاضي القيام به على الأحوط، من باب صيانة حقّ المؤمن كنفسه.

المسألة السادسة: فيما تثبت به ولاية القاضي

تثبت ولاية القاضي بالأُمور التالية:

1ـ العلم 2ـ البيّنة 3ـ سماع التولية 4ـ إقرار الإمام أو من نصبه بها 5ـ حكم الحاكم 6ـ الاستفاضة. وإليك بيانها:

أمّا العلم فهو أعلى الطرق وليس وراءه شيء.

وأمّا البيّنة ، فثبوتها بها يتوقّف على وجود إطلاق في حجّية البيّنة وعدم اختصاصها بالمرافعات والموارد الّتي وردت فيها بالخصوص ولعلّ الإمعان في رواية «مسعدة بن صدقة» (1)وغيرها يعطي سعة حجيّتها والتفصيل موكول إلى محلّه.

وأمّا سماع التولية فلأنّ ظواهر الكلام حجّة فإذا قال: نصبت زيداً للقضاء، يكون الظنّ الحاصل منها حجّة وعلى ما ذكرنا في علم الأُصول عند البحث في حجّية الظواهر من أنّ الظواهر مفيدة للعلم بالمراد الاستعمالي يدخل هذا، في القسم الأوّل ولمّا كانت الظواهر عند المشهور من الحجج الظنّية عدّوها سبباًمستقلاً.

وأمّا إقرار الإمام أو من نصبه بها ، فلحجّية إقرار كل فيما يرجع إليه ويملكه وقد ثبت في محلّه أنّ «من ملك شيئاً ملك الإقرار به».

وأمّا حكم الحاكم فالمقصود، هو حكم الحاكم في البلد أو القاضي غير


1 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث 4.


(159)

المعزول على كون شخص منصوباً للقضاء، وحجّيته موقوف على حجيّة حكم الحاكم في الموضوعات الخارجة عن حريم المرافعات وهو بعدُ غير ثابت لأنّ مقتضى الأدلّة حجّية رأيه في الأحكام والمرافعات، وأمّا حجيّة رأيه في الموضوعات التي لم ينسدّ باب العلم فيها فلا، لإمكان التوصل إليها بالطرق المقرّرة الشرعية.

نعم يمكن أن يقال: إنّ هناك موضوعات، لو لم نقل بحجّية حكم الحاكم فيها، لزم طرح الحكم المجعول لها وذلك كالهلال مثلاً إذا كان حكم الحاكم حجّة في ثبوت الهلال تكون الدواعي مصروفة إلى إعلامه بالرؤية، فإذا استفاض يقطع بصحّته فيحكم برؤية الهلال بخلاف ما إذا قلنا بعدم حجّية حكمه فلايكون هنا داع إلى الإعلام فيلزم ترك الحكم المجعول لها. ومثلها المقام إذمقتضى طبع الحال أن يطّلع حاكم البلد، على القاضي المنصوب لوجود مراسلات بينه وبين الحاكم الأعلى، بخلاف سائر الناس، فلو ألغينا حكمه، لزم طرح الآثار المترتّبة على القاضي المنصوب.

أمّا السادس ، أعني: الاستفاضة، فبما أنّها لم ترد في لسان الدليل، فلاملزم للغور في تبيين مفهومها و البحث عن ثبوت الولاية بالشياع وعدمه، خال عن الفائدة في الظروف الحاضرة لأنّ ثبوتها من أسهل الأُمور فيها فاللازم البحث عن أدلّة حجيّة الشياع في الموضوعات من غير تقيّد بالمقام، ولما للبحث من فوائد فقهية: فنقول استدلّ على حجيّة الشياع بوجوه:

الأوّل: مرسلة يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد الله قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة؟ فقال: «خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم : الولايات، والتناكح ، والمواريث، والذبائح، والشهادات فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولايُسأل عن باطنه».(1)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 22، من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(160)

ورواه الصدوق في الفقيه وذكر مكان المواريث «الأنساب» .(1)

ورواه في الخصال عن أبي جعفر المقري رفعه إلى أبي عبد الله عن آبائه عن علي عليهم السَّلام : خمسة يجب على القاضي.(2)

ورواه الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم إلاّ أنّه قال مكان «بظاهر الحكم»: «بظاهر الحال».(3)

ولعلّ عناية المشايخ الثلاثة بنقلها، تورث الاطمئنان بصدورها ولايضرّها الإرسال والرفع. إنّما الكلام في فقه الرواية فندرسها نجوماً لإيضاح مفادها.

1ـ ما ذا يريد السائل من قوله:«أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة» وكيف يقضي بشهادتهم مع عدم عرفانهم، وهل يجتمع ذلك مع لزوم إحراز عدالتهم؟

والظاهر أنّ المراد لايعرف مستند شهادتهم بشهادة قول السّائل:«من غير مسألة» و شهادة ما في جواب الإمام من قوله:جازت شهادته ولايُسأل عن باطنه.

2ـ «خمسة أشياء، يجب على الناس أن يأخذوا بظاهر الحكم» إنّ لهذه الفقرة تفسيرين:

أ: المراد من قوله:«بظاهر الحكم» هو حكم الناس فتكون اللام للعهد الذكري لسبق لفظ الناس ولو صحّ ما نقله الشيخ من «ظاهر الحال» مكان «ظاهر الحكم» يكون المراد حال الناس أي تلقّيهم هذه الأُمور صحيحاً.فيكون مفادهما واحداً، والفقرة دليلاً على حجّية الشياع وحكم الناس فيها والله سبحانه لأجل التسهيل على العباد جعل حكم الناس فيها حجّة على السائرين ، فإذا


1 ـ الصدوق: الفقيه ، ج3، ص9، برقم 29.
2 ـ الصدوق: الخصال، باب الخمسة،الحديث88.
3 ـ الطوسي: التهذيب، ج6، ص288، برقم 798.


(161)

أشار الناس إلى واحد، بأنّه وال، وإلى آخر بأنّه زوج وإلى ثالث بأنّه وارث فلان ، وإلى لحم بأنّه مذكّى، يقبل قولهم ويؤخذ به ولايجب التجسّس.وهذا هو الذي فهمه المستدل بالرواية، على حجّية الشياع.

لكن هذا المعنى لايلائم الموضوع الخامس (الشهادة) إذلو أُريد منه أيضاً ذاك، كان على الإمام أن يقول:«والعدالة »أي إذا اشتهر بين الناس أنّ رجلاً عادل يقبل حكم الناس في حقّه.لا أنّه إذا اشتهر بين الناس بالشهادة تقبل شهادته إذ ليس له معنى معقول وقد نقل المحقق الآشتياني وجهاً له وصفه بالركاكة، فلاحظ(1).

إلاّ أن يقال: الشهادة مصحف العدالة أو هو من قبيل ذكر المسبّب وإرادة السبب أي إذا قبل الناس شهادة رجل فعلى الشاكّ قبولها، لأنّه يكشف عن كونه عادلاً، فحكم الناس في الأربعة الأُول، يثبت نفسها وفي الخامس يثبت منشأها ومستندها.

ب: أن يراد من ظاهر الحكم، حسن ظاهر الأفراد والمقصود أنّ حسن الظاهر حجّة في الموارد الخمسة، وعليه يكون المراد من ظاهر الحال في نقل الشيخ هو ذاك فإذا ادّعى الولاية، أو الزوجيّة أو الوراثة أو الذبح أوالشهادة وكانوا في الظاهر مأمونين يقبل أقوالهم ولايتفحّص عن مستند أقوالهم وهذا المعنى يلائم الموارد الخمسة ويؤيّده الفقرة التالية.

3ـ «فإن كان ظاهره مأموناً جازت شهادته ولايسأل عن باطنه» وإنّما خصّ الشاهدَ، بحسن الظاهر، مع كونه شرطاً في الجميع لأجل وجود السؤال في حقّه حيث قال:«أن يقضي بقول البيّنة إذا لم يعرفهم من غير مسألة» وعندئذ يكون الحديث أجنبياً عن الدلالة على حجيّة الشياع بل كان دليلاً على حجّية قول المدّعي في هذه الأمور بالشرط المذكور ولادليل على اختصاص الولاية بالقضاء بل


1 ـ الآشتياني : القضاء :45


(162)

يعمّ الولاية في التصرّف كالمتصرّف في مال الغير.

الثاني: صحيحة حريز قال: كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ دنانير وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال إسماعيل:يا أبه إنّ فلاناً يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينار، أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن؟فقال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : «يا بنيّ أما بلغك أنّه يشرب الخمر» فقال إسماعيل: هكذا يقول الناس، فقال: «لا! يا بنيّ لاتفعل».

فعصى إسماعيل أباه و دفع إليه دنانيره، فاستهلكها ولم يأته بشيء منها، فخرج إسماعيل، وقضى أنّ أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ حجّ وحجّ إسماعيل تلك السنة، فجعل يطوف بالبيت ويقول: اللّهمّ اجرني واخلف عليّ»، فلحقه أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ فهمزه بيده من خلفه وقال له:«يا بنيّ فلا والله مالك على الله هذا، ولا لك أن يأجرك ولايخلف عليك، وقد بلغك أنّه يشرب الخمر فأتمنته».

فقال إسماعيل: يا أبه انّي لم أره يشرب الخمر إنّما سمعت الناس يقولون . فقال:« يا بني إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه :«يُؤمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤمِنينَ»(1) يقول: يصدّق اللّه ويصدّق للمؤمنين فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم، ولاتأتمن شارب الخمر انّ اللّه عزّوجلّ يقول في كتابه:«ولاتُؤتُوا السُّفهاءَ أموالَكُم»(2) فأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر؟إنّ شارب الخمر لايُزوّج إذا خطب، ولايُشفّع إذا شفع،ولايؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها لم يكن للذي ائتمنه على اللّه أن يأجره ولايُخلف عليه»(3).

قال صاحب الجواهر: ـ بعد نقل الرواية ـ إذ هو كما ترى كالصريح في اعتبار الشياع الذي أعلى أفراده هو قول الناس وشهادة المؤمنين ونحوهما مما مذكور فيه وبه أدرجه فيما دلّ على النهي عن ائتمان شارب الخمر.(4)


1 ـ التوبة:61.
2 ـ النساء/5.
3 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 6 من أبواب أحكام الوديعة، الحديث 1.
4 ـ الجواهر:40/57.


(163)

وبذلك يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقق العراقي في ردّ الاستدلال بالحديث إنّ ظاهر الحديث هو أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ يعلّم ولده آداب المعاشرة حيث ينبغي أن يسلك في مثل هذه الموارد طريق الاحتياط و أن يصدّق الناس في الظاهر تصديقاً صورياً.(1)

يلاحظ عليه : أنّ لسان الرواية لسان الإحراز والحجّية حيث يقول: «ولاتأتمن شارب الخمر إنّ الله عزّ وجلّ يقول في كتابه:«ولاتُؤتوا السفهاءَ أموالَكم»وأيّ سفيه أسفه من شارب الخمر» نعم لايلزم من حجّية الشياع كونه حجّة في جميع الموارد فلايُحدّ الإنسان وإن شاع أنّه سارق أو زان إذ لإجراء الحدّ شروط خاصة.

ومع ذلك كلّه فالإذعان بما ذكر مشكل جدّاً، إذ من المحتمل أن يكون المراد من التصديق الحذر والاحتياط لاترتيب الآثار الشرعية. ويؤيده ما في كلام الإمام الكاظم لمحمد بن الفضيل أيضاً: يا محمّد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك المؤمن ولو شهد عندك خمسون قسامة و قال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم.(2)

فإنّ تكذيب خمسين قسامة، تكذيب لبيّنة شرعيّة، ولو كان المراد هوالتكذيب الجدّي، لحفظ قول مؤمن واحد يلزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو أقبح من الترجيح بلامرجح. وهذا يعرب عن كون تصديق المؤمنين وتكذيبهم، ليس بالمعنى الحقيقي بل الغاية هو الدعوة إلى الحذر والاحتياط، فمقتضى الاحتياط في مورد الاتّهام بشرب الخمر هو عدم الائتمان، كما أنّ مقتضاه في المورد الثاني، عدم ترتّب الأثر في حقّ الأخ عند تكذيبه.

الثالث: ما ورد في متاع الرجل والمرأة ، إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحيّ وورثة الميّت أو طلّقها فادّعاه الرجل وادّعته المرأة ، فقد قضى الإمام بأنّ المتاع


1 ـ المحقق العراقي: القضاء20.
2 ـ تفسير نور الثقلين: ج3، ص582 ; ثواب الأعمال295 ; البحار: 75، ص255، الحديث40.


(164)

للمرأة مستدلاً بقوله: «أرأيت إن أقامت بيّنة إلى كم كانت تحتاج؟» فقلت: شاهدين، فقال:«لو سألت من بينلابتيها يعني الجبلين ونحن يومئذ بمكّة لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يُهدى علانية من بيت المرأة إلى بيتزوجها فهي التي جاءت به، وهذا المدّعي (الرجل) إن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة».(1)

وظاهر الحديث أنّ الاعتداد بشهادة من بين لابتين لأجل إفادته العلم واليقين، فإنّ المتاع قد نقل على رؤوس الأشهاد من بيت المرأة إلى بيت الزوج، فكيف يصحّ للزوج أن يدّعي أنّه له.فلا صلة له بالشياع بما هوهو.

الرابع: ما رواه في الوسائل عن تفسير الإمام الحسن العسكري ـ عليه السلام ـ من أنّ المدّعي إذا جاء بشهود إلى النبيّ الأكرم وهو لايعرفهم بخير ولاشرّ، يرسل من خيار أصحابه من يسألهما عن قبائلهما وأسواقهما، ومحالهما، والربض الذي ينزلانه حتى يخبراه بحالهما....(2)

والحديث مع ضعف سنده وعدم صلاحيته للاحتجاج ينزل على حصول العلم، من الفحص من تلك المظان، ولا صلة له بالشياع.

الخامس: ما في صحيحة عبد الله بن أبي يعفور: من بيان ما تعرف به العدالة:... فإذا سئل عنه في قبيلته ومحلته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً....(3)

يلاحظ عليه: انّه جعل قضاء الناس في حقهما، جزء السبب لا تمامه كما هو ظاهر لمن لاحظها والمدّعى كون الشياع تمامه.

إلى هنا كانت الأدلّة مسوقة لبيان حجّية الشياع على وجه الإطلاق بخلاف الوجهين التاليين فانّهما يختصّان بحجّيته في باب الولاية.


1 ـ الوسائل: الجزء 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، وهو حديث مفصل.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(165)

السادس: السيرة المستمرّة من زمن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم حيث استقرّت على تعيين الولاة وإثباتها بالإستفاضة ولم يكن دأب النبي أو من نصبوه لنصب القاضي، إرسال البيّنة العادلة عند كل أحد، مع القاضي المنصوب حتى تشهد لولاته.(1)

يلاحظ عليه: أنّ إرسال القاضي كان مرفّقاً برسالة مأمونة من التزوير وكانت مفيدة للاطمئنان لوجوه أهل البلد الذين كانوا يقابلون القاضي قبل كل أحد ، وكان تصديقهم مورثاً للعلم لغيرهم فلايصحّ القول بأنّا نعلم بعدم حصول العلم.

السابع: عسر إقامة البيّنة فيجب سماع الاستفاضة فيها أمّا الصغرى فواضحة حيث إنّ إقامة البيّنة العادلة عند كل من يحتاج للرجوع إليه مشكل جدّاً وأمّا الكبرى فلما يستفاد من النصوص أنّه كلّما تعسّرت إقامة البيّنة يقوم غيرها مقامها.

وأورد عليه أنّ عسر اقامة البيّنة لايوجب الانتقال إلى غيرها بل ربّما يوجب سقوط وجوب الإقامة كما هو الحال فيما إذا لم يعلم إلاّ من قبلها أو سقوط بعض شروطها كالذكورة في شهادة النساء على الحمل، أو سقوط العدالة، كما إذا حضر الموت و لم يكن عند المحتضر مسلم عادل فيجوز إشهاد غير المسلم لقوله سبحانه:«يا أَيُّهَا الّذِينَ آمنُوا شَهادةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحدكُمُ المَوتُ حينَ الوَصِيَّةِ اثنانِ ذوا عَدْل مِنْكُمْ أَو آخرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصابَتكُمْ مصيبةُ المَوتِ... » (المائدة/106).(2)

لقد تلخّص من هذا البحث الضافي حول الشياع عدم دليل صالح يعطي كون الشياع حجّة بنفسه ولو كان هناك دليل من إجماع أو غيره على حجيّته في موارد كالهلال(3) والنسب يكتفي به وإلاّ فلو أفاد الاطمئنان فهو وإلاّ فلايعدّ دليلاً


1 ـ الآشتياني :القضاء /43 ، هذا الوجه و مابعده مختصّ بباب الولاية.
2 ـ الآشتياني :القضاء /43 مع تفصيل منّا.
3 ـ لاحظ الوسائل: الجزء7، الباب 11 من أبواب شهر رمضان، الحديث14.


(166)

شرعيّاً.

وفي ما أفاد الاطمئنان لايصلح دليلاً للحكم في المرافعات والحدود، لأنّ الاعتبار في المرافعات بالبيّنة، وفي غيرها كالحدود بما ورد فيها من الخصوصيات.

بقي الكلام في أُمور:

الأوّل : هل حجّية الشياع ـ على القول بحجّيته ـ مشروطة بإفادته العلم، أو الاطمئنان المتاخم له، أو الظن المطلق أو هو حجّة مطلقاً؟ اختار الأخير صاحب الجواهر وقال: «المدار على تحققه»(1)ولاسبيل إلى الأوّل لأنّه يُلحقه بما لاشكّ في حجّيته،ويكون تعليق الحكم بالشياع عندئذ لغواً، وأمّا الأخير فهو بعيد عن مذاق العقلاء فإنّهم يعتبرون الشياع طريقاً إلى الواقع ولو أمضاه الشارع فإنّما أمضاه لأجل ذلك الملاك، واحتمال التعبدية في حجية الأمارات العقلائية بعيد عن لسان الآيات والرواية، فدار الأمر بين المتاخم للعلم والظن المطلق، وبما أنّ الموضوعات الواردة في مرسلة يونس بن عبد الرحمان ـ على فرض دلالتها ـ من مهامّ الأُمور، فمن البعيد حجّية الظن المطلق في الولايات التي تمارس الدماء والأعراض والأموال.فلم يبق إلاّ الاطمئنان الذي هو علم عرفي.

والذي يسهل الخطب أنّ الشياع الطبيعي لايفارق الاطمئنان في ظرف من الظروف إلاّ إذا كان للمورد خصوصية تورث سوء الظن بالخبر وهو خارج عن مصبّ البحث. والحاصل أنّ كل مورد يكون خارجاًعن احتمال التوطئة، يكون الشياع مفيداً للإطمئنان.

الثاني: في العدد المحقِّق للشياع والظاهر أنّه لايمكن تحديده كما لايمكن تحديد العدد المحقق للتواتر لأنّ طبيعة الموضوعات مختلفة اذ الدواعي إلى الجعل والمؤامرة والتوطئة موجودة في بعضها دون بعض فإنّه إذا كان المناط هو الشياع


1 ـ النجفي: الجواهر40/57.


(167)

المفيد للاطمئنان فتجب الاستفاضة إلى حدّ يفيده، وهذا يختلف حسب اختلاف الموضوعات في القرب من دواعي الجعل وعدمه، وحسب صلتها بالسياسة والأهواء والميول ، ولذلك يجب التربّص حتى يحصل الاطمئنان.

الثالث: هل الشياع حجّة في خصوص الخمسة الواردة في مرسلة يونس أو يعمّها وغيرها؟وقد استظهر صاحب الجواهر عموم اعتباره لغير المذكورات فيها، لأنّ صريح صحيحة حريز هو ثبوت الفسق لكن التعدّي إلى غيرها يحتاج إلى الدليل، وذلك لأجل ورود العدد في المرسلة نعم بما أنّها ليست بحجّة لإرسالها وإجمال المراد منها يؤخذ بإطلاق ما دلّت الصحيحة عليه.كلّ ذلك على فرض ثبوت حجّية الشياع بما هو هو وإلاّ فيكون أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

المسألة السابعة: في نصب قاضيين في البلد الواحد

إذا كان البلد صغيراً أو كانت المرافعات قليلة، على وجه ترتفع الحاجة بممارسة الواحد، يكتفى بنصب قاض واحد وأمّا إذا كانت هناك حاجة إلى التعدد فيجوز نصب قاضيين في البلد الواحد وأمّا كيفية ممارستهما فلها وجوه بالنحو التالي:

1ـ تخصيص كلّ واحد بطرف في البلد كالشرق والغرب.

2ـ تخصيص كلّ واحد بزمان خاص كالصباح والمساء.

3ـ تخصيص واحد، بالحقوق والآخر بالجزاء.

وليس ذلك ، تضييقاً في ولايته ولامخالفاً لاستقلال القاضي وإنّما هو من باب تقسيم المسؤوليات بين القضاة حتى تجري الأُمور على أحسن الوجوه.

4ـ جعل كلّ واحد قاضياً في تمام البلد، وتمام الجهات في الحقوق والجزاء وذلك لكثرة المراجعات والشكاوى،و لكل غرفة في دائرة القضاء.


(168)

5ـ التشريك بينهما في الجهة الواحدة على جهة الاجتماع على الحكم الواحد، كان ينصبا ، للقضاء في حادثة على وجه الاتفاق، وإصدار الحكم على وجه الاشتراك ولايتحقّق إلاّ بالتوافق قبل إصداره.

6ـ تلك الصورة ويكون الاعتبار للرأي الحائز لأكثر الآراء.

7ـ تلك الصورة ويكون الاعتبار للرأي الحائز لنصاب خاصّ من الآراء لامطلق الأكثرية كأربعة أخماس من خمسة آراء.

هذه هي الصور المتصوّرة في المقام وليس في كلمات القوم أثر من السادس والسابع، مع كونهما رائجين بين العقلاء والمجامع القضائية العالمية.

فندرّس أحكام الصور، أمّا الثلاثة الأول فلا شبهة في صحّتها، إنّما الكلام في أحكام الصور الباقية وإليك دراستها:

الف: نصب قاضيين في البلد في جميع الجهات

إنّ الداعي لهذا النوع من النصب صلاحية كلّ من القاضيين للقضاء في جميع الجهات، مع مسيس الحاجة إليهما، كما يجوز نصب وكيلين تامي الاختيار في الأموال بيعاً وإجارة ورهناً وغيرها، نعم إنّ هذا النوع من النصب ربّما يورث التنازع بين المترافعين إذ يمكن أن يختار كل رجلاً هذا بخلاف ما إذا كان القاضي واحداً وهذه الصورة هي الّتي أشار إليها صاحب الجواهر مع الإيعاز بما يترتّب عليه من التنازع وقال:وأولى من ذلك (القضاء على وجه الاتفاق الصورة الخامسة) التشريك بينهما على جهة الاستقلال كما في نصب الغيبة ـ إلى أن قال: ـ والتنازع يندفع بتقديم من سبق داعيه منهما ولو جاءا معاً حكم بالقرعة ولو ابتدأ المتنازعان بالذهاب إليهما من غير دعاء، قدّم من يختاره المدَّعي.(1)

وقال النراقي : إذا كان هناك مجتهدان أو أكثر يتخيّر فيهما الرعيّة ، فالحكم


1 ـ الجواهر: 40/61.


(169)

لمن اختاره المدّعي وهو المتّبع له إجماعاً له، ولأنّه المطالِب بالحقّ، ولاحقّ لغيره أوّلاً فمن طلب منه المدّعي استنقاذ حقّه يجب عليه الفحص فيجب اتّباعه ولاوجوب لغيره.(1)

أقول: ما ذكره العلمان هو الحقّ إذ المدّعي له حقّ إقامة الدعوى، في تمام المحاكم الشرعية دون محكمة خاصّة، ومن له هذا الشأن، يكون التعيين بيده.

غير أنّ السيّد الطباطبائي لم يرتض ذلك وقال ردّاً على المستند: إنّ كون الحقّ له غير معلوم، وإن أُريد حقّ الدعوى له حيث إنّ له أن يدّعي وله أن يترك، ففيه أنّ مجرد هذا لايوجب تقديم مختاره إذ بعد الدعوى يكون للآخر أيضاً حقّ الجواب مع أنّه يمكن أن يسبق المدّعى عليه بعد الدعوى إلى حاكم ويطلب منه تخليصه من دعوى المدّعي فمقتضى القاعدة مع عدم أعلمية أحد الحاكمين هوالقرعة إلاّ إذا ثبت الإجماع على تقديم مختار المدّعي.(2)

يلاحظ عليه بأمرين:

1ـ لا شكّ أنّ للآخر حقّ الجواب، لكن هذا الحقّ إنّما يتولد، بعد إقامة الدعوى لدى الحاكم المختار للمدّعي، فلايمكن أن يكون مانعاً من اختياره ويكون أشبه بمنازعة النتيجة مع المقدمة.

2ـ إنّ للآخر الرجوع إلى حاكم آخر يطلب منه تخليصه من دعوى المدّعي، لكنه إنّما يتحقق بعد صدور الحكم من الحاكم الأوّل إمّا لأجل وجود البيّنة للمدّعي، أو لنكول المنكر وردّه اليمين إلى المدّعي، وأمّا قبله فلم يحكم عليه بشيء حتى يكلف تخليصه من الحاكم الثاني.

ثمّ قال السيّد الطباطبائي: هذا إذا كان أحدهما مدّعياً و الآخر منكراًو أمّا


1 ـ النراقي: المستند 2، كتاب القضاء/498.
2 ـ الطباطبائي: ملحقات العروة الوثقى:2/15.


(170)

مع تداعيهما بأن يكون كلّ مدعياً من وجه و اختار كلّ منهما غير ما اختاره الآخر مع فرض تساويهما فلا ينبغي الإشكال في القرعة كما إذا زوّجت الباكرة الرشيدة نفسها من رجل، و زوّجها أبوها من آخر فتنازع الرجل في زوجيّتها أو تنازع الولد الأكبر مع سائر الورثة في كون الحبوة مجّانية أو بعوض الإرث أو تنازع اثنان فيما في يد ثالث أو فيما لا يد لأحد عليه، فمع اختيار كلّ من المتنازعين حاكماً للترافع وإصرارهما على ذلك يكون المرجع هو القرعة .

أقول: ما ذكره من أنّ المرجع هو القرعة إنّما يتمّ فيما إذا كان من قبيل الشبهات الموضوعية كما لو تنازعا في مال في يد ثالث و أمّا إذا كانت الشبهة موضوعية كما في مثال التزويج و الحبوة، فالمرجع هو القاضي الأعلم في البلدة، لوجوب تقليده وعدم حجّية فتوى غيره و قد عرفت أنّ القضاء فيها، إفتاء أوّلاً ، ثمّ قضاء.

فتلخّص أنّ هناك صوراً:

1ـ إذا كان هناك ادّعاء من جانب و انكار من جانب آخر فتعيين القاضي بيد المدّعي.

2ـ إذا كان هناك تداع و كانت الشبهة موضوعية فتعيين القاضي بالقرعة بينهما.

3ـ إذا كانت حكمية فيرجع إلى أعلم القضاة في البلد.

ب: نصب قاضيين لممارسة القضاء على وجه الاتفاق

هذه هي الصورة الخامسة وقد جاءت المسألة في كتب لفيف من الأصحاب كالمحقّق ومن بعده وإليك نصوصهم:

1ـ قال المحقّق:وهل يجوز التشريك بينهما في الولاية الواحدة؟ والوجه


(171)

الجواز لأنّ القضاء نيابة تتبع اختيار المنوب.(1)

2ـ قال العلاّمة في القواعد: ولو اشترط اتّفاقهما في حكم فالأقرب الجواز.(2)

3ـ وقال فخر المحققين في شرحه: وجه القرب أنّه أضبط ولجوازه في الشهادة وهي الأصل وأنّهما كالوليين والوصيين ويحتمل عدمه لأنّ الخلاف في مواقع الاجتهاد كثير وهو يؤدي إلى تعطيل الحكم فيبقى أكثر الخصومات غير مفصولة، والأقرب عندي هو الأوّل.(3)

4ـ وقال العلاّمة في الإرشاد: ولو شرط اتّفاقهما في كلّ حكم لم يجز.(4)

5ـ وقال الشهيد:ولو شرط اتّفاقهما في الأحكام ففيه نظر من تضييق موارد الاجتهاد، ومن أنّه أوثق في الحكم عندنا لأنّ المصيب واحد.(5)

6ـ وقال الشهيد الثاني: فإن شرط عليهما الاجتماع على الحكم الواحد ففي جوازه وجهان:

أحدهما: العدم لأنّ الخلاف في مواقع الاجتهاد ممّا يكثر فيبقى الخصومات غير مفصولة.

والثاني: وهو الذي اختاره العلاّمة وولده، الجواز لأنّه أضبط وأوثق في الحكم خصوصاً عندنا من أنّ المصيب فيه واحد. وعلى هذا فإن اختلف اجتهادهما في المسألة وقف الحكم وإنّما ينفذان ما يتفق فيه اجتهادهما.(6)

وقال السيّد العاملي: لاخلاف في جواز تعددهم بحسب اختلاف البلدان أو الأحكام أو الأزمان وإنّما الكلام فيما إذا اتحدّ الحكم كأن يشترط اجتماعهما في حكم أي نوع من الأحكام أو الصنف أو كل حكم، والمصنف (العلاّمة) هنا


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع:4/70.
2 ـ الإيضاح في شرح القواعد: 4/300.
3 ـ الإيضاح في شرح القواعد: 4/300.
4 ـ العلاّمة الحلّي: إرشاد الأذهان : 2/139.
5 ـ مكي العاملي، الدروس الشرعيّة: 2/67.
6 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/394.


(172)

والفخر ظاهراً والشهيد الثاني على الجواز واستدل عليه بعضهم بأنّ القضاء نيابة فيتبع اختيار المنوب كالوكيلين والوصيين وفيه أنّه كالمصادرة، والأولى الاستدلال عليه بالأصل وعموم الأدلّة وكونه في معنى قصر ولايتهما بما يتفقان عليه فيكون أوثق وأضبط قالوا: فإن اختلف اجتهادهما في المسألة وقف الحكم فيرجعان إليه ـ عليه السلام ـ .

وذهب المصنف في الإرشاد والتحرير إلى عدم الجواز لأنّه يؤول إلى تعطيل الأحكام وبقاء المنازعة .قلت: الأولى الاستدلال عليه بأنّهما إن صلحا للقضاء فلامعنى لاشتراط اتّفاقهما مع ظهور اختلاف الاجتهاد كثيراً وإلاّ فلامعنى لتوليتهما وإلاّ فما استندوا إليه في المنع يندفع بأدنى ملاحظة فيما ذكرناه من أدلّة المجيزين، ثمّ اختار الجواز لأنّه قد تقضي المصلحة قصر ولايتهما على ما يتفقان فيه وإن كان كل منّهما صالحاً للقضاء.(1)

أقول: يقع الكلام في جهات:

الأُولى: التصوير الصحيح من هذا القسم، فهل المراد منها، كون القاضي مجموعهما على وجه يكون كلّ واحد نصف قاض أو أنّ المراد أنّ كلّ واحد قاض تامّ ولكن الحكم لاينفذ بدون الاتّفاق؟ والظاهر هو الثاني، بدليل تشبيه المقام بالوصيين والوكيلين فإنّ كلّ واحد وصيّ إلاّ أنّه لاينفذ تصرّفه إلاّ برضا الآخر، ولأجل ذلك لو مات أحدهما يبقى الآخر وصيّاً تام الاختيار ولايحتاج إلى ضمّ غيره إليه.

الثانية: في تلخيص أدلّة الطرفين. إنّ المجيز والمانع استندا إلى وجوه مختلفة ، فاستند المجيز إلى:

1ـ كونه أوثق وأضبط فيكون أوقع.

2ـ إنّهما كالوكيلين والوصيين.


1 ـ العاملي: مفتاح الكرامة10/12.


(173)

3ـ إذا جاز في الشهادة التي هي الأصل للقضاء يجوز في المقام.

4ـ إنّ الجواز مقتضى الأصل والعمومات.

وعليه لو اتّفقا ينفذ وإلاّ يوقف .

استند المانع إلى:

1ـ أنّ الخلاف في مواقع الاجتهاد كثير وهو يؤدي إلى تعطيل الأحكام.

2ـ أنّه تضييق لموارد الاجتهاد ولعلّه يريد أنّه تضييق لولاية القاضي ومخالف لاستقلاله.

3ـ أنّهما إن صلحا للقضاء فلامعنى لاشتراط الاتّفاق وإلاّ فلامعنى لتوليتهما.

الثالثة: في القضاء بين القولين

هو أنّ مورد النزاع غير منقح في كلامهم فإن كان النزاع في المنصوب الخاص كما هو الظاهر من كلام السيّد العاملي حيث قال: «فيرجعان إليه ـ عليه السلام ـ » فلاموضع للجدال، لأنّ ولاية القاضي ضوء من ولاية الإمام، فهي تتّبع كيفية الإفاضة فتارة يتولّى عنه على وجه الاستقلال وأُخرى على وجه التشريك وشرط الاتّفاق قال سبحانه:«هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أو أمْسِكْ بِغيرِ حِساب»(ص/39).ولعلّ المفروض في كلام المحقق أيضاً هو هذه الصورة حيث قال: «لأنّ القضاء نيابة تتّبع اختيارالمنوب» ومع هذا لاحاجة للاستدلال بالأوثقية أو التشبيه بالوكيلين أو الوصيين أو الشهادة.ولم أتحقق وجه التمسك بالأصل في المقام في كلام السيّد العاملي، وأمّا العمومات فهي فرع وجود البيان من هذه الجهة.

كما أنّه لايصلح للمنع قوله بأنّه يؤدي إلى تعطيل الأحكام ضرورة أنّه محدّد بما إذا لم يؤدّ إلى التعطيل، أو قوله: إنّه إن صلح للقضاء فلامعنى للاشتراط، لما عرفت من أنّها مفاضة منه فتتّبع كيفية الإفاضة.


(174)

ولو كان هذا محطّ النزاع فالبحث عنه لغو في زماننا.

وأمّا إذا كان محطّ النزاع هو القاضي المأذون في عصر الغيبة وإن شئت قلت: المنصوب العام فإن لم تكن هناك دولة إسلامية يرأسها الفقيه، فلاموضوع للنصب حتّى يتحدّد بالاستقلال أوالتشريك إنّما الكلام إذا كانت دولة إسلامية وصارالتنفيذ محدّداً بالنصب لأجل حفظ النظام، وعدم تسرّب الفوضى إلى المجتمع،فيقع الكلام في جواز هذاالتحديد و هو فرع جواز تضييق دائرة ولاية القاضي واستقلاله والمفروض أنّ للقاضي في عصر الغيبة الولاية التامّة وليس للفقيه الرئيس تحديد الولاية وأمّا حديث النصب فهو شرط النفاذ، لا الولاية، وإلاّ فله الولاية نُصب أم لا ومعه كيف يمكن له أن تحدّد ولاية القاضي واستقلاله ويشترط الاتّفاق وهذا هو المهم في المسألة.

نعم لو اقتضت المصلحة فله أن يحكم عليهما حكماً حكومياً على أن لايصدر إلاّ عن الاتّفاق، والإمساك عند الاختلاف في الرأي، ولو لم يكن هناك حكم بالإمساك، واختلفا في الرأي والحكم فإذا كانت الشبهة موضوعية يتساقطان ويرجع إلى ثالث يعيّنه المدّعي وإن كانت حكمية فيؤخذ بقضاء الأعلم كما لايخفى و هذا يستفادمن رواية ابن حنظلة(1) وداود بن الحصين(2) وغيرهما كما لايخفى.

وبذلك يعلم حال الصورتين الأخيرتين في المنصوب الخاص والعام، والمحاولة الأخيرة تجري فيهما أيضاً، فالتحديد لابدّ أن يكون قيداً للتنفيذ، لاللولاية، وأن يكون هناك حكم حكوميّ لإمساك المخالف عن إصدار الحكم. فلو تحقّق الموضوع من الأكثرية أو النصاب الخاص ينفذ وإلاّ فلا.ولو صدر الحكم المخالف، يكون المرجّح في الشبهة الحكمية هو الأفقهية الواردة في الروايات، وإن كانت موضوعية يتساقطان فيرجع إلى قاض آخر .


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9، من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 20.


(175)

المسألة الثامنة: في انعزال القاضي وعزله

قد تعرّفت فيما مضى على الشرائط المعتبرة في عقد القضاء، ابتداءً، فيعتبر فيه العقل والبلوغ والعدالة، والاجتهاد والضبط العادي، ولو افترضنا أنّه افتقد في الأثناء بعض هذه الشرائط كما إذا جنّ أو فسق أو زال الاجتهاد والضبط، يُعزل عن القضاء من غير فرق بين القاضي المنصوب والمأذون لأنّ المتبادر من الأدلّة كونها معتبرة ابتداءً واستدامة، لقبح تسليط المجنون والفاسق ومن لايصلح للقضاء على النفوس والأعراض والأموال، وبعبارة أُخرى: مناسبة الحكم والموضوع تقتضي كونها شروطاً مطلقة.

وعلى ضوء ذلك لو حكم لم ينفذ واقعاً ولو جهل حاله وحكم، يكون نافذاً ظاهراً ولو بان الخلاف يكشف عن بطلانه من أوّل الأمر.

هذا من غير فرق بين القاضي المنصوب والقاضي المأذون ، لأنّها شرائط واقعية على وجه لولاها، لما عقد له القضاء.

ولو افترضنا عود الوصف الزائل، كما لو صار عادلاً، أو ضابطاً يحتمل الفرق بين المنصوب ، والمأذون، لأنّ الثاني بعد عود الوصف يدخل تحت العمومات الواردة في المقبولة وغيره، بخلاف المنصوب ففيما لو توقّف النفاذ على النصب، كما في زمان الحضور مع بسط اليد، أو الغيبة مع قيام الدولة الإسلامية، فعود الوصف وإن كان يلازم عود الولاية، لكن المفروض ، اشتراط النصب في النفاذ فلاينفذ حكمه إلاّ بعد النصب الجديد.هذا ما بنينا عليه في الدورة السابقة.

ولكن يمكن أن يقال:إنّ أساس القضاء هو الولاية والمفروض عودها وهذا كما إذا قال الإمام: صلّ خلف العادل، وافترضنا أنّ عادلاً فسق ثمّ تاب فيدخل التائب تحت قوله:«صلّ خلف العادل» ولايضرّ عدم انطباقه عليه في الأثناء فلو


(176)

كان لدليل النصب عموماً أزمانياً يُتمسّك به إلاّ فيما دلّ الدليل على خروجه.

فهل ينعزل بمجرّد العزل أو بعد بلوغ الخبر، تظهر الثمرة في صحّة الأحكام الصادرة بين العزل والبلوغ، قال في المسالك:فيه قولان أظهرهماالثاني لمعظم الضرر في ردّ أقضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر فيكون الحكم فيه أولى من الوكيل.

والسيرة الرائجة بين العقلاء هو العزل بعد بلوغ الخبر، وهو المتّبَع مالم يردع عنه الشارع وهو الظاهر من سيرة الإمام علي ـ عليه السلام ـ كما في كتابه إلى أبي موسى الأشعري عندما كان عامله على الكوفة وبلغه عنه تثبيطه الناس عن الخروج إليه لمّا ندبهم لحرب الجمل وهو: «من عبد الله ، علي أمير المؤمنين ، إلى عبد الله بن قيس.أمّا بعد:فقد بلغني عنك قول هو لك وعليك فإذا قدم رسولي عليك، فارفع ذيلك، واشدد مئزرك، واخرج من جُحْرك».(1)

المسألة التاسعة: في انعزال القضاة بموت الإمام

إذا مات الإمام فهل ينعزل القضاة المنصوبون به أو لا؟ فيه خلاف والكلام يقع تارة في الإمام المعصوم وأُخرى في الحاكم الإسلامي الأعلى.

وإليك بعض الكلمات:

1ـ قال المحقّق :إذا مات الإمام ـ عليه السلام ـ ، قال الشيخ: الذي يقتضيه مذهبنا انعزال القضاة أجمع. وقال في المبسوط: لاينعزلون لأنّ ولايتهم ثبتت شرعاً، فلا تزول بموته ـ عليه السلام ـ ، والأوّل أشبه.(2)

قال ابن سعيد: وإذا مات الإمام انعزل النائبون عنه.(3)

وقال العلاّمة في القواعد: ولو مات إمام الأصل فالأقرب انعزال القضاة.(4)


1 ـ نهج البلاغة، قسم الكتب، برقم 63.
2 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/71.
3 ـ ابن سعيد الحلي: جامع الشرائع540.
4 ـ مفتاح الكرامة : 10/21، قسم المتن.


(177)

وقال أيضاً في الإرشاد: وينعزل بموت الإمام والمنوب.(1)

والقول المشهور عند الفقهاء هو الانعزال وما نقله المحقّق عن الشيخ في المبسوط، لم نعثر عليه في كتاب القضاء منه وقد نقل العاملي الانعزال عن النافع، والتحرير، والدروس، والمسالك، والمجمع وحتّى عن الشيخ في المبسوط.

ومع ذلك يظهر من المسالك وجود قولين بين الفقهاء قال: اختلف كلام الشيخ وغيره من الفقهاء فيما لو مات إمام الأصل هل ينعزل القضاة أم لا؟ فقيل: ينعزلون مطلقاً، لأنّهم نوّابه وولايتهم فرع على ولايته، فإذا زال الأصل تبعه الفرع، وقيل: لاينعزلون، لأنّ ولايتهم ثبتت شرعاً فيستصحب ولما يترتّب على الانعزال من الضرر العام اللاحق بالخلق بخلوّ البلدان عن الحكّام إلى أن يتجدّد للإمام اللاحق نوّاب فيعطّل المصالح. والأظهر هو الأوّل.

وقد يقدح هذا في ولاية الفقيه حال الغيبة وأنّ الإمام جعله قاضياً وحاكماً فيجري في حكمه ذلك الخلاف إلاّ أنّ الأصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية فإنّها ليست كالتولية الخاصّة بل على حكم بمضمون ذلك فإعلامه بكونه من أهل الولاية على ذلك، كإعلامه بكون العدل مقبول الشهادة وذي اليد مقبول الخبر وغير ذلك وفيه بحث.(2)

إنّ القائل بالانعزال يتمسّك بفرعية ولايته على إمامة الأصل الذي مات.و القائل بعدمه يتمسّك باستصحاب الولاية أوّلاً ، ولما يترتّب على الانعزال من تعطيل المصالح ثانياً والظاهر أنّ القولين مبنيان على أمر آخر وهو أنّ المنشأ هو النيابة أو إعطاء المنصب كما سيظهر.

ولعلّ نظر الشهيد من قوله:«وفيه بحث» إلى ما يلي:

1ـ لافرق بين التولية الخاصّة والتولية العامّة فإن كان المنشأ هو النيابة


1 ـ إرشاد الأذهان:2/139.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك:2/394.


(178)

فيكون أشبه بالوكالة، تبطل بموت الموكِّل، وإن كان إعطاء المنصب وإضفاء المقام، فلاينعزل مطلقاً، خاصّاً كان أو عامّاً.

2ـ وجود الفرق الواضح بين الإعلام بكون العدل مقبول الشهادة وذي اليد مقبول القول وبين النصب للقضاء، فإنّ الأوّل من قبيل الإخبار عن واقع محفوظ خارج كلامه ـ عليه السلام ـ فلايتحدّد بحياة المخبر وبين الإنشاء فإذا كان بصورة النيابة يكون مقيّداً بحياة المنوب عنه.

3ـ وما ذكره من أنّه قد يقدح في ولاية الفقيه حال الغيبة غير قادح مطلقاً بل القدح يختصّ بصورة واحدة لابكلتا الصورتين.

ويظهر من الجواهر: الفرق بين استمداد الإمام مشروعيّة مقامه من الناس وبين كونه منصوباً من الله سبحانه فالانعزال يناسب الأوّل دون الثاني لأنّ أئمّتنا أولياؤنا أحياءً وأمواتاً، نعم إنّما ينعزل نوّابهمعليهم السَّلام بالموت حيث تكون التولية منهم مقيّدة بذلك ولو بظاهر الحال لانقطاع ولايتهم بالموت، فإذا كانت من أحدهم على الاستدامة صريحاً أو ظاهراً فلاإشكال في عدم الانعزال.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الظاهر عدم الفرق بين من أخذ مشروعيّة مقامه من الناس أو من الله، فالمتقمّص بالإمامة من جانب الشعب له الاستنابة، وله إعطاء المنصب والولاية، فالقيادة العامّة تُسوّغ كلا الأمرين والأوّل منهما يُتقوّم بحياته دون الآخر.

انّ تخصيص النزاع بالقضاة دون سائر الموظّفين عسكريين كانوا أم مدنيين بلا وجه فمقتضى الاستنابة، انعزال الجميع، وهو يورث الفوضى في المجتمع بل يورث ما لاتحمد عاقبته.كلّ ذلك يدلّنا على أنّ المنشأ هو الولاية وإعطاء المنصب وهذا أيضاً هو المستفاد من جعل الأئمّة، الفقهاءَ حكّاماً ممّا مضى من الروايات


1 ـ النجفي، الجواهر: 40/65.


(179)

خصوصاً من الإمعان في التوقيع الرفيع الصادر عن صاحب الأمر لشيعته حيث قال:«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي وأنا حجّة الله».(1)

ثمّ إنّ اللازم تركيز النزاع بعصر الغيبة وعندئذ لو لم يكن هنا دولة إسلامية فلاموضوع للبحث والفقهاء فيه قضاة مأذونون من جانب الإمام الحيّ ـ عجلّ الله تعالى فرجه الشريف ـ وأمّا إذا كان هناك دولة إسلامية يرأسها فقيه جامع للشرائط فقد عرفت أنّ النصب شرط النفاذ، وإيصاد باب الفوضى فإذا مات الفقيه فلاينعزل القضاة لأنّ ولايتهم مقتبسة عن الإمام المعصوم لاعن الفقيه القائد، غاية الأمر النفاذ بالقوة القاهرة، فرع الاعتراف بقيادته.

في موت القاضي المنصوب

ما سبق كان في موت الإمام الناصب، بقي الكلام في موت القاضي المنصوب فيقع البحث تارة في نوّابه في شغل خاص، وأُخرى في الخليفة عنه في القضاء على وجه الإطلاق.

أمّا الأوّل فظاهر الأمر أنّه من قبيل الاستنابة كما إذا عيّن رجلاً لبيع مال على ميّت أو غائب أو سماع بيّنة في حادثة معيّنة، ولامعنى لإعطاء الولاية في حادثة معيّنة لشخص.

ويقرب منه: تعيين المتولّي للوقف الذي لامتولّي له والقيّم لليتيم الذي لا ولي له، فإنّ الظاهر أنّه من قبيل الإذن في التصرّف القائم نفوذه بحياة الآذن.حيث إنّه لايمكن للفقيه المباشرة، فيُنيب الغير مكانه.

قال الشهيد: وفي المنصوبين في شؤون عامة كقوام الأيتام والوقوف وجهان ناشئان من الوجهين في نوّاب الإمام من حيث التبعية ومن ترتّب الضرر لولايتهم


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11، من أبواب صفات القاضي، الحديث 9.


(180)

إلى أن تتجدّد الولاية.(1)

أقول: الظاهر هو الوجه الأوّل، ولايترتّب أيّ ضرر إذ لو لم يتمكّن من الرجوع إلى الفقيه، يرجع إلى عدول المؤمنين وأقصى ما يترتّب ـ عند عدم التمكّن منهم ـ كون تصرّفاتهم فضولية إذا كانت مقرونة بالمصلحة ، فتنفذ بتنفيذ الفقيه الآخر بعد التمكّن منه.

وأمّا الخليفة عنه في القضاء فالمفروض على أُصولنا أنّه مجتهد مثل المنوب عنه، قاض مثله، غير أنّ حفظ النظم دعاهما إلى الترتّب وبما أنّ استنابته كان باذن من الإمام، لايضر موت النائب والمفروض ثبوت الولاية له أيضاً، نعم نفوذ رأيه ظاهراً يتوقف على الاعتراف به رسميّاً.

المسألة العاشرة: في تولية من لم يستكمل شرائط القضاء

إنّ شرائط القضاء على قسمين: قسم يعدّ مقوّماً له بحيث لولاه لما انعقد القضاء كالعقل والقدرة والبلوغ من الشرائط لعامّة التكاليف، وقسم يعدّ كمالاً للقضاء وشروطاً شرعيّة ففي حقّه يقول المحقق:

إذا اقتضت المصلحة تولية من لم يستكمل الشرائط، انعقدت ولايته مراعاة للمصلحة في نظر الإمام كمااتّفق لبعض القضاة في زمان علي ـ عليه السلام ـ وربّما منع من ذلك فإنّه ـ عليه السلام ـ لم يكن يفوض إلى من يستقضيه ولايرتضيه بل يشاركه فيما ينفذه فيكون هو الحاكم في الواقعة لا المنصوب.(2)

والمراد هنا من غير المستكمل للشرائط من كان مقلِّداً لامجتهداً، فاسقاً لاعادلاً، وبما أنّا أشبعنا الكلام حول الأمرين عند البحث عن شرائط القضاء فلانعود إليه، ونعطف عنان الكلام إلى المسألة الآتية.


1 ـ زين الدين، المسالك: 2/295.
2 ـ نجم الدين: الشرائع:4/71.


(181)

المسألة الحادية عشرة: كلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه

هنا مسألتان: احداهما: إنّ هنا طوائف لاتقبل شهادتهم على المشهود عليهم وإن كانوا عدولاً، كالولد على الوالد، والعبد على مولاه، والخصم على خصمه، على وجه لاتوجب الخصومةُ فسق الشاهد.

نعم تقبل شهادة الولد لوالده والوالد على ولده وله، والأخ لأخيه وعليه، وقد بحث فيه المحقّق في كتاب الشهادة:

قال حول شهادة الولد على الوالد: النسب وإن قرب لايمنع قبول الشهادة كالأب لولده وعليه، والولد لوالده والأخ لأخيه وعليه. وفي قبول شهادة الولد على والده خلاف.

وقال حول شهادة المملوك قيل: لاتقبل شهادة المملوك أصلاً، وقيل: تقبل مطلقاً وقيل: تقبل إلاّ على مولاه.

وقال حول شهادة الخصم: العداوة الدينية لاتمنع القبول فإنّ المسلم تقبل شهادته على الكافر. وأمّا الدنيوية فإنّها تمنع.(1)

وبما أنّ التصديق الفقهي في هذه الفروع يتوقّف على دراسة أدلّتها، وهي مطروحة في كتاب الشهادة فنتخذ عدم القبول أصلاً موضوعياً فيها ونبحث في الملازمة بين عدم قبول الشهادة وعدم قبول القضاء فنقول:

وإليك الكلمات:

1ـ قال المحقّق: كل من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه كالولد على الوالد، والعبد على مولاه، والخصم على خصمه.(2)


1 ـ لاحظ الشرائع:4/129ـ131، كتاب الشهادة.
2 ـ نجم الدين: الشرائع:4/71.


(182)

2ـ وقال العلاّمة في القواعد: وكلّ من لاتقبل شهادته لاينفذ حكمه كالولد على والده....(1)

3ـ وقال في الإرشاد: ولاينفذ حكم من لاتقبل شهادته كالولد على والده....(2)

أقول: أُستدل على الملازمة بوجوه:

1ـ القضاء شهادةوزيادة

قال ثاني الشهيدين: الحكم من شخص على آخر، شهادة له عليه وزيادة فيشترط في نفوذه ما يشترط في نفوذ الشهادة من الطرفين و أحدهما ...لكنّه قدَّس سرَّه منع الحكم في الأصل، أي عدم قبول شهادته فرتّب عليه قبول حكمه له وعليه كغيره.(3)

وقال المحقّق الأردبيلي في شرح قول العلاّمة في الإرشاد:أي لايُمضى حكم من لاتقبل شهادته على شخص، عليه كشهادته كحكم الولد على والده فإنّ المشهور بل ادّعي الإجماع على عدم قبول شهادة الولد على الوالد فلايجوز حكمه عليه إذ الحكم شهادةوزيادة.

ثمّ أورد عليه بقوله: فيه تأمل إذ سيجيء أن لا إجماع ولا دليل على ذلك بل الدليل على خلافه و قد تمنع الأولوية على تقدير وجود الدليل على منع الشهادة فقط و القياس ممنوع فيجوز الحكم عملاً بعموم الأدلّة.(4)

أقول: لاشكّ أنّ الإطلاقات هو المحكّم فما لم يكن هناك دليل صالح على منع الحكم فيؤخذ بإطلاق قوله:«فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً»(5) وأمّا الاستدلال


1 ـ مفتاح الكرامة: 10/13، قسم المتن.
2 ـ ارشاد الأذهان: 2/139.
3 ـ المسالك: 2/395.
4 ـ الأردبيلي،مجمع الفائدة: 12/21ـ22.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب11من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.


(183)

فيوضح ببيانين:

أ: إنّ القضاء حكم يتضمّن الشهادة، فإذا كانت شهادته غير نافذة يكون قضاؤه كذلك.

يرد عليه أنّ القضاء ليس شهادة، وإنّما القاضي يصدر عن الشهادة من دون تصديق لها قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «إنّما أقضى بينكم بالبيّنات والأيمان وبعضكم الحن بحجّته من بعض».(1)

ب : انّ العرف يَفهم حكمَ القضاء من حكم الشهادة، وأنّ ما هو السبب لمنع نفوذ شهادته، فهو موجود أيضاً في القضاء حرفاً بحرف وهذا استدلال مقبول ولايرد عليه ما ذكره المحقّق الأردبيلي: «من منع الأولوية على تقدير وجود الدليل على منع الشهادة، والقياس ممنوع» وذلك لأنّ أساس الاستدلال ليس القياس ولا القسم الأولوي منه، بل فهم العرف من الدليل، عدم اختصاص الحكم بمورد الدليل.

2ـ القضاء عليه خلاف المعروف

إنّ القضاء على الوالد، يخالف قوله سبحانه:«وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» (لقمان/15).

يلاحظ عليه : أنّ القضاء بالحقّ ليس على خلاف المعروف وليس المعروف إلاّ الموافق للشرع وإن أبيت إلاّ عن كونه موافقاً لما عليه العقلاء، فنمنع كون الإجهار بالحقّ في المحكمة، على خلاف سلوكهم بل يعدّ خدمة له، لأنّه يخلصه عمّا عليه من الحقّ ومن تبعاته، كيف لايكون كذلك وقد قال سبحانه:«وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَو كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (الأنعام/152).


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(184)

3ـ القضاء عليه عقوق:

إنّ القضاء عليه عقوق لأنّه إظهار لكذب الوالد وهو محرّم.(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه إذا كان عقوقاً يجب أن لايمضي حكمه على والده مع أنّه جائز بالاتّفاق ـ بأنّ الإيذاء إذا كان بحقّ لايعدّ عقوقاً، فلو تأذّى الوالد من أداء الواجبات، فلايعدُّ من العقوق المحرّم يقول سبحانه:«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ للّهِ وَ لَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدين وَ الأَقْرَبين»(النساء/135) .ومثله ليس بعقوق إمّا موضوعاً أو حكماً.

وعلى ضوء الدليل الأوّل المرضيّ عندنا لافرق بين قضاء الولد على الوالد، أو قضاء الخصم على خصمه، وإن كان حاكماً في عصر الغيبة أو قضاء المملوك على مالكه، إذ المفروض ثبوت الحكم في الأصل ، والمناسبة الموجودة بين الموضوع والحكم في الأصل تقتضي سريانه إلى القضاء ويكون حاكماً على قوله:«فإنّي جعلته عليكم حاكماً» أو: «فإنّهم حجّتي عليكم»، «والرادّ عليهم كالرّاد علينا»(2)بمعنى تضييق دائرة الدليل وحجّيته.

تكميل

إنّ من لاتقبل شهادته لايختصّ بالثلاثة، بل يعمّ من يجرّ بالشهادة إلى نفسه نفعاً أو يدفع ضرراً تجمعهما التهمة كما في شهادة الشريك للشريك فيما هو شريك فيه، وصاحب الدين للمحجور عليه، فمن، لاتقبل شهادته فيه، لايقبل قضاؤه لنفس الدليل المذكور في الصورة المتقدّمة وقد استدل على عدم جواز شهادة غير الثلاثة بروايات:

أ : موثقة سماعة: قال سألته عمّا يردّ من الشهود قال:«المريب، والخصم،


1 ـ الدليلان نقلهما السيد العاملي في مفتاح الكرامة عن العلاّمة ، لاحظ:10/14.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، 9، 10.


(185)

والشريك، ودافع مغرم، والأجير والعبد والتابع، والمتّهم، كلّ هؤلاء تردّ شهاداتهم».(1)

ب : ما رواه الصدوق بسنده المذكور في المشيخة عن فضالة بن أيوب عن أبان قال: سئل أبو عبد الله عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه قال: تجوز شهادته إلاّ في شيء فيه له نصيب.(2) إلى غير ذلك من الروايات التي يجمعها غالباً جرّ النفع أو دفع الضرر. وقد عرفت وجود الملازمة العرفية بين المنع عن الشهادة والمنع عن نفوذ القضاء وعلى ذلك فهناك فروع تترتّب على ذلك الأصل يظهر من المشايخ عدم نفوذ رأي القاضي فيها، ولايخلو بعضها من إشكال وإليك الفروع:

1ـ إذا كان للحاكم منازعة مع غيره لاينفذ حكمه لنفسه على ذلك الغير ولو بأن يوكِّل غيره في المرافعة معه فيترافعا إليه بل يلزم الرجوع إلى حاكم آخر... وهذا لاغبار عليه، لانصراف أدلّة قضاء الفقيه عن هذه الصورة ولأنّ ظاهره جرّ النفع إلى نفسه وإن كان يحتمل أن يكون حقّاً وقد عنونه المحقّق في محلّه فلاحظ.(3)

2ـ إذا نقل حقّه إلى غيره، جاز أن يرجع الغير مع الخصم إليه، و إن انتقل إلى القاضي بعد ذلك بإقالة و نحوها وذهب السيّد الطباطبائي إلى الجواز قال: «حتى ولو نقل إلى الغير بشرط الخيار لنفسه في الفسخ» (4) لعدم كون القاضي طرفاً للنّزاع فلا انصراف للأدلّة ولعدم صدق جرّ النفع بشرط أن يكون الانتقال جدّياً، لامن باب الحيل الشرعية حتى يقع ذريعة للترافع لديه. ومع ذلك ففي النظر فيه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث 3 ولاحظ الحديث 7.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب الشهادات، الحديث 3، وسند الصدوق إلى فضالة في «الفقيه» صحيح، وفضالة بن أيوب ثقة، وأبان بن عثمان ممن أجمعت العصابة على تصديقه، ولما حقّقنا في محلّه من بطلان اتّهامه بالناووسية.
3 ـ نجم الدين الحلي الشرائع: 4/83 و لاحظ الجواهر: 40/158.
4 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/17.


(186)

مجال، لأنّه متّهم في قضائه إذ لو قضى لصالح المدّعي يلزم عليه ردّ الثمن على من باعه منه ، ولو قضى لصالح المنكر (المشتري) فقد دفع به ذلك المغرم عن نفسه فيحتمل أن يكون من مصاديق قوله في موثقة سماعة:«ودافع مغرم» كما مرّ فالأولى رفع الشكوى إلى قاض آخر.

3ـ إذا كان للحاكم شركة مع غيره في مال ووقع النزاع فيه بينهما وبين غيرهما نفذ حكمه في حصّة شريكه لافي حصّة نفسه مثلاً إذا تنازع أخوه مع غيره في مال مشترك بينه وبين أخيه في طرف الإرث وترافعا إليه فحكم لأخيه نفذ في حصّة أخيه، ولاينفذ في حصّة نفسه لأنّه يصبح طرف النزاع ويجرّ به نفعاً.

وهل يشارك القاضي مع الغير في تلك الحصّة التي قضى له؟ ربّما يقال: بالفرق بين ما إذا قسّمها الأخ بينه وبين القاضي قبل القضاء إذ حينئذ يشارك معه في تلك الحصّة لإقراره بالشركة، وما إذا لم يقسّمها فلايشارك معه فلأخيه أن ينقلها إلى غيره على إشاعتها. هذا ما ذكره السيّد الطباطبائي.(1)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الاعتراف بالشركة قبل الإفراز نافعاً فليكن نافعاً في صورة عدم الإفراز وعلى ما ذكره في صورة الإفراز ، وما ذكرناه في صورة الإشاعة يكون مرجع النزاع لبّاً إلى أنّ نصف النصف المفروز أو المشاع ماله فلايكون نافذاً.

نعم إذا كانت الدعوى ديناً فلايشاركه بعد القبض لأنّ المحكوم عليه يغرم له بما أنّه سهمه والمحكوم يقبض بما أنّه سهمه وهذا كما إذا تنازع جماعة مشاركون في عين أو دين مع غيرهم فأقاموا شاهداً واحداً وحلف بعضهم دون بعض فإنّه تثبت حصّة الحالف، دون غيره ولايشاركه من لم يحلف في حصّته.

4ـ إذا كان القاضي وليّاً خاصاً للمدّعى عليه كالأُبوة والجدودة والوصاية، فاختار صاحب الجواهر عدم قبول شهادته للمولّى عليه لأنّها تجرّ نفعاً إليهم


1 ـ ملحقات العروة: 2/17.


(187)

وقوّى عدم نفوذ قضائه حيث قال:«أمّا إذا كان الأب حاكماً مثلاً أو الوصيّ كذلك ففي قبول حكمه له نظر أقواه العدم».(1)

يلاحظ عليه: أنّ الشهادة في جميع الموارد تجرّ نفعاً إلى المشهود له،والمانع هو جرّ النفع إلى نفسه لا إلى المشهود له وإن كانت بينهما وشيجة كالقرابة وعلى ذلك فلامانع من قبول شهادته وقضائه والمراد من المتّهم في رواية سماعة هو المتّهم في دينه كما ورد التفسير به في رواية الصدوق في معاني الأخبار(2) ولو نوقش في سندها وفسِّر بمعنى آخر(غير ما ذكرنا) فهو لايصدق على القاضي العادل وإن قضى في حقّ أولاده.والقدرالمتيقّن من عدم نفوذ قضائه فيما إذا كان النزاع في أنّ المال الفلاني له أو لا وبعبارة أُخرى أن يكون هو طرف النزاع واقعاً من غير فرق بين كون طرف النزاع في الظاهر هو نفسه أو وكيله.وأمّا إذا كان النزاع في مال غيره فمقتضى عموم نفوذ حكم الحاكم وعدم جواز الردّ عليه، نفوذه.

نعم في تصدّيه للدفاع عن المولّى عليه شبهة وحدة المدّعي و القاضي فله أن يدفع الشبهة بتوكيل شخص يكون هو طرف المرافعة، لا القاضي نفسه، ويحكم ويجوز حكمه. و مع ذلك يجوز له القضاء مباشرة لوجود حيثيتين مختلفتين في القاضي فبما أنّه وليّ أو وصيّ فهومدّع، وبما أنّه فقيه جامع للشرائط قاض .وفي الحقيقة المدّعون الواقعيّون، هم الأيتام والقصّر، والقاضي ينوب عنهم ويتكلّم عن لسانهم وهذا غير كون المدّعي والقاضي واحداً حقيقة نعم التوكيل أحسن وأحوط وأقرب إلى سلوك العقلاء.

أضف إلى ذلك وجود النصّ على نفوذ شهادة الوصيّ فيجوز قضاؤه.(3)

وممن تنبّه بذلك السيّد الطباطبائي قدَّس سرَّه فإنّه بعد أن منع في المسألة 13 نفوذ


1 ـ النجفي، الجواهر: 40/72.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب الشهادات، الحديث 8.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 28من أبواب الشهادات، الحديث 1.


(188)

قضاء الحاكم إذا كان له منازعة مع غيره كأنّه حاول الاستدراك لما ذكره فقال في المسألة 16:إنّ جميع ما ذكرنا في هذه المسائل إنّما هو بناء على الإطلاق المدّعي على عدم نفوذ حكم الحاكم في حقّ نفسه أو تمامية انصراف أخبار نفوذ حكم الحاكم إلى غير صورة رجوع الحكم إلى نفسه لكن القدر المتيقن من الإجماع أو الانصراف ما إذا كان هو الطرف للمنازعة أو كان الطرف وكيله مع كون النزاع في أنّ الشيء الفلاني ماله أو لا و أمّا إذا كان النزاع في مال غيره و لو كان هو الولي له بالولاية الخاصة أو كان الطرف شريكه، أو كان النزاع مع غيره و إن كان الحقّ راجعاً إليه فمقتضى عموم نفوذ حكم الحاكم وعدم جواز الردّ عليه، نفوذه.(1)

5ـ وبما ذكر يعلم الفرق بين ما إذاكان النزاع مع شريك القاضي وبين كونه شريك الموّلى عليه، ففي الأوّل لاينفذ وإن وكّل الغير، لما مرّ من أنّ القاضي يصير م آلاً طرف النزاع، بخلاف الثاني، لانطباق ما ذكرنا من الميزان على الأوّل دون الآخر.(2)

6ـ كما تظهر الحال فيما إذا كان الطرف غيره بحسب عنوان المنازعة وإن كان المال راجعاً إليه كما إذا نذر شخص داره له أو أوصى بها له، وحصل منازع مع ذلك الشخص فترافعاً إليه في ذلك الدار فلامانع عن نفوذ حكمه له.إذ ليس النزاع في أنّ الشيء الفلاني ماله أو لا، خصوصاً إذا لم يكن حال الحكم عالماً بأنّ تلك الدار له من طرف النذر أو الوصية.

7ـ إذا كان وليّاً عامّاً للأيتام والمجانين والغيّب والفقراء بالنسبة إلى الخمس والزكاة والوقف إذا كان النزاع في ثبوتها وعدمها فتظهر الحال ممّا سبق إذ ليس النزاع في أنّ المال ماله بل النزاع في أنّ لهؤلاء حقّاً أو لا فلاوجه لعدم النفوذ وكونه وليّاً لهم لايكون سبباً للمنع.


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/18.
2 ـ خلافاً للسيّد الطباطبائي حيث سوّى بينهما في الحكم مع وضوح الفرق.


(189)

قال العلاّمة في التحرير: ولو تولّى وصيّ اليتيم القضاء فهل يقضى له فيه نظر: ينشأ من كونه خصماً في حقّه، كما في حقّ نفسه ومن أنّ كل قاض وليّ الأيتام»(1) وقال في الجواهر:«لا إشكال في عدم منع مثل ذلك الحكم لعدم اختصاص الولاية له، وكذا شهادة الفقير أو حكومته بأنّ في مال زيد الزكاة مثلاً بل وكذا الكلام في مصرف الوقف من العلماء والعدول ونحوهم فإنّ ذلك ونحوه لايمنع الحكومة ولا الشهادة لعموم أدلّة القبول.(2)

والحاصل: أنّ الذي عليه العقلاء هو أنّه إذا كان الإنسان بشخصه مدّعياً وقاضياً فهذا ما لايخضع عليه العقلاء، بل يرجعون الواقعة إلى فرد ثالث لأنّهم يتّهمون القاضي بالتأثر عن الإنانيّة عن لاوعي، وهذا بخلاف ما إذا كان مدّعياًنيابة بشخصيته، وقاضياً بشخصه كما في موارد الولاية العامّة والخاصّة والوصاية، ففي مثله يخضع العقلاء على قضائه وعلى ضوء هذا يتّضح حكم كثير ممّا ذكرنا من الصور أو جميعها، فلاحظ.

فتلخّص من دراسة الصور السبع أنّ الميزان هو أنّه إذا كان طرف النزاع فعلاً كما في الصورة الأُولى والثالثة، أو كان في مظنّة دفع مغرم عن نفسه، كما في الصورة الثانية فلايصلح للقضاء، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك.

***


1 ـ العلاّمة الحلّي، التحرير، كتاب القضاء181.
2 ـ الجواهر: 40/72.


(190)

النظر الثاني
في آداب القاضي

و فيه مسائل:

الأولى: عمل القاضي بعلمه

هل يجوز للإمام أن يقضي بعلمه ، وإذا جاز له القضاء بعلمه، فهل يجوز للفقيه القاضي أن يعمل بعلمه أو لا؟وربّما يتصوّر أنّ البحث عن الجهة الأُولى لغوٌ لاثمرة فيه، وليس كذلك; إذ ربّما يقع البحث فيها ذريعةً لاستكشاف الحال في الجهة الثانية، إذ لو لم يجز للإمام، فلايجوز للقاضي بوجه أولى كما أنّه إذا جاز له العمل، يكون مقتضياً لثبوت الحكم فيه، وإن لم يكن سبباً تامّاً لاحتمال أن يكون العمل من خصائصهمعليهم السَّلام .

وقد عبّر المحقّق الرشتي عن المسألة بـ «هل يكون علم القاضي بيّنةً للقضاء»؟

ولعلّ التعبير عن «علم القاضي» بالبيّنة مشعرٌ بأنّ النزاع في الجواز مختصٌّ بالشبهات الموضوعية، وأمّا الشبهات الحكمية فلا ريب أنّه يعمل بعلمه واجتهاده لا بعلم الغير واجتهاده لكونه مخطِّئاً له.

إذا عرفت هذا فلإيضاح المقام نقدّم أُموراً:

* الأمرالأوّل: في نقل كلمات الأصحاب في المسألة :

1ـ قال ابن الجنيد في كتاب الأحمدي : «ويحكم الحاكم فيما كان من حدود الله عزّ وجلّ ولايحكم فيما كان من حقوق الناس إلاّبالإقرار والبيّنة فيكون ما علمه


(191)

من حقوق الناس شاهداً عند مَن فوقه وشهادته كشهادة الرجل الواحد، سواء كان ما علمه من ذلك كلّه في حال ولايته أو قبلها».(1)

والظاهر ممّا نقل عنه المرتضى أنّه كان يمنع العمل بالعلم مطلقاً من غير فرق بين حقوق الله وحقوق الناس، قال المرتضى: احتجّ ابن الجنيد بأنّ في الحكم بعلمه تزكية نفسه ولأنّه إذا حكم بعلمه فقد عرض نفسه للتهمة وسوء الظن به.

ويظهر من دليله أيضاً أنّه قائلٌ بالمنع مطلقاً قال:وجدت الله تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقاً، أبطلها فيما بينهم وبين الكفّار والمرتدّين كالمواريث والمناكحة وأكل الذبائح ووجدنا أنّه قد اطلع رسوله على من يُبطِن، كأن يبطن الكفر ويظهر الإسلام وكان يعلمه ولم يبيّن صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أحوالهم لجميع المؤمنين فيمتنعوا من مناكحتهم وأكل ذبائحهم.(2)

وعلى كلّ تقدير فهو إمّا من المفصِّلين أو من المانعين على وجه الإطلاق.

2ـ قال المرتضى: ممّا ظنّ انفراد الإمامية وأهل الظاهر في القول بأنّ للإمام والحكّام من قبله، أن يحكموا بعلمهم في جميع الحقوق والحدود من غير استثناء وسواء علم الحاكم ماعلمه وهو حاكم أو علمه قبل ذلك...ثمّ نقل تفصيل مذاهب الجمهور ـ إلى أن قال: ـ لاخلاف بين الإمامية في هذه المسألة وقد تقدّم إجماعُهم ابنَ الجنيد وتأخّر عنه وإنّما عول ابن الجنيد على ضرب من الرأي والاجتهاد.(3)

3ـ قال الشيخ في الخلاف:للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأحكام من الأموال والحدود والقصاص وغير ذلك سواء كان من حقوق الله تعالى أو من


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك :2/398 ويظهر منه أنّ كتاب الأحمدي كان موجوداً في عصره. إذ هذه العبارة ليس لها أثر في الانتصار للسيّد المرتضى ولا في مختلف الشيعة للعلاّمة وإنّما الموجود فيهما غيرها كما سيوافيك.
2 ـ المرتضى، الانتصار: 70. راجع مفتاح الكرامة:10/36ـ37.
3 ـ المرتضى، الانتصار: 70. راجع مفتاح الكرامة:10/36ـ37.


(192)

حقوق الآدميين، فالحكم فيه سواء، ولافرق بين أن يعلم ذلك بعد التولية في موضع ولايته أو قبل التولية، أو بعدها قبل عزله في غير موضع ولايته، الباب واحد.(1)

4ـ وقال في المبسوط: والذي يقتضيه مذهبنا ورواياتنا أنّ للإمام أن يحكم بعلمه وأمّا من عداه من الحكّام فالأظهر أنّ لهم أن يحكموا بعلمهم وقد روي في بعضها أنّه ليس له أن يحكم بعلمه لما فيه من التهمة.(2)

وقال أيضاً:«قال قوم يقضي بعلمه، وقال آخرون: لايقضي، وعندنا أنّ الحاكم إذا كان مأموناً قضى بعلمه وإن لم يكن كذلك لم يحكم به».(3)

وقال أيضاً: «وأمّا إقامته بعلمه فقد ثبت عندنا أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود وفي أصحابنا من قال: وكذلك في الحدود».(4)

وعلى ضوء هذا فللشيخ أقوالٌ ثلاثة:

أـ الجواز مطلقاً.

ب ـ الجواز إذا كان مأموناً.

ج ـ التفصيل بين الحدود وغيرها فيجوز في الثاني .ولعلّ مراده من كونه مأموناً، أي بريئاً من التهمة.

5ـ وفي النهاية فصّل في الحدود بين حقوق الناس وحقوق الله فيجوز في الأوّل دون الثاني.(5)

6ـ وقال أبو الصلاح الحلبي: وإن أنكر فكان عالماً بصدق المدّعي أو


1 ـ الطوسي، الخلاف: 3، كتاب القضاء، المسألة 41.ولعلّ تقدير العبارة هكذا:يعلم ذلك قبل التولية أو بعدها في موضع ولايته وبعد التولية في غير موضع ولايته.
2 ـ الطوسي، المبسوط:8/166، وما أشار إليه من الرواية ليست موجود في مصادرنا كما صرح في مفتاح الكرامة:10/37.
3 ـ المبسوط:8/ 121و12.
4 ـ المبسوط:8/ 121و12.
5 ـ النهاية:691.


(193)

المدّعى عليه على كلّ حال وفي تلك القضية حكم بعلمه ولم يحتج إلى بيّنة ولايمين على صحّة دعوى ولا إنكار، إلاّ أن تقوم بيّنةً تمنع من استمرار العلم فيحكم بمقتضاه.(1)

7ـ قال ابن البرّاج: «وإذا ترافع خصمان إلى الحاكم فادّعى أحدهما على الآخر حقّاً فأنكر وعلم الحاكم صدق المدّعي فيما طالبه، مثل أن يكون ما عليه، يعلمه الحاكم أو قصاص أو ما أشبه ذلك، كان له أن يحكم بعلمه، ثمّ نقل عن المخالفين بأنّهم يعيبوننا بالقول بعلم القاضي بعلمه، مع أنّهم يجوزونه في موارد ثلاثة:

أ ـ أن يحكم في الجرح بعلمه وأن تهدى البيّنة على عدالة الشاهد.

ب ـ إذا طلّق زوجته بحضرته ثلاثاً ثمّ جحد الطلاق كان القول قوله مع يمينه فيعمل بعلمه.

ج ـ إذا عتق الرجل عبده بحضرته ثمّ جحد، ولايعتمد بيمين المنكر».(2)

8ـ وقال ابن حمزة: «ويجوز للحاكم المأمون الحكم بعلمه في حقوق الناس وللإمام في جميع الحقوق».(3)

9ـ قال ابن إدريس: عندنا للحاكم أن يقضي بعلمه في جميع الأشياء; لأنّه لو لم يقض بعلمه أفضى إلى إيقاف الأحكام أو فسق الحكّام، لأنّه إذا طلّق الرجل زوجته بحضرته ثلاثاً ثمّ جحد الطلاق كان القول قوله مع يمينه فإن حكم بغير علمه وهو استحلاف الزوج وتسليمها إليه فَسَقَ وإن لم يحكم وقف الحكم وهكذا إذا أعتق الرجل عبده بحضرته ثمّ جحد وإذا غصب من رجل ماله ثمّ جحد يفضي إلى ما قلناه.

الحقوق ضربان: حقّ للآدميين، وحق لله فإن ادّعى حقّاً لآدمي كالقصاص


1 ـ أبو الصلاح ، الكافي: 445.
2 ـ ابن البراج، المهذب: 2/586 ـ587.
3 ـ ابن حمزة: الوسيلة: 219.


(194)

وحدّ القذف، والمال فاعترف به أو قامت به البيّنة لم يجز للحاكم أن يعرض له بالرجوع عنه، والجحود; لأنّه لاينفعه ذلك، لأنّه إذا ثبت باعترافه، لم يسقط برجوعه وإن كان قد ثبت بالبيّنة لم يسقط عنه بجحوده.

وإن كان حقّاً لله كحدّ الزنا والشرب فإن كان ثبوته عند الحاكم بالبيّنة لم يَعْرض له بالرجوع لأنّ الرجوع لاينفعه ، وإن كان ثبوته باعترافه جاز للحاكم أن يعرض له بالرجوع لكنّه لايصرّح بذلك; لأنّ فيه تلقين الكذب وإنّما قلنا بجوازه لأنّ ماعزاً لمااعترف قال له النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لعلّك قبّلتها، لعلّك لمستها.(1)

10ـ وقال المحقّق: «الإمام يقضي بعلمه مطلقاً، وغيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس وفي حقوق الله تعالى على قولين أصحّهما القضاء».(2)

11ـ وقال ابن سعيد: «والحاكم يحكم بعلمه في عدالة الشاهد وجرحه فلاخلاف وفي حقوق الناس وحقوق الله في الأظهر».(3)

12ـ وقال العلاّمة في القواعد: «الإمام يقضي بعلمه مطلقاً، وغيره يقضي به في حقوق الناس وكذا في حقّه تعالى على الأصح».(4)

13ـ قال الشهيد الثاني : ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ الإمام يحكم بعلمه مطلقاً لعصمته المانعة من تطرّق التهمة وعلمه المانع من الخلاف، والخلاف في غيره من الحكّام فالأظهر بينهم أنّه يحكم أيضاً بعلمه مطلقاً، وقيل:لايجوز مطلقاً، وقال ابن إدريس: يجوز في حقوق الناس من دون حقوق اللّهوعكس ابن الجنيد في كتابه الأحمدي ـ إلى أن قال: ـ وأصحّ الأقوال جواز قضاء الحاكم مطلقاً بعلمه مطلقاً لأنّ العلم أقوى من الشاهدين اللّذين لايفيدقولهما عند الحاكم إلاّ مجرّد الظن إن كان فيكون القضاء به ثابتاً بطريق


1 ـ ابن إدريس الحلي، السرائر: 2/179.
2 ـ الجواهر: 40/86ـ 88، قسم المتن.
3 ـ الجامع للشرائع: 529.
4 ـ مفتاح الكرامة: 10/35 ـ36، قسم المتن.


(195)

أولى.(1)

14ـ اختار السيد الأُستاذقدَّس سرَّه في التحرير جواز عمل القاضي بالعلم في المجالين: حقوق الله وحقوق الناس مثل عمله إذا قامت البيّنة أو أقرّ الخصم، غير أنّ عمله في حقوق الناس يتوقّف على المطالبة حدّاً كان أو تعزيراً(2) ولكنّ القيد ليس تفصيلاً في المسألة; إذ المطالبة هوالشرط مطلقاً في حقّ الناس سواء ثبت بالعلم أو بالبيّنة والإقرار ، فما لايطالب صاحب الحقّ لايحكم به القاضي.

فهذا أربعة عشر نصّاً من الأصحاب يعرّف موقف الأصحاب من المسألة ويحصل من الإمعان فيها أنّ الأقوال عندهم تناهر ستة:

1ـ القول بالمنع، كما عن ابن الجنيد.

2ـ الجواز مطلقاً، كما عليه الأكثر.

3ـ يجوز في حقوق الناس دون حقوق الله .

4ـ عكس الثالث وهوخيرة ابن الجنيد في الأحمدي حسب ما عرفت.

5ـ الفرق بين كون القاضي مأموناً وعدمه فيقضي في الأوّل دون الثاني.

6ـ الفرق بين الحدود وغيرها فلايقضي في الأوّل بعلمه وهوخيرة الشيخ في موضع من المبسوط وهو غير القول الثالث; لأنّه يفرق بين حقّ الناس وحقّ الله، فيقضي في الأوّل دون الثاني وهذا يفرق بين الحدود ـ وإن كان حقّ الناس ـ وغيرها وعلى هذا لايعمل بعلمه في القصاص وحدّ القذف; لأنّهما وإن كانا من حقوق الناس، لأنّهما من الحدود.


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/398.ما نسبه إلى ابن إدريس لاينطبق على ما نقلناه عن السرائر فلاحظ.
2 ـ الإمام الخميني: التحرير:2/408.


(196)

كلمات فقهاء أهل السنّة

وأمّا أهل السنّة فقد نقل المرتضى أقوالهم في الانتصار، والشيخ في الخلاف ونحن ننقلها عن الخلاف والمغني.

قال الشيخ في الخلاف: للشافعي فيه قولان في حقوق الآدميين: أحدهما مثل ما قلناه وبه قال أبو يوسف واختاره المزني وعليه نصّ في الأُم وفي الرسالة واختاره وقال الربيع: مذهب الشافعي أنّ القاضي يقضي بعلمه وإنّما توقّف فيه لفساد القضاة.

والقول الثاني لايقضي بعلمه بحال وبه قال في التابعين: شريح والشعبي. وفي الفقهاء مالك والأوزاعي، وابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق... وعن مالك وابن أبي ليلى، قال: لو اعترف المدّعى عليه بالحقّ لم يقض القاضي عليه حتى يشهد عنده شاهدان.

وأمّا حقوق الله تعالى فإنّها تبنى على قولين: فإذا قال لايقضي بعلمه في حقوق الآدميين فبأن لايقضي به في حقوق الله أولى.وإذا قال يقضي بعلمه في حقوق الآدميين ففي حقوق الله على قولين.

ولافصل على القولين بين أن يعلم ذلك بعد التولية في موضع ولايته أو قبل التولية، أو بعد التولية في موضع ولايته.

وقال أبوحنيفة ومحمّد: إن علم بذلك بعد التولية ففي موضع ولايته حكم وإن علم به قبل التولية أو بعد التولية في غير موضع ولايته لم يقض به. هذا في حقوق الآدميين، أمّا في حقوق الله تعالى فلايقضى عندهم بعلمه بحال.(1)

وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب أنّ الحاكم لايحكم بعلمه في حدّ ولافي غيره


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 41.


(197)

لا فيما علمه قبل الولاية، ولابعدها وهذا قول شريح،والشعبي، ومالك وإسحاق وأبي عبيد، ومحمّد بن الحسن ، وهو أحد قولي الشافعي.

وعن أحمد رواية أُخرى يجوز له ذلك وهو قول أبي يوسف وأبي ثور والقول الثاني للشافعي واختيار المزني.

وقال أبوحنيفة : ما كان من حقوق الله لايحكم فيه بعلمه لأنّ حقوق الله تعالى مبنيةٌ على المساهلة والمسامحة وأمّا حقوق الآدميين فيماعلمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته حكم به، لأنّ ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته ـ إلى أن قال: ـ ولأنّ تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله إلى علمه.(1)

حاصل أقوالهم

إنّ المشهور في حقوق الآدميين هو عدم الجواز إلاّ على أحد القولين للشافعي، وبه قال يوسف والمزني.

وأمّا في حقوق الله، فمن قال لايجوز في الآدميين يقول به فيها وأمّا من يجوِّز فيها فله قولان فيها ولايفصل أحد منهم بين العلم قبل التولية وبعدها، أو بين موضع توليته وغيره إلاّ أبا حنيفة كما عرفت.

***

* الأمر الثاني: ما هو المراد من الجواز؟

المراد من الجواز في عنوان المسألة هوالجواز الوضعي، لا التكليفي بمعنى جواز العمل وتركه، ضرورة أنّه إذاتمّت الحجّة بالعلم يجب العمل وإقامة القسط


1 ـ ابن قدامة، المغني:10/140ـ 141.


(198)

والعدل، والحكم بالحقّ، وإلاّ حرم العمل.

***

* الأمر الثالث: في العلم المأخوذ في الموضوع

إنّ القضاء يتوقّف على العلم والقضاء بدونه حرام وهل العلم فيه طريقي محض، أو موضوعي؟ الظاهر هو الثاني ، بشهادة قوله:«ورجل قضى بالحقّ وهو لايعلم فهو في النار» ولو كان العلم المعتبر فيه طريقياً محضاً لما صحّ إيعاد النار عليه في هذه الصورة لكونه أصاب الواقع ولماانحصرت النجاة بآخر الأقسام أعني: «رجل قضى بالحقّ وهو يعلم فهو في الجنة».(1)

وليس المراد من العلم منه هو العلم بالحقّ، علماً منطقياً، (الاعتقاد الجازم)بشهادة أنّ من يحكم بالبيّنات والأيمان، لاعلم له بواقع الحقّ، بل المراد هو قيام الحجّة على الحقّ، فقد أخذ علم القاضي على وجه الإجمال موضوعاً لوجوب الاتباع والنفوذ على المتخاصمين فعند ذلك يجب الفحص عن خصوصية ذلك العلم النافذ على الغير.

توضيح الحال: إنّ علم الإنسان بالنسبة إلى نفس العالم، يلاحظ غالباً ـ إلاّ ما شذّ ـ طريقاً إلى الواقع، فيجب اتّباع العلم من غير فرق بين أسبابه، فلو حصل العلم بالموضوع أو الحكم من أيّ طريق كان، يجب الأخذ به إلاّ إذا ردع الشارع عنه فعندئذ يرجع إلى التشكيك في مبادئه، وأمّا علم الإنسان بالنسبة إلى غيره فهو موضوع للزوم اتّباعه كعلم المفتي بالحكم الشرعي، وعلم الشاهد بما يشهد، وعلم القاضي بما يقضي.فقد اتّخذ العلم في تلك الموارد، موضوعاً للزوم اتّباع الغير ونفوذه في حقّه وعندئذ يجب الفحص عن حدّ الموضوع، فهل المأخوذ في الموضوع


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب4 ، من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.


(199)

مطلق العلم أو العلم الخاص منه فلو كان إطلاق يؤخذ به وإلاّ يؤخذ بالقدر المتيقّن منه والظاهر من الروايات هو تحديد علم القاضي بالبيّنات والأيمان فالعمل بغيرهما يحتاج إلى دليل خاص.

قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان وبعضكم الحن بحجّته من بعض فأيّما رجل قطعتُ له من مال أخيه شيئاً، فإنّما قطعتُ له به قطعة من النار».(1)

وقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة ، أو يمين قاطعة، أو سنّة ماضية من أئمّة الهدى».(2)

فإن قلت: سلّمنا إنّ العلم مأخوذ ـ موضوعاً ـ في نفوذ رأي القضاء لكنّه مأخوذ فيه على نحو الطريقية، لا على نحو الوصفية والسببيّة فعندئذ كما هو شامل للححج الشرعية من البيّنات والأقارير، فهكذا شاملٌ للعلم الوجداني للقاضي أخذاً بالملاك.

قلت: لايصحّ القول بأنّ تمام الملاك هوالطريقية وذلك لظهور أدلّة باب القضاء هو كون القاضي إنساناً محايداً غير متحيّز لأحد الطرفين وهو لايتحقّق في نظر العرف إلاّ إذا عمل بمااتّفق المترافعان عليه وهو البيّنة والإقرار، لا ما إذا عمل بعلمه فإن عمله به يخرجه عن الحيادة.

وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في كلام المحقّق الرشتي، قال قدَّس سرَّه: القضاء سلطنة إلزام شرعي للشخص على ما لايقتضيه تكليفه سواء كان القضاء بمقتضى العلم أو بمقتضى البيّنة والأصل عدم الإلزام في الحكم الوضعي التكليفي، وهذا هوالمراد ممّا ذكرنا في الالتقاط المتقدّم من كون العلم في مسألة القضاء موضوعاً قابلاً للإثبات والنفي، والأصل عدم الإلزام في الحكم الوضعي التكليفي في مقام


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 2 ، من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 ـ المصدرنفسه، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.


(200)

الحجّية.

لكن إذا فرض وجوب القضاء لامحالة فلامعنى لعدم اعتبار العلم ولا لاعتبار سائر الموازين في مقابله، مثلاً إذا علم القاضي بحقيّة الدعوى فالإعراض عن مقتضى العلم والرجوع إلى اليمين لامعنى له، أو علم مثلاً أنّ قاتل زيد هو عمرو، وأقيمت البيّنة على كونه خالداً فإنّ الحكم بالقصاص من خالد وعدم الحكم بالقصاص من عمرو مع العلم بأنّ خالداً ليس بقاتل يوجب التخصيص في أدلّة الأحكام الواقعية، مع أنّ القاضي أمر بالقضاء حسب الحقّ الواقعي.(1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في تفسير القضاء ممّا لاغبار عليه إنّما الكلام في غيره فإنّه قَبِلَ أنّ علم القاضي أخذ موضوعاً للحجّية، فعندئذ يجب أن يلاحظ الدليل الدالّ عليه فهل المأخوذ مطلق العلم والحجّة، سواء أكان علماً منطقياً أو بيّنةً أو إقراراً، أو العلم الخاص أعني: الأخيرين(البيّنة و الإقرار) وما لم يكن هنا دليل شارح للموضوع من إطلاق أو غيره لايمكن الحكم.وليس العلم الوجداني ، المصداق المتيقّن منه.

وكون القضاء واجباً لاينتج لزوم العمل بالعلم، وذلك لأنّ وجوبه ليس على وجه الإطلاق بل مشروط بتواجد أسبابه وأدواته ومن المحتمل أن تكون أسبابه ، منحصرةً في البيّنات والأيمان.

وأمّا حكم التعارض بين العلم الوجداني وقيام البيّنة فعليه الامتناع من القضاء، لاتقديم علمه على البيّنة; إذ العلم و إن كان أقوى في نظره، ولكن البيّنة أقوى في نظر الأخيرين من علمه فترفع الشكوى إلى قاض آخر، يحكم هو حسب الموازين القضائية الممكنة المتيسّـرة.

أضف إلى ذلك انّ القضاء من الأُمور ذات الإضافة، له إضافة إلى من


1 ـ الرشتي ، القضاء 1/104.


(201)

يقضي، ومن يقضى له، ومن يقضى عليه فله ـ كالمثلث ـ أضلاع ثلاثة، وهو غير متحقق في القضاء، بالعلم في حقوق الله سبحانه، لاتّحاد القاضي والمدعي(من يقضى له) فيها، فتنفيذه فيها يحتاج إلى دليل خاص هذا هو مقتضى القاعدة.

فقد تلخّص ممّا ذكرناأنّه لولا الدليل على نفوذ علم القاضي في المتخاصمين، لما جاز الحكم به. ثمّ إنّه ربّما يتوهم أنّ مقتضى الأدلّة العامّة في القضاء وغيره هو جواز الحكم بالعلم، فهذا ما نذكره في البحث الآتي ونبرهن، أنّه لادلالة لهاعلى الجواز، ولابدّ من التماس دليل خاص.

***

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأدلّة على أقسام ثلاثة:

الأوّل: ما يصلح للاستدلال به على جواز العمل به مطلقاً من غير فرق بين حقوق الله و حقوق الناس.

الثاني: ما يصلح للاستدلال به عليه في خصوص حقوق الله.

الثالث: ما يصلح للاستدلال به عليه في خصوص حقوق الناس.

فلنبدأ بالأوّل:

المقام الأوّل:

فيما يصلح للاستدلال به على جواز العمل في كلا الحقوقين

استدلّوا في هذا الحقل بأُمور:

1ـ ما استدلّ به الشيخ في الخلاف على المسألة بقوله تعالى: «يا داودُ إنّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكُم بين الناسِ بالحقّ» (ص/26). وقال تعالى لنبيّه: «وإن حَكمتَ فاحكُم بينهُم بالقِسط» (المائدة/42). ومن حكم بعلمه


(202)

فقد حكم بالعدل والحقّ(1) ونقله في الجواهر وأضاف في موضع آخر وقال: مضافاً إلى تحقّق الحكم المعلّق على عنوان قد فرض العلم بحصوله كقوله تعالى: «وَالسّارِقُ والسّارِقةُ فاقطَعُوا أيدِيَهما» (المائدة/38) ، و «الزانيةُوالزاني فاجلِدوا كُلَّ واحد منهُما مائَةَ جَلْدة»(النور/2) والخطاب للحكّام فإذا علموا تحقّق الوصف وجب عليهم العمل فإنّ السارق والزاني من تلبّس بهذا الوصف لامَن أقرّ به أو أقامت عليه البيّنة وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيره أولى.(2)

يلاحظ عليه: أنّ الطائفة الأُولى بصدد بيان صفات الحكم وأنّه يجب أن يكون حقّاً، عدلاً، قسطاً، لاضدّها، ومن أراد أن يحكم يجب أن يحكم بها، وأمّا ما هي الأداة التي بها يميّز الحقّ عن الباطل، والقسط عن الجور، فليس بصدد بيانه حتى يؤخذ بإطلاقها.

وأمّا الطائفة الثانية : فما أفاده صاحب الجواهر حولها من أنّ الموضوع نفس من تلبّس بالمبدأ، وهو محقق فإنّما ينفع في عمل نفسه، لافي نفوذه في حقّ الغير، فلو علم بنجاسة إناء أو زوجيّة امرأة، فعلمه دليل على نفسه لاعلى الغير، مالم ينطبق عليه عنوان الحجج المعتبرة في الشرع.

2ـ ثمّ إنّه ربّما يتمسّك بأنّه مقتضى وجوب الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، ولزوم إظهار الحقّ ونظائره.

يلاحظ عليه: بأنّه إن أُريد من الأمر والإظهار، والإنكار ما يؤدّى باللسان، فهو تامٌّ وربما يرجع المدعّي أو المنكر عن باطلهما وله أن يشهد على الواقع ، لو أرجع الواقعة إلى قاض آخر.وإن أُريد منه تنفيذ حكمه في المورد، فهو وإن كان من شؤون القاضي لكن الشكّ في كون العلم من طرق الحكم والفصل بين المتخاصمين أو لا ومعه، لايصحّ التمسّك بتلك الأدلّة في المورد.


1 ـ الطوسي، الخلاف:3/41.
2 ـ النجفي، الجواهر:40/86 ـ 88.


(203)

ثمّ إنّ صاحب الجواهر قد نبّه ببعض ما ذكرنا في آخر كلامه عند الردّ على صاحب الانتصار في نقده لنظرية ابن الجنيد حيث قال :ولكن الإنصاف أنّه (كلام ابن الجنيد) ليس بتلك المكانة من الضعف .ضرورة أنّ البحث في أنّ العلم من طرق الحكم والفصل بين المتخاصمين ولو من غيرالمعصوم في جميع الحقوق أولا، وليس في شيء من الأدلّة المذكورة ـ عدا الإجماع منها ـ دلالة على ذلك والأمر بالمعروف ووجوب إيصال الحقّ إلى مستحقّه بل كون العلم حجّةً على من حصل له، يترتّب عليه سائر التكاليف الشرعيّة، لايقتضي كونه من طرق الحكم بل أقصى ذلك ما عرفت وأنّه لايجوز له الحكم بخلاف حكمه بل لعلّ أصالة عدم ترتّب آثار الحكم عليه يقتضي عدمه.

3ـ ما استدلّ به الشيخ في الخلاف حيث قال:«القطع واليقين أولى من غالب الظنّ ألا ترى أنّ العمل بالخبر المتواتر أولى من العمل بالخبر الواحد».(1) وقال في الجواهر:«العلم أقوى من البيّنة المعلوم إرادة الكشف منها».(2)

يلاحظ عليه: أنّه إنّما ينفع في حقّ العالم ، حيث إنّ علمه طريق محض إلى الواقع، فالعلم في نفسه أولى من البيّنة وأمّا إذا كان موضوعاً بالنسبة إلى الغير، فيجب عندئذ اتّباع الدليل فبما أنّه ليس هنا إطلاقٌ، يدلّ على موضوعيّة مطلق العلم ، فلايصحّ الاستناد بادّعاء الأولوية; إذ من المحتمل أن يكون الموضوع للنفوذ ، ما اتّفق عليه العقلاء في باب القضاء، أو اتّفق المترافعان على حجيّته، أعنّي: البيّنة.

4ـ ما استدلّ به الشيخ وابن ادريس، وهو أنّه إذا لم يقض على وفق العلم لزم إمّا فسق الحاكم، أو إيقاف الحكم; لأنّه إذا طلّق زوجته بحضرته ثمّ جحد فإن قضى بعلمه فهو، وإلاّ فإن استحلف الزوج وحلف هو وأرجعها إليه، لزم الفسق


1 ـ الطوسي، الخلاف:3/322.
2 ـ النجفي، الجواهر:40/88.


(204)

وإن لم يقض لزم الإيقاف.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هنا طريقاً رابعاً، وهو إرجاع الواقعة إلى قاض آخر، ليس له ذلك العلم.

5ـ ما رواه الصدوق بإسناده إلى قضايا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، قال:جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فادّعى عليه سبعين درهماً ثمن ناقة باعها منه، فقال: قد أوفيتك، فقال: اجعل بيني وبينك رجلاً يحكم بيننا، فأقبل رجلٌ من قريش فقال رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم: احكم بيننا، فقال للأعرابي:ما تدّعي على رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم؟ فقال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه ، فقال: ما تقول يا رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم؟ فقال: قد أوفيته، فقال للأعرابي: ما تقول؟ فقال: لم يوفني، فقال لرسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :ألك بيّنة أنّك قد أوفيتَه؟قال: لا، فقال للأعرابي: أتحلف أنّك لم تستوف حقّك وتأخذه؟قال: نعم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لأتحاكمنّ مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم الله.

فأتى عليّ بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ومعه الأعرابي، فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : مالك يا رسول الله؟ قال: يا أبا الحسن احكم بيني وبين هذا الأعرابي فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : يا أعرابي ما تدّعي على رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم؟قال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول الله؟ قال: قدأوفيته ثمنها، فقال: يا أعرابي أصدق رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم فيما قال، قال الأعرابيُّ: لا! ما أوفاني شيئاً، فأخرج عليّ ـ عليه السلام ـ سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم: لم فعلتَ يا عليّ ذلك؟فقال: يا رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم نحن نصدّقك على أمرالله ونهيه وعلى أمر الجنّة والنار والثّواب والعقاب و وحي الله عزّ وجلّ ، ولانصدّقك على ثمن ناقة الأعرابي، وإنّي قتلته لأنّه كذَّبك لمّا قلتُ له: اصدق رسول الله فقال: لاما أوفاني شيئاً، فقال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: أصبتَ ياعليّ ، فلاتعد إلى مثلها، ثمّ التفت إلى القرشي وكان قد تبعه فقال: هذا حكم الله لاما حكمت به.(2)


1 ـ الطوسي، الخلاف:3/323.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 18، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.


(205)

وجه الدلالة أنّ مقتضى القضاء بالبيّنات والأيمان هو ما قضى به القرشي ولكن الإمام ـ عليه السلام ـ لما علم بصدق النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم انتقل إلى كذبه وأنّه مكذِّبٌ، ومن المعلوم أنّ مكذّب النبيّ مرتدٌّ خارج عن الدين فيجوز قتله، كل هذا يعطي أنّ الإمام له القضاء وفق علمه.

قال في الجواهر: ولوجوب تصديق الإمام في كلّ ما يقوله وكفر مكذّبه ولذا قتل أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ خصم النبي لمّا تخاصما إليه في الناقة وثمنها وهو يقتضي وجوب الخروج من حقّ يخبر به الإمام وهو يقتضي وجوب إخبار الإمام به وإلاّ لأدّى إلى ضياع الحقّ.(1)

يلاحظ عليه: أنّ سند الصدوق بالنسبة إلى أقضية علي وإن كان صحيحاً في الفقيه(2) لكن المتن، يشمل على أُمور شاذّة عن القواعد.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الظاهر أنّ الأعرابي كان يكذب النبي الأكرم صلَّى الله عليه و آله و سلَّم، ومثله في عصر الرسول يكون مرتدّاً ملّياً، لأنّ طبع الحال يقتضي أنّه كان مشركاً ثمّ اعتنق الإسلام فارتداده يستلزم الاستنابة ثلاثة أيّام ثمّ يقتل، فلماذا قتله علي ـ عليه السلام ـ ، بلا استنابة، فهل الاستمهال من خصائص غير هذا النوع من الارتداد؟أو أنّ للإمام الاستعجال في إجراء الحدّ؟!

وثانياً: إذا كان قضاء علي ـ عليه السلام ـ حقّاً وقد حكم بحكم الله فلماذا نهاه النبي عن العود بمثل هذا وقال:فلاتعد إلى مثلها، ثمّ التفت إلى القرشي وكان قد تبعه و قال: «هذا حكم الله لاما حكمت به».

وثالثاً: فلو أخذنا بمضمونه يختصّ بالعلم الحاصل من قول المعصوم وأين هذا من العمل بكلّ علم حصل من أيّ مصدر، وثبوت الحكم في الأقوى لايكون دليلاً على ثبوته في الأضعف.


1 ـ الجواهر: 40/77.
2 ـ لاحظ الفقيه : ج4،ص85 قسم المشيخة.


(206)

و رابعاً:أنّه يدلّ على أنّ الإمام يعمل بعلمه في الحدود، لا أنّه يقضي به إلاّ أن يدّعي الملازمة بين العمل والقضاء به.

6ـ مارواه الكليني بسند صحيح عن عبد الرحمان بن الحجّاج قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فسألاه عن شاهد ويمين فقال: «قضى به رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم، وقضى به عليّ ـ عليه السلام ـ عندكم بالكوفة»، فقالا:هذا خلاف القرآن، فقال: «وأين وجدتموه خلاف القرآن؟» قالا: إنّ الله يقول«وأشهِدُوا ذَوَي عَدل منكُم»(1) فقال: قول الله :«وأشهدوا ذوي عدل منكم» هو لاتقبلوا شهادة واحد ويميناً؟».

ثمّ قال:« إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ كان قاعداً في مسجد الكوفة، فمرّ به عبد الله بن قفل التميميّ ومعه درع طلحة، فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : هذه درع طلحة اُخِذَتْ غلولاً يوم البصرة، فقال له عبد الله بن قفل: اجعل بيني وبينك قاضيك الّذي رضيته للمسلمين، فجعل بينه وبينه شريحاً، فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : هذه درع طلحة اُخذتْ غلولاً يوم البصرة، فقال له شريح: هات على ما تقول بيّنة، فأتاه بالحسن فشهد أنّها درع طلحة اُخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا شاهد واحد ولاأقضى بشهادة شاهد حتّى يكون معه آخر، فدعا قنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح:هذا مملوكٌ ولا أقضي بشهادة مملوك، قال: فغضب عليّ ـ عليه السلام ـ وقال: خذها فإنّ هذا قضى بجور ثلاث مرّات، قال: فتحوّل شريح وقال: لاأقضي بين اثنين حتّى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرّات؟ فقال له: ويلك ـ أو ويحك . إنّي لمّا أخبرتك أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بيّنة، وقد قال رسول الله : حيث ما وجد غلول أخذ بغير بيّنة، فقلتُ: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة، ثمّ أتيتك بالحسن فشهد فقلت: هذا واحدٌولا أقضي بشهادة واحد حتّى يكون معه آخر، وقد قضى


1 ـ الطلاق: 2 .


(207)

رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان، ثمّ أتيتك بقنبر فشهد أنّها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هذا مملوك وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً، ثمّ قال: ويلك ـ أو ويحك ـ إنّ إمام المسلمين يؤمن من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا». (1)

وجه الاستدلال هو قوله: «إنّ امام المسلمين يؤمن من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا».

يلاحظ عليه: أنّ السند وإن كان صحيحاً، لكن المتن مشتمل على أُمور شاذّة لا مناص من توجيهها.

أمّا أوّلاً: فلأنّ علم الإمام إذا كان نافذاً في حقّ المحكوم عليه، فلماذا لميتمسّك الإمام به في هذا الأمر ورضي بالمحاكمة وكان عليه أن يقول له، ما قاله لشريح في آخر الواقعة؟!

وثانياً: أنّ الإمام اعترض على شريح لمّا قال: «ولا أقضي بشهادةواحد حتى يكون معه آخر» بأنّ رسول الله قضى بشهادة واحد ويمين ولكن الاعتراض إنّما يتوجّه، لو نفى شريح القضاء بشهادة ويمين، مع أنّه لم يحدِّث عنه أبداً وإنّما حدث عن الشاهد الواحد و أنّه لايقضي به، وليس على القاضي أن يُعلِّم الخصم بأنّ له اليمين مكان الشاهد الآخر، وقد ذكروا في باب آداب القضاء أنّه لايجوز للقاضي تلقين الخصم بالحجّة.

وثالثاً: أنّه لو أخذنا به يكون العلم المصون من الخطأ موضوعاً لجواز العمل به والحكم على وفقه وأين هو من علم غير المعصوم الخاطئ كثيراً وإن لم يكن القاضي متوجّهاً إلى خطئه عند القضاء.

ورابعاً: أنّه يدلّ على أنّ الإمام يعمل بعلمه وأمّا أنّه يقضي به فلا إلاّ أن يدّعي الملازمة بين العمل، والقضاء. كما مرّ.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6.


(208)

7ـ ما روي عن خزيمة بن ثابت بسند غير نقي وإن كان المضمون معروفاً: إنّ النبيّ اشترى فرساً من أعرابي فأنكر الأعرابي بيعه وقال: هلمّ من يشهد ولم يشهد أحد شرائه فشهد خزيمة وأمضى رسول الله شهادته وأقامها مقام اثنين فلقّب بذي الشهادتين.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ السند غير نقيّ ـ ، أنّه يدلّ على جواز الشهادة ، على الموضوع إذا سمعه من المعصوم، ولادليل على الملازمة بين جواز الشهادة وجواز القضاء.

وثانياً: لو أخذ بمضمونه فهو يدلّ على جواز القضاء بالعلم بالموضوع لأجل إخبار المعصوم وأين هو من جواز العمل بمطلق العلم الحاصل من القرائن وضمّ الشواهد.

إلفات نظر

إنّ الرواية الخامسة والسابعة و إن وردتا في حقوق الناس، و السادسة وإن وردت في حقوق الله، لكن سياق كلّ رواية على نمط يستفاد منه العموم ، ولأجل ذلك جئنا بها في ذلك الفصل، ولم ندرجها في الفصلين التاليين.

مثلاً: جاء في الرواية الخامسة، أنّ الإمام ضربه بسيفه معتذراً بأنّه يصدّق رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم على أمره ونهيه و كيف لا يصدّق على ثمن الأعرابي. فلو كان الملاك للعمل ذلك التعليل فلا يختلف فيه الحقوقان إذ كيف يختلف بعد كون المصدر هو كلام رسول الله.صلَّى الله عليه و آله و سلَّم.

وهكذا جاء في الرواية السادسة قول الإمام : إنّ إمام المسلمين يؤمن من أُمورهم على ما هو أعظم من هذا. و عليه تكون النتيجة هي العموم من غير فرق بين الحقوقين.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 18 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3، ملخّصاً.


(209)

ومثله الرواية السابعة حيث أمضى رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم شهادة خزيمة مكان الشهادتين وذلك لأنّ مصدر شهادة خزيمة هو خبر النبيّ الأكرم المعصوم ، فلو كان الملاك للشهادة هو ذلك، فلا يفرّق بين الحقوقين.

وهذا هو السرّ في ذكر هذه الروايات في هذا الحقل.

***

المقام الثاني :

في ما استدل به على جواز العمل في خصوص حقوق الله

استدلّوا في هذا الحقل بأحاديث نأتي بها واحداً تلو الآخر:

الأوّل: ما رواه الكليني عن الحسين بن خالد عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سمعته يقول: «الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ ولايحتاج إلى بيّنة مع نظره; لأنّه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزبره وينهاه ويَمضي ويَدعه» قلت: وكيف ذلك؟ قال: «لأنّ الحقّ إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته، وإذا كان للناس فهو للناس».(1)

والاحتجاج به مشكل سنداً لاشتماله على محمّد بن أحمد بن حمّاد المحمودي الذي عدّه الشيخ من أصحاب الإمام الهادي ولكن لم يرد فيه توثيق، كما أنّه لم يرد في الحسين بن خالد أيضاًسواء أكان المراد منه هو الصيرفي الذي عدّ من أصحاب الكاظم والرضا عليمها السَّلام أو الحسين بن خالد بن طهمان الذي يعبّر عنه بالخفاف وعدّ من أصحاب الصادق ـ عليه السلام ـ نعم حاول العلاّمة المامقاني إثبات وثاقته من هنا وهناك فلاحظ.(2)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 32من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 3.
2 ـ عبد الله المامقاني: التنقيح1/226ـ227.


(210)

وأمّا المضمون، فقد فصّل بين حقوق الله وحقوق الناس وأنّ الإمام بما أنّه أمين الله في أرضه فهو يعمل بعلمه في الأُولى، ويقيم الحدّ على الزاني وشارب الخمر، دون السارق لأنّه من حقوق الناس.

ولكنّه لايخلو من إشكال لأنّه عدّ حدّ السرقة من حقوق الناس مع أنّه فرق واضح بين حدّالقذف فإنّه من حقوق الناس، وبين حدّ السرقة، فإنّ ردّ ما سُرِق فهو من حقوق الناس، وأمّا القطع فهو من حقوق الله.

ويدلّ على ما ذكرنا : ما رواه الشيخ بسند صحيح عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن الفضيل في حديث وجاء فيه: إذا أقرّ على نفسه عند الإمام بسرقة قطعه فهذا من حقوق الله وإذا أقرّ على نفسه أنّه شرب خمراً حدّه، فهذا من حقوق الله وإذا أقرّ على نفسه بالزنا وهو غير محصن فهذا من حقوق الله، قال: وأمّا حقوق المسلمين فإذا أقرّ على نفسه بفرية لميحدّه حتّى يحضر صاحب الفرية أو وليّه.... (1) ولو فرضنا أنّ الروايتين متعارضين فالأخذ بالصحيحة متعين لا بما لميثبت سنده.

نعم، يظـهر من ابن ادريس الحلّي أنّ حدّ السرقة حقٌّ ممزوج من حقوق الله وحقوق الناس حيث قال: فأمّا الحقّ الذي لله ويتعلّق به حقّ الآدمي فلايطالب به أيضاً ولايستوفيه إلاّ بعد المطالبة من الآدمي وهو حدّالسارق فمتى لميرفعه إليه ويطالب بماله لايجوز للحاكم إقامة الحدّ عليه بالقطع فعلى هذا التحرير إذا قامت البيّنة بأنّه سرق نصاباً من حرز لغائب وليس للغائب وكيل يطالب بذلك لم يقطع حتّى يحضر الغائب ويطالب.(2)

وتحقيق المطلب و أنّ القطع من حقوق الله أو الناس موكولٌ إلى محلّه.

على أنّ الظاهر من رواية ابن خالد أنّه بصدد بيان أمر آخر و هو أنّ حقوق


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 32 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1.
2 ـ الحلّي، السرائر: 3. 495، ط النشر الإسلامي.


(211)

الله تجرى و إن لم تكن هناك مطالبة و أمّا حقوق الناس فإجراؤه فرع المطالبة و ليست الرواية ناظرة إلى جواز عمل القاضي بعلمه و أنّ قوله: « إذانظر إلى رجل» في كلا الموردين بمعنى ثبوت الموضوع ثبوتاً شرعيّاً لاثبوته بعلم القاضي.

ثمّ إنّ هناك روايات تدلّ على أنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ عزّر رجلين أو امرأة ورجلاً إذ رآهما في لحاف واحد، أو عزّر قاصّاً يقصُّ في المسجد بالدرة وهذا يدلّ على جواز عمل الإمام بعلمه في حقوق الله من دون بيّنة وإليك رواياته:

الثاني: صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج قال: سمعت أبا عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: «كان علي ـ عليه السلام ـ إذ وجد الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحدّ».(1)

الثالث: صحيحة أبي عبيدة عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: «كان علي ـ عليه السلام ـ إذا وجد رجلين في لحاف واحد مجرّدين جلّدهما حدّ الزاني مائة جلدة كلّ واحد منهما وكذلك المرأتان إذا وُجدتا في لحاف واحد مجرّدتين جلّدهما كلّ واحدة منهما مائة جلدة.(2)

الرابع: روى الشيخ بسند صحيح عن أبان بن عثمان (الثقة) قال: قال أبو عبد الله ـ عليه السلام ـ : «إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ وجد امرأة مع رجل في لحاف واحد فجلّد كل واحد منهما مائة سوط غير سوط».(3)

الخامس: صحيحة حريز عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ :«إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ وجد رجلاً وامرأة في لحاف واحد فضرب كل واحد منهما مائة سوط إلاّ سوطاً».(4)

السادس: إنّ أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ رأى قاصّاً في المسجد فضربه بالدرّة وطرده.(5) وطبع الأمر يقتضي أن تكون القصّة من القصص المضلّة المضادّة لما عليه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 6، 15، 19.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 6، 15، 19.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 6، 15، 19.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 20.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 4 من أبواب بقيّة الحدود، الحديث 1.


(212)

أسس الإسلام.

في تفسير هذا القسم من الروايات:

1ـ إنّ الروايات ليست في مقام بيان عمل الإمام بعلمه، بل بصدد بيان حكم الموضوع وإن المتسـتّرين تحت لحاف واحد، حكمـهما كذا، والتعبير بـ «وجد» ليس مشيراً إلى أنّه وقف بالموضوع عن طريق رؤيته نفسه وعمل بعلمه، بل نشير إلى أنّ الثابت من عملهما هو ذاك، أي كونهما في لحاف واحد، من دون إحراز أيّ عمل آخر.ولأجل ذلك جاء التعبير في بعض الروايات: «حدّ الجلد أن يوجدا في لحاف واحد، والرجلان يجلدان إذا وجدا في لحاف واحد».(1)

2ـ إنّ القدر المتيقّن من هذه الروايات هو وجود التسالم بين القاضي والمتواجدين تحت لحاف واحد، فلايصحّ الاحتجاج به إذا لم يكن هناك تسالم فلو افترضنا أنّ الحاكم الإسلامي رآهما بآلة التصوير من بعيد، فاحضرهما فأنكرا فلايصحّ الاحتجاج بالروايات عليهما.

السابع: ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن أبي عمير، عن شعيب (2) قال: سألت أبا الحسن ـ عليه السلام ـ عن رجل تزوّج امرأةً لها زوج قال: «يفرّق بينهما» ، قلت: فعليه ضرب قال : «لا، ما له يضرب»، ـ إلى أن قال ـ فأخبرت أبابصير فقال سمعت جعفراً ـ عليه السلام ـ يقول: «إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ قضى في رجل تزوّج امرأة لها زوج فرجم المرأة وضرب الرجل الحدّ، ـ ثم قال ـ : لو علمت أنّك علمت لفضخت رأسك بالحجارة» .

حمل الشيخ ما روى عن أبي الحسن بمن لايعلم أنّ لها زوجاً، وحمل الثاني


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10من أبواب حدّالزنا، الحديث 1 ولاحظ الحديث: 2 ، 3، 4، 5، 7، 9، 10.
2 ـ وهو شعيب بن يعقوب العقرقوقي بقرينة رواية ابن أبي عمير عنه وثّقه النجاشي وتبعه العلاّمة.


(213)

على من غلب على ظنّه ذلك وفرط في التفتيش فيعزر.(1)

والفضخ بالإعجام هو كشف المساوي و يستعمل في معنى الكسر أيضاً وهو المراد في المقام. والاستدلال مبنيّ على الأخذ بظهور العلم في العلم الشخصي، وهو مورد تأمّل بل المراد هو الثبوت الشرعي، كالثبوت في المرأة، فلا إطلاق له من هذه الجهة وليس الإمام بصدد بيانه.

هذا ما وقفنا عليه في حقوق الله وقد عرفت عدم صحّة الاحتجاج بهذه الروايات وهي بين ضعيف السند أو ضعيف الدلالة . أضف إليه وجود الشذوذ في بعض المتون فنخرج بهذه النتيجة أنّه ليس للحاكم الإسلامي العمل بعلمه في حقوق الله إلاّ إذا كان هناك تسالم بين القاضي والمحكوم عليه.

في خاتمة المطاف
نأتي بأُمور تلقى الضوء على المختار

1ـ عدم العمل بالعلم في مورد الإحصان

إنّ النبيّ والوصيّ كانا مصرّين على ستر الأمر في حقّ المحصن والمحصنة، وعدم الرغبة إلى إقرارهمامع الإذعان بصدقهما. فلو كان علم القاضي قائماً مقام بينّة المدّعي كان اللازم عليهما ـ صلوات الله عليهما ـ إجراء الحدّ، مع أنّا نرى في الروايات المستفيضة تجاهلهما بالنسبة إلى صدور الزنا ومحاولتهما أن لايقرّا بما فعلا.والقائل بجواز العمل بالعلم في مجال حقوق الله لمّا يواجه هذه الروايات، يحاول علاجها بالتخصيص في الضابطة، ويتمسّك بالإجماع بأنّه لايثبت الإحصان، إلاّ بالبيّنة والأقارير الأربعة.وكان الأولى جعل الروايات دليلاً على بطلان الضابطة ولأجل إيقاف القارئ على موقف النبيّ والوصيّ من رفض العلم


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 27 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 7.


(214)

بزنا المحصن والمحصنة نأتي بنصّين: أحدهما يرجع إلى النبيّ الأكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم والآخر إلى وصيّه، وإن كان يوجب الإطناب في الكلام.

روى البيهقي في سننه قال: «جاء ماعز بن مالك إلى النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فقال: يا رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم طهّرني! فقال: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه قال: فرجع غير بعيد ثمّ جاء فقال: يا رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم طهّرني! فقال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: مثل ذلك حتّى إذا كانت الرابعة قال رسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :ممّ اُطهّرك فقال: من الزنا فسأل النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أبه جنون فأُخبِر أنّه ليس بمجنون فقال:أشربت خمراً فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. فقال النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :أثيب أنت قال: نعم، فأمر به فرجم».(1)

وروى أيضاً بأنّ النبي قال:«ولو كنت راجماً من غير بيّنة لرجمتها».(2)

2ـ روى الكليني عن صالح بن ميثم عن أبيه قال: «أتت امرأة مجحٌّ (3) أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ فقالت: يا أمير المؤمنين! إنّي زنيت فطهّرني طهّرك الله، فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لاينقطع! فقال لها: ممّا أُطهّرك؟! فقالت: إنّي زنيت، فقال لها: و ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت أم غير ذلك ؟قالت: بل ذات بعل، فقال لها: أفحاضراً كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم غائباً كان عنك؟ قالت :بل حاضراً، فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك ثمّ ايتيني أُطهّرك، فلمّـا ولّت عنه المرأة فصارت حيث لاتسمع كلامه قال :«اللّهمّ إنّها شهادة» .

فلم تلبث أن أتته فقال: قد وضعت فطهّرني، قال: فتجاهل عليها فقال: أُطهّرك يا أمة الله ممّا ذا؟! قال: إنّي زنيت فطهّرني، قال: وذات بعل أنت إذ فعلت مافعلت؟ قالت: نعم، قال: فكان زوجك حاضراً أم غائباً؟قالت: بل حاضراً، قال: فانطلقي فارضعيه حولين كاملين كما أمرك الله، قال: فانصرفت المرأة فلمّـا صارت منه حيث لاتسمع كلامه قال: «اللّهمّ إنّهما شهادتان».


1 ـ البيهقي، السنن الكبرى:8/226،و ج7/407.
2 ـ البيهقي، السنن الكبرى:8/226،و ج7/407.
3 ـ المتكبرة.


(215)

قال: فلمّا مضى الحولان أتت المرأة فقالت: قد ارضعته حولين فطهّرني يا أمير المؤمنين ، فتجاهل عليها وقال: أُطهّرك ممّا ذا؟ فقالت: إنّى زنيت فطهّرني،فقال: وذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟ فقالت: نعم، قال: وبعلك غائب عنك إذ فعلت ما فعلت؟ فقالت: بل حاضر، قال: فانطلقي فاكفليه حتى يعقل أن يأكل ويشرب ولايتردّى من سطح ولايتهور في بئر قال: فانصرفت وهي تبكي فلمّا ولّت وصارت حيث لاتسمع كلامه قال:«اللّهمّ هذه ثلاث شهادات...» .(1)

2ـ بطلان وحدة المدّعي والقاضي

القضاء المتعارف بين شعوب العالم، هو خروج القاضي عن إطار المنازعة، فلايكون مدّعياً ولامنكراً، بل ينظر إلى كلامهما، ويوازن دليلهما، وما يقتضي كلامهما. ويترتّب على ذلك ، لزوم كون المدّعي غير القاضي وبطلان وحدتهما.

ولأجل ذلك لو ادّعى أحد على القاضي أمراً يجب أن يرفعه إلى قاض آخر، ولايصحّ رفعه إليه إذ لايصحّ أن يكون القاضي، من أُقيم عليه الدعوى ولأجل ذلك قال المحقّق:وإن ادّعى أحد على القاضي فإن كان هناك إمام، رافعه إليه وإن لم يكن وكان في غير ولايته، رافعه إلى قاضي تلك الولاية، وإن كان في ولايته رافعه إلى خليفته.

ويظهر من الجواهر أنّ لزوم التغاير أمرٌ مسلّمٌ ولذا استشكل في الرجوع إلى خليفته قائلاً بأنّ ولاية الخليفة فرع ولايته الّتي لايندرج فيها الحكم بالدعاوي المتعلّقة به(2) فإذا لم يصلح القاضي لممارسة ما أُدّعي عليه، فلايصلح أيضاً لممارسة ما ادّعى على غيره لوحدة الملاك وهو لزوم مغايرة القاضي، مع أطراف المنازعة فلو


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1.ولاحظ الحديث 2و5.
2 ـ الجواهر:40/158.


(216)

وقع في إطارها لما صلح.

على ضوء ذلك فلو كان في مجال حقوق الله سبحانه، بيّنةٌ أو إقرارٌ، يكون المدّعي غير القاضي، فيحكم حسب شهادتهم أو إقراره وأمّا إذا لم تكن هناك بيّنة ولاإقرار من الشخص، إلاّ القاضي وعلمه فادّعى عليه أنّه ارتكب كذا وكذا، انقلب القاضي مدّعياً، مع لزوم كونهما متعدّداً.

نعم ما ذكرنا من استلزامه وحدة القاضي والمدّعي إنّما يتمّ في حقوق الله دون حقوق الناس، فإنّ المدّعي فيها، صاحب الحقّ، والمنكر، من أُقيم عليه الدعوى، والقاضي هو الحاكم، من غير فرق بين صدوره عن البيّنة والإقرار، أو عن علمه، وعلى كلّ تقدير فالقاضي خارج عن طرفي المنازعة.

نعم إذا كان القاضي قيّماً للأيتام والقصّر، وأمثالهما، فله إقامة الدعوى على الغير، لكن نيابة عنهم، فلايكون القاضي والمدّعي واحداً اعتباراً، وإن قلنا بعدم كفاية التعدّد الاعتباري فاللازم أن يرفع الشكوى إلى قاض آخر وفي المحاكم العرفية يتكفّل مدّعي العموم، أمر إقامة الدعوى ويُرفع الشكوى إلى محكمة أُخرى، لئلا تلزم وحدة القاضي والمدّعي.

3ـ حقوق الله خارجة عن مجال القضاء

إنّ العبرة في حقوق الله بالبيّنة والإقرار،فإن تحقّق واحد منهما أُقيم الحدّ ولولا البيّنة والإقرار لا تصلح لإقامة الدعوى وأمّا إصغاء الادّعاء عند الاقتران بالبيّنة فلأجل الاقتران بها ولاعبرة بالادّعاء وهذا بخلاف حقوق الناس، فلو ادّعى على شخص ديناً فتسمع دعواه وإن لم تقترن بالبيّنة، ويكون له بالتالي حقّ إحلاف المنكر،وهذا بخلاف الادّعاء المجرّد في حقوق الله فلو ادّعى بلابيّنة، يحدّ أو يعزّر، ولايترتّب على الادعاء أي أثر إذ لايمين في الحدّ.(1)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 1، 2، 3، 4.


(217)

ولأجل ذلك قال المحقّق: «لاتسمع الدعوى في الحدود مجرّدة عن البيّنة فلايتوجّه اليمين على المنكر»، وقال في الجواهر في شرح كلام المحقّق :بلا خلاف أجده كما اعترف به غير واحد; لأنّ من شرط سماع الدعوى أن يكون المدّعي مستحقّاً لموجب الدعوى فلاتسمع في الحدود لأنّه حقّ الله، والمستحقّ(الله) لميأذن ولم يطلب الإثبات على أمر، بل أمر بدرأ الحدود بالشبهات وبالتوبة من موجبها من غير أن يظهر للحاكم وقد قال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لمن حمل رجلاً على الإقرار عنده بالزنى: «هلاّ سترته بثوبك» وسماعها بالبيّنة بمعنى ثبوتها لا أنّها تكون دعوى له معها كما هو واضح.(1)

ومع هذا البيان الواضح من الماتن والشارح كيف يصلح للقاضي أن يقيم الدعوى في حقوق الله على شخص ويقضي بعلمه، مع عدم قبول الموضوع الإقامة الدعوى، وبالتالي لايصلح للقاضي أن يتّخذ لنفسه موقف المدّعي، ولاالمنكر موقف الإنكار كما هو واضح.

والحاصل أنّه يشترط في المدّعي أن يكون مالكاً للدعوى بنحو من الأنحاء و هذا الشرط مفقودٌ في حدود الله.

ولعلّه لبعض ما ذكرنا أفتى الشيخ في النهاية باختصاص العمل بالعلم في حقوق الله بالإمام المعصوم ولايعمّ غيره قال:إذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم الحدّ ولاينتظر مع مشاهدته، قيام البيّنة والإقرار، وليس ذلك لغيره بل هو مخصوص به، وغيره وإن شاهد يحتاج إلى أن يقوم ببيّنة أو إقرار من الفاعل.(2)

فإن قلت: إذا كان القاضي عالماً بالواقع ولا بيّنة للمدّعي فهل يصحّ للقاضي إحلاف المنكر مع علمه بصدق المدّعي وكذب الآخر؟، أو نفترض أنّ البيّنة قامت على خلافِ ما يعتقده القاضي، فهل تكون البيّنة حجّة مع العلم


1 ـ الجواهر: 40/257.
2 ـ الطوسي: النهاية:691.


(218)

بكذبها؟

قلت: قد تكرّرت أمثال هذا السؤال في أكثر الكتب و الجواب أنّ القاضي مأمور من جانب الشارع بإصدار الحكم على طبق الضوابط لا العمل بالواقع سواء أوافق الواقع أم لا و على فرض عدم انصراف أدلّة عن هاتين الصورتين، فلا دليل على وجوب القضاء عليه في تلك الواقعة، ولا يلزم تعطيل الأحكام لعدم انحصار القاضي به، غاية الأمر يصدر القرار بترك المخاصمة حتّى ينظر قاض آخر في أمرهما.

فتلخّص من هذا البحث الضافي عدم جواز عمل القاضي بعلمه في حدود الله وحقوقه. بقي الكلام في عمله بعلمه في حقوق الناس، وهو ما يأتي في العنوان التالي:

المقام الثالث :

في ما استدلّ به في خصوص حقوق الناس

قد عرفت حكم عمل القاضي بعلمه في حقوق الله، بقي الكلام في عمله بعلمه في حقوق الناس فقد استدلّ عليه بروايات :

الأُولى: مرسلة أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال : «في كتاب عليّ ـ عليه السلام ـ : أنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه القضاء فقال: كيف أقضي بما لم تر عيني ولم تسمع أُذني؟ فقال: اقض عليهم بالبيّنات واضفهم إلى اسمي يحلفون به وقال :إنّ داود ـ عليه السلام ـ قال: ربّ أرني الحقّ كما هو عندك حتّى أقضي به، فقال: إنّك لاتطيق ذلك، فألحّ على ربّه حتّى فعل، فجاءه رجل يستعدي على رجل فقال:إنّ هذا أخذ مالي، فأوحى الله إلى داود أنّ هذا المستعدي قتلَ أبا هذا وأخذ ماله، فأمر داود بالمستعدي فقتل، وأخذ ماله فدفع إلى المستعدى عليه، قال: فعجب الناس وتحدّثوا حتى بلغ داود ـ عليه السلام ـ ودخل عليه من ذلك ما كره. فدعا ربّه


(219)

أن يرفع ذلك ففعل، ثمّ أوحى الله إليه أن أحكم بينهم بالبيّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به».(1)

والاحتجاج بالرواية لايخلو من إشكال سنداً ودلالةً، أمّا أوّلاً: فلأنّه مرسل، وكون أبان من أصحاب الإجماع ليس بمعنى حجّية مراسيله أو حجّية رواياته الضعاف كما حقّقناه في كتاب كليّات في علم الرجال .

وأمّا ثانياً:فإنّ الرواية تدلّ على أنّ القاعدة الأوّلية ، هو القضاء بالبيّنات والأيمان، لابالواقع غير أنّ داود النبيّ لما دعا ربّه ليعمل بالواقع لديه سبحانه ، أجازه وأوحى إليه الحقّ، في تلك الواقعة ولما صار ذلك سبباً لتحدّث الناس عن داود، دعا ربّه أن يرفع ذلك، فرفعه وصار الأساس، القضاء بالبيّنات والأيمان، والذي يقتضي الإمعان فيها أنّ مصلحة القاضي تَكْمن في القضاء بالبيّنة واليمين، ولمّا دعا داود ربّه أن يقضي بما هوالحق عند الله، فأجابه سبحانه بأنّه لايطيقه ولمّا ألحّ استجاب الله دعوته وأراه المفسدة في العدول عن الطريق المألوف فصار مأموراً بالقضاء به ولو دلّ على شيء لدلّ، على أنّ القضاء بغير الطريق السائد، غير خال من المشاكل والمصاعب .

وإن أبيت عن الدلالة فإنّما تدلّ على العمل بالعلم الذي هو من سنخ الوحي، لامطلق العلم الذي هو موضوع للبحث ولو كان حسيّاً فضلاً عمّا كان حدسيّاً.

ويظهر من بعض ما روي في ذلك الباب أنّ القضاء بالواقع بلا سؤال عن بيّنة من خصائص الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ روى أبو عبيدة الحذّاء في حديث قال:« إذا قام قائم آل محمّد صلَّى الله عليه و آله و سلَّم حكم بحكم لايسأل عن بيّنة».(2)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث2.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 4.


(220)

الثانية: ما يدلّ على أنّ الإمام عليّاً ـ عليه السلام ـ كان يقضي بالمعايير العلمية الطبّية والنفسية التي تورث العلم للقاضي ولكلّ من قام بهذا النوع من العمل ونأتي منها ما يلي:

1ـ ما رواه الشيخ عن عاصم بن حميد عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ : كان لرجل على عهد عليّ ـ عليه السلام ـ جاريتان فولدت إحداهما ابناً والأُخرى بنتاً، فعمدت صاحبة البنت فوضعت بنتها في المهد الّذي فيه الابن وأخذت ابنها فقالت صاحبة البنت:الابن ابني، وقالت صاحبة الابن: الابن ابني فتحاكما إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، فأمر أن يوزن لبنهما وقال: أيّتهما كانت أثقل لبناً فالابن لها.(1)

2ـ ما رواه الصدوق بإسناده إلى قضايا (2) أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : قال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ :تُوفّي رجل على عهد أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وخلّف ابناً وعبداً، فادّعى كلّ واحد منهما أنّه الابن وأنّ الآخر عبد له، فأتيا أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فتحاكما إليه، فأمر ـ عليه السلام ـ أن يثقب في حائط المسجد ثقبين، ثمّ أمر كلّ واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب ففعلا، ثمّ قال: «يا قنبر جرِّد السّيف» ـ وأشار إليه : «لاتفعل ما آمرك به» ـ ثمّ قال: «اضرب عنق العبد»، فنحّى العبد رأسه فأخذه أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ وقال للآخر: «أنت الابن وقد اعتقت هذا وجعلته مولى لك».

3ـ روى الكليني بسند صحيح عن أبي الصبّاح الكناني (3) عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: أتى عمر بامرأة قد تزوّجها شيخ، فلمّا أن واقعها مات على بطنها، فجاءت بولد فادّعى بنوه أنّها فجرت، وتشاهدوا عليها، فأمر بها عمر أن ترجم، فمرّ بها على عليّ ـ عليه السلام ـ فقالت: يا ابن عمّ رسول الله ـ عليه السلام ـ إنّ لي حجّة، قال: «هاتي حجّتك»، فدفعت إليه كتاباً فقرأه، فقال: «هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها ويوم واقعها وكيف كان جماعه لها، ردّوا المرأة» فلمّا كان من الغد دعا بصبيان أتراب


1 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 21 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 6و9.
2 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 21 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 6و9.
3 ـ وفي السند محمد بن علي والمراد منه محمد بن علي بن مهزيار الثقة وليس فيه اي إرسال.


(221)

ودعا بالصبي معهم فقال لهم: «العبوا» حتّى إذا ألهاهم الّلعب قال لهم: «اجلسوا» حتّى إذا تمكّنوا صاح بهم، فقام الصّبيان وقام الغلام فاتّكى على راحتيه، فدعا به عليّ ـ عليه السلام ـ وورثه من أبيه، وجلد إخوته المفترين حدّاً حدّاً، فقال عمر: كيف صنعت؟ فقال: «عرفت ضعف الشّيخ في تكاة الغلام على راحتيه».(1)

ويمكن أن يقال: إنّ الرواية ظاهرة في جواز العمل بالعلم في حقوق الله، وذلك لأجل أنّ موردها هو الرجم. ولكن الظهور ممنوع وذلك لأنّ الإمام عمل به في دفعه عن المرأة، لافي إثباته ولايمكن لنا الإذعان أنّ الإمام يعمل به في الجانب الآخر، ولعلّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم كان واقفاً على صدقها وأراد بما فعل إقناع الخليفة ببراءتها وإلاّ فمجرّد الاتّكاء على الأرض لايفيد العلم بأنّه ابن رجل أودع نطفته في رحم أُمّه وهو شيخ كبير فان.

4ــ مارواه في الوسائل عن الشيخ المفيد في الإرشاد :

قال روت العامّة والخاصّة أنّ امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادّعته كلّ واحدة منهما ولداً لها بغير بيّنة ولم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، ففزع فيه إلى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ ، فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما، فأقامتا على التّنازع، فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : «ايتوني بمنشار» فقالت المرأتان: فما تصنع به؟ فقال: «أقدّه نصفين لكلّ واحد منكما نصفه» فسكتت إحداهما وقالت الأُخرى: الله الله يا أبا الحسن إن كان لابدّ من ذلك فقد سمحت به لها ، فقال: «الله أكبر هذا ابنك دونها، ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت»، واعترفت الأُخرى أنّ الحقّ لصاحبتها وأنّ الولد لها دونها.(2)

لاشكّ أنّ الإمام ـ عليه السلام ـ قد قضى بمقدّمات حسيّة تورث العلم لكلِّ من شاهد القضايا بأُم عينيه ، سواء كان الإمام أو غيره وقد اعتمد في قضائه على أمور


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 21 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 21 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 11.


(222)

طبّية، كما في مورد وزن اللبن حيث إنّ الذكر أقوى جسماً من الأُنثى، فطبع الحال يقتضي أن يكون اللبن الذي يتغذّى به أقوى مادّة من لبن غيره إذا كانامتقاربي الولادة من حيث الزمان ، لا إذا كانوا مختلفين من تلك الجهة، فربّما يكون لبن أُمّ البنت إذا كانت وليدة سنة أقوى من لبن أُمّ الابن إذاكان وليد يوم.

ولكنّه (صلوات الله عليه) اعتمد في الموارد الأُخر على أُمور نفسية تورث الاطمئنان، مثلاً عند ما سمع أحدهما أمرَ الإمام بضرب عنق العبد، نحّى رأسه دون الآخر من لاوعي وشعور، وهذا يدلّ على أنّه في صميم ذاته كان يعتقد برقّيته دون الآخر.

كما أنّ الإمام اعتمد على ناموس الوراثة، وأنّ شيخوخة الأب حين الولادة تؤثر في الولد حيث قام الصبيان بلا اتّكاء على الراحة وقام هو متكئاً على راحتيه.

ومثله القضية الأخيرة حيث دلّ إشفاق إحدى المرأتين ورقّتها على كونها أُمّاً دون الأُخرى. وإن اعترفت أخيراًعلى أنّ الولد لها دونها، لكن الإمام قضى قبل إقرارها . (1)

فجميع الموارد تتمتع من خصوصيات:

الأُولى: إنّ المعلوم وإن لم يكن حسيّاً لكن مبادئه حسّية ولايمكن التعدّي من هذا النوع إلى ما إذا كانت مبادؤه حدسيةً بحتةً.

والثانية: إنّ المصادر الذي صدر عنها الإمام لايختصّ بأحد دون أحد والإمام وغيره سواسية، أمام ذلك العلم فهو قابل للانتقال إلى الغير، بالإمعان فيه من مبادئه ومقدّماته.

الثالثة: إنّ الإمام لم يقض غائباً عن أعين الناس بل قضى في مشهد عظيم ،


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 21 من أبواب كيفية الحكم،لاحظ أحاديثه.


(223)

ترى كيف عالج المشاكل بالمواهب الإلهية والطاقات فوق العادة فأخرج نفسه بذلك عن مظنّة التهمة و تحدّث الناس عنه.

فلو حصل مثل ذلك العلم للقاضي غير المعصوم، فله الحكم أخذاً بالضابطة.

ثمّ إنّ جمع القرائن والشواهد في المحاكم العرفية للتعّرف على صدق المدّعي أو إنكار المنكر أمر رائج فيها وربّما يحولون الأمر إلى الخبراء للتحقيق عن دلالتها على ما يرتئيه القاضي.

نفترض وقوع قتل في البيت أو الشارع أو في غرفة عمل المقتول، فاتّهم إنسان بأنّه المباشر للجناية فإنّ التحقيق عن الصلة الموجودة، بين المقتول والمتّهم، من الحبّ والبغض وعن مكان القتل وزمان وقوعه ، والآلة التي تركت في المحلّ و مدى قدرة المتّهم على إعمالها، والإمعان في حالته عند مواجهة جسد المقتول.ووجود الانسجام أو التناقض في أجوبة الأسئلة إلى غير ذلك من الأُمور، يكشف الستر عن وجه الحقيقة ويصل القاضي في ظل نظر الخبراء إلى النتيجة القطعية التي يصل إليها، كل من نظر في الملفّ وتأمّل فيه، فهذا النوع من العلم علم حسيّ بمعنى كون مبادؤه حسّية، ولأجل ذلك ربما يضطرّ المتّهم بالإقرار قبل صدور الحكم، كما ربّما يصل القاضي ببراءته وليس تحصيل العلم فيه أبعدمن تحصيله من الشهادة بالعدالة والفسق.

فلو لم نعتمد على هذه القرائن والشواهد أو شهادة الخبراء الذين أحرزت عدالتهم وصدقهم في المقال، على دلالتها على واحد من الأمرين،لانتشر الفساد في الأرض، أو أقفل باب القضاء في زمانناهذا.

ولقد بلغني عن بعض القضاة الممارسين في المحاكم، أنّ القضاء بالبيّنات فيها قليل جدّاً، فلامحيص إلاّ عن الإقرار، أو الإحلاف غير أنّ جمع القرائن والشواهد والرجوع إلى الخبراء والأخصّاء، يكشف السرّ المكتوم ويستعين به


(224)

القاضي وربّما يواجه القاضي حوادث ليس للبيّنة لها طريق، كوقوع حريق في المعمل، لايُدرى هل حدث عن عمد، أو لوجود نقص في الأسلاك الكهربائيّة، أو تقصير في الصيانة أو غير ذلك فلامحيص عن اعتبار علم القاضي إذا استند إلى أُمور حسيّة أو قريبة من الحسّ مفيدة للعلم لكل إنسان عاديّ.

وعلى ضوء ذلك يجوز للقاضي العمل بعلمه بشرط أن يكون علمه مستنداً إلى مبادىء حسيّة أو قريبة منها، على وجه يكون قابلاً للانتقال إلى غيره، بحيث لو نظر إليها غيره لحصل له العلم ، وهذا مانعبّر عنه بجمع القرائن والشواهد المفيدة للعلم.

إكمال

استثنى الموافق والمخالف في عمل القاضي بعلمه، موارد جوّزوا فيها العمل بعلمه:

1ـ تزكية الشهود وجرحهم لئلاّ يلزم التسلسل فإنّه إذا علم بأحد الأمرين وتوقّف في إثباته على الشهود فإن اكتفى بعلمه بعدالة المزكّي أو الجارح فقد حكم بعلمه وإلاّ افتقر إلى آخرين وهكذا فيلزم التسلسل إن لم يعتبر شهادة الأوّلين.

2ـ الإقرار في مجلس القضاء وإن لم يسمعه غيره.وقيل يستثنى إقرار الخصم مطلقاً.

3ـ العلم بخطاء الشهود يقيناً أو كذبهم.

4ـ تعزير من أساء به في مجلسه وإن لم يعلم غيره لأنّه من ضرورة إقامة أُبهة القضاء.

5ـ أن يشهد معه آخر فإنّه لايقصر عن شاهد.(1)


1 ـ زين الدين العاملي: المسالك: 2/399، ملحقات العروة:1/27.


(225)

ولوثبت الإجماع في هذه الموارد فهو وإلاّ فالقضاء بالعلم في مورد الإقرار ، إذا لم يكن قابلاً للانتقال مشكل لما عرفت من قصور الأدلّة من شمولها لغير هذه الصورة وربّما يرد عليه ما تقدّم في باب حقوق الله من وحدة القاضي والمدّعي، حيث يدّعي بنفسه إقرار المنكر ثم يقضي ،وهو ليس بصحيح والاستناد في ذلك بما مرّ من قضية ماعز وغيرها حيث إنّ الظاهر كفاية علم القاضي بإقرار المقرّ، لايخلو من إشكال، لأنّ الإقرار في تلك المواضع لاينفكّ عن سماع الأخيرين على أنّ مدّعي السماع هناك هو النّبي المعصوم الذي لايقع مظنّة التهمة فلاحظ ذيل الرواية الأُولى.(1) والله العالم.

***

المسألة الثانية:

في التماس المدّعي حبس المنكر لتزكية البيّنة

إذا أقام المدّعي بيّنة ولم يعرف الحاكم عدالتهما فالتمس المدّعي حبس المنكر ليعدِّ لها فهل يجوز حبسه وجهان:

1ـ قال الشيخ في المبسوط بالجواز لقيام البيّنة بما ادّعاه.(2)

2ـ وقال المحقّق :لايجوز حبسه حيث لم يثبت المدّعى بالبيّنة العادلة، حتى تجوز عقوبته.

لاشكّ أنّه يجوز الحبس ـ بعد ثبوت الدين، وقبل ثبوت الإفلاس ـ فقد روى غياث بن إبراهيم عن أبيه أنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ كان يحبس في الدين فإذا تبيّن له حاجة


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 16 من أبواب حدّ الزنا، الحديث 1.
2 ـ الطوسي: المبسوط: 8 /152 و239.


(226)

وإفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالاً.(1) وروى السكوني عن جعفر ـ عليه السلام ـ عن ابنه انّ عليّاً كان يحبس في الدين ثمّ ينظر فإن كان له مال أعطى الغرماء وإن لم يك له مال دفعه إلى الغرماء....(2)

إنّما الكلام فيما إذا لم يثبت، فلو ادّعى عليه حقّاً ولم يُحضر بيّنة، فليس له حبس المدّعى عليه بمجرّد الدعوى غاية الأمر له إحلاف المنكر، إنّما الكلام إذا ادّعى حقّاً واحضر بيّنة ولكن الحاكم لم يعرفها فالتمس المدّعي حبسه ليعدِّ لها، خوفاً من فراره أو اختفائه أو غير ذلك فالقول بجواز الحبس مبني على أحد أمرين:

1ـ إنّ الأصل في كل مسلم هو العدالة والفسق يحتاج إلى الإثبات فالبيّنة تامة ولاينافيه التوقف على طلب التزكية لأنّ القائل بهذا القول يجوز البحث عن التزكية عند الريبة، ومع طلب الغريم له ذلك.

2ـ إنّ العدالة ليست بشرط، بل الفسق مانع مثل ما يقال أنّ كون اللباس ممّا لايؤكل لحمه، مانع لاكونه ممّا يؤكل شرط وعلى ذلك فالمقتضي موجود، ويحرز عدم المانع بالأصل أي باستصحاب الحالة السابقة قبل البلوغ.

و الوجهان ضعيفان أمّا الأوّل فلم يدلّ دليل على أنّ الأصل في المسلم العدالة، كما لم يدل دليل على أنَّ العدالة المشروطة في الشهادة بمعنى الإسلام كما سيوافيك في كتاب الشهادة.

أمّا الثاني ، فلأنّ الظاهر من قوله سبحانه «وأشهِدُوا ذَوَي عدل مِنكُم»(الطلاق/2) وقوله سبحانه: «اثنان ذَوا عدل مِنكُم أو آخرانِ مِن غَيرِكُم»(المائدة/106) وقوله : «فَجَزاءٌ مِثلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعمِ يَحكُمُ بهِ ذَوا عَدل مِنْكُم»(المائدة/95) أنّ العدالة هو الشرط في قبول شهادة قول البيّنة.

والحقّ أنّه لا يجوز حبسه، ولكن لايجوز له إطلاقه أيضاً من دون أخذ تأمين منه لحضور مجلس القضاء ثانياً، فيدخل في مصاديق تزاحم الحقوق فيجب الجمع بين الحقّين أو الأخذ بالأقوى ملاكاً والمورد من قبيل الأوّل وهو أخذ الكفيل أو الرهن فما ذكره في الجواهر من عدم جواز الحبس ولا المطالبة بكفيل ولارهن، غير تام وعلى ذلك سيرة المحاكم العرفيّة حيث لايخلُّون الخصم بلاتأمين لحقّ المدّعي إذا كان مظنوناً.

***


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1ـ3.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 1ـ3.


(227)

المسألة الثالثة

فيها فروع ثلاثة:

ذكر المحقّق فيها فروعاً ثلاثة بالنحوالتالي:

1ـ لو قضى الحاكم على غريم بضمان مال،وأمر بحبسه فعند حضور الحاكم الثاني، يُنظر فإن كان الحكم موافقاً للحقّ ألزم، وإلاّ أبطله سواء كان مستند الحكم قطعياً أو اجتهادياً.

2ـ كلّ حكم قضى به الأوّل وبان للثاني فيه الخطاء فإنّه ينقضه.

3ـ لو حكم هو ثمّ تبيّن الخطأ فإنّه يبطل الأوّل ويستأنف الحكم بما علمه حقاً.(1)

وإليك البحث فيها واحداً بعد الآخر.

لزوم النظر في حكم الغريم المحبوس

إنّ ما ذكر في الفرع الأوّل، هوالموافق لما ذكره في مبحث الآداب قال:«إنّ


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/75.


(228)

القاضي ينظر في المحبوسين ويجعل وقتاً فإذا اجتمعوا أخرج اسم واحد واحد ويسأله عن موجب حبسه ويعرضه على خصمه فإن ثبت لحبسه موجب أعاده وإلاّ أشاع حاله بحيث إن لم يظهر له خصم أطلقه» (1) ولكنّه، لايلائم ظاهراً مع ما سيذكره في المسألة الرابعة حيث قال:«ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله». (2)

وقد اضطرب كلامهم في الجمع بين ما ذكر هنا، وما ذكره في المسألة الرابعة فقال الشهيد الثاني: ـ عند الكلام في المسألة الرابعة ـ إنّما وجب في المسألة الأُولى النظر في حكم الأوّل دون هذه، (الرابعة) لأنّه في الأوّل وجد الغريم محبوساً على الحقّ ولم يُحصِّل أداءه فكأنّ الأوّل لم يتمّ ، فلذا أوجب على الثاني النظر في حال من عليه الحقّ لأنّه يحتاج إلى أن يحكم عليه بوجوب أداء الحقّ ولايتمّ للثاني ذلك حتّى يعلم حال الحكم السابق بخلاف ما إذا كان قد انقضى الأمر في حكم الأوّل واستوفى متعلّق الحكم فإنّ الحاكم الثاني لايجب عليه النظر في السابق ولايُتْبع الأحكام إلاّ أن يدّعي المحكوم عليه جور الحاكم الأوّل فيلزمه حينئذ النظر لأنّ هذه دعوى يلزمه سماعها ولايتمّ إلاّ بالنظر في الحكم فينفذه إن كان حقّاً ويردّه إن تبيّن بطلانه.(3)

واعترض في الجواهر بأنّ دعوى عدم انتهاء الحكم في الأوّل يدفعها ظهور العبارة في خلافها ضرورة كون حبسه لاستنقاذ الحقّ منه.

والظاهر أنّ صاحب الجواهر قدّس الله سرّه ما أعطى حقّ النظر في عبارة الشهيدـ أنارالله برهانهـ كما هوشأنه في سائر الموارد إذ المراد من عدم التمامية هو عدمها استيفاءً لا حكماً فليس له الحبس إلاّ إذا ثبت موجبه عنده، ومثله إذا صدرالحكم بالإعدام فليس للثاني الإجراء إلاّ إذا ثبت موجبه عنده مثل القاضي


1 ـ المصدر نفسه/73.
2 ـ المصدر نفسه/76.
3 ـ العاملي، المسالك: 2/400.


(229)

الأوّل.

والضابطة الكلّية أنّه ليس للثاني ردّ حكم القاضي السابق ولكنّه أيضاً ليس له إنشاء حكم وفق حكم الحاكم الأوّل إلاّ بعد ثبوت الموضوع عنده بل و لا إجراؤه وإن لم يحكم كماسيوافيك في محلّه والعجب أنّه تنبّه ببعض ما ذكره الشهيد في بعض كلماته حيث قال:وعدم جواز الردّ عليه مع عدم العلم بفساده لايقتضي تحقّق الموضوع الذي يتوقّف عليه مباشرة الثاني لاستيفاء الحقّ الذي هو من ولاية القضاء بالمعنى الأعم فليس له حينئذ ذلك إلاّ بعد ثبوت كونه مستحقّاًعليه عنده وليس في الأدلّة أزيد من حرمة الردّ ومن الإنكار على الردّ ونحوه ذلك ممّا لادلالة فيه على ثبوت الحقّ عند الثاني على وجه يكون وليّاً على استنقاذه (1).

وبذلك اتّضح دليل الفرع الأوّل وقد أشار إليه المحقّق بعبارة موجزة حيث قال:لاحتياج الاستيفاء منه إلى مسوِّغ.

والحاصل: إنّ الردّوالاستنكار أمر وإنشاء الحكم وفق الحكم الأوّل أو إجراء حكم المعزول أمر آخر فما يرجع إلى المسألة الرابعة، هو الأمر الأوّل، وما يرجع إلى المقام هو الأمر الثاني.

ثمّ إنّه يظهر من السيّد الطباطبائي أنّ الممنوع في هذه الصورة هو إنشاء حكم على طبق حكم حاكم آخر من غير أن يبحث عنه و يتبيّن كونه على طبق رأيه و مع ذلك يجوز أو يجب إمضاؤه بمعنى تنفيذه و هو غير الحكم من نفسه على طبقه.(2)

و لا يخفى عدم ترتّب ثمرة على هذا التفصيل، فإنّ محور النزاع هو جواز أو وجوب إجراء حكم من تقدّم سواء كان هناك إنشاء حكم على وفق الأوّل أو لا، و الذي تترتّب عليه الثمرة، هو اجتنابه عن إجراء الحكم إلاّ إذا ثبت الموضوع عنده.


1 ـ الجواهر: 40/95.
2 ـ ملحقات العروة 2/28، المسألة35.


(230)

و الظاهر من عبارة الجواهر السابقة هو ما ذكرناه. (1)

و نظير ما قلناه في المقام ما يقال في أصالة الصحّة في فعل الغير من أنّها لا تثبت الصحّة المطلقة بل الصحّة النسبيّة، فلو اشترى رجل من بايع مشكوك بلوغه عندنا فمقتضى الأصل، هو صحّة شراءه منه و لكنّه لا تثبت بلوغ البايع حتّى يجوز لنا شراء شيء آخر منه بل لا محيص لنا عن التحقيق في بلوغه و عدمه.

و مثله إذا تفحّص الحاكم عن زوج المرأة أربع سنوات، فطلّقها فيجوز لنا، تزويجها، و أمّا إذا تفحّص ولم يطلّق فليس لنا طلاقها مبنياً على فحصه إلاّ بعد ثبوت الموضوع عندنا.

فإن قلت: إذا كان الحكم صادراً عن وفق موازين القضاء فيجب على الحاكم الثاني تنفيذه، فإنّ إيقافه ردّ على الحاكم الأوّل.

قلت: إنّ الحرام هو ردّ الحكم و رفضه حسب دلالة المقبولة، و أين هو من الإيقاف حتّى يثبت الموضوع.

والحاصل: إنّ الإجراء فرع ثبوت الموضوع لدى الحاكم الثاني و إلاّ فلا يردّه ولا يرميه بالبطلان و في الوقت نفسه لا يجريه.

نقض حكم القاضي عند تبيين الخطأ

هذا هو الفرع الثاني الذي أشار إليه المحقّق بقوله:«وكذا كلّ حكم قضى به الأوّل وبان للثاني فيه الخطأ فإنّه ينقضه» توضيحه:

التنصيب عموماً أو خصوصاً على القضاء، يلازم نفوذ حكم القاضي لرفع الخصومة وقطع النزاع فلو لم يكن حكمه نافذاً لغى التنصيب ويصبح القاضي رجلاً ناصحاً لا أثر لكلامه في رفع المنازعة إلاّ في أقلّ من الناس.ولأجل ذلك


1 ـ الجواهر 40/95.


(231)

أوجب الإمام قبول قضاءه وحرّم ردّه بقوله:«فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله وهو بمنزلة الشرك».(1) إلى غير ذلك من الروايات.

ومع ذلك كلّه فقد استثنى القوم موارد جوّزوا فيها نقض حكمه فيها قائلين بأنّه ليس من مقولة الردّ عليه والصور المتصوّرة بشكل عام وإن كان بعضه خارجاً عن إطار البحث عبارة:

1ـ نقض الحكم بالحكم

2ـ نقض الحكم بالفتوى

3ـ نقض الفتوى بالحكم

4ـ نقض الفتوى بالفتوى

وهذه هي الأقسام الأربعة وإليك البحث فيهاواحداً بعد الآخر.

1ـ نقض الحكم بالحكم

وقبل الخوض في البحث نأتي ببعض نصوصهم:

1ـ قال الشيخ:إذا قضى الحاكم بحكم فاخطأ فيه ثمّ بان أنّه أخطأ أو بان أنّ حاكماً كان قبله قد أخطأ فيما حكم به، وجب نقضه ولايجوز الإقرار عليه بحال وقال الشافعي: إن أخطأ فيما لايسوغ فيه الاجتهاد بأن خالف نصّ كتاب أو سنّة أو إجماعاً أو دليلاً لايحتمل إلاّ معنى واحداً وهو القياس الجليّ على قول بعضهم، والقياس الجليّ والواضح على قول الباقين منهم، فإنّه ينقض حكمه، وإن أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد لم ينقض حكمه.

وقال مالك وأبوحنيفة: إن خالف كتاب الله والسنّة لم ينقض حكمه، وإن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(232)

خالف الإجماع نقض حكمه، وناقض كل واحد أصله فقال مالك: إن حكم بالشفعة للجار نقض حكمه وهذه مسألة خلاف، وقال محمد بن الحسن: إن حكم بالشاهد واليمين، نقض حكمه، وقال أبوحنيفة: إن حكم بالقرعة بين العبيد أو بجواز بيع ما تركت التسمية على ذبحه عامداً، نقض حكمه لأنّه حكم بجواز بيع الميتة.

قال الشيخ: دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاً فقد ثبت عندنا أنّ الحقّ في واحد، وأنّ القول بالقياس والاجتهاد باطل، فإذا ثبت ذلك فكلّ من قال بهذا قال بما قلناه، وإنّما خالف في ذلك من جوّز الاجتهاد، وروي عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو ردّ، وقال ـ عليه السلام ـ : ردّوا الجهالات إلى السنن، وهذه جهالة وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري كتاباً يقوله فيه: ولايمنعك قضاء قضيت به اليوم ثمّ راجعت رأيك فهُديت لرشدك أن تراجع فإن ّ الحقّ قديم، ولايبطله شيء، وأنّ الرجوع إلى الحقّ أولى من التمادي في الباطل.(1)

2ـ وقال الشيخ أيضاً: وقال المخالف ليس لأحد أن يردّ عليه وإن حكم بالباطل عنده لأنّه إذا كان حكمه باجتهاده وجب عليه العمل به فلايعترض عليه بما هو فرضه إلاّ أن يخالف نصّ الكتاب أو سنّة أو إجماعاً أو قياساً لايحتمل إلاّ معنى واحداً فإنّ ذلك ينكر عليه ـ ثمّ إنّه اختار ما يلي وقال: إنّه إن أصاب الحقّ نفذ حكمه، ولايعترض عليه، وإن أخطأ وجب على كل من حضره أن ينبّهه على خطئه، ولاقياس عندنا في الشرع ولا اجتهاد، وليس كلّ مجتهد مصيباً.(2)

3ـ قال ابن البرّاج: وإذا حكم بشيء ثمّ بان له أنّه أخطأ أو بان له أنّ الحاكم قبله حكم بشيء وأخطأ فيه كان عليه نقض ما أخطأ هو فيه، وكذلك ما أخطأ فيه غيره من الحكّام المتقدّمين عليه وحكم بما يعلمه من الحقّ.(3)


1 ـ الطوسي: الخلاف، كتاب القضاء، المسألة 7.
2 ـ الطوسي، المبسوط : 8/91.
3 ـ ابن البرّاج ،المهذبّ:2/599.


(233)

4ـ وقال العلاّمة :وكلّ حكم ظهر بطلانه فإنّه ينقضه سواء كان الحاكم هو أو غيره، و سواء كان مستند الحكم قطعياً أو اجتهادياً.(1)

5ـ وقد اضطرب كلام العلاّمة في القواعد ففي موضع يظهر منه التفصيل بين ما إذا خالف دليلاً قطعياً وجب عليه وعلى غير ذلك الحاكم، نقضه ولايسوغ إمضاؤه ... وإن خالف دليلاً ظنّياً لم ينقض كما لو حكم بالشفعة مع الكثرة....

ثمّ يقول بعد عدّة سطور: ولو كان الحكم خطأ عند الحاكم الأوّل وصواباًعند الثاني ففي نقضه مع كون الأوّل من أهله نظر والأقرب أنّ كلّ حكم ظهر أنّه خطأ سواء كان هو الحاكم أو السابق فإنّه ينقضه ويستأنف الحكم بما علمه حقّاً.(2)فقد فصّل في العبارة الأولى بين الدليل القطعي والظنّي و لكنّه حكم بالنقض مطلقاً في الثانية فلاحظ.

6ـ وقال فخر المحقّقين: إذا علم الحاكم الثاني بأنّ الحاكم الأوّل أخطأ في حكمه، أوالحاكم نفسه علم أنّه حكم بحكم خطأ والخطاء بمخالفة نصّ الكتاب أو السنّة المعلومي الدلالة مع علم سند السنّة أو الإجماع، نقض ذلك الحكم. وأمّاإذا ظهر خطأ الحكم لاستناده في الاجتهاد إلى دليل ظهر أنّه ليس بدليل في نفسه ولم يظهر له برهان على فساد هذا الحكم بل ظهر فساد في مستنده فهذا هو المبحوث عنه هنا وقد اختار المصنف (العلاّمة) أنّ الأقرب نقضه والحكم بما علمه حقّاً.

ووجه القرب قوله تعالى: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ» (المائدة /47) والخطأ لم ينزله اللّه، ولأنّ إقرار ما يعتقده خطأ مع العلم به أو الظنّوهو غير جائز.

وقال: وفيه نظر ، لأنّ قوله:«مع العلم به لانزاع فيه» وقوله:«أو الظن» فإنّه


1 ـ الإرشاد:2/141.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/155، قسم المتن، ولاحظ: الايضاح: 3/319.


(234)

في عين المنع، فإنّ الدليل الظنّي لاينقض ما حكم به بدليل ظنيّ وإلاّ لم تستقرّ الأحكام أمّا لو ظهر باجتهاد ثان فلاينقض وإلاّ لم يستقرّ حكم.(1)

هذه بعض النصوص في المسألةو إليك تحليلها:

إنّ نقض الحكم بالحكم جوازاً و منعاً يستمدّ من الأمور التالية و الإمعان فيها يعطي الضابطة و يحدِّد الجواز والمنع و إليك بيانها:

1ـ الغاية المتوخاة من القضاء في جميع الأوساط هو رفع الخصومة و قطع النزاع قانوناً و تشريعاً و هو لا يتحقّق إلاّ إذا كان حكم القاضي متمتِّعاً بصلابة و قوّة غير منتقضة باعتراض أحد الطرفين و إلاّ لما حصلت الغاية المطلوبة، و انتهى الأمر إلى الهرج و المرج و لأجل ذلك يَتمتَّعُ حكم القاضي في تمام المجتمعات بالقوّة والاستحكام.

2ـ إنّ النقض و تحديد القضاء فرع وجود الخصومة و المفروض أنّها ارتفعت بالقضاء الأوّل فليست على صعيد التشريع أيّة خصومة حتّى يتصدّاها الحاكم الثاني أو القاضي الأوّل نفسه و إن رضى المتحاكمان لأنّ الوصل بعد الفصل يحتاج إلى دليل.

و بذلك يظهر أنّ حرمة النقض و تجديد المرافعة من القضايا التي دليلها معها، لأنّ القضاء الثاني فرع وجود المرافعة تشريعاً و المفروض أنّها ارتفعت بالقضاء الأوّل و بقاءها تكويناً في نفوس المترافعين أو في ألسنتهما ليس موضوعاً شرعياً له. و إلى ما ذكرنا يشير المحقق الرشتي و يقول: إنّ حرمة النقض لا يحتاج في إثباتها إلى دليل آخر غير ما دلّ على وجوب الرضا بحكم الحاكم بعد تصوّر حقيقة الحكم فإنّ الحكم المبحوث عنه ـ على ما سبق ـ عبارة عن فصل الخصومة و قطع المنازعة بإلزام أحد المتخاصمين على غير ما يقتضيه تكليفه فإذا تحقق


1 ـ الايضاح:4/320.


(235)

الفصل عند حاكم لم يبق أمر قابل للفصل شرعاً بعدُ سواء رضي الخصمان بتجديد المراجعة أم لا. (1)

فما يظهر من صاحب الجواهر من تجويز النقض برضى المتخاصمين(2) ليس في محلّه لأنّ رضاهما لا يغيّر الحكم الشرعي و لا يوجد موضوعاً لدى القاضي.

3ـ إنّ الإمام أعطى لحكم القاضي منزلة جليلة، فجعل حكمه حكم نفسه و ردّه ردّ حكمه(3). فكل مورد كان النقض ملازماً مع الردّ يكون محرّماً بلا إشكال.

هذه الجهات الثلاثة، توضح وجه حرمة النقض، و هناك جهات أخرى تسوّغ النقض و إليك بيانها:

4ـ إنّ العبرة و الاعتبار في حكم القاضي برصيده الذي يتمتّع به و هو كونه حاملاً لحكمهمعليهم السَّلام و هذا هو الذي أعطى له القيمة و الكرامة و لو خلّي عنه، لسقط عن الاعتبار و المقصود من حكمهم هو الأعم من الحكم الواقعي المنكشف بالعلم، أو المنكشف بالأدلّة القطعيّة و إن لم يكن نفس الحكم قطعياً، كظواهر الكتاب و السنّة المعتبرة، و الإجماع المحصّل، و الشهرات المحقّقة التي تجعل المقابل شاذاً ساقطاً ـ حسب ما حقّقناه ـ .

والحكم القضائي عندنا ليس حكماً واقعياً و لا ظاهرياً و إنّما قسم خاص منه، لكن بما أنّه يستمدّ من هذين القسمين يكون له الاعتبار، فإذا لم يكن مستمدّاً منهما لما كانت له قيمة.

5ـ الاجتهاد الصحيح موضوع لنفوذ القضاء فلو حكم بالحق بلا اجتهاد،


1 ـ المحقق الرشتي: كتاب القضاء:1/107.
2 ـ النجفي: الجواهر40/95، و نقله عنه كل من المحقق الرشتي و الاشتياني في كتابيهما باسم «كتاب القضاء:108، و57 معبّرين عنه ببعض مشايخنا و هذا يعرب عن تتلمّذهما عليه أولاً ثمّ على الشيخ الأنصاري: ـ قدّس الله أسرارهم ـ .
3 ـ الوسائل: الجزء18، الباب11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.


(236)

أو باجتهاد فاسد فهو من مصاديق قوله: «حكم بالحقّ و هو لا يعلم» و لأجل ذلك لا قيمة لقضاء العامي و إن أصاب الحق.

6ـ إنّ حكم القاضي و إن كان حجّة على الكل من غير فرق بين المترافعين و غيرهما لكن ليست حكومته مطلقة، غير مشروطة و لا محدّدة فلو كان الحقّ منكشفاً لدى القاضي بالعلم القطعي أو بحجّة قطعيّة على قول، فليست له حكومة عليه إذ لايصح جعل حكم مخالف في عرض الواقع، المنكشف.

7ـ إذا حكم القاضي بحكم على موضوع ثبت عنده بالبيّنة كالقصاص، ولكن عزل وترك إجراءه على قاض آخر، فلا يصحّ له الإجراء إلا إذا تحقّق الموضوع عنده و هو كونه قاتلاً أو مديوناً فيطلب ذلك، النظرَ في القضاء الأوّل. و إلاّ فمجرّد حرمة الردّ و الإنكار لا يدلّ على ثبوت الحقّ عند الثاني. إذا عرفت ما هو المبرر لحرمة النقض و جوازه فإليك بيان الموارد التي يجوز النقض فيها:

أ: تبيّن فساد الاجتهاد

إذا تبيّن أنّ الحاكم الأوّل، لم يقض على اجتهاد صحيح مثلاً أحلف المدّعي مكان المنكر أو قضى بشهادة النساء مكان لزوم شهادة الرجال، أو بشهادة عدلين مع لزوم شهادة الأربعة أو قضى بشهادة عدل و يمين في غير الأموال و الحقوق مع اختصاص القضاء بهما عليهما ففي تلك الموارد لاشبهة في جواز النقض بل لزومه في حقوق الله مطلقاً و حقوق الناس مع المطالبة فإنّ حكمه في الواقع دائر بين الحقّ و الباطل فعلى الأوّل قضى بالحقّ و هو لا يعلم، و على الثاني قضى بالجور و هو لا يعلم والكلّ قضاء باطل.

ب ـ إذا خالف الدليل القطعي

إذا كان في المسألة دليل قطعي يفيد العلم بالحكم الواقعي، كنصِّ الكتاب،


(237)

أو السنّة المتواترة، و إجماع الفرقة المحقّة في الأعصار، فحكمه حكم القسم الأوّل من لزوم النقض مطلقاً في حقوق الله و حقوق الناس مع المطالبة إذ لا معنى لجعل حكم في عرض الحكم الواقعي، وبكلمة قصيرة يدخل الحكم حينئذ في من قضى بالجور و هو لا يعلم.

ج ـ إذا خالف الدليل المعتبر

إذا كان في المسألة دليل معتبر ثبت اعتباره بالدليل القطعي كخبر الواحد و سائر الأمارات التي قامت الأدلّة القطعية على حجّيتها كالشهرات الفتوائية طوال القرون ـ على ما حقّقنا حالها في الأصول ـ ، و كالعلّة المنصوصة و بالجملة تبيّن تبيّناً قطعياً أنّه استند إلى ما ليس بحجّة واقعاً، و إن لم ينكشف الواقع مثل انكشافه في الصورة الثانية فهل يجوز النقض أو لا؟

والحقّ جوازه وذلك لأنّ المفروض أنّ الحجّة الفعلية في حقّه، هو ما غفل عنه، و عدل إلى ما ليس بحجّة و مع ذلك فكيف يكون نافذاً في حقّ القاضي الثاني؟

و الحاصل أنّ المقياس تبيّن الخطاء في قضائه (لا تبيّن الواقع و انكشافه) و هو يلازم عدوله عن الحجّة السابقة إلى الحجّة الفعلية.

د ـ لو كان الدليل المخالف عند القاضي الثاني أرجح عنده مما استند إليه. مع كون مستند الأوّل أيضاً ممّا يجوز الاعتماد عليه فإنّ ذلك لاينقض لأنّه لا يعلم كونه خطاء.و على ضوء ذلك ظهر أنّ مورد النقض ينحصر في أمرين: تبيّن فساد الاجتهاد، تبيّن الخطاء في مستند القاضي الأوّل تبيّناً قطعياً سواء كان الواقع متبيّناً أيضاً أو لا و أمّا إذا كان الخطاء غير متبيّن غاية الأمر كان لأحد الدليلين ترجيح في نظر الثاني على الأوّل فلا.

نعم المتأخّرون بين موافق، و متردّد، وجازم بالخلاف.


(238)

أمّا الأوّل فقد أفاد المحقّق الرشتي في هذا المجال:

يجوز النقض في مواضع ثلاثة. و هي المواضع التي يقع فيها الحكم لاغياً:

أحدها : ما لو علم الحاكم أو غيره مخالفة حكم الحاكم الأوّل للحكم الإلهي الواقعي علماً قطعيّاً فإنّه يجوز النقض حتّى تتجدّد المرافعة لأنّه الحكم على حدّ سائر الأمارات فلايكون حجّة إلاّ مع الجهل بالواقع و امّا مع العلم به فلاحكومة له.

ثانيها: ما لو علم مخالفة الحكم لدليل معتبر عند الكل كالخبر الصحيح المعمول به، الثابت في الكتب المعتبرة مع عدم المعارض فإنّ النقض جائز لأنّ العلم بالواقع الأوّلي و الثانويّ مع وحدته بين الكلّ سيّان في عدم جواز المخالفة، بحيث لو فرضت مراعاة المجتهد لشرائط الاجتهاد لم يفت بمضمونه.

وأمّا مخالفة الحكم الثانوي مطلقاً فليس محلّ النقض لأنّ الأحكام الثانويّة متعدّدة حسب تعدّد الأمراء فليس لمجتهد إبطال ما زعم الآخر حكماً إلهياً و إلاّ لم يبق للحكم مورد لا ينتقض فيه إلاّ نادراً.

و الحاصل :أنّ المخالفة في الرأي لا توجب جواز النقض مطلقاً، بل يتوقّف على كونها بحيث لا تخفى على أحد مراع لشروط الاجتهاد.

ثالثها: ما لو ظهر خطأ الحاكم في الاجتهاد قصوراً أو تقصيراً (فساد الاجتهاد) إلخ. (1)

والقسمان الأوّلان داخلان في تبيّن الخطأ في مستند القاضي سواء كان الواقع متبيّناً كما في القسم الأوّل أو لا كما في الثاني.

أمّا الثاني: فقد أفاد المحقّق الاشتياني فيه و قال: المخالفة للدليل المعتبر عند الكل إن رجع إلى الفساد في الاجتهاد فهو داخل في القسم السابق و إلاّ ففيه


1 ـ المحقق الرشتي: كتاب القضاء 1/108ـ109


(239)

إشكال من حيث عموم الأدلّة الدالّة على حرمة النقض و شمولها بالنسبة إلى المقام، و من حيث العلم بكون التكليف الظاهري لكلّ أحد، هو مؤدّى الدليل الفلاني حتّى لهذا الحاكم فيرجع إلى العلم بمخالفة حكمه للتكليف الظاهري حتّى في حقّ الحاكم فلا أثر في حكمه كما لو خالف الدليل العلمي.(1)

وأمّا الثالث فقد أفاد السيّد الطباطبائي فخصّ جواز النقض بموردين:

1ـ علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع بأن كان مخالفاً للإجماع المحقّق أو الخبر المتواتر.

2ـ إذا تبيّن تقصيره في الاجتهاد ثمّ قال ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز نقضه و إن كان مخالفاً لرأيه بل و إن كان مخالفاً لدليل قطعي نظريّ كإجماع استنباطي أو خبر محفوف بقرائن و أمارات قد توجب القطع، مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأوّل فإن مقتضى إطلاق عدم جواز ردّ حكم الحاكم، عدم جواز نقضه حينئذ إلاّ إذا حصل القطع بكونه على خلاف الواقع فلا يكفي في جواز النقض كون الدليل علميّاً لبعض دون بعض.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التمسّك بالاطلاق فرع إحراز الموضوع و هو أنّه حكم بحكمهم، و المفروض أنّه لم يحرز إمّا وجداناً كما فيما إذا قامت الحجّة القطعيّة أو تعبدّاً كما في مورد الأمارات التي دلّت الحجّة القطعية على صحّة الاحتجاج بها. و معه كيف يصح التمسّك بالإطلاق.

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده صاحب الجواهر حيث قال: أمّا القطعي النظري كإجماع استنباطي و خبر محفوف بقرائن و تكثّر أمارات ممّا يمكن وجود عكسها عند الأوّل كما تراه بالعيان بين العلماء خصوصاً في دعوى الإجماع فلا يبعد عدم جواز النقض به في غير ما فرضناه ضرورة اندارج حكم الأوّل في الأدلّة


1 ـ الآشتياني القضاء 56.
2 ـ السيّد الطباطبائي ملحقات العروة 2/26 المسألة 32 و لاحظ أيضاً المسألة 28 ط طهران.


(240)

المقتضية لنصبه فإنّ المدار في صحّته على معرفة حكمهم بالاجتهاد الصحيح الذي هو أعمّ من القطع النظري و الظن(1) .

يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين جواز النصب، و نفوذه على المجتهد الآخر، فلعلّ عرفانه بالاجتهاد الصحيح في أغلب الموارد كاف في جوازه و لا يكون دليلاً على كونه حجّة على المجتهد الذي كشف أنّ الحكم الفعلي هو خلاف ما حكم. كشفاً قطعياً، بحيث لو كان الأوّل ملتفتاً لقضى به.

ولعلّ ما أفاده في ذيل كلامه موافق لما ذكرناه حيث قال: وينقض إذا خالف دليلاً علمياً لا مجال للاجتهاد فيه أو دليلاً اجتهادياً لا مجال للاجتهاد بخلافه إلاّ غفلة و نحوها و لا ينقض في غير ذلك. (2)

ما هو المراد من حرمة النقض؟

إذا اختلف المتبايعان في نجاسة المبيع وطهارته كالعصير الذاهب ثلثاه بالشمس ، و رأى المشتري نجاسته تقليداً أو اجتهاداً على خلاف البايع، و حكم الحاكم بطهارته، فهل يترتّب جميع آثار الطهارة على نوع العصير، أو على شخصه المتنازع فيه، أو خصوص الأثر الذي بسببه وقعت الخصومة و هو صحّة البيع و تملّك البايع الثمن، و لزوم دفعه إليه من غير أن يصحّ للمشتري أن يرتّب سائر آثار الطهارة كإباحة الأكل و الصلاة إذا لم يساعد تكليفه؟

فعلى الوجه الأوّل يجوز للمشتري القائل بالنجاسة، أن يعامل مع مطلق العصير، معاملة الطهارة و إن كان خارجاً عن محلّ المرافعة، و على الثاني يجوز له أن يرتّب على خصوص المتنازع فيه جميع آثارها من الأكل و الصلاة، و على الثالث يجوز أن يرتّب الأثر الذي وقع مورد النزاع و هو لزوم دفع الثمن و كون


1 ـ الجواهر :40/96ـ 97.
2 ـ الجواهر :40/96ـ 97.


(241)

البايع مالكاً. و الظاهر هو الثالث لأنّ المتبادر من قوله «فارضوا به حكماً»(1) هو الرضا بحكمه بمقدار ترتفع به الخصومة و هو الذي يقبل الإلزام، لا سائر الآثار. من غير فرق بين أن يكون متعلّق القضاء الطهارة أو أداء الثمن، لأنّ الحكم بالطهارة ليس إلاّ فتوى و لا يجب على المحكوم عليه الأخذ بفتياه خصوصاً إذا كان مجتهداً أو كان مقلّداً أو كان القاضي غير أعلم، بخلاف حكمه بأداء الثمن فإنّه حكم قضائي محترم.

نعم يظهر من صاحب الجواهر، أنّ المترتّب، هو الطهارة حيث قال : كما أنّه لا فرق في ذلك بين العقود و الإيقاعات و الحلّ و الحرمة و الأحكام الوضعيّة حتّى الطهارة و النجاسة فلو ترافع شخصان على بيع شيء من المائعات وقد لاقى عرق الجنب من زنا مثلاً، عند من يرى طهارته فحكم بذلك كان طاهراً مملوكاً للمحكوم عليه و إن كان مجتهداً يرى نجاسته أو مقلِّد مجتهد كذلك لإطلاق ما دلّ على وجوب قبول حكمه، و يخرج حينئذ هذا الجزئي من كلّي الفتوى بأنّ المايع الملاقي عرق الجنب نجس في حقّ ذلك المجتهد و مقلّدته و كذا البيوع و الأنكحة و الطلاق و الوقوف و غيرها، و هذا معنى وجوب تنفيذ الحاكم الثاني ما حكم به الأوّل و إن خالف رأيه.(2)

و يظهر من السيّد الطباطبائي اختياره أيضاً قال: إذا كان مذهبه اجتهاداً أو تقليداً نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من الحرام و اشترى مايعاً فتبيّن أنّه كان ملاقياً للغسالة أو عرق الجنب من الحرام ـ إلى أن قال ـ ففي خصوص هذا المورد يعمل بمقتضى الطهارة و يبنى عليها و ينقض الفتوى بذلك الحكم(3).


1 ـ الوسائل18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث1.
2 ـ الجواهر: 40/98.
3 ـ السيّد الطباطبائي: ملحقات العروة :2/27، المسألة 38 و المورد من مصاديق نقض الفتوى بالحكم.


(242)

يلاحظ على ما ذكراه أنّ المتبادر من أدلّة نفوذ القضاء، هو نفوذه، في مورد الخصومة، و هو لزوم أداء الثمن، و عدمه لا صيرورة النجس في نظر المشتري طاهراً بحيث يجوز له شربه و بيعه.

و العجب أنّ السيّد الطباطبائي أفتى في كتاب التقليد على خلاف ما ذكره هنا حيث قال:إذا كان البايع مقلِّداً لمن يقول بصحّة المعاطاة مثلاً أو العقد الفارسي ـ والمشتري مقلِّداً لمن يقول بالبطلان، لا يصحّ البيع بالنسبة إلى البايع أيضاً لأنّه متقوّم بطرفين فاللازم أن يكون صحيحاً من الطرفين، و كذا في كلّ عقد كان مذهب أحد الطرفين بطلانه و مذهب الآخر صحّته(1).

فإذا كان هذا حال البايع حسب الفتوى فكيف يمكن أن يغيّره حكم القاضي إلى الصحّة لأنّ المفروض أنّ القاضي يُفتي ثمّ يقضي حسب الفتوى نعم ذهب المشايخ إلى صحّته بالنسبة إلى البايع مع تمشي قصد المعاملة ممّن يرى بطلانها كما عليه السيّد الأستاذ في تعليقته على العروة و غيره من الأعلام.

والحقّ أنّ النقض نسبيّ لا مطلق و بذلك يظهر اندفاع ما ربّما يقال: «لا دليل على نفوذ حكمه على مجتهد مخالف لأنّه لا يلتزم بأنّ ما حكم به حكم الإمام ـ عليه السلام ـ بل يرى أنّه ليس بحكمه فلا تدلّ الروايات على نفوذ حكم ذلك الحاكم على مخالفيه في الرأي إذ يجب عند ترتّب الأثر إحراز عناوين الموضوعات و منها أنّه حكم الإمام فمهما لا يعلم أنّ ما حكم به هو حكم الإمام فلا دليل على نفوذ حكمه عليه».

يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من قوله: «إنّ ما حكم به الأوّل ليس من أحكامهم» الموارد الثلاثة التي يجوز نقضها، فلا كلام في عدم النفوذ، إنّما الكلام في غيرها كنجاسة الغسالة، أو عرق الجنب عن الحرام، الذي للاجتهاد معه محلّ فلو لم يكن رأى الحاكم نافذاً في المخالف معه اجتهاداً أو تقليداً، يلزم بقاء


1 ـ السيّد الطباطبائي: العروة الوثقى باب التقليد، المسألة 55.


(243)

الخصومة لأنّ كلاّ ً يريد العمل برأيه أو برأي مقلّده فتبقى غير منحلّة و بالجملة ترتّب جميع آثار الطهارة، أو عدم نفوذه في حقّ المخالف، بين الإفراط و التفريط والأوسط ما اخترناه.

هذا كلّه حول الشبهة الحكمية و أمّا الشبهة الموضوعية فإن لم يعلم مخالفة حكمه فيها للواقع فلا شكّ في حرمة النقض و توّهم اختصاص المقبولة بالأُولى مردود، بما في صدره من اختلاف بعض أصحابنا في دين أو ميراث فإنّ الاختلاف في الأوّل ينشأ من الشبهة الموضوعية. و كون حكم القاضي حكماً مبرماً غير قابل للنقض أثر طبيعة حكمه فلا معنى للفرق بين كون الشبهة حكمية أو موضوعية و على كلّ تقدير فإن كان هناك تقصير أو قصور في الاجتهاد يجب النقض، إذا كان من حقوق الله، و مع المطالبة إذا كان من حقوق الناس، وقال المحقّق الرشتي: ينقض باطناً دون جهار بمعنى تجديد المرافعة من رأس لخوف الفتنة أو الإهانة على الحاكم الأوّل (1). و هو كما ترى و مراده من النقض باطناً جواز التقاص خفاءً في غير اليمين. و أمّا إذا كان القضاء على وفق الموازين لكن كذّب المدّعي نفسه أو تبيّن أنّ السند مزوّر أو أنّ الشاهدين فاسقان و بعبارة أخرى تبيّن الخطأ و علم كون الحكم على خلاف الواقع الفعلي، نقَضَه، دون ما إذا ظنّ أو احتمل.

2ـ نقض الحكم بالفتوى

قد عرفت عدم جواز نقض الحكم بالحكم إلاّ في موارد خاصّة، فأولى بعدم النقض، نقضه بالفتوى إلاّ في موارد ثلاثة متقدّمة، فبما أنّ الحاكم يفتي أوّلاً ثمّ يقضي ربّما يكون نقض الحكم بالحكم مسبوقاً بالنقض بالفتوى و على أيّ تقدير لا يجوز النقض بها في غير الموارد الثلاثة. مثلاً لو بدا له في الحكم بعد حكمه في جزئي خاص، كما في تزويج الباكرة بدون إذن أبيها، فحكم بالصحّة لعدم اشتراط


1 ـ المحقق الرشتي: كتاب القضاء: 1/110.


(244)

الإذن عنده في ذلك الزمان ثمّ تغيّر رأيه، فالتزويج السابق، يكون محكوماً بالصحّة لظهور أدلّته في عدم جواز نقضه مطلقاً إلاّ في موارد ثلاثة.

3ـ نقض الفتوى بالحكم

يجوز نقض الفتوى بالحكم كما عرفته فيما إذا كان مذهب المشتري اجتهاداً أو تقليداً نجاسة الغسالة أو نجاسة عرق الجنب من الحرام إلى آخر ما عرفت.

4ـ نقض الفتوى بالفتوى

إذا مات مقلَّده أو تغيّر رأيه فإنّه يجب عليه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتي دون ما مضى و أمّا الأعمال السابقة فقد اخترنا الإجزاء مطلقاً سواء كان مستند الفتوى، الأمارات أو الأُصول مثلاً إذا تزوّج بكراً، بإذنها ثمّ تبدّل رأيه إلى كون أمرها بيد أبيها، لم يضرّ بما سبق نعم يختصّ الإجزاء بما سبق دون ما يأتي و بعبارة أخرى، يحكم على الأعمال السابقة بالصحّة و إن كان له استمرار، و أمّا الموضوع الجديد فيجب العمل فيه على وفق الرأي الحديث فلو تزوّج بنتاً بإذنها، بفتوى كفاية إذنها دون أبيها، فلا يصحّ التزويج من بعد إلاّ من بعد إذن أبيها، ولو توضّأ بالماء القليل الملاقي للنجس بفتوى عدم انفعاله فالصلوات الماضية صحيحة لكن طهارة البدن بالنسبة إلى الأعمال الآتية موضوع جديد يجب إحرازها حسب الفتوى الجديدة و بالجملة إنّ دليل الإجزاء في الأمارات، الذي هو وجودالملازمة العرفية بين تجويز العمل، و كفايته مطلقاً، لا يؤثّر إلاّ في الأعمال السابقة دون ما يأتي، و تزويج الباكرة بلا إذن أبيها أو تزويج من ارتضعت منهعشرة رضعات عمل واحد قد تمّ و معنى تماميتها كونه زوجها إلى أن تموت أوتطلَّق.

قد عرفت أنّ المحقّق ذكر في المسألة الثالثة فروعاً ثلاثة و قد فرغنا عن دراسة الفرعين الأوّلين و إليك


(245)

الفرع الثالث: لو حكم ثمّ تبيّن له الخطأ

لو ثبت عند القاضي ما يبطل حكمه الأوّل أبطله سواء كان من حقوق الله أو من حقوق الناس و في بعض الكلمات الماضية(1) إلماع إلى هذا الفرع، أضف إليه ما ننقله هنا:

1ـ قال ابن حمزة: فإن حكم بخلاف الحقّ سهواً أو خطاءً ثمّ بان له، رجع و نقض ما حكم به(2).

2ـ و قال ابن سعيد: إذا قضى بقضاء ثمّ بان له فساده نقضه.(3)

أقول: النقض لا يختصّ بصورة العلم بالخطاء بل يكفي الشكّ و التردّد في صحّة الحكم السابق فإذا حكم إنشاء لا استيفاء ثم عرض له الشكّ أو تبيّن الخطاء فليس له أن يرتّب الأثر على الحكم السابق لأنّ ما هو شرط ابتداءً شرط استمراراً أيضاً و لأجل ذلك لا يجوز الإفتاء بما شكّ في صحّته فالعلم و اليقين بصحّة الحكم من شرائط القضاء ابتداءً و استمراراً.

أضف إلى ذلك أنّه إذا طرأ عليه الشكّ ربّما يكون المورد من مصاديق درء الحدود بالشبهات.

و ليس المقام من موارد استصحاب الحكم السابق، لأنّه فيما إذا كان اليقين بالحدوث محفوظاً في ظرفه و تعلّق الشك بالبقاء ولكنّ الشك في المقام متعلّق بالحدوث فهو من مصاديق قاعدة اليقين و الشكّ الساري التي لا تشملها أدلّة الاستصحاب كما حرّر في محلّه.

كما لا تجري في المقام أصالة الصحّة ـ إذا شكّ في الصحّة لا إذا تبيّن الخطاء


1 ـ لاحظ كلام الشيخ في المبسوط، و ابن البرّاج في المهذّب، و العلاّمة في الإرشاد وقد مضت نصوصهم.
2 ـ ابن حمزة: الوسيلة:309.
3 ـ ابن سعيد: الجامع للشرايع:529.


(246)

ـ و ذلك لأنّها إنّما تجري إذا لم تكن صورة العمل محفوظة وإلاّ فلو كانت محفوظة و كانت الحالة السابقة واللاحقة بالنسبة إلى اليقين و الشكّ سواسيه فلا تجري، كما إذا اغتسل في الحمام و لم يحرّك الخاتم الذي في يده، ثمّ شكّ بعد الفراغ عن العمل في جريان الماء تحته قهراً أو لا، فلا تجري أصالة الصحّة التي يعبّر عنها بقاعدة الفراغ، إذ ليس هو حين العمل بأذكر من بعده و ـ لذا ـ لو التفت حين العمل، لشكّ مثل الشكّ بعد العمل. و المقام أيضاً كذلك لأنّه لو كان تبيّن له حين القضاء ما تبيّن له بعده، لشكّ في قضائه.

تمّ الكلام في المسألة الثالثة بفروعها الثلاثة.

***

المسألة الرابعة

فيها فروع ثلاثة

قد جاء في هذه المسألة أيضاً فروع ثلاثة:

1ـ ليس على الحاكم تتبّع حكم من قبله

2ـ لو زعم المحكوم عليه أنّ الحاكم الأوّل حكم عليه بجور لزمه النظر.

3ـ لو ثبت عنده ما يبطل حكم الأوّل، أبطله، سواء كان من حقوق الله أو من حقوق الناس.

أمّا الفرع الأوّل، فليس عدم وجوب التتبّع لأجل أصالة الصحّة في القضاء السابق و لا لكونه تفتيشاً في عيوب الناس بل لأجل عدم الموضوع و هو التخاصم، إذا كان الغرض هو التصويب أو النقض و أمّا إذا كانت الغاية دراسة وضع القضاء فيما مضى، فهو أمر مباح لا دليل على وجوبه و لا على حرمته.

وأمّا الثاني: فلأنّ هذا الادّعاء دعوى جديدة أقامها المحكوم عليه على القاضي، فيشمله إطلاق ما دلّ على قبول كلّ دعوى من مدّعيها.


(247)

ثمّ إنّه لو ادّعى الجور في الأحكام، فهو ليس من موارد البيّنة حتّى يقال البيّنة للمدّعي، لأنّ مورد البيّنة هو الشبهات الموضوعية، و المفروض أنّ ادّعاء الجور فيها شبهة حكمية، فيجب على القاضي النظر في الحكم فإن كان حقّاً يقبله و إن كان باطلاً يردّه نعم لو كان مضمون الدعوى غير الجور في الأحكام، بل كان عدم اجتهاد القاضي، أو فسقه أو فسق الشهود فعليه حينئذ البيّنة و ما ربّما يقال من أنّ طلب الاستئناف ردّ لحكمه، غير مسموع إذ فرق بين إنكار الحكم مع الاعتراف بكونه على موازين القضاء المقرّرة و بين ردّه لعدم كونه على وفقها ، بحيث لو كان موافقاً لقبله و مثل ذلك ليس ردّاً و لا تشمله المقبولة، و لأجل ذلك يصحّ الاعتراض سواء أكان القاضي معزولاً أم لا.

وبذلك يظهر أنّ ما اشتهر أنّه لا استئناف في القضاء الإسلامي، فليس على إطلاقه لأنّه إن أُريد به، وجود دائرة للقضاء الإبتدائي، و دائرة للاستئناف، و دائرة ثالثة للقضاء النهائي فالنفي حقّ، لأنّ الفقيه الجامع للشرائط لا تتحدّد مسؤوليته بمرحلة خاصّة.

و إن أُريد أنّه إذا تمّ القضاء يصحّ للمحكوم، أن يعترض على القضاء البدئي من دون أن يوجّه شكواه إلى شيء من العناصر المؤثرة في القضاء فالنفي أيضاً حقّ.

و إن أُريد أنّ للمحكوم بعد صدور الحكم أن يعترض على أحد العناصر المؤثّرة فيه و أنّه لم يكن جامعاً للشرائط كعدم أهلية القاضي للقضاء، أو فسق الشاهدين أو الجور في الحكم أو غير ذلك، فالنفي غير صحيح لما عرفت من أنّ للمحكوم أن يعترض على القضاء و برفع شكواه إلى قاض آخر.

وسيوافيك الكلام في هذا الموضوع في المستقبل.

وأمّا الفرع الثالث: فهو مبني على كون الحقوقين من باب واحد سواء كان هناك مطالب أو لا، و أمّا على ما هو المعروف من الفرق بينهما و أنّ الأوّل ليس


(248)

رهن مطالب بخلاف الثاني فيشكل النقض مع عدم المطالب.

و بما أنّ نظام القضاء قد وقع في قفص الاتّهام و اتّهم، بعدم الاستئناف الذي يعد اليوم من كمال النظام القضائي فلنردّ عنه سهام التهمة، بالبحث الموجز فيه.

الاستئناف في القضاء

قد عرفت موقف القضاء الإسلامي في تجديد المرافعة و استئناف المحاكمة على وجه موجز و قد أجمل الفقهاء الكلام فيه و بذلك صار غرضاً لأعداء الإسلام فناقشوا نظام القضاء بأنّه فاقد لهذا الأصل الحيويّ في مهمّة القضاء، فإنّ القضايا المطروحة في المحاكم بين واضح بسيط لا يحتاج إلى قضاء مجدّد، و غامض معقَّد، تتوقّف إصابة الواقع إلى محاكمة من هو أبصر منه و أكثر تجربة و أعرف بالأصول و القوانين و ـ على زعمهم ـ ضرب الإسلام الجميع بسهم واحد و تعامل معهم معاملة واحدة.

و قد أفرطت المحاكم الدولية في العالم، حيث جعلوا لغالب القضايا مراحل متعدّدة و بذلك فوّتوا الوقت على أكثر المراجعين، حيث لا يتمّ القضاء النهائي إلاّ بعد مرور سنين. فهل فرّط من نفى الاستئناف من رأس، و جعل لكلّ مرافعة، مرحلة واحدة؟! ولنذكر أُموراً.

1ـ اختلاف كلمات الفقهاء

إنّ كلمات الفقهاء في ذلك مختلفة فالمحقّق النراقي، على النفي المطلق و صاحب الجواهر و السيّد الطباطبائي على التفصيل و إليك كلماتهم:

قال النراقي: لو ترافعا عند مجتهد و تمّ قضاؤه لا يجوز لهما الترافع عنده أو عند غيره ثانياً في هذه الواقعة مخصوصاً، ولو ترافعا لا يجوز للحاكم سماع الذي


(249)

فيه(1) .

وقال صاحب الجواهر: بل ربّما يتوّهم عدم محلّ للدعوى و إن تراضى الخصمان بتجديدها عند الحاكم الثاني، و إن كان الأقوى خلافه، بل الأقوى نفوذ حكمه و إن اقتضى نقض الحكم الأوّل. (2)

وقال السيّد الطباطبائي: ليس للمحكوم عليه بعد تمام المرافعة و الحكم، مطالبة تجديدها عند حاكم آخر أو عند الأوّل و هل يجوز ذلك مع رضى الطرفين أو لا قولان: أقواهما الأوّل كما اختاره في الجواهر إذ الظاهر عدم صدق ردّ الحكم خصوصاً إذا كان لاحتمال خطأ الحاكم لا سيّما إذا كان الحاكم أيضاً أراد تجديد النظر في مقدّمات الحكم.(3)

2ـ مورد البحث غير المواضع الثلاثة

إنّ محل البحث في غير الموارد التي يجوز فيه تجديد النظر و النقص عند تبيّن الخطأ في الحكم، بقسميه أو فساد اجتهاده أو عدم كون القاضي أهلاً و نحو ذلك، و إلاّ فلا خلاف في جواز النقض.

3ـ الموانع الماثلة أمام تجديد المرافعة

إنّ الموانع الموجودة حول تجويز الاستئناف عبارة عن الأمور التالية:

أ ـ كون الاستئناف و تجديد المرافعة ينافي التسليم و القبول الذي أُمرنا به في المقبولة.


1 ـ النراقي: المستند: 2/504، المسألة التاسعة من البحث الثالث في بعض الأحكام المتعلّقة بالقاضي.
2 ـ النجفي : الجواهر: 40/94.
3 ـ السيّد الطباطبائي: ملحقات العروة: 2/ 26 المسألة 31.


(250)

ب ـ ما أطبقوا عليه تبعاً للنصوص من أنّ حلف المنكر يذهب بحق المدّعي و إن كان محقّاً فلا تجوز له المقاصّة و لا التصرّفات الآخر. روي الصدوق بإسناده عن عبد الله بن أبي يعفور أنّ رسول الله قال: «من حلف منكم على حقّ فصدِّقوه، و من سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدّعي ولا دعويله»(1).

قال المحقّق: إنّ المنكر إمّا أن يحلف أو يردّ أو ينكل فإذا حلف سقطت الدعوى ولو ظفر المدّعي بعد ذلك بمال لم تحلّ له المقاصّة ولو عاود المطالبة أثم ولم تسمع دعواه.

لو أقام بيّنة بما حلف عليه المنكر، لم تسمع و أضاف في الجواهر قوله: «كما هو المشهور بل عن خلاف الشيخ و الغنية الإجماع عليه، و لا حقّ له فلا تكون البيّنة حجّة»(2).

ج ـ ما ذكرناه من أنّه بعد القضاء لا موضوع (النزاع) على صعيد التشريع، و معه كيف تعمّه أدلّة القضاء العامّة و وجود النزاع في الأذهان ليس موضوعاً لها بل النزاع الذي لم يحكم عليه، و لم يقطع و لم يفصَّل و بعد الحكم و القطع و الفصل، لا موضوع على صفحة التشريع حتّى تشمله الأدلّة.

هذه هي الجهات الماثلة أمام تجويز الاستئناف فلابدّ من دراستها و الوقوف على مدى تأثيرها في منع تجديد النظر.

أ ـ تجديد النظر غير الاستنكار

أمّا المانع الأوّل، فالظاهر أنّ المراد من الردّ، هو الاستنكار و الإعراض عن


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2 و لاحظ الباب10.
2 ـ النجفي: الجواهر 40/171ـ 173.


(251)

حكم القاضي متوجّهاً إلى التحاكم لدي الطواغيت و النزول في حكمهم و ذلك بشهادة أنّه جاء في صدر الحديث: «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت و ما يحكم له، فإنّما يأخذ سحتاً و إن كان حقّاً ثابتاً، إلى أن قال: قلت: فكيف يصنعان؟ قال:«ينظران من كان منكم من روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» ـ فعند ذاك ـ قال:« فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله و علينا ردّ».(1)

فكم هو الفرق بين طلب تجديد النظر عند نفس القاضي أو قاض آخر ليحكم حسب الموازين الواردة في المقبولة و غيرها، و بين رفض حكم القاضي مستنكراً عليه، راجعاً إلى محاكم طاغوتية؟ و المحرّم هو الثاني دون الأوّل و تجديد النظر في الأوّل لأجل طلب الواقع أكثر ممّا كان ، و في الثاني: لأجل القضاء لصالح أحد الطرفين أو لاستنكار النظام السائد، والشاهد عليه ـ وراء ما ذكرنا ـ تمثيل المقام بأنّه على حدّ الشرك بالله و هو يناسب الرفض، لا طلب تجديد النظر لغاية إصابة الواقع أكثر من الوضع الموجود.

ب ـ ذهاب الحقّ باليمين حكم ثانوي

وأمّا الثاني: أي ذهاب الحقّ باليمين فهل المراد أنّ اليمين الكاذبة يذهب بالحقّ واقعاً و حقيقة و يصبح مال المدّعي، ملكاً للمنكر حقيقة لا سبيل إلى هذا أبداً و لا يتفوّه بذلك أحد من الفقهاء كيف و الرسول الأكرمصلَّى الله عليه و آله و سلَّم يقول: «إنّما أقضى بينكم بالبيّنات و الأيمان، و بعضكم ألحن بحجّته من البعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنّما قطعت له به قطعة من النار» (2).


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب11 من أبواب صفات القاضي الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(252)

أو المراد الذهاب حسب الحكم القضائي الذي هو أشبه بالحكم حسب العنوان الثانوي فليس للمدّعي أخذ المال الذي حلف عليه المنكر كاذباً و لا المقاصّة عن دينه و لا التصرّفات الآخر، كل ذلك إحتراماً للحلف و تكريماً للحكم، و إن كان خاطئاً أو كاذباً في الواقع، فيكون المقصود منه نفوذ حكمه و لزوم العمل به و ليس للطرفين و لا لطرف واحد، الإعتراض عليه. و يكون مفاده متّحداً مع مفاد المقبولة، فبما أنّ الذهاب لم يكن واقعياً بل ثانوياً، يدور نفوذ القضاء مدار وجود الموضوع فإذا نقض الحكم، وارتفع، فيتبعه ما ترتّب عليه.

محاولات للجمع بين ذهاب الحق و تجديد النظر

1ـ لو افترضنا أنّ المتخاصمين اتّفقوا عندالرجوع إلى القاضي أن يكون لهما، أو لكلّ واحد منهما تجديد النظر بعد ذلك، فهل الروايات تدفع ذلك الاشتراط أو هي ساكتة منصرفة عن هذه الصورة أو افترضنا أنّه لم يكن منهما اتّفاق على هذا و لكن دائرة القضاء قسّمت القضايا المطروحة على قسمين، قسم يتمتّع من تجديد النظر إذا رضي المتخاصمان، و قسم ليس له هذا الشأن، ونفترض أنّ المتخاصمين خاضا الترافع على ذلك الأصل، فهل يكون هذا النوع من الاشتراط أو الأصل المصوَّب، مخالفين للمقبولة، وبالتالي يكون مخالفاً للسنّة أو لا ؟ الظاهر لا، لإنصرافها عن هذه الصورة أي اتّفاق المتخاصمين على التجديد بعدالقضاء. نعم لو كان لرواية ذهاب الدعوى باليمين إطلاق يعمّ حالة الاشتراط، أو الخوض في القضاء بانياً على الأصل المصوّب، يكون الاشتراط، أو البناء مخالفاً للسنّة و الشرط المخالف لها لايكون نافذاً أو يختصّ الرجوع بما إذا كان الفصل بغير اليمين.

2ـ إذا كان المراد من الاستئناف هو تجديد المرافعة أي دعوة المدّعي لإقامة البيّنة، و المنكر للتحليف ثانياً كان لما ذكر وجه، و أمّا إذا كان المراد، تجديد النظر في الأسس التي قام الحكم عليها و صدر القاضي عنها فلو كان موافقاً للحق لزم


(253)

و إلاّ أبطل، فعندئذ يدخل الموضوع فيما ذكره المحقّق في المقام حيث قال: « ليس على الحاكم تتبّع حكم من قبله و لكن لو زعم المحكوم عليه أنّ الأوّل حكم عليه بالجور لزم النظر....

3ـ إذا تمّت عملية المحاكمة لدى القاضي و بان الحقّ لديه واتّضح الباطل و لكن توقف عن إصدار الحكم و إنشائه حتّى تتمّ المحاكمة الثانية و إن استلزمت إقامة البيّنة من جديد، والتحليف ثانياً فعند ذلك إذا كانت النتيجة واحدة أنشأ الحكم و إلاّ أمسك فيصحّ الاستئناف بناء على أنّ ذهاب الحقّ باليمين ليس أثر نفسها بل أثر الحكم الذي افترضنا عدم صدوره.

ج ـ النزاع غير مرفوع لدى الاشتراط

وأمّا الثالث و هو عدم الموضوع للقضاء بعد صدور الحكم، فهو غير مرفوع إذا كان الترافع على وجه مشروط أو بناء على الأصل المصوّب لدى دائرة القضاء فإنشاء الحكم على هذا الأصل لا يقطع النزاع حتّى على صعيد التشريع و لهما، أن يطلبا بجديد النظر ثانياً.

على أنّ الإشكال يتمّ على الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة و أمّا على الوجه الثالث، فالحقّ و إن تبيّن لدى القاضي الأوّل، ولكن الحكم الفاصل بعد لم يصدر و معه فالنزاع بعد باق، حتّى يتمّ القضاء النهائي. و الله العالم.

***

المسألة الخامسة:

في الشكوى على قضاء القاضي

الشكوى على قضاء القاضي إذا كانت جامعة للشرائط دعوى مسموعة و


(254)

ما ربّما يتوّهم من أنّ إقامة الدعوى على الفقيه المأذون إهانة لمقام الإمامة غير تام لأنّه لم ينصب رجلاً معصوماً للقضاء حتى تُعدَّ الشكوى إهانة عليه و على ضوء هذا فلو ادّعى أحد أن المعزول بل و غير المعزول قضى عليه بشاهدين فاسقين، فهو موضوع قابل للسماع و تحقيق الحقّ في المسألة يتوقّف على الكلام في موضعين:

الأوّل: في وجوب إحضاره مطلقاً حرّر المدّعي الدعوى أم لم يحرّر، أقام البيّنة أو لا.

الثاني: إذا أحضر فإن اعترف بما ادّعى عليه فهو و إن قال: لم أحكم إلاّ بشهادة عدلين فهل يُكلَّف بالبيّنة أو باليمين أو يقبل قوله مطلقاً؟ و إليك الكلام في الموردين:

أمّا الأول: فإن أقام المدّعي بيّنة على مدّعاه فلا شكّ في وجوب الإحضار لكونها دعوى مسموعة تشملها إطلاقات أدلّة القضاء في الكتاب والسنّة،وإنّما الكلام إذا كانتالدعويمجرّدة عن البيّنة فهل يجوز أو يجب الإحضار أولا؟وجوه:

1ـ السماع لاحتمال الإقرار أو تحليفه و هذا كاف في لزومه و هو خيرة المحقّق في الشرائع (1) و العلامة في الإرشاد (2) و الشهيد الثاني في المسالك (3).

2ـ عدم السماع إمّا بنحو عدم الوجوب أو عدم الجواز. قال المحقّق الأردبيلي: قيل لا يجب، بل يمكن أن لا يجوز فإنّه موجب لهتكه، و زهد القضاة عن القضاء، و لأنّه أمين عام فالظاهر وقوع فعله على الوجه الشرعي (4).


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/76.
2 ـ العلامة الحلي، إرشاد الأذهان، 2/142.
3 ـ زين الدين العاملي، مسالك الافهام، 2/400.
4 ـ الأردبيلي مجمع الفائدة 12/88.


(255)

3ـ التفصيل بين ذكر ما يُستعدى عليه و غيره. قال الشيخ في المبسوط: «فإن اسْتُعْدِيَ على حاكم كان قبله لم يحضره حتى يُبيّن ما يستعدى عليه لأجله احتياطاً للمعزول و خوفاً من الامتهان (1)و الابتذال» و هو خيرة العلاّمة في القواعد، حيث قال: «ولو استعدى على الحاكم المعزول فالأولى للحاكم مطالبته بتحرير الدعوى صوناً للقاضي عن الامتهان فإذا حرّرها أحضره» (2).

4ـ استدعاؤه إلى داره. نقله في مفتاح الكرامة عن بعض العامّة، حيث أوجب على الحاكم إحضار ذي المروءة إلى داره دون مجلس الحكم.(3)

هذه هي الأقوال التي عثرت عليها و غير خفيّ على الفقيه النابه أنّ المقام من قبيل التزاحم فإنّ كون المدّعي مُحقّاً أمر محتمل كما أنّ الإهانة لذوي المروءات و الشخصيات المحترمة من غير فرق بين القاضي و غيره أمرمحرّم قطعاً فيجب على الحاكم الإمعان و الدقّة فإن تفرّس من القرائن الموجودة حول المدّعي و المدّعى عليه و الحقّ الذي يدّعيه، أنّ الدعوى أمر واه فلا يرتّب عليه أثراً لانصراف أدلّة القضاء من مثله و إلاّ فيحضره على وجه خال عن الإهانة.

و ربّما يحتجّ على الإحضار بحضور الإمام علي ـ عليه السلام ـ في مجلس القضاء مع الخصم ولكنّه لا يصلح للاستشهادعلى المقام لأنّ حضوره فيه مع كونه حاكماً أعلى، ما كان يزيده إلاّ علواً و شأناً و لا يشينه بخلاف إحضار القاضي المعزول أو غيره إلى المحكمة.

وأمّا إذا لم يتفرّس ذلك و احتمل كون المدّعي محقّاً فعليه أن يحضره جامعاً بين الحقّين من غير فرق بين أن يحرّر الدعوى أو لا. نعم سيرة المحاكم الدوليّة على لزوم تحرير الدعوى و بدونه لايترتّب عليها أثر.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل، و أمّا الأمر الثاني و هو كيفية الحكم إذا اقيمت


1 ـ أمهن الشيء: أي احتقره و أبتذله.
2 ـ فخر المحقّقين، الإيضاح، 4/322 قسم المتن.
3 ـ العاملي، مفتاح الكرامة، 10/58.


(256)

الدعوى على أنّه قضى بشاهدين فاسقين فإليك الكلام فيه فننقل من الأقوال ما يفيدنا في المقام:

قال الشيخ في الخلاف: إذا عزل حاكم فادّعى عليه إنسان أنّه حكم على شهادة فاسقين و أخذ منه مالاً و دفعه إلى من سأل عن ذلك. فإن اعترف به لزمه الضمان بلاخلاف. (1)

وقال المحقّق: «فإن حضر و اعترف به اُلزم». إلى غير ذلك من العبارات.(2)

والحقّ أن يقال: أنّه ضامن مع العلم بالفسق أو التقصير في طلب المزكّي حيث حكم بمجرّد الشهادة مع عدم ثبوت الحكم إلاّ بالبيّنة العادلة. و أمّا لوكان خطأ يكون على بيت المال. روى الصدوق بإسناده عن الأصبغ بن نباته قال: قضى أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ إنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين(3).

ولو كان هناك تدليس من الشهود يستقرّ الضمان عليهم. هذا إذا أقرّ بفسق الشاهدين على النحو الذي عرفت و أمّا إذا لم يعترف فهناك أقوال:

1ـ يحلف القاضي لو لم يكن للمدّعي البيّنة

و إن أنكر كان على المدّعي، البيّنة (4) و إن لم تكن له بيّنة كان القول قوله مع يمينه و لاتجب عليه إقامة بيّنة على صفة المشهود. و هو خيرة الشيخ في


1 ـ الطوسي: الخلاف ج3 كتاب القضاء المسألة 8.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/76.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 10 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
4 ـ بيّنة المدّعي إنّما تنفع في ضمان القاضي إذا شهدت بعلم القاضي بفسقهما، و أما إذا شهدت بفسقهما وحده يكون الضمان على بيت المال.


(257)

الخلاف(1) و نقله عن الشافعي أيضاً مستدلاً بأنّ الظاهر من الحاكم أنّه أمين كالمودع فلا يطالب بالبيّنة و يكون القول قوله.

1ـ وقد أفتى به الشيخ أيضاً في المبسوط لا في خصوص هذه المسألة (حَكَمَ بشاهدين فاسقين) بل في مطلق ما إذا أُسْتُعدِيَ على الحاكم حيث قال: فإن اعترف اُلزم و إن أنكر قضى بينهما كما يقضى بينه و بين غيره . (2)

2ـ يُكلَّف القاضي بإقامة البيّنة

يكلّف القاضي بإقامة البيّنة على ذلك، لأنّه قد اعترف بالحكم و نقل المال عنه إلى غيره (كما إذا كان مورد المرافعة ادّعاء الدين) و هو يدّعي ما يزيل ضمانه عنه فلا يقبل. و هو خيرة أبي حنيفة كما في الخلاف (3) و خيرة الشيخ في المبسوط قال: قال بعضهم يجب عليه إقامة البيّنة أنّه حكم بعدلين و هو الأقوى عندي لأنّه إذا اعترف بالحكم و نقل المال عنه إلى غيره، و هو يدّعي ما يزيل الضمان عنه فلا يقبل منه(4)، إلاّ إذا ثبت أنّه قضى بعدلين.

يلاحظ عليه بأمرين:

أ: أنّ المدّعي و المنكر من المفاهيم العرفية الرائجة بين العقلاء فالمدّعي عندهم من لو ترك تُرك و هو لاينطبق في المقام على القاضي. بل ينطبق على من ادّعى عليه و لو عرّف بمن خالف قوله الأصلَ أو الظاهرَ و هو أيضاً ينطبق على من استعدى عليه.

ب ـ ليس مطلق نقل المال موجباً للضمان فإنّ الوكيل يعترف بذلك و ليس بضامن بل إذا كان في النقل مفرطاً و الأصل عدمه. (1)

3ـ يُصدَّق بلايمين

يُصدّق القاضي في ادّعائه بلا يمين لا لكونه أمين الشرع فيصان منصبه عن الامتهان و الابتذال كما في المسالك(2) بل لما مرّ في بحث عمل القاضي بعلمه من اتفاق الفقهاء على جواز عمله بعلمه في موارد تزكية الشاهدين، فإذا كان علمه في المورد حجّة فيكون إخباره عن ذلك حجّة أيضاً للملازمة كما لا يخفى.

اللّهم إلاّ أن يقال علمه و ادّعاءه إنّما يكون حجّة إذا لم يكن القاضي طرفَ النزاع و أما إذا كان طرفاً له فلا و قد مضى الكلام فيه في محلّه.

***


1 ـ الطوسي: الخلاف 3/ كتاب القضاء المسألة 8.
2 ـ الطوسي: المبسوط 8/102.
3 ـ الطوسي: الخلاف 3/ كتاب القضاء المسألة 8
4 ـ المبسوط 8/103.


(258)

المسألة السادسة:

في شرطية التعدّد في المترجم و عدمها

إذا افتقر الحاكم إلى مترجم فهل يكفي المترجم العدل الواحد، أو لابدّ من التعدّد؟ المشهور هو التعدّد.

قال الشيخ في الخلاف: الترجمة لا تثبت إلاّ بشهادة شاهدين لأنّها شهادة و به قال الشافعي. وقال أبو حنيفة و أبو يوسف: لا يفتقر إلى شهادة عدل بل تقبل فيه شهادة واحد لأنّه خبر، بدليل أنّه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة ـ دليلنا ـ إنّ ما اعتبرناه مجمع على قبوله، و ما ادّعوه ليس عليه دليل و قد اعتبر الشافعي لفظ


1 ـ زين الدين العاملي: المسالك 2/400.
2 ـ زين الدين العاملي: المسالك 2/400.


(259)

الشهادة في ذلك(1).

أقول: إنّ دليل الشيخ يرجع إلى الأخذ بالاحتياط و هو مرجع إذا لم يكن دليل اجتهادي يدلّ على كفاية واحد.

وقد طرحه في المبسوط من غير ترجيح أحد القولين قال:

فمن قال: الترجمة شهادة. ينظر فيما يُترجم عنه فإن كان مالاً أو في معناه ثبت بشهادة شاهدين، و شاهد و يمين، و إن كان ممّا لا يثبت إلاّ بشاهدين كالنكاح و النسب و العتق و غير ذلك لم يثبت إلاّ بشاهدين عدلين، و إن كان حدّ الزنا فأصل الزنا لا يثبت إلاّ بأربعة و الإقرار، قال قوم يثبت بشاهدين لأنّه إقرار و قال آخرون لا يثبت إلاّ بأربعة لأنّه إقرار بفعل موجِب أن لا يثبت إلاّ بما يثبت به ذلك الفعل كالإقرار بالقتل(2).

يلاحظ عليه: بأنّه لو افترضنا أنّ الترجمة من مصاديق الشهادة لكن ليس المشهود به هو الإقرار بالمال، حتّى يكتفي فيه بشاهد و يمين. و لا النكاح و النسب و العتق، حتّى لا يثبت إلاّ بشاهدين، ولا الزنا حتّى لا يثبت إلاّ بأربعة والإقرار، بل المشهودبه، هو إقراره بكذا و كذا، و أنّه يقول كذا و كذا، فلا يعتبر فيه إلاّ ما يعتبر في ثبوت الإقرار. فإسراء حكم المقرّ به إلى الترجمة غريب جدّاً.

و على كل تقدير فهل الترجمة من مصاديق الشهادة فيعتبر فيها وراء التعدّد ـ البلوغ و العدالة المفروغين عن اعتبارهما ـ أو لا؟ و الظاهر في كلام المحقّق أنّه لم يتّضح عنده أنّها من أيتهما فأخذ بالقدر المتيقّن و قال: و لا يقتنع بالواحد عملاً بالمتفق عليه. و هو اللائح من كلام صاحب الجواهر حيث قال: إذا شككنا أنّه من موضوع الشهادة أو الرواية و لا أصل و لا إطلاق ينقّح أحدهما فيجري عليه حينئذ حكم الشهادة من التعدّد ولو لأنّه المتيقن بخلاف غيره.


1 ـ الطوسي: الخلاف3/كتاب القضاء، المسألة 9.
2 ـ الطوسي: المبسوط8/كتاب القضاء،103.


(260)

أقول: إنّ الشهادة من الشهود بمعنى الحضور قال سبحانه: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (البقرة/185). و إنّما سمّى الشاهد، شاهداً، لأنّه يحضر الواقعة و يشاهدها و يعاينها، قال في اللسان: المشاهدة، المعاينة و شهد شهوداً: حضره فهو شاهد، و الفرق بينه و بين الخبير أنّه إذا ضيف إلى الباطنة يقال: خبير و إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد(1).

وعرفت الشهادة بوجوه:

1ـ الشهادة خبر قاطع(2)

2ـ الشهادة الإخبار عن اليقين (3).

يلاحظ عليهما، أنّهما غير مطردين لانتقاضهما بإخبار العالم الفيزيائي عن تركّب عنصر الماء من جزءين، فهل تصحّ تسمية ذلك بالشهادة بحجّة أنّه خبر قاطع، أو إخبار عن اليقين.

3ـ إخبار جازم عن حقّ لازم لغيره (4).

يلاحظ عليه: أنّه لا يشترط في موردها وجود الحقّ كالشهادة على رؤية الهلال أو شهادة المقوّم على القيمة و القاسم على المقدار.

4ـ الخبر الصادر في مقام التوقّع و الانتظار فكلّ خبر كان مسبوقاً بسؤال محقّق أو مقدّر، بمعنى وقوعه في مقام انتظار شخص له كالهلال، هو شهادة و من ذلك تخرج الروايات عن الشهادة لأنّها إخبار ابتدائية غير مسبوقة بسؤال عن مضامينها تحقيقاً أو تقديراً. و على هذا تدخل الترجمة تحت الشهادة فيعتبر فيها التعدّد للإجماع على اعتباره فيها(5).


1 ـ اللسان: 4/293 مادة «شهد».
2 ـ ابن منظور: اللسان 4/مادة «شهد».
3 ـ ابن الأثير: النهاية 2/ مادة «شهد».
4 ـ زين الدين العاملي: المسالك 2/445.
5 ـ الرشتي: القضاء1/117. نقله عن شيخه الأنصاري.


(261)

يلاحظ عليه: أنّه إذا كان هجوم العدو متوقعاً، و أخبر الرائد بقربه من البلد، فهل ترى أنّه يسمّى شهادة؟! لأجل كون المخبر به أمراً متوقّعاً.

5ـ الشهادة إخبار عن ثبوت الشيء في مظانّ انكاره (1)

6 ـ إنّ المرجع في تشخيص الشهادة عن غيرها هو العرف و لأجل ذلك تكون الترجمة تارة من قبيلها و أخرى من مصاديق الرواية. فإذا أريد بها إثبات ما يترتّب عليه الحكم كشهادة الشاهد احتيجت إلى التعدّد، ضرورة أنّها حينئذ بمنزلة شهادة الفرع التي لابدّ فيها من التعدّد لانّها شهادة حينئذ و حيث يراد منها بيان المراد في غير ذلك كانت رواية و تكفي فيها الواحدة و لعلّ منه بيان عبارة المقلَّد مثلاً لمقلِّديه أو بيان المراد من السؤال للمجتهد مثلاً ليذكر حكمه و نحو ذلك ممّا لا يعدّ شهادة بل هو قسم من الرواية ولو بالمعنى(2).

هذا ما قيل حول الشهادة و في المقام فنقول: إذا كانت الشهادة مأخوذة من الشهود بمعنى الحضور فلابدّ أن يكون في المقام واقعة شهدها الشاهد و غاب عنها القاضي، و هل ترجمة مقاصد المترافعين أو الشاهدين داخل تحت تلك الضابطة، و هل هناك شاهد وحاضر، و غائب عن الواقعة؟!. اللهم إلاّ أن يقال أن جهل القاضي باللغة جعله كالغائب عنها و هو كما ترى.

تحليل المسألة بوجه آخر

إذا لم نقل بوجود إطلاق أو عام يدلّ على حجّية الخبر العادل في جميع الموارد، أو قلنا بوجود أحدهما و لكن قلنا بأنّ الترجمة من مصاديق الشهادة، فلا


1 ـ الاشتياني: القضاء:60، نقله عن شيخه الأنصاري، و يبدو أن الكتابين تقريران لمحاضرات الشيخ الأعظم،غير أنّ المحقّق الرشتي أتى بلبّ المراد، و المحقّق الآشتياني بسط الكلام في المسائل.
2 ـ النجفي: الجواهر: 40/107.


(262)

إشكال في اعتبار التعدّد.

و أمّا إذا قلنا بوجود إطلاق في دليل حجّيته من غير فرق بين الأحكام و الموضوعات، لكن خرج منه باب الشهادة و لكنّ الخارج مردّد بين الأقل و الأكثر أي بين شمولها للترجمة و عدمها، صارت الترجمة شبهة مصداقية للعام بعد التخصيص بالشهادة، و قد قلنا في محلّه، بجواز التمسّك بالعام فيما إذا كان منشأ الشبهة في المصداق كون المخصّص دائراً بين الأقل و الأكثر كدوران الفسق بين ارتكاب الكبيرة أو هي والصغيرة، فيصحّ التمسّك بعموم أكرم العلماء بعد التخصيص بإخراج الفاسق من العلماء.

نعم ذكر صاحب الجواهر أنّ الرواية و الشهادة نوعان متباينان و أنّ التعدّد مقوّم للشهادة، قال: وضوح التباين بين الرواية و الشهادة في العرف الذي هو المرجع في أمثالهما بعد معلومية عدم الوضع الشرعي فيهما و عدم الإجمال. و اعتبار التعدّد في موضوع الشهادة لا أنّه هو المميّز لها عن الرواية، و كون جنسهما الخبر لا يقتضي أنّها قسم منه بل هما نوعان متمايزان في العرف(1).

يلاحظ عليه: أنّه بعد تسليم كون الخبر جنساً للرواية و الشهادة، تكون الرواية بالمعنى اللغوي أيضاً جنساً للشهادة لا نوعاً مثلها، فإذا قال نبأ أو خبر أو رواية العادل حجّة، يعمّ كلامه الأحكام و الموضوعات و الشهادة، خرج عنه الأخير حيث يعتبر فيه التعدد، و مع الشكّ في الترجمة يتمسّك بعموم العام، على النحوالذي عرفت.

اللّهم إلاّ إذا أراد من الرواية ، المعنى المصطلح منها و هو الإخبار عن المعصوم في مجال الأحكام.

و على ذلك فالظاهر هو الاكتفاء بمترجم واحد. و مع ذلك كلّه ففي


1 ـ النجفي: الجواهر 40/107.


(263)

النفس من الاكتفاء به شيء و هو أن اشتراط التعدّد في الشاهد في مورد، حاك عن عناية الشارع بثبوته عند القاضي بشخصين، فإذا اكتفينا بمترجم واحد في مورد التعدّد، يكون معناه أنّه اكتفى في ثبوت الموضوع بواحد ولو في الحلقة الأخيرة، و المترجم و إن كان لا يشهد إلاّ على إقراره و مفاد كلامه و لايشهد على الزنا و لا السرقة إلاّ أنّ القاضي يتوصّل إلى الواقع عن طريقه و معنى ذلك جواز توصّله إليه بشخص واحد و هو خلاف المطلوب فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو التعدّد، كما عليه المحقّق و إن كان طريقنا إلى إثبات الحكم غير طريقه. و الله العالم.

***

المسألة السابعة:

في صفات كاتب القاضي

إنّ القضاء غالباً لاينفكّ عن كتابة دعوى المدّعي و خصوصياته، وإقرار الآخر أو إنكاره، و ما يرتبط بهما، فلأجل ذلك كانت القضاة من لدن زمان قديم يتّخذون كاتباً يكتب المحاضر والسجلات و ما يرجع إليهما فيقع الكلام في شرائطه فذكر المحقّق أنّه يشترط: أن يكون بالغاً ، عاقلاً، مسلماً، عدلاً بصيراً ليؤمن انخداعه و إن كان مع ذلك فقيهاً كان حسناً. وأضاف صاحب الجواهر أن يكون جيّد الكتابة و ادّعى على هذه الشروط عدم الخلاف.

قال الشهيد الثاني: ينبغي للحاكم أن يتّخذ كاتباً لمسيس الحاجة إلى كتب المحاضر و السجلات و الحاكم لا يتفرغ لها غالباً و من المشهور أنّه كان لرسول الله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم كُتّاب و كذا لغيره من الخلفاء و يشترط أن يكون الكاتب بالغاً، عاقلاً ، مسلماً عدلاً ليؤمن خيانته ، عارفاً بما يكتبه من المحاضر. و غيرها لئلا يفسدها و يستحب أن يكون مع ذلك وافر العقل، عفيفاً عن المطامع الفاسدة لكيلا يخدع


(264)

من غيره بمال و غيره و أن يكون فقيهاً لا يؤتى من جهل و أن يكون جيّد الخط ضابطاً للحروف لئلا يقع في الغلط و الاشتباه و الأولى أن يُجلس الحاكم الكاتب بين يديه ليملي عليه و يشاهد ما يكتب و لبعض الشافعية قول : إنّه لايشترط فيه الإسلام و العدالة لأنّ القاضي لا يمضي ما كتبه حتى يقف ما عليه (1).

وإلى الكلام الأخير أشار صاحب الجواهر و قال: ربّما يقال بعدم الاشتراط.لأنّ ثمرة الكتابة تذكّر ما كان و إلاّ فهي ليس بحجّة شرعاً وحينئذ فلا عبرة بشيء من هذه الأوصاف ضرورة أنّه مع الذكر بها يجري عليها الحكم و إلاّ فلا و إن كان الكاتب بالأوصاف المذكورة. نعم معها غالباً تحصل الطمأنينة إلى ما يجري عليها الحكم.

وأورد عليه: بأنّ ثمرتها لا تنحصر فيما للتذكّر فيه مدخلية بل قد تكون مراسلة إلى القضاة و غيرهم، و أمراً و نهياً فيما يكون فيه زيادة و نقيصة و تغيير و تبديل فلابدّ أن يكون معتمداً عليه و هو فرع هذه الأوصاف (2).

أقول: يرد عليه ـ مضافاً إلى ما ذكره ـ أنّه كلام من لم يمارس القضاء إذ لايمكن للقاضي أن يعتمد على ذاكرته في كلّ صغير و كبير، بل لابدّ أن يعتمد على السجلات و التقارير المكتوبة المؤرخة و مع ذلك فكيف يمكن أن يعتمد على الكاتب غير الأمين و إلا لزم الفوضى و اختلال نظام القضاء كما هو معلوم للممامرس.

وعلى ضوء هذا نمنع أوّلاً عدم حجّية ما سجّله الكاتب العدل بقلمه و بَنانه مع إطلاق أدلّة حجّية خبر العادل من غير فرق بين قوله و كتابته و على ذلك جرى العقلاء في أمورهم و معايشهم.

وثانياً: ـ على فرض التسليم ـ إنّ القاضي ربّما يتردّد، فيما ضبطته ذاكرته،


1 ـ زين الدين العاملي:المسالك: 2/400.
2 ـ النجفي: الجواهر 40/109ـ110.


(265)

فبالرجوع إلى السجلات، يتذكّر ما تردّد فيه فيعود إلى ذاكرته ما ذهب وغاب مؤقّتاً. والرجوع إنّما يكون مفيداً إذا كان الكاتب عادلاً، بخلاف ما إذا كان غير ثقة فلا يعينه حتى في إعادة ما نسيه مؤقتاً.

نعم لايشترط أن يكون فقيهاً بل يكفي كونه عارفاً بكيفيّة كتابة التقارير و ادّعاء الشهود و إذا كان القاضي مملياً، فربّما يكفي كونه عارفاً بالكتابة و إن لم تكن له ممارسة في كتابة السجلات و المحاضر.

وعلى كل تقدير فالذكر الحكيم يشترط في كاتب الدين العدالة و يقول: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ»(البقرة /282)، فكيف يصحّ نفي لزومها في كاتب المحاضر و السجلات و التقارير التي ليست في الأهميّة بأقلّ منها؟!

***

المسألة الثامنة:

في عدالة الشاهدين

اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم، في اشتراط العدالة في الشهود و لم يخالف فيه أحد، قال سبحانه: «وَاشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ»(الطلاق/2)

والآية واردة في الطلاق لكن الحكم العدل الذي أمرنا به في قوله سبحانه: «وَ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ»(النساء/58). لايتحقّق غالباً إلاّ أن تكون الشهود عدولاً تصدّ عدالتهم عن الشهادة على خلاف الحقّ مضافاً إلى ورود الأمر بالقضاء بالبيّنة العادلة في الروايات (1).

نعم إنّ هناك بحوثاً في عدالة الشاهدين اطرحها المحقّق في هذه المسألة و نحن نقتفيه.


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.


(266)

1ـ لزوم التحقيق في هويّة الشاهد

قال: الحاكم إن عرف عدالة الشاهدين حكم، و إن عرف فسقهما، أطرح و إن جهل الأمرين بحث عنهما.

لاشكّ في أنّه تؤخذ، بالشهادة في الأولى و تطرح في الثانية، إنّما الكلام في لزوم البحث عن هويّة الشاهد إذا كانت مجهولة و هل هو من واجبات الحاكم أو لا؟ و استدلّ عليه بالخبر المروي عن التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري و فيه بعد كلام: «إذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير و لاشرّ قال للشهود: أين قبائلكما؟ فيصفان، أين سوقكما؟ فيصفان، أين منزلكما؟ فيصفان، ثمّ يقيم الخصوم و الشهود بين يديه ثمّ يأمر فيكتب أسامي المدّعي و المدّعى عليه، و الشهود، ويصف ما شهدوا به، ثمّ يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الخيار ثمّ مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه ثمّ يقول ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما و أسواقهما و محالهما و الربض الذي ينزلانه فيسأل عنهما...».(1)

والرواية ضعيفة سنداً لا يحتجّ بها.

واستدلّ صاحب الجواهر بوجه آخر من دلالة إطلاق الأمر بالحكم بالبيّنة العادلة، لزوم الفحص عن وجود الموضوع كما هو الحال في لزوم الفحص عن دخول الوقت للصلاة أو وجود الماء للطهارة.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر قولهم: «البيّنة للمدّعي»، أنّ إقامة البيّنة عليه، و من وظائفه فيجب عليه إحضار المزكّي إذا كانا مجهولين لدى القاضي خصوصاً إذا كانت التزكية متوقفة على السفر إلى محلّ الشاهدين، في النقطة البعيدة.

ومع ذلك كلّه لو كان تحصيل العلم بعدالة الشاهدين أمراً سهلاً للقاضي،


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(267)

لم يبعد وجوبه عليه و قد قلنا بذلك في وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية إذا كان تحصيل العلم بوجود الموضوع، أمراً سهلاً ، إذ لا يظهر من الأدلّة، أنّ فريضة المدّعي أزيد من إحضار من لو تفحّص القاضي عنه فحصاً يسيراً، لوقف على عدالتهما. و إلاّ لزم عليه الإكتفاء بمن عرفه من ذي قبل. و هو موجب لصدّ باب القضاء إذ ليس القاضي في كلّ زمان يعرف وجوه الناس و أوساطهم فضلاً عمّن هو في درجات نازلة عنهم، والحقّ أنّ الفحص على القدر الميسور من وظائف القاضي.

2ـ إذا أحرز إسلامه وشكّ في فسقه

قد عرفت أنّ مجهول الهوية وإن علم إسلامه لايمكن القضاء به ولابدّ من الفحص والتفتيش إذا كان ميسوراً وإلاّ أقفل باب القضاء إذا اكتفى القاضي بعلمه السابق بالمشهود.

غير أنّه اشتهر عن الشيخ بأنّه إذا علم إسلامه وجهل فسقه يقضى به وربّما يفسر كلامه بأنّ العدالة المعتبرة في الشهود ليست إلاّ هذا: «علم إسلامه ولم يعلم فسقه». ولو صحّت النسبة يكون معنى ذلك أنّه لو كان فاسقاً واقعاً و لميعلم فسقه فهو فاسق وعادل وهو نفس القول باجتماع الضدّين، فإنّ الفسق والعدالة من الصفات النفسانية المتقابلة لاتجتمعان أبداً وقد ينسب هذا القول إلى بعض قدماء الشيعة كابن الجنيد، والمفيد، وأظنّ أنّ مقصود الشيخ غير هذا وأنّه يقول بكون الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريق إلى العدالة المعتبرة.

وتحقيق الحقّ يتوقف على البحث في مقامين:

1ـ هل الاختلاف بين الشيخ وغيره في مفهوم العدالة المعتبرة في الشاهد جوهري أو لا؟

2ـ وعلى فرض عدمه فهل الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريق إلى العدالة


(268)

أو لا؟

أ: هل الإختلاف في مفهوم العدالة جوهري؟

لابدّ في تحقيق النسبة نقل عبارة الشيخ برمّتها.

قال الشيخ في الخلاف:إذا شهد عند الحاكم شاهدان يُعرف إسلامهما، ولايُعرف فيهما جرح، حكم بشهادتهما، ولايقف على البحث إلاّ أن يجرح المحكوم عليه فيهما بأن يقول: هما فاسقان فحينئذ يجب عليه البحث.

وقال أبوحنيفة: إن كانت شهادتهما في الأموال والنكاح والطلاق والنسب كما قلناه، وإن كانت في قصاص أو حدّ لايحكم حتّى يبحث عن عدالتهما.

وقال أبو يوسف ومحمّد والشافعي: لايجوز له أن يحكم حتّى يبحث عنهما فإذا عرفهما عدلين حكم و إلاّ توقف في جميع الأشياء ولم يخصّوا به شيئاً دون شيء.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً الأصل في الإسلام العدالة، والفسق طار عليه يحتاج إلى دليل، وأيضاً نحن نعلم أنّه ما كان البحث في أيّام النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم ولاأيّام الصحابة، ولاأيام التابعين، وإنّما هو شيء أحدثه شريك بن عبد الله القاضي فلو كان شرطاً ما أجمع أهل الأمصار على تركه.(1)

وحاصل الآراء المنقولة في عبارة الشيخ عبارة عن :

1ـ القضاء بشهادة المسلم الذي لم يعرف جرحه مطلقاً وهو مختار الشيخ.

2ـ التفصيل بين الأموال والنكاح والطلاق والنسب، وبين الحدّ والقصاص فلايقبل في الثاني وهو خيرة أبي حنيفة.

3ـ عدم القبول مطلقاً وهو خيرة الشافعي، وتلميذي أبي حنيفة : أبي يوسف ومحمّد بن الحسن الشيباني .


1 ـ الطوسي، الخلاف: 3/312، كتاب القضاء، المسألة 10.


(269)

4ـ استدلّ الشيخ بأنّ الفحص ممّا أحدثه شريك بن عبد الله القاضي ولم يكن في زمان النبي والصحابة والتابعين منه أثر.

أمعن النظر في عبارة الشيخ فهل هو بصدد تفسير العدالة، أو أنّه جعل الإسلام مع عدم ظهور الفسق دليلاً على العدالة بالمعنى المعروف بين الأصحاب، كما أنّ بعضهم جعل «حسن الظاهر بمعنى الخلطة المطلعة على أنّ ما يظهر منه حسن، من دون معرفة باطنة » طريقاًإليها.(1) ويؤيد الثاني ذيل كلامه حيث نسب الفحص إلى شريك بن عبد الله القاضي وأنّه لم يكن منه خبر في عصر الصحابة والتابعين، وهذا يدلّ على أنّه يكفي في كشف العدالة، إحراز الإسلام المقرون بعدم ظهور الفسق، ولايلزم الفحص لا أنّه نفس العدالة وأوّل من نبّه بذلك المحقّق البهبهاني في كلام له نذكر منه ما يلي:

«والمراد بالاكتفاء بالإسلام أو حسن الظاهر كونهما طريقين جعليين من الشارع إلى العدالة التي هي ملكة من الملكات، وصفة من الصفات، نظير سائر الطرق الشرعية كالبيّنة وفعل المسلم وأصالة الطهارة لا أنّ العدالة عبارة عنهما كما توهّمه جملة من المتأخرين حيث زعموا، أنّ الاختلاف في المقام راجعة إلى حقيقة العدالة وإنّها الملكة ، أو الإسلام مع عدم ظهور الفسق أو حسن الظاهر.(2)

ثمّ إنّ صاحب المسالك نسب قول الشيخ في الخلاف، إلى صريح ابن الجنيد، وظاهر المفيد في كتاب الأشراف(3) ولم يحضرني كتاب الاشراف حتى أُلاحظ المنقول، ولكن صريحه في كتاب المقنعة خلافه قال: العدل من كان معروفاً بالدين والورع عن محارم الله تعالى.(4)

وأمّا ابن الجنيد، فالمنقول منه في كتاب «المختلف» خلافه قال: «فإذا كان


1 ـ لاحظ الجواهر: 40/113، نعم هو فسر العدالة بنفس هذا المعنى المذكور.
2 ـ المحقّق الرشتي: القضاء118، نقلاً عن المحقّق البهبهاني.
3 ـ زين الدين، المسالك:2/401.
4 ـ المفيد، المقنعة: 112.


(270)

الشاهد حرّاً، بالغاً، عاقلاً، مؤمناً، بصيراً، معروف النسب، مرضياً، غير مشهور بكذب في شهادة، ولابارتكاب كبيرة ولامقام على صغيرة، حسن التيقّظ،عالماً بمعاني الأقوال، عارفاً بأحكام الشهادة غير معروف بحيف على معامل، ولامتهاون بواجب من علم وعمل، ولامعروف بمعاشرة أهل الباطل، ولا الدخول في جملتهم، ولا بالحرص على الدنيا ولابساقط المروءة، بريئاً من أهواء البدع التي توجب على المؤمنين البراءة من أهلها، فهو من أهل العدالة المقبول شهادتهم.(1)

وبالجملة ما نسب إلى ظاهر الشيخ، في الخلاف من تفسير العدالة بما ذكر غير صحيح وعلى فرض الصحّة لم يذهب به أحد من علمائنا ولم يذكره في كتاب النهاية(2) والمبسوط(3) إذ فسّرها في الأُولى قريباً ممّا في رواية ابن أبي يعفور، وفي المبسوط بما تقدّم من ابن الجنيد. والحقّ ما ذكره المحقّق البهبهاني في تفسير كلامه.

ب ـ هل الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريق إلى العدالة؟

إذا تبيّن أنّ اختلاف الشيخ ليس في معنى العدالة، يقع الكلام في كونه طريقاً إلى العدالة المعتبرة فيها، فقد استدلّ له بوجوه:

الأوّل: ما ذكره في الخلاف:« الأصل في الإسلام العدالة و الفسق طارئ عليه، يحتاج إلى دليل» وهذه العبارة تحتمل وجوهاً أوضحها وجهان: أحدهما يرجع إلى إستصحاب حكم قبل البلوغ والآخر يرجع إلى التمسّك بأصالة الصحّة في فعل المسلم.

أ ـ إنّ الأصل في كلّ مسلم العدالة، بالنظر إلى ما قبل بلوغه، والفسق أمر طارئ يحتاج إلى دليل والأصل عدمه.


1 ـ المختلف، كتاب القضاء، المسألة 4، قال العلاّمة وظاهر كلامه يوافق كلام الشيخ في المبسوط، لاحظ المبسوط:8/217 ولاحاجة لنقل كلامه في المبسوط بعد الاتّحاد.
2 ـ الطوسي، النهاية: 325.
3 ـ الطوسي، المبسوط: 8/179.


(271)

يلاحظ عليه: بأنّه أصل مثبت، فإنّ استصحاب عدم الفسق لايثبت كونه عادلاً، لأنّه بمنزلة نفي أحد الضدّين وإثبات الضدّ الآخر، على أنّ الثابت قبل البلوغ من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع وهو التكليف، والثابت في الآن اللاحق، هو السالبة بانتفاء المحمول واستصحاب السالبة بانتفاء الموضوع لغرض اثبات السالبة بانتفاء المحمول من أوضح مصاديق الأُصول المثبتة.

ب ـ الأصل في المسلم أن لايخلّ بواجب ولايفعل محرّماً وقد فسّر ابن إدريس العدل بأنّه الذي لايخلّ بواجب ولايرتكب قبيحاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّه على فرض صحّة الأصل لايثبت به وصف العدالة، غاية الأمر يجب حسن الظن بالمسلم بأنّه ما يخلّ بواجب ولايرتكب محرّماً، ولايثبت بهذا التعبّد بعنوان العدالة.

ثمّ إنّه ربّما يفسّر كلام الشيخ بكون الإسلام والعدالة مترادفين و هو باطل لاتصحّ نسبته إلى الشيخ، فلأجل ذلك ضربنا عنه و عن مثله صفحاً.

الثاني: اطلاق قوله سبحانه:«واسْتَشْهِدوا شَهيدَينِ مِنْ رِجالِكُم»(البقرة/282) حيث اكتفى بكون الشاهد من المسلمين ولايحمل على قوله:«وأشْهِدُوا ذَوَي عَدل مِنْكُمْ» (الطلاق/2) لعدم حجّية مفهوم الوصف.

يلاحظ عليه: أنّ التقييد ليس مبنياً على وجود المفهوم للوصف، بل مبني على الجمع العرفي بين الدليلين وليس القيد منحصراً بآية الطلاق بل جاء في آية الوصية وكتابة الدين.

قال سبحانه:«إذا حَضَرَ أحدكُمُ المَوتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثنانِ ذَوا عَدل مِنْكُمْ أو آخرانِ مِنْ غيَرِكُم إن أنتُم ضَربتُمْ فِي الأرض»(المائدة/106).

وقال سبحانه: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالعَدل» (البقرة/282).


1 ـ الحلي: السرائر:1/280، كتاب الصلاة ، أحكام صلاة الجماعة.


(272)

وقال سبحانه: «أو لايَسْتَطيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدلِ»(البقرة/282).

ولايمكن القول باختصاص القيد بالوصية والدين فإنّ أمر الأوّل مبني على السعة ولأجل ذلك يقبل قول غير المسلم عند فقدان المسلم إذا شهد حين الوصية كما في الآية، فإذا كانت معتبرة فيها ففي غيره بطريق أولى.

الثالث: ظاهر قوله سبحانه: «إن جاءكُم فاسِقٌ بنبإ فتبيّنُوا» (الحجرات/6) .وظاهره التثبّت فيماإذا بان الفسق، والقبول في ما عداه.

يلاحظ عليه:أنّ الخارج هو الفاسق الواقعي ومجهول الهوية مردّد بين البقاء تحت العام والخروج عنه ودخوله تحت المخصّص وفي مثل ذلك لايتمسّك بالعموم لأنّه تمسّك به في الشبهة المصداقية له بعد التخصيص.

الرابع: الروايات الواردة في المقام وهي بين غير صريح أو ضعيف السند، نظير:

1ـ مرسلة يونس بن عبد الرحمان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ، أيحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة؟ فقال: «خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات، والمناكح، والذبائح، والشهادات ، والأنساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولايسأل عن باطنه».

ورواه الشيخ إلاّ أنّه قال : يقضي بقول البيّنة من غير مسألة إذا لم يعرفهم. و ترك الأنساب و ذكر بدلها المواريث.

قال الشيخ الحرّ العاملي: «قد عمل الشيخ و جماعة بظاهره و ظاهر أمثاله، و حكموا بعدم وجوب التفتيش، وحملوا ما عارضه ظاهراً على أنّ من تكلّف التفتيش عن حال الشّاهد يحتاج أن يعرف وجود الصفات المعتبرة هناك، و على


(273)

أنّه إذا ظهر شيء من الأمور المذكورة ممّا ينافي العدالة لم تقبل الشهادة و إن كان لايجب الفحص، و الّذي يفهم من الأحاديث الكثيرة عدم وجوب التفحّص و أنّ الأصل العدالة، لكن بعد ظهور المواظبة على الصلوات، و عدم ظهور الفسق».(1)

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى ضعف سنده ـ أنّه لادلالة فيها على مطلوب الشيخ من كون الإسلام مع عدم ظهور الفسق طريقاً إلى العدالة بل هو بصدد بيان أنّ قول الشاهد ـ المأمون ظاهراً ـ حجّة وإن لم نعلم مصدر علمه، فاشتراط العلم بمصدر علمه أوعدم اشتراطه، هو مورد العناية في الرواية لاتحديد العدالة، على أنّ قوله:«ظاهراً مؤموناً» دليل على القول الثاني وهو أنّ حسن الظاهر بالمعنى الذي مضى، طريق إلى العدالة وهو غير مختار الشيخ.

2ـ روى الصدوق باسناده عن العلاء بن سيّابة قال: سألت أبا عبد الله عن شهادة من يلعب بالحمام، قال: «لا بأس إذا كان لايُعرف بفسق» (2)، وسند الصدوق إلى العلاء بن سيّابة صحيح. وأمّا العلاء نفسه فلم يوثّق ولم يرد فيه مدح. والاحتجاج به غير تام.

3ـ روى الصدوق بسند متّصل إلى علقمة قال: قال الصادق ـ عليه السلام ـ وقد قلت له: يا بن رسول الله أخبرني عمن تُقْبل شهادتُه ومن لا تُقبل؟ فقال: «يا علقمة كلّ من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته ـ إلى أن قال:ـ فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لميشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنباً». (3)

أقول: لا بأس بصدر السند لكنّه ينتهي إلى صالح بن عقبة وهو مردّد بين الأسدي وغيره ولم يرد فيهما توثيق، وإلى علقمة وهو أيضاً كذلك والخبر غير صالح للاحتجاج.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث3، 4.
2 ـ الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 6و13.
3 ـ الوسائل: ج 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 6و13.


(274)

4ـ عن سلمة بن كهيل قال: سمعت علياً يقول لشريح: ... واعلم أنّ المسلمين عدول بعضهم على بعض إلاّ مجلود في حدّ لم يَتُب منه أو معروف بشهادة الزور وضنين(1).

وفي السند إرسال، إذ فيه: الحسن بن محبوب عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه عن سلمة بن كهيل، والأوّل من الطبقة السادسة والثاني من الطبقة الثالثة، و من البعيد أن يروي الحسن بن محبوب الذي هومن أصحاب الرضا عن عمرو بن أبي المقدام وهو عمرو بن ثابت من أصحاب الإمام السجاد والباقر والصادقعليهم السَّلام قال النجاشي: روى عن علي بن الحسين وأبي جعفر وأبي عبد الله عليهم السَّلام وله كتاب لطيف، توفّي الإمام الصادق عام 148، وتولّد الحسن بن محبوب عام 150، وتوفّي عام 224.

على أنّ أبا المقدام وهو ثابت بن هرمز لم يرد فيه توثيق ولا مدح ولأجل ذلك لا يصحّ الاحتجاج بالحديث.

5ـ صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخران فقال: إذا كانوا أربعة من المسلمين ليس يعرفون بشهادة الزور أُجيزت شهادتهم جميعاً وأُقيم الحدّ على الذي شهدوا عليه، إنّما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا وعلموا، وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلاّ أن يكونوا معروفين بالفسق (2).

والرواية وإن كانت صحيحة تامّة الدلالة، لكن الاعتماد عليها مشكل لأمرين:

1ـ أنّها موافقة لرأي أبي حنيفة (3)، الكاشف عن وجود رأي مثله في عصر


1 ـ الوسائل: ج 18، الباب14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 18.
3 ـ مضى رأيه نقلاً عن الخلاف.


(275)

صدور الرواية.

2ـ إنّها معارضة بروايات أكثر عدداً، وأوضح سنداً.

فإن قلت: إنّ أكثر ما استدلّ على قول الشيخ و إن كان قابلاً للمناقشة من حيث السند أو المتن إلاّ أنّ المجموع من حيث المجموع قابل للاحتجاج لأنّ بعضه يشدّ بعضاً كما هو الحال في سائر المقامات.

قلت: نعم لولا أنّ الروايات المعارضة، أقوى سنداً و أكثر عدداً و أوضح مضموناً وقد عمل بها المشهور و أعرض عن مخالفه.

نعم ما نذكره من الروايات المعارضة لايُركّز على عنوان واحد و لكنّ الجميع متّفق على عدم جواز الاكتفاء بالإسلام مع عدم ظهور الفسق بل يجب أن يتمتَّع الشاهد بعنوان وارء ذاك وإليك هذه العناوين وهي بين إيجابي وسلبيّ أمّا الأوّل فإليك بيانه:

1ـ إذا علم منه خير

روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: «لوكان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس».(1)

2ـ إذا كان عفيفاًصائناً

روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال:« لابأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً».(2)

3ـ إذا كان صالحاً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات ، الحديث 8 . والحديث 1 من الباب 39 من أبوابها. وحمل الخير على الإسلام بعيد خصوصاً في الحديث الأخير إذ يقول: إذا علم منهما بعد ذلك (الإسلام ) خير جازت شهادتهما أي الذمي بعد الإسلام والعبد بعد العتق.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 10.


(276)

روى العلاء بن سيّابة عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : قلت فالمكاري والجمّـال والملاح فقال: «ومابأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء».(1)

4ـ أن يكون عادلاً

روى ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال قلت: بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟فقال:« أن تعرفوه بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج...».(2)

روى عبد الرحمان بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ قال: قال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : «لابأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً». (3)

روى محمّد بن مسلم عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في شهادة المملوك إذا كان عدلاً فانّه جائز الشهادة إنّ أوّل من ردّ شهادة المملوك عمر بن الخطّاب. (4)

فعلى ضوء هذه العناوين الوجودية يشترط أمر غير الإسلام وعدم ظهور الفسق كما أنّ هناك روايات تشترط عدم بعض العناوين المضرّة، ككونه فاسقاً، أو ظنّيناًومتّهماً وغير ذلك وإليك الإشارة إلى تلكم العناوين.

5ـ أن لايكون فاسقاً

روى محمد بن قيس عن أبي جعفر في حديث إنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ قال: « لا أقبل شهادة الفاسق إلاّ على نفسه». (5)

6ـ لايكون متّهماً وظنّيناً


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 34 من أبواب الشهادات، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41، من أبواب الشهادات، الحديث 1.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 23 من أبواب الشهادات ، الحديث 1و3 ولاحظ الحديث 6 من الباب 1و5 من الباب 12 من أبواب كيفية الحكم.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 23 من أبواب الشهادات ، الحديث 1و3 ولاحظ الحديث 6 من الباب 1و5 من الباب 12 من أبواب كيفية الحكم.
5 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 7.


(277)

روى عبد الله بن سنان قال قلت لأبي عبد الله ـ عليه السلام ـ : ما يردّ من الشهود قال: فقال: الظنين والمتّهم قال قلت: فالفاسق والخائن قال: ذلك يدخل في الظنين.(1)

ثمّ إنّ الروايات الواردة في ردّ شهادة بعض الأصناف أزيد ممّا ذكرنا فلاتقبل شهادة فحّاش ولا ذي مخزية في الدين ومن يبتغي على الأذان والصلاة بالناس أجراً، والمريب، وذي شحناء إلى غير ذلك من العناوين الواردة في البابين 32 و33 من أبواب الشهادات في الوسائل وأكثرها يدخل تحت عنوان الفاسق، والجميع متفّق على اشتراط أمر زائد، وهو العدالة ،لكن بعد تقييد أوسع العناوين بأضيقها كما لايخفى.

وأمّا ما هي العدالة المشترطة فهل هي ملكة التجافي عن جميع الكبائر والرادعة عنها على ما هو المشهور؟ أو هي عبارة عن حسن الظاهر بمعنى الخلطة المطلعة على أن ّ ما يظهر منه حسن من دون معرفة باطنة كما عليه صاحب الجواهر.(2) والمحقّق الآشتياني في كتاب القضاء(3) ؟فهذا هو الذي نبحث عنه في كتاب الشهادات عند البحث عن صفات الشهود التي رابعها: العدالة فانتظر.(4)وبذلك نستغني عن البحث حول قول المحقق في المقام: «ولايجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر».

3ـ لوتبيّن فسق الشاهدين

إذا حكم الحاكم بعد إحراز العدالة، ثمّ ظهر فسق الشهود في زمان الإقامة أو زمان الحكم المتّصل زمانه بزمان إقامة شهادتهما، نقض حكمه، مثل ما لو تبيّن فسوقهما قبل الإقامة المتّصل بزمان إقامتها، لفقدان الشرط (العدالة) واقعاً المستلزم


1 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 30 من أبواب الشهادات، الحديث 1 ولاحظ الحديث 2، 3، 5، 6.
2 ـ النجفي: الجواهر: 41/113.
3 ـ الآشتياني: كتاب القضاء:65.
4 ـ كتاب الشهادات: النظر الأوّل في صفات الشهود.


(278)

لفقدان المشروط و هو الحكم الصحيح ولا يختصّ جواز النقض بقول المشهور، القائل بشرطيّة العدالة حين الإقامة بل يعمّ قول الشيخ أيضاً القائل بكفاية إحراز الإسلام مع عدم ظهور الفسق، و ذلك لأنّه إنّما يكتفي به إذا لم يظهر الخلاف كما هو اللائح من عبارة الخلاف الماضية. قال ابن حمزة: «فإن حكم على ظاهر الإسلام ثم بان له فسقهما نقض الحكم» (1) .

ثمّ إنّ إطلاق النقض باعتبار الظاهر و أمّا حسب الواقع فلا حكم حتى يُنقض و على كل تقدير إنّ جواز النقص مبنيّ على كون العدالة، شرطاً واقعياً، لا شرطاً علمياً و ذلك لانصراف الأدلّة إلى أنّ العدالة بوجودها الواقعي شرط فقوله سبحانه: «وَاشْهِدُوا ذَوَى عَدْل مِنْكُمْ»(الطلاق/2) وقوله ـ عليه السلام ـ :«أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة...» (2) مثل قول القائل: «إذا غسلته في الكرّ» في أنّ الموضوع هو العدل الواقعي كالكرّ الواقعي، لا المحرز منهما وإن لم يكونا كذلك.

أضف إلى ذلك أنّ أخذ العدالة شرطاً في الشاهد ليس أمراً تعبّديّاً بل لأجل صدِّه عن اقتراف الكذب و شهادة الزور و من المعلوم أنّه لا يترتّب إلاّ على وجودها الواقعية لا الذهنية.

نعم ذهب الأصحاب في باب صلاة الجماعة إلى كونها شرطاً علمياً و ذلك لما رواه على بن أبي راشد عن أبي جعفر الجواد ـ عليه السلام ـ ، أنّه قال: «لا تصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه» (3) و رواه الشيخ في التهذيب مضيفاً إليه كلمة «وأمانته» مستظهرين بأنّ المتبادر منه هو كون الشرط هو الوثوق الذي هو أمر قلبي لاواقعي. ولكن الاستظهار في غير محلّه، وذلك لأنّ المتبادر من أمثاله، هو كون


1 ـ الوسيلة:210 .ولاحظ كلام الشيخ في المبسوط :8/249.
2 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.
3 ـ الوسائل: الجزء 5، الباب 10 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.


(279)

العلم مأخوذاً على وجه الطريقية لا الموضوعية و بما أنّ في المسألة دليلاً غير هذا، نقول بما ذهب إليه المشهور من كفاية إحراز العدالة في صحّة الجماعة لا في المقام.

ثمّ إنّ كونها شرطاً واقعياً يتصوّر على وجوه:

1 ـ أنّها شرط في حقّ القاضي فقط فلو وقف على فسقهما نقض حكمه، و إلاّ يكفي إحرازه ـ و إن كان خطأ ـ في وجوب ترتيب الأثر على آخرين فليس لهم حقّ النقض و إن علموا فسق الشاهدين، مثلاً إذا طلق القاضي عند شاهدين وقد أحرز عدالتهما و إن كانا فاسقين عند الآخرين، يجب عليهم ترتيب الأثر و المعاملة معها معاملة المطلّقة.

2ـ شرط في حقّ كل من له صلاحية القضاء فلو قضى بشاهدين وقد أحرز عدالتهما، ولكن ثبت عند الآخرين فسقهما، جاز لهم النقض لأنّ علمهم بفسقهما كعلم القاضي به في كونه مجوّزاً للنقض.

3ـ شرط في حقّ جميع المكلفين من غير فرق بين من له القضاء و غيره و كون العامي عاجزاً عن إحراز شرائط العمل بالبيّنة، لايكون سبباً لعدم توجّه الخطاب إليه، كما أنّ عدم تمكّنه من إحراز شرائط العمل بالخبر الواحد الوارد في الأحكام، لا يكون سبباً عن انصراف الخطاب عنه غاية الأمر ينوب القاضي و المجتهد عنه فيما يعجز لا فيما لا يعجز فإذا وقف العامي على فسق الشاهدين فله نقض حكم القاضي أخذاً بعموميّة الخطاب.

لكن لاسبيل إلى الاحتمال الثالث: لما أفاده المحقّق الرشتي من أنّه يترتّب عليه من المفاسد التي لا يظنّ بالتزام أحد إيّاها مثل سماع قول كلّ من يتمرّد من قبول حكم الحاكم ـ و إن لم يكن من أطراف المرافعة ـ مدّعياً فسق الشهود فلا يكون علم غير الحكّام بفسق الشهود مؤثراً في جواز النقض وحينئذ يدور الأمر بين القولين و الأظهر هو القول الثاني فلا يجب عليهم إنفاذ الحكم المستند إلى البيّنة الفاسقة، إذا كانوا عالمين لها.


(280)

نعم قلنا ليس للعامي نقض الحكم و إن كان من أطراف المرافعة لكن للمحكوم عليه، جرح الشهود قبل الحكم، أو إقامة الدعوى على القاضي بأنّه حكم بشاهدين فاسقين، أو لم يتفحّص عن الجارح، ولكنّه غير صلاحيّة كلّ المكلّفين، بنقض الحكم كما لا يخفى.

وهل الفسق حال الحكم كالفسق حال أداء الشهادة أو لا؟ ذكروا فيه وجهين:

قال الشيخ :وإذا حكم بشهادتهما بظاهر العدالة عنده نفذ حكمه، فلو ثبت أنّهما فاسقين حين الحكم بشهادتهما لم ينقض الحكم و الأوّل أحوط عندنا، و الثاني تدلّ عليه رواياتنا، غير أنّه إذا علم أنّهما كانا فاسقين حين الشهادة نقض حكمه (1).

أقول: لا شكّ في عدم تأثير الفسق بعد الحكم إنّما الكلام في تأثير الفسق الطارئ بعد الإقامة، و قبل الحكم ففيه وجهان. و الظاهر كفاية وجود العدالة حال الأداء التي تصدّه عن الكذب و الشهادة بالزور، و إنّ زلّ قدمه بعد الأداء، إذ لا تأثير لبقاء عدالته بعد الأداء. ثمّ إنّ المحقّق طرح في المقام بأنّه «لا يجوز التعويل في الشهادة على حسن الظاهر» و سيوافيك البحث عنه في كتاب الشهادات فانتظر .

***

4ـ في تزكية الشاهد أو جرحه

إذا قامت البيّنة ولم تعرَف حالُها توقّف القاضي عن الحكم ، حتّى تعلَم هويّة الشاهدين بالفحص عن حالهما حتّى يقف على تعديل أوجرح فهناك فروع:

أ: ينبغي أن يكون السؤال عن هويّة الشاهد من حيث العدالة والفسق سرّاً


1 ـ الطوسي: المبسوط 8/104 ـ 105.


(281)

من غير أن يعلم الشاهد.

ب : هل يكفي في التعديل والجرح الإطلاق أو لابدّ من التفسير؟

ج : يفتقر التعديل إلى المعرفة الباطنة المتقادمة.

د: لايفتقر الجرح إلى تقادم المعرفة.

أمّا الأوّل : فينبغي أن يكون سرّاً، من غير اطّلاع الشاهد، لأنّه يكون أبعد من التهمة إذ لو كان التحقيق بحضوره، أو مع اطّلاعه ربّما توقف المزكّي أو الجارح عن بيان الواقع فربّما يزّكي خوفاً أو حياء، بخلاف ما إذا كان بعيداًعن حضوره أو اطّلاعه.

قال الشيخ: ويكون المسألة عنه سرّاً لأنّه ليس المقصود هتك الشهود، فإذا كان جهراً ربّما انكشف عليه ما يُفتضح به، ولأنّه إذا كان جهراً ربّما توقّف المزكّي عن ذكر ما يعرفه فيه حياء، ومراعاة حقّ، ولأنّه قد يخاف المشهود عليه....(1)

وأمّا الثاني : فالأقوال فيه خمسة:

1ـ ما نسب إلى المشهور من كفاية الإطلاق في العدالة ولزوم التفسير في الجرح.

2ـ من لزوم التفسير في كلا الأمرين وهو خيرة الشهيد في المسالك.

3ـ من كفاية الإطلاق فيهما واستحسنه الشهيد الثاني فيما إذا كان المزكّي مقلّداً للحاكم أو موافقاً معه في أسباب الفسق وكفاية الإطلاق أيضاً خيرة الجواهر.

4ـ يلزم التفسير في التعديل دون الجرح على خلاف ما هو المشهور نسبه في المسالك إلى العلاّمة.


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/107.


(282)

5ـ يكفي الإطلاق إذا كان المزكّي والجارح عالمين بأسبابهما و إلاّ لزم ذكر السبب فيهما.(1)

ولنذكر بعض كلمات الفقهاء في المقام:

1ـ قال الشيخ: فإذا ثبت أنّ الجرح مقدّم على التزكية فإنّه لايقبل الجرح إلاّ مفسّراًويقبل التزكية من غير تفسير وقال قوم يقبل الأمران معاً مطلقاًوالأوّل أقوى عندنا لأنّ الناس يختلفون فيما هو جرح وما ليس بجرح، فإنّ أصحاب الشافعي، لايُفسِّقُون من شرب النبيذ ومالك يفسقه ومن نكح المتعة في الناس من فسّقه، وعندنا أنّ ذلك لايوجب التفسيق، بل هو مباح مطلق، فإذا كان كذلك لم يقبل الجرح إلاّمفسّراً لئلا يجرحه بما هو جرح عنده وليس عند القاضي، ويفارق الجرح التزكية لأنّ التزكية إقرار صفة على الأصل فلهذا قبلت من غير تفسير، والجرح إخبار عمّا حدث من عيوبه، وتجدّد من معاصيه فبان الفصل بينهما.(2)

2ـ وقال في الخلاف: لايقبل الجرح إلاّمفسّراً، وتقبل التزكية من غير تفسير وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يقبل الأمران مطلقاً فقاس الجرح على التزكية. دليلنا : الناس يختلفون فيما هو جرح وما ليس بجرح فيجب أن يفسّر فإنّه ربّما اعتقد فيما ليس بجرح، أنّه جرح، فإذا فسّره عمل القاضي بما يقتضي الشرع فيه من تعديل أو جرح.(3)

وقال المحقّق: وتثبت (العدالة بالشهادة بها) مطلقة ولايثبت الجرح إلاّمفسّراً.(4)

وقال ابن سعيد: ولايقبل الجرح إلاّ مفسّراً بخلاف العدالة.(5)


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/402ـ 403 والأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/76 وقد ذكر أقوالاً أربعة.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/109.
3 ـ الطوسي، الخلاف: 3 كتاب القضاء ،المسألة 13.
4 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/77.
5 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع: 530.


(283)

وقال العلاّمة: ويفتقر المزكّي إلى المعرفة الباطنة المفتقرة إلى تكّرر المعاشرة ولايجب التفصيل وفي الجرح يجب التفسير على رأي.(1)

وعلى كلّ حال فقد قيل إنّ المشهور هو الاكتفاء بالإطلاق في التعديل دون الجرح واستدلّ له بوجوه:

1ـ إنّ العدالة لاتتحقّق إلاّ بفعل أُمور كثيرة وترك أُمور مثلها، غير أنّ ذكرها موجب للعسر فلامحيص من الإجمال بأن يقول: رأيته مواظباً على الطاعات وترك المحرّمات زماناً معتدّاً، وأمّا إيجاب التفصيل فيؤول إلى تعطيل الأحكام وليس ذلك في الجرح ويكفي فيه ذكر اقتراف معصية واحدة.(2)

يلاحظ عليه: إذا كان المراد من التعديل الإجمالي هو قول المزكّي أنّه عادل يكون المراد من التعديل التفصيلي، قريباً ممّا يلي: عاشرت معه فترة مطلعة ورأيت أنّه كان يواظب الواجبات ويترك المحرّمات وما يعدّ خلاف المروءة. وليس التكلّم بمثل ذلك أو بأكثر منه أمراً معسوراً على أنّ كونه معسوراً يوجب سقوط المقدار المعسور، لا أصل التفصيل.

2ـ إنّ الجارح قد يتبنّى الجرح عن ظنّ خطأ، واشتباهاً ونسياناً.

يلاحظ عليه: أنّه أمر مشترك بين العدالة والجرح، وربّما يحكم بقيامه بالواجبات وترك المحرّمات عن خطأ وعن اشتباه ونسيان.

3ـ إنّ المذاهب فيما يوجب الفسق مختلفة فلابدّ من البيان ليعمل القاضي باجتهاده.

يلاحظ عليه:أنّ الاختلاف في سبب الفسق يقتضي الاختلاف في أسباب العدالة فإنّ الاختلاف مثلاً في عدد الكبائر كما يوجب في بعضها ترتّب الفسق على


1 ـ العلاّمة الحلّي، إرشاد الأذهان: 2/141.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك 2/402، مجمع الفائدة:12/76.


(284)

فعله، يوجب في بعض آخر عدم قدحه في العدالة بدون الإصرار عليه فيزكّيه المزكّي مع علمه بفعل ما لايقدح عنده فيها وهو قادح عند الحاكم.

والحاصل أنّه لو كان سبب التفصيل في الجرح هو احتمال الاشتباه والسهو في ارتكاب الخلاف، أو اختلاف العلماء في أسبابه فهما أمران مشتركان لاينحصر بالجرح ولأجل ذلك يصبح التفصيل المشهور أمراً غير تام.

وأضعف منه القول الرابع المنسوب إلى العلاّمة من لزوم التفصيل في العدالة، دون الجرح.

ومثله القول الخامس من التفصيل بين وحدة النظر بين المزكّي والقاضي فيكفي الإطلاق، وإلاّفيجب عليه التفصيل مطلقاً. وذلك لأنّه خارج عن محلّ النزاع كما هو اللائح من كلام المحقّق الأردبيلي.(1)

فبقى القولان وهو الاكتفاء بالإجمال مطلقاً، أو التفصيل مطلقاً. والظاهر هو كفاية الأوّل وذلك بوجوه:

الأوّل: أنّ الأصل هو حمل عبارة الشاهد على الواقع وإن كان هناك اختلاف بينه وبين القاضي، من غير فرق بين الموضوعات الصرفة الخارجية كالماء والتراب والنار والرماد والهلال والبدر، أو الموضوعات الاعتبارية المتعلّقة للأحكام كالملكيّة والحرّيّة والزوجيّة والبيع، سواء كان هناك اختلاف في أسبابها كما في هذه الأمثلة، أو في مفاهيمها كالعدالة والفسق وذلك إمّا لعموم حجّية قول العدل إلاّ إذا علم الاستناد في الشهادة إلى الأسباب الفاسدة ، أو لأُمور غير صحيحة كالجرح بما ليس بخارج عند القاضي وإمّا لاعتبار حمل الفعل على الصحيح الواقعي ، كما هو المحقّق في باب أصالة الصحّة فإذا شكّ في صحّة عمل، ولو مع العلم بالاختلاف بين الفاعل والحامل، يحمل على الصحّة.


1 ـ الأردبيلي : مجمع الفائدة: 12/76.


(285)

ولأجل ذلك يسمع قول الشاهد إذا شهد بالتطهير والتنجيس والبيع مع وجود الاختلاف في أسبابها.

الثاني: إنّ قدح عمل في عدالة الشاهد تابع لاعتقاده أنّه قادح فيها أولا اجتهاداً، فلو فرضنا انّ الجارح أطنب في الكلام و ذكر شيئاً قادحاً للعدالة عنده و وصل إليه القاضي و لم يعلم كونه قادحاً عند الشاهد كبيع الدهن الذي لاقى عرق الجنب من حرام لاحتمال اعتقاده بطهارته اجتهاداً أو تقليداً و إن كان نجساً عند الجارح و القاضي فالتفصيل في الجرح لا يوصله إلى عقيدة الشاهد التي هي الملاك في كون العمل قادحاً أو لا.

وبذلك تعلم حال ما ذكره المحقّق الآشتياني في المقام قال ما هذا حاصله:

إنّ معنى حجّية قول العادل هو نفي الكذب عنه وأمّا جعل ما أخبر به، أمراً واقعاً في الخارج فهو ممّا لايستفاد من أدلّة الحجّية لاحتمال الاشتباه في الإخبار فلابدّ من الرجوع إلى الأدلّة الأُخر فحينئذ إذا كان المخبر به أمراً حسيّاً كنقل الراوي كلام الإمام. يجري الأصل المتّفق عليه، وهو أصالة عدم الخطأ في الحقّ وعدم الاشتباه في الرواية والحسّ.

وأمّا إذا كان حدسياً فإن كان ما أخبر عنه نفس الحكم الشرعي كإخبار المجتهد عن الحرمة والوجوب فهو ممّا قام الإجماع على وجوب تصديقه في حقّ المقلّد.

وأمّا إذا كان المخبر به، الموضوع الذي تعلّق به الحكم الشرعي وكان طريق ثبوته مختلفاًفيه حسب اعتقاد المجتهدين كما في الفسق فلايجب فيه تصديق العادل حتّى يشهد تفسيراً حتّى ينتقل الحاكم في كلامه إلى نفس ما انتقل إليه المزكّي.(1)


1 ـ الآشتياني، كتاب القضاء:67.


(286)

يلاحظ عليه بوجهين:

أوّلاً: أنّ لازم ذلك عدم قبول الشهادة على الزوجيّة والملكيّة التي تختلف فيها أنظار العلماء من حيث الأسباب حيث إنّهما وإن كانا ينتهيان إلى الأسباب الحسّية لكن لأجل اختلافهم في أسبابهما لايجب فيه تصديق العادل حتى يشهد تفسيراً لينتقل الحاكم من كلامه إلى نفس ما انتقل إليه الشاهد بهما.

وثانياً: أنّ اختلاف الجارح والقاضي في كون عمل معصية كبيرة عند الجارح ومعصية صغيرة عند القاضي لايكون مؤثراًفي المقام ، وإنّما المؤثر اعتقاد الشاهد الفاعل في كونها صغيرة أو كبيرة اعتقاداً ناشئاً عن اجتهاد أو تقليد فلا فائدة في وصول القاضي إلى نفس ما وصل إليه المزكّي، بل لو وجب التفصيل يجب أن يكون على وجه يصل القاضي إلى عقيدة الشاهد بالنسبة إلى الفعل الذي ارتكبه، هل كان يراه محرّماً أو مباحاً والمفروض أنّ التفصيل في المقام لايوصل القاضي إليه.

الثالث:صحيح يونس بن عبد الرحمان عن بعض رجاله عن أبي عبد الله: خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم : الولايات، والتناكح ، والمواريث، والذبائح، والشهادات...(1)وقد تقدّم أنّ مفاد الحديث بشهادة ذيله أعني: «ولايسأل عن باطنه» هو قبول شهادة الشاهد والأخذ بظاهر قوله من دون لزوم السؤال عن مصدر شهادته وسببها.

وأمّا الثالث والرابع تقادم المعرفة في التعديل والجرح وعدمه فقال المحقّق: تفتقر العدالة إلى المعرفة الباطنة المتقادمة ولايحتاج الجرح إلى تقادم المعرفة وذلك لأنّ العدالة سواء فسّرت بالملكة أو بحسن الظاهر، لايثبت إلاّ بالمعرفة المتقادمة أمّا الملكة فواضح وأمّا حسن الظاهر، فإنّ المراد عدم رؤية شيء منه سرّاً وجهراً إلاّ الحسن وهو يتوقّف على مرور زمان. وأمّا الجرح فيكفي العلم بموجب الجرح كالكذب أو الغيبة ولو مرّة واحدة من غير تقادم المعرفة.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 1.


(287)

اعلم أنّ دخول التعديل والجرح في باب الشهادة ، غير دخولهما في باب الدعاوي التي يعتبر فيها التعدّد والظاهر جواز الاكتفاء فيهما بواحد من المزكّي والجارح.

توضيحه: أنّا قوّينا في محلّه(1) حجّية خبر العدل في الأحكام والموضوعات، خرج عنه باب الدعاوي لقوله: إنّ البيّنة للمدّعي واليمين على المدّعى عليه(2) ومثله ما اعتبر الشارع في ثبوته التعدّد كالهلال، والقدر المتيقّن من هذه الروايات ما يدخل في عنوان الادّعاء ، فيرجع في غيره إلى عموم حجّية خبر العدل ، اللّهمّ إلاّ أن يتأمّل في كفاية العدل الواحد بما تقدّم في كفاية المترجم الواحد فلاحظ.

5ـ في اختلاف المزكّي والجارح

إنّ اختلاف المزكّي والجارح على قسمين:

تارة يرجع الاختلاف إلى وقوف واحد منهما على مالم يقف عليه الآخر من دون أن يكون هناك تكذيب من أحدهما بالنسبة إلى الآخر، وأُخرى إلى التكاذب، بأن يخطِّئ كلّ الآخر، ويكذّبه، ولأجل ذلك يعبّر المحقّق عن الأوّل بالاختلاف وعن الثاني بالتعارض وإليك بعض النصوص.

قال الشيخ في الخلاف:«إذا شهد إثنان بالجرح وشهد آخران بالتعديل وجب على الحاكم أن يتوقّف وقال الشافعي: يعمل على الجرح دون التعديل. وقال أبو حنيفة : يقبل الأمران فيقاس الجرح على التذكية.دليلنا إذا تقابل الشهادتان ولاترجيح لأحد الشاهدين وجب التوقف.(3)

قال المحقّق: وإذا اختلف الشهود في الجرح والتعديل، قدّم الجرح لأنّه


1 ـ السبحاني، كلّيات في علم الرجال:159ـ160.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم ، الحديث 3.
3 ـ الطوسي، الخلاف: 3، كتاب القضاء، المسألة 12.


(288)

شهادة بما يخفى على الآخرين، ولو تعارضت البيّنتان في الجرح والتعديل قال في الخلاف: توقّف الحاكم ولو قيل يعمل على الجرح كان حسناً.(1)

أقول: لابدّ من البحث في موردين: فتارة في اختلاف المزكّي وأُخرى في تعارضهما.

أمّا الاختلاف، فإن كان على وجه الإطلاق بأن يقول المزكّي، عادل والجارح أنّه فاسق، فوجه تقديم الجارح، لعدم وجود التعارض بينهما، لأنّ الأوّل يدّعي أنّه ذو ملكة رادعة وأنّه لم يرَ منه طول المعاشرة، أيّة معصية، والجارح لاينكر الملكة، غاية الأمر يدّعي أنّ الميول النفسانية غلبت عليها و أنّه رأى منه ما يوجب الفسق فهو يدّعي شيئاً لا يدّعيه المزكي، لا أنّه ينكره.

وربّما يعكس الأمر، فالمزكّي يدّعي ما لا يدّعيه الآخر، كما إذا قال الجارح: صدر منه يوم كذا معصية، قال المزكّي:لكنّه تاب عنه في مشهد منّي ثمّ مارسته وخالطته بعد ذلك فوجدته ذا ملكة بعدها ولم يصدر منه ما ينافيها، وبذلك يظهر أنّ إطلاق كلام المحقّق أنّه يقدّم الجارح ليس بتامّ . لابدّ أن يقال: يقدّم قول من يدّعي شيئاً لايدّعيه الآخر بمعنى لايكذّبه فهو تارة ينطبق على قول الجارح وأُخرى على قول المزكّي.

أمّا إذا كانت الشهادة بنحو التعارض كأن شهد الجارح بفعل المعصية في وقت ومكان كذا وشهد المزكّي بأنّه كان في ذلك الزمان في غير ذلك المكان وكان متفرغاً للعبادة مثلاً.

ففيه وجهان:

الأوّل: ما عرفته من الشيخ من التوقّف وذلك لأنّ مقتضى القاعدة في تعارض الأمارات هو سقوطهما عن الحجّية. لا الرجوع إلى المرجّحات لأنّ الأصل


1 ـ الشرائع:4/77.


(289)

فيما شكّ في اعتباره من الظنون استقلالاً وترجيحاً هو عدم الحجّية، لأنّه لافرق في الاحتجاج بين الاستقلال، أو الترجيح وادّعاء أنّ سيرة العقلاء في المقام على متابعة أقرب الطريقين إلى الواقع وأرجحهما ، غير ثابت بل الظاهر هو السقوط. نعم خرج باب الأحكام الشرعية ففيه يرجع إلى المرجّحات أخذاً بالنصوص كالمقبولة وغيرها ، ثمّ إنّ الشيخ الطوسي عبّر عن سقوطهما بالتوقّف وأمّا ماذا يصنع القاضي بعد التوقف فسيوافيك المراد منه .

الثاني: ما ذكره المحقّق من أنّه :«لو قيل يعمل على الجرح كان حسناً» وأيّده في الجواهر باعتضاد بيّنة الجارح بأصالة عدم حصول سبب الحكم فيبقى المنكر مثلاً حينئذ على حجّته بلا معارض.ضرورة عدم الفرق في العمل بين الجرح الثابت و بين عدم ثبوت العدالة. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الأصل عند التعارض مرجع لا مرجّح فلايصحّ قوله:«باعتضاد بيّنة الجارح بالأصل» لما قد حقّق في الأُصول من أنّ الترجيح فرع وحدة الرتبة بين المرجّح وذي الترجيح، وليس الأصل في درجة البيّنة.

وثانياً: أنّ المرجع بعد التعارض هو قوله:«واليمين على المدَّعى عليه» فتصل النوبة إلى الاستحلاف من دون حاجة إلى اعتضاده بالأصل المزبور.فتترك بينة المدّعي ـ لأجل تعارض التذكية الجرح ـ و يطلب من المنكر في الواقعة، اليمين.

هذا والظاهر أنّ الثمرة بين القولين: (التوقّف أو العمل بقول الجارح) يظهر في صورة واحدة، وهي تفسير التوقّف في كلام الشيخ، بالتوقّف المطلق وترك القضاء ودعوة الطرفين إلى المصالحة، فعلى قول الشيخ يرجع إلى المصالحة وعلى قول المحقّق يعمل بمقتضى قول الجارح وهو استحلاف المنكر.

وأمّا إذا قلنا إنّ مراد الشيخ، هو التوقّف عن القضاء ببيّنة المدّعي، لا التوقّف عن القضاء على وجه الإطلاق فيلزم العمل بمقتضى إنكار المنكر


1 ـ النجفيّ: الجواهر:40/121ـ122.


(290)

أعني:«واليمين على المدَّعى عليه»، فتكون النتيجة على كلا القولين واحداً.

ويظهر من الجواهر ترجيح المعنى الأوّل وهو التوقّف عن الحكم أصلاً حتّى بيمين المنكر الذي لم تعلم حجّيته في هذا الحال باعتبار وجود بيّنة المدّعي وإن كان لاعمل عليها باعتبار معارضتها ببيّنة الجرح وحينئذ يكون ميزان الحكم مجهولاً لانسياق الأدلّة في غير هذا الفرض فيرجع إلى الصلح أو غيره.(1)

يلاحظ عليه: لاوجه لانصرافها عن هذه الصورة إذ المتقدّم من بيّنة المدّعي على يمين المنكر، هو الحجّة منها والتي يصلح للاحتجاج وأمّا ما لايصلح له، وكان إقامتها وعدمها سيّان فلاتكون مانعاً من الرجوع إلى مقتضى إنكار المنكر وهذا مثل ما إذا أقام بيّنة لم تعرف بعدل أو غيره.

المسألة التاسعة: في تفريق الشهود

إذا أُقيمت البيّنة على المدّعى. فإن كان القاضي عالماً بصدقها أو ظانّاً به أو غير واقف بشيء من صدقها وكذبها، فيقضي بها إذا طلب المدّعي صدور الحكم ولايجوز التأخير الحاكي عن المساهلة في الانتصاف وأخذ الحقّ ودفعه لذيه.

إنّما الكلام إذا كانت هناك ريبة في شهادة الشهود ومظنّة على كذبهم، إمّا لاحتمال تواطئهم على التزوير، أو لالتباس الأمر عليهم لأجل افتقادهم البصيرة اللازمة والذهن القويّ. فهل يجوز له القضاء بحجّة اكتمال أركان القضاء أو يلزم عليه التثبت إلى أن ترتفع الريبة بظهور سيماء الحقيقة؟ الظاهر هو الثاني وذلك لوجهين:

الأوّل: انصراف عمومات القضاء وخصوص ما دلّ على أنّ البيّنة للمدّعي واليمين على المدّعى عليه عن مثل هذه الصورة التي يتمكّن القاضي من رفع


1 ـ النجفي: الجواهر: 40/121.


(291)

الغشاء والتزوير عن وجه الحقيقة بطريق سهل غير عسير.

الثاني: ما ورد في الآيات والروايات من لزوم القضاء بالحقّ قال سبحانه:«يا داودُ إنّا جَعَلناكَ خَليفةً في الأرضِ فاحْكُم بينَ الناسِ بِالحقِّ ولاتتّبعِ الهَوى»(ص/26)فالواجب هو القضاء بالحقّ مهما أمكن، ولاشكّ أنّ التثبّت في المقام والتحقيق عن صدق مقالهم أو كذبه، أقرب إلى الحقّ من التسرّع إلى القضاء فيكون واجباً.

وبذلك يظهر أنّه لاحاجة في إيجاب التثبّت إلى الاستدلال بعمل دانيال، أو داودعليمها السَّلام إذا كانت نفس أدلّة القضاء كافية في إثباته حتّى يستشكل بنسخ شرائعهم بشريعتنا، ويجاب بأنّه لاينافي الأمر ببعض ما كان عندهم، إذ المسلَّم منعه التعبّد بشرعهم من حيث إنّه مشروع عندهم لامطلقاً.(1) وذلك لأنّ ما ذكرهمن الإشكال والجواب تبعيد للمسافة بعد إمكان استفادة ذلك من نفس الأدلّة.

ومن طرق التثبت هو تفريق الشهود تارة، والمتّهمين أُخرى وقد قام بهما علي ـ عليه السلام ـ فتارة فرّق الشهود، واستنطق كلّ واحد بعيداً عن الآخر كما في قصّة يتيمة شابّة تربّت في بيت رجل وخافت امرأة الرجل من أن يتزوّجها(زوجها) فرمتها بالفاحشة وأقامت البيّنة من جاراتها(2) وأُخرى فرّق المتّهمين بالقتل، المنكرين له كما في حديث جماعة خرجوا إلى السفر فرجع الجميع إلاّ واحد منهم، فرفع ابن المفقود الشكوى إلى أمير المؤمنين قال: هؤلاء النفر خرجوا وأبي معهم في السفر فرجعوا ولم يرجع إليّ فسألتُهم عنه، فقالوا مات فسألتُهم عن ماله فقالوا ما ترك مالاً فقدّمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت أنّ أبي خرج ومعه مال كثير فقال أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ : والله لأحكمنّ بينهم بحكم ماحكم به قبلي إلاّ داود، إلى


1 ـ النجفي: الجواهر: 40/122.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 19 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.


(292)

آخرها.(1)

ويستفاد من الروايات ـ بعد التأمّل فيها ـ عدم اختصاص التثبت بالتفريق بل للحاكم التوصل إلى معرفة الحقّ بما يراه في ذلك الوقت مما لاينافي الشرع و عليه لو كانت للحكومة دائرة خاصّة تسجّل أسماء الجانين وهويّاتهم ففي إمكان القاضي الاستعانة من ملفّاتهم أو غير ذلك من الطرق المبيّنة للحق. كما استعان علي ـ عليه السلام ـ بالتكبير، وإراءة السيف وما عرّف به نفسه إلى غير ذلك كما ورد في الروايتين.

ثمّ إنّ الشهيد الثاني خصَّ التفريق بما قبل الاستزكاء إن احتيج إليه (2) وأضاف إليه في الجواهر فقال :«بل ظاهره حتى مع الريبة لعدم ثبوت مانعيتها عن الوزن بالميزان الشرعي الموضوع للوزن به بين الناس»(3) ومعنى ذلك أنّه بعد الاستزكاء يسقط التثبت سواء كان هناك ريبة أو لا.ولكن الظاهر، عدم اختصاصه بما قبل الاستزكاء فإنّ عروض الريبة، مطلقاً يصدّ الفقيه عن التمسّك بالعمومات ، لما عرفت من حديث الانصراف، أو لزوم القضاء بالحقّ مهما أمكن كما أنّ له التفريق من أوّل الأمر عند سماع الشهادة وإن لم تكن ريبة لإطلاق قوله تعالى:«وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجالِكُم»(البقرة/282) .

وتصوّر كونهم عدولاً بالاستزكاء يُغني عن التثبت ويرفع الريبة مدفوع بأنّ العدالة تصدّ صاحبها عن الكذب غالباً ولكن ربّما يصير مغلوباً للميول النفسانية، وبذلك يظهر أنّه ربّما يكون التثبت واجباً لا مستحبّاً و يصبح التفرق المحقِّق له مثله في الحكم، نعم الوجوب يتعلّق بالعنوان و هو التثبُّت، والتفريق و كلّ ما يحقّقه مصداق له.

ثمّ إنّ المحقّق ذكر في المسألة الرابعة عشرة، مايعدّ تكميلاً لما ذكر في المقام وسيوافيك نصُّه هناك.


1 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 20 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/402.
3 ـ النجفي:الجواهر: 40/123.


(293)

المسألة العاشرة: ما هو المعتبر في الجرح والتعديل؟

المعروف بين المتأخّرين أنّه يشترط في مستند الشهادة على الجرح العلم أو الشياع الموجب للعلم بخلاف الشهادة على العدالة.

قال المحقّق :لايشهد شاهد بالجرح إلاّ مع المشاهدة لفعل ما يقدح في العدالة أو أن يشيع ذلك في الناس شياعاً موجباًللعلم ولايعوّل على سماع ذلك من الواحد والعشرة لعدم اليقين بخبرهم.(1) وتقييده الفعل بـ«ما يقدح في العدالة» لأجل التحرز عن مشاهدة نفس الفعل من دون إحراز أنّه يقدح فيها كما إذا شاهد شرب الخمر ولكن يحتمل أن يكون عن إكراه مسوِّغ أو لمداواة.

وقال العلاّمة: ويحرم الشهادة على الجرح إلاّ مع المشاهدة أو الشياع الموجب للعلم.(2)

وقال في القواعد بمثل ما قاله المحقّق في الشرائع.(3)

وقال الشهيد الثاني: المعتبر في التعديل، الخبرة الباطنة الموجبة لغلبة الظنّ بالعدالة وأمّا الجرح فلايكفي فيه مطلق الظنّ إجماعاً بل لابدّ فيه من العلم بالسبب إمّا بالمشاهدة بأن يراه يزني أو يشرب الخمر أو يسمعه يقذف أو يقرّعلى نفسه بالزنا أو شرب الخمر وأمّا إذا سمع من غيره فإن بلغ المخبرون بهذا التواتر جاز الجرح لحصول العلم ، وإن لم يبلغوا حدّالعلم لكنّه استفاض وانتشر حتّى قارب العلم ففي جواز الجرح به وجهان، من أنّه ظنّ وقد نهى الله عن اتّباعه إلاّ ما استثنى، ومن أنّ ذلك ربّما يكون أقوى من البيّنة المدّعية للمعاينة ويظهر من


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/77.
2 ـ العلاّمة الحلي، ارشاد الأذهان:2/14.
3 ـ مفتاح الكرامة: 10، قسم المتن :44.


(294)

المصنف (المحقّق) والأكثر اشتراط العلم فلايصحّ بدونه وهو أولى.(1)

أقول: الذي دعاهم إلى التفريق بين الشهادتين، أخذ العلم في الشهادة، ولكن لمّا كانت العدالة عندهم ملكة خفية والتكليف بالعلم حرج منفي فاكتفوا بغير العلم، بخلاف الجرح، إذ ليس أمراً مخفياً، بل يسهل الوقوف عليه بالمشاهدة أو بالشياع المفيدين للعلم، مضافاً إلى ثبوتهما بالبيّنة.

يلاحظ عليه: تارة بالنقض بما تقرّر في الأُصول من أنّه يكفي في جرح الراوي، شهادة واحد بل يثبت بالكُتُب وبشهادة مصنّفهم به مع عدم مشاهدته للجارح، وعدم ثبوت جرحه عنده بالتواتر ونحوه بل ينقله عن واحد ويرويه في كتابه.

وأُخرى بالحلّ وهو أنّ الملكة وإن كانت باطنية إلاّ أنّ آثارها تدلّ عليها ويحصل القطع بها منها بكثرة المعاشرة والصحبة كما هو الشأن في سائر الملكات فإنّ الإنسان يقطع بأنّ زيداً شجاع أو كريم لما رآه غير مرّة من إقدامه في الحروب وإعطاءه في المسغبة وكذا الشأن في الجبن والبخل وكذا ملكة الاجتهاد تعرف بآثارها ولاحرج ذلك إذا كان المزكّي عارفاً زكياً بأحوال الجرح والتعديل.(2)

ويمكن الجواب عن الأوّل بأنّ وجه الاكتفاء بالظنّ في الراوي، لأجل بعد عهده وعدم إمكان ملاقاته والمعاشرة معه، فاكتُفِي فيه بالظنّ بخلاف الشاهد فإنّ تحصيل العلم بحاله ليس بمعسور.

وعن الثاني: بأنّ تحصيل العلم بالعدالة، وإن كان أمراً ممكناً كما مرّ، لكنّه ليس متوفّراً، ولو اكتفي في التعديل بما ذكر لزم تعطيل باب القضاء وهو يطلب لنفسه عشرات العدول في مختلف القضايا كلّ يوم ولأجل ذلك ، فُرِّق بين التعديل والجرح.


1 ـ زين الدين العاملي:المسالك:2/404.
2 ـ العاملي، مفتاح الكرامة: 10/44.


(295)

إلى هنا تمّ ما يمكن أن يذكر وجهاً لما هو المشهور من التفصيل بين التعديل والجرح. والذي يمكن أن يقال إنّ العلم مأخوذ في موضوع الشهادة ، كما هو اللائح من الروايات ، روى علي بن غياث عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: «لاتشهدنّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفك»(1) وقال الصدوق: وروي أنّه لاتكون الشهادة إلاّ بعلم (2)، وروى المحقّق في الشرائع عن النبيّ وقد سئل عن الشهادة قال: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع». (3) مضافاً إلى أنّ الحضور والعلم من معطيات لفظها. فمقتضى القاعدة شرطية العلم في كلتا الشهادتين: الشهادة بالتعديل والشهادة في الجرح، لكن الموجب للتوسّع هو ما يلي:

إنّ العلم و إن كان مأخوذاً في مفهوم الشهادة لكن أُخذبما أنّه طريق إلى الواقع لا بما أنّه وصف نفساني وقد حقّقنا في محلّه أنّ الحجج الشرعية تقوم مقام العلم الموضوعي الطريقي بنفس أدلّة حجّيتها ، من دون حاجة إلى دليل، بخلاف العلم المأخوذ في الموضوع بما أنّه وصف فإنّ الأمارات لاتقوم مقامها بنفس أدلّتها بل يحتاج إلى دليل آخر.

وعلى ضوء ذلك تصحّ الشهادة بالحجج والأمارات لكونها قائمة مقام العلم المأخوذ فيها وهي:

1ـ إذا قامت البيّنة على عدالته أو جرحه ، فتصحّ الشهادة على تعديله أو جرحه اعتماداً عليها، لكونها قائمة مقام العلم.

2ـ إذا أخبر العدل، عن عدالة الشاهد أو جرحه، وقلنا بحجّية خبر العدل في الموضوعات كالأحكام (غير الدعاوي والمرافعات) فتصحّ له الشهادة على أحد الأمرين، فإنّ العلم وإن كان معتبراًفي الشهادة لكنّه أخذ فيها بما أنّه طريق وحجّة فتقوم الأمارة مقامها لكونها معتبرة بهذه الحيثية.


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 1ـ3.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 1ـ3.
3 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 20 من أبواب الشهادات، الحديث 1ـ3.


(296)

3ـ إذا كان واقفاً على عدالة زيد، ثمّ غاب عنه واحتمل زوالها فتصحّ الشهادة على عدالتها، لأنّ حكم الشارع على بقاء العدالة ولزوم التعبّد ببقائها يكون حاكماً على الدليل الواقعي و تكون النتيجة أنّ العلم المعتبر فيها أعم من الحقيقي والتنزيل.

وعلى ضوء ذلك يكون التعديل والجرح سيّان يثبتان بالعلم وبالحجج المعتبرة، دون الظنون غير المعتبرة وإن بلغ مرتبة الظنّ الحاصل من البيّنة وخبر العدل إلاّ أن يبلغ مرتبة الاطمئنان وسكون النفس الذي يعدّ علماً عرفياً، لاظنّاً فلايبعد الاعتماد عليه والشهادة به.

وممّا ذكرنا من حكومة أدلّة الحجج والأمارات، على موضوع الحكم الواقعي يظهر عدم تمامية ما ذكره صاحب الجواهر من لزوم الاكتفاء بالعلم قال: لكن يدفعه اعتبار العلم في الشاهد على وجه لاتقوم مقامه الحجّة شرعاً بل لو أراد ذلك على وجه الشهادة كان مدلّساً، بخلاف الشهادة على الملك باليد الدالّة عليه، باعتبار أنّ الشهادة شرعاً وعرفاً بنحو ذلك.(1) وذلك لأنّ ما ذكره إنّما هو مقتضى الدليل الأوّلي، ولكن بعد قيام الدليل على حجّية قول العدلين بل العدل الواحد، في الموضوعات كالأحكام، يكون معناه أنّ كل واحد يقوم مقام العلم المأخوذ في الشهادة وإن شئت قلت: المراد من العلم في الشهادة، هو الحجّة الشرعية لا العلم الوجداني المنطقي كما هو المتبادر من اليقين في أدلّة الاستصحاب.

بل الظاهر من رواية حفص بن غياث: أنّ كل ما يجوز العمل به، يجوز الشهادة به فقد وردت في مورد الشهادة باليد، وأنّها يجوز العمل بها، فيجوز الشهادة بها.(2)


1 ـ النجفي: الجواهر: 40/125.
2 ـ وإليك نصه عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: قال له رجل: إذا رأيتُ شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّهله؟قال: نعم، قال الرّجل: أشهد أنّه في يده، ولا أشهده أنّه له فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد اللّه عليه السَّلام أفيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد اللّه عليه السَّلام : فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثمّ تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولايجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ؟ ثمّ قال أبو عبد اللّه عليه السَّلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق.


(297)

و ما ذكرناه في المقام أضيق مما جاء في الرواية و هو أنّه تجوز الشهادة بالحجج والأمارات القائمة مقام العلم لا أنّه يجوز بكل ما يعمل به.

وهناك طريق آخر: وهو أنّه أن يعتمد على الحجّة، ويخبر عن مضمونها بلا ضمّ لفظ الشهادة فلو أخبرت البيّنة أو العدل الواحد عن عدالة زيد، أو جرحه، فيخبر في الحقيقة عن الواقع، لأجل قيام الدليل من دون أداءه بلفظ الشهادة، فيجب على القاضي ترتيب الأثر على إخباره وهو التعبّد بعدالته أو جرحه وإن لم تكن هناك شهادة.

***

المسألة الحادية عشرة: الشهادة بالاستصحاب

إذا ثبتت عدالة الشاهد حكم باستمرار عدالته حتى يتبيّن ما ينافيها وذلك لأنّ العلم المأخوذ في الشهادة موضوعي طريقي والمقصود هو الشهادة عن حجّة والاستصحاب حجّة تنزيليّة وما ذكره المحقّق من جواز الشهادة بالاستصحاب دليل واضح على أنّ المراد من العلم المأخوذ في الشهادة، هو الحجّة الشرعية.

المسألة الثانية عشرة: في تنظيم الملفّات

ينبغي أن يجمع قضايا كلّ أُسبوع ووثائقه وحججه ويكتب عليها، خلاصة ما في الملفّ، بحيث إذا رجع هو أو غيره إليها، يقف على ما فيه على وجه الإجمال. فإذا اجتمع ما لشهر، كتب عليه قضاء شهر كذا، فإذا اجتمع ما لسنة، جمعه وكتب


(298)

عليه، قضاء سنة كذا كل ذلك لغاية تسهيل إخراج المطلوب منه له ولمن بعده .

روى الكليني عن عقبة بن خالد قال: قال لي أبو عبد اللّه ـ عليه السلام ـ لو رأيت غيلان بن جامع واستأذن عليّ فأذنت له وقد بلغني أنّه كان يدخل إلى بني هاشم فلمّا جلس قال: أصلحك الله أنا غيلان بن جامع قاضي ابن هبيرة ـ إلى أن قال: ـ قلت: كيف تقضي يا غيلان؟ قال: أكتب هذا ما قضى به فلان بن فلان لفلان بن فلان يوم كذا وكذا، من شهر كذا وكذا، من سنة كذا، ثمّ أطرحه في الدّواوين، قال: قلت: يا غيلان هذا لحتم من القضاء .(1)

أقول: ما جاء في هذه المسألة يرجع إلى الشكل دون المحتوى وما زال يتوسّع حسب توسّع المجتمعات وكثرة المراجعات ولأجله مسّت الضرورة لتأسيس دائرة خاصّة باسم دائرة قسم الملفّات والأضابير للموضوع، لها مسؤول وموظّف، ولن يقف التنظيم لحدّ بل يتّبع متطلّبات العصر، و لم يرد في الإسلام شكل خاصّ بل هو تابع لمقتضيات الزمان

المسألة الثالثة عشرة: في نفقة المحضر

كلّ موضع وجبت على الحاكم فيه كتابة المحضر، فإن حُمل له من بيت المال ما يصرفه في ذلك وجبت عليه الكتابة ومثله ما إذا أحضر الملتمس ما يصرفه في الكتابة، ولايجب على القاضي بذل الورق والحبر وغير ذلك إنّما الكلام في وجوب الكتابة عليه. والظاهر وجوبها عليه في صورة واحدة وهي إذا توقف تنفيذ الحكم على كتابة المحضر، وإلاّ يكفي الحكم مع الإشهاد عليه وذلك لأنّ الكتابة لها، طريقية، فإذا توقف التنفيذ عليها، تجب، لأنّه من شؤون القضاء الواجب وإلاّ فلا.


1 ـ الكليني، الكافي: 7/429.


(299)

وربّما يتوهم الوجوب تمسّكاً بقوله سبحانه في كتابة الدين:«يا أيّها الّذين آمنُوا إذا تدايَنْتُمْ بِدَيْن إلى أجل مسمّى فاكتبُوه وليكتُب بينكُم كاتبٌ بالعدلِ ولايأبَ كاتبٌ أن يكتُبَ كما علّمهُ الله» (البقرة/282) لكن الآية ليست ظاهرة في الوجوب حتّى يتعدّى عن الدين إلى القضاء.

والحقّ ما ذكرناه من التفصيل ويكفي في الوجوب توقّف القضاء المنتج عليه.

المسألة الرابعة عشرة: في تعنيت الشهود

ليس للحاكم أن يعنِّت الشهود إذا كانوا من ذوي البصائر والأذهان القوية مثل أن يفرّق بينهم لأنّ في ذلك نوع غضاضة لهم. والعنت هو إيقاع الشهود في أمر شاقّ: ولو استلزم الامتهان لهم، يكون محرّماً لامكروهاًولأجل ذلك قلنا: «ليس للحاكم» مكان قول المحقّق: «يكره للحاكم»، لما عرفت من أنّه ربّما يكون حراماً وأمّا عند الريبة فقد مرّ حكمه وقلنا بأنّ القضاء بالحقّ إذاكان متوقفاًعليه ، يجب على وجه يجمع بين كرامة الشهود، والقضاء بالحقّ.

المسألة الخامسة عشرة: في المداخلة في كلام الشاهد

ليس للحاكم أن يُتعْتِع الشاهد وهو أن يداخل في تلفظه بالشهادة أو يعقّبه لكلام بل يجب عليه أن يكفّ عنه حتّى ينتهي ماعنده. وذلك لأنّ الغاية منه إمّا أخذ الإقرار إذا أراد الإنكار أو الإنكار إذا أراد الإقرار فتحرم ، إذ فيه إمّا إحياء للباطل أو إمامة للحق. نعم لو كانت الغاية هو الإعانة عليه ليبرر ما هو مقصده، فليس بحرام ولا مكروه ولو تردّد الشاهد في الشهادة لم يجز ترغيبه في الإقدام على الإقامة ولا تزهيده في إقامتها. لما فيه من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.


(300)

نعم خرج منه حقّ الله فللحاكم إيقاف المتّهم عن الإقرار كما مرّ في عمل القاضي بعلمه. ومرّ حديث النبي مع «ماعز».

المسألة السادسة عشرة: في ضيافة أحد الخصمين

يكره للحاكم أن يضيّف أحد الخصمين دون صاحبه لما في معتبرة السكوني أنّ رجلاً نزل بأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فمكث عنده أيّاماً ثمّ تقدّم إليه في خصومة لم يذكرها لأمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ فقال له: أخصم أنت ؟ قال: نعم قال: تحوَّل عنّا فإنّ رسول الله نهى أن يضاف الخصم إلاّ ومعه خصمه.(1) والمتبادر هو الكراهة. لإبعاد القاضي عن التهمة.

المسألة السابعة عشرة: في الرشوة موضوعاً وحكماً

الرشوة مثلث الفاء مأخوذة من رشا الفرخ. إذا مدّ رأسه إلى أُمّه ليزقَّه أي ليطعمه بمنقاره، والرشا: رسّ الدلو، الذي يتوصّل به إلى الماء.وقال ابن فارس: «رشي» أصل يدلّ على سبب أو تسبب لشيء برفق وملاينة. تقول: ترشيت الرجلَ: لاينته، وراشيتُ الرجل: إذا عاونتَه فظاهرته.

وبإحدى المناسبات الثلاث، يطلق الرشوة على الشيء المدفوع إلى القاضي وغيره لغاية خاصّة فعمل الراشي أشبه بعمل الفرخ، أو ملقي الدلو إلى داخل البئر، ليتوصّل به إلى الماء، لكن بمرونة وملاينة، ولطافة.

ويقع الكلام في أُمور:

الأوّل: الرشوة في المعاجم وكلمات الفقهاء

1ـ قال الفيّومي: الرشوة ما يعطيه الشخص الحاكم أو غيره ليحكم له أو


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.


(301)

يحمله على ما يريد.

2ـ قال ابن الأثير: الرِشوة والرُشوة: الوُصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشا الذي يتوصّل به إلى الماء، فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي : الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما، يستزيد لهذا ويستنقص لهذا. فأمّا من يعطى توصّلاً لأخذ حقّ، أو دفع ظلم فغير داخل فيه.

3ـ وقال الزمخشري في أساس البلاغة: الرِشو ـ بكسر، ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد.

4ـ وقال الطريحي : قلّما تستعمل الرشوة إلاّ فيما يتوصّل به إلى إبطال حقّ أو تمشية باطل، وهو ظاهر.

5ـ وقال الفيروز آبادي: الرشوة الجُعل.

والمتحصّل من ضمّ البعض إلى بعض أنّ الرشوة، ما يتوصّل به إلى الحكم لمصالح الدافع حقّاً كان أو باطلاً وأحسن التعابير ما ذكره الزمخشري حيث قال: ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له.

هذه كلمات اللغويين وإليك كلمات الفقهاء بوجه موجز:

1ـ قال الشيخ: والقاضي بين المسلمين والعامل عليهم يحرم على كل واحد منهم الرشوة لما روي أنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: لعن الله الراشي و المرتشي في الحكم وهو حرام على المرتشي بكل حال، وأمّا الراشي فإن كان قد رشاه على تغيير حكم أو إيقافه فهو حرام.(1)

2ـ وقال ابن إدريس:والقاضي بين المسلمين والحاكم والعامل عليهم يحرم على كلّ واحد منهم الرشوة... إلى آخر ما نقلناه عن الشيخ بنصّه.(2)

3ـ وقال العلاّمة: والرشوة حرام على آخذها ويأثم دافعها إن توصّل بها


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/151.
2 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/166.


(302)

إلى الباطل لا إلى الحقّ ويجب على المرتشي إعادتها، وإن حكم عليه بحقّ أو باطل(1)

4ـ وقال العاملي: الرشوة للحكم حقّاً أو باطلاً كما هو الحقّ فهي حرام على الراشي أيضاً مطلقاً ولاينبغي تعريفها بأنّها التي يشترط بإزائها الحكم بغير الحقّ، أو الامتناع من الحكم بالحقّ كما صنع بعض الأصحاب.(2)

5ـ وقال السيّد الطباطبائي: الرشوة ما يبذله للقاضي ليحكم له بالباطل أو ليحكم له حقّاً كان أو باطلاً، أو لتعلِّمه طريق المخاصمة حتى يغلب خصمه.(3)

ولابدّ تخصيص الجزء الأخير من كلام السيّد الطباطبائي بما إذا كان المتعلّم مبطلاً وإلاّ فتعليم المحقِّ للغلبة على الباطل لايكون حراماً.

ولعلّ أغلب هذه الكلمات تهدف إلى معنى واحد و هو دفع مال أو غيره إلى القاضي ليحمله على مايريد وهو على أقسام:

1ـ أن يحمله على الحكم بالباطل.

2ـ أن يحمله على الحكم بما يريد من دون تقييده بالحقّ وبالباطل.

3ـ أن يحمله على الحكم بالحقّ بحيث لولا الدفع لما حكم به قطعاً أو احتمالاً.

والظاهر دخول الجميع تحت الرشوة كما عرفت في كلام العاملي وجوازها لأجل قاعدة لاضرر وغيرها لايكون دليلاً على خروجها عنها موضوعاً كما سيأتي. و تفسيرها بالبذل لإبطال الحقّ أو إحقاق الباطل تفسير بالمصداق الغالبي و حاصل مفهومها التزام القاضي في مقابل أخذ مال أو غيره، بعمل، لولاه لما قام به سواء كان ذلك العمل إبطالاً لحقّ أو إحقاقاً لباطل، أو حكماً بالحقّ.


1 ـ مفتاح الكرامة:10/33، المتن والشرح.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/33، المتن والشرح.
3 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/22.


(303)

الثاني: الرشوة غير مختصّة بباب القضاء

إذا كانت الرشوة ما يتوصّل به إلى ابطال حقّ أو تمشية باطل، فلاتختصّ بالقاضي بل تعمّ الحاكم والعامل وقد عرفت في كلام الشيخ وابن إدريس عطفَ الحاكم والعامل إلى القاضي بل تعمّ مايدفع إلى موظّف أو ظالم مقتدر، ليستعين به في محو الحقّ أو إحياء الباطل، أو الحكم بالحقّ، بحيث لولاها لما حكم.وهو الظاهر من كلام الزمخشري حيث قال:«ما يعطيه الشخص للحاكم وغيره ليحكم له، أو يحمله على مايريد».

فإن قلت: ظاهر الآية، أعني: قوله سبحانه:«وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَكُمْْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقا مِنًْ أَمْوالَ النّاسِ بِالإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُون»(البقرة/188) اختصاصها بما إذا كان الآخذ حاكماً والمراد منه القاضي فلايشمل ما إذا دفع شيئاً لغير القاضي، من سائر الحكّام والموظّفين ، والظالمين للاستعانة بهم فيما يريده، من إبطال الحقّ، أو تمشية الباطل و غيرهما.

قلت: سيوافيك عند البحث عن حكم الرشوة أنّ القيود الواردة في الآية، غالبيّة، وليست لها خصوصية وذلك لأنّ إبطال الحقّ، في العصور السابقة والعصر الحاضر، بيد القضاة ولأجل ذلك خصّ القضاة بالذكر فيكون القيد وارداً مورد الغالب.

وأمّا الروايات فما اقترن فيها الرشاء بالحكم، لايهدف إلى اختصاصها بالحكم، بل بصدد بيان أنّ الرشاء في الحكم، كفر بالله(1) أو سحت،(2) أو شرك(3) لا أنّ الرشاء مختصّ بباب الحكم بل الرشاء مفهوم عام وله مصاديق ولكن حرمة


1 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث1، 2، 8، 12، 16.
2 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، 5، 9.
3 ـ الوسائل: الجزء 12، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10.


(304)

قسم منه مؤكّدة وهو الرشاء في الحكم، فهو سحت، وكفر بالله، وشرك به.

الثالث: حكم الرشوة في الكتاب والسنّة

إنّ حرمة الرشوة من ضروريات الفقه الإسلامي التي دلّ عليها الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، بل اتّفق عليها الشرائع السماوية وعقلاء العالم وإن لم يكونوا منتحلين إلى شريعة، ولذا تعدّ حرمة الرشوة في الإسلام، حكماً إمضائيّاً، لا تأسيسيّاً.

فمن الكتاب قوله سبحانه:«وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَكُمْْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُون» (البقرة/188)، وقد جاء صدر الآية أيضاً في آية أُخرى(1) ولكن لاصلة لها بالمقام وفسّرها في المجمع بالنحو التالي:

«لايأكل بعضُكم مال بعض بالغصب والظلم والوجوه التي لاتحلّ، وتلقوا بالأموال إلى القضاة لتأكلوا طائفة من أموال الناس، بالعمل الموجب للإثم وكان الأمر بخلافه وأنتم تعلمون أنّ ذلك الفريق من المال ليس بحقّ لكم وأنتم مبطلون».(2)

وقال السيّد الأُستاذ قدَّس سرَّه في الميزان: «الإدلاء إرسال الدلو في البئر لنزح الماء كُنيّ به عن مطلق تقريب المال إلى الحكّام ليحكموا كما يريده الراشي، وهو كناية لطيفة تشير إلى استبطان حكمهم، المطلوب بالرشوة الممثِّل لحال الماء الذي في البئر بالنسبة إلى من يريده، والآية مسوقة للنهي عن تصالح الراشي و المرتشي على أكل أموال الناس بوضعها بينهما وتقسيمها لأنفسهما بأخذ الحاكم ما أُدلي به منها


1 ـ النساء، الآية 29:«يا أيُّها الّذين آمنوا لاتأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم ولاتقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيماً» .
2 ـ الطبرسي، مجمع البيان: 1/228، ط صيدا.


(305)

إليه، و أخذ الراشي فريقاً آخر منها بالإثم و هما يعلمان أنّ ذلك باطل غير حقّ».(1)

والحاصل: أنّ صدر الآية نهى عن مطلق أكل الأموال بالباطل كما ذكره الطبرسي، لكن قوله تعالى:«وَتُدْلُوا بِها »إشارة إلى قسم خاص منه وهو تقريب بعض المال إلى الحاكم ليحكم لصالحه حتّى يتسنّى للراشي أكل البعض الآخر الذي يدلّ عليه قوله تعالى:«لِتَأكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النّاسِ» .

والغاية من دفع المال إلى الحاكم، هو حكمه لصالحه، وهما يتواطئان على ذلك بأنّ هذا، بدل ذاك سواء صرّحا بذلك أو أضمرا وكان معلوماً لهما وبذلك يتّضح الفرق بين الرشوة والهديّة، فالأوّل مشتمل على المقابلة صريحاً أو ضميراً بخلاف الثاني، فليس هناك أيّة مقابلة لا في الظاهر ولا في الباطن، والفرق بينهما كالفرق بين البيع والهبة ويشير إلى ما ذكر، حرف اللام في قوله :«لِتَأكُلُوا فَرِيقاً من أَمْوالِ النّاسِ» واللام للغاية.

ويدلّ على الحرمة لفيف من الروايات التي أشرنا إلى مواضعها فلاحظ.

هذا والرشوة من المفاهيم ذات الإضافة، لها إضافة إلى الراشي، وإضافة إلى المرتشي، وإلى المال المعطى(الرشوة) فإذا دلّ الدليل على حرمة الرشا، فيكون دليلاً على كونه حراماًعلى المعطي والآخذ ولأجل ذلك ترى أنّ الآية توجّه الخطاب إلى الراشي أوّلاً وبالذات وتقول:«ِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الحُكّامِ لِتَأكُلُوا فَرِيقاً من أَمْوال النّاسِ بِالإِثْم» ، وبذلك تستغني عن الاستدلال على الحرمة في جا نب المعطي بالنبوي المروي من قوله صلَّى الله عليه و آله و سلَّم:«لعن الله الراشي والمرتشي».(2)

وقال السيّد الطباطبائي : كما يحرم على الآخذ، كذا يحرم البذل على الباذل


1 ـ العلاّمة:الطباطبائي، الميزان: 2/52، ط طهران.
2 ـ النوري، المستدرك:الجزء 18، الباب 8، من أبواب آداب القاضي، الحديث 8.


(306)

لقوله: «لعن الله الراشي والمرتشي» ولكونه إعانة على الإثم.(1)

يلاحظ عليه: أمّا النبوي فلم يثبت سنده وأمّا الثاني فمنصرفه ما إذا كان الغير قاصداً لارتكاب الحرام، فالآخر يعينه في ذلك الهدف مثلاً لو حاول ضربَ اليتيم، فيعطيه العصا، أو قتل إنسان فيعينه بالآلة القتّالة، وأمّا إذا لم يكن المقصود الأصلي هو إعانة الغير ودفعه إلى المحرّم، بل كان الهدف الأصلي هو أكل الدافع أموال الناس بالإثم في ظلّ حكم القاضي فشمولها له مورد تأمّل.

والأولى الاستدلال بنفس الآية المغني عن هذه المستمسكات.

الرابع: حكم الرشا في إحقاق الحقّ

قد عرفت أنّ الرشا، هو دفع شيء للقاضي ليلزم بشيء من غير فرق بين الحكم بالباطل أو الحكم لصالحه حقّاً كان أو باطلاً أوالحكم بالحقّ، لكن يقع الكلام في أنّه هل يجوز إذا توصّل بها إلى حقّ.ثمّ إنّ للتوصّل بها إليه صورتين: إمّا يتوقّف إنقاذ الحقّ عليها أو لا. وعلى كلا التقديرين إذا جاز للدافع فهل يجوز للآخذ أو لا.

قال الشيخ: وإن كان لإجرائه على واجبه لم يحرم عليه، أن يرشوه كذلك لأنّه يستنقذ ماله فيحلّ ذلك له ويحرم على آخذه لأنّه يأخذ الرزق من بيت المال. وإن لم يكن له رزق كما إذا قال لهما: لست أقضي بينكما حتّى تجعلا لي رزقاً حلّ ذلك له حينئذ عند قوم و عندنا لايجوز بحال.(2)

وقال ابن إدريس: إن كان على إجرائه على واجبه لم يحرم عليه أن يرشوه لأنّه يستنقذ ماله، فيحلّ ذلك له ويحرم على الحاكم أخذه.(3)


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/22.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/151.
3 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/166.


(307)

وقال المحقّق : ولو توصّل إلى حقّ لم يأثم.(1)

وقال السيّد الطباطبائي: نعم لو كان كارهاً في الدفع لاحرمة عليه، وكذا لو توقّف استنقاذ حقّه على ذلك وإن كان محرّماً على الآخذ.(2)

أمّا جوازه للدافع فلوجهين: الأوّل: عدم دخوله في الآية المباركة، لأنّ الغاية من الدفع فيها هو أكل أموال الناس بالإثم وهو لايريد سوى استنقاذ حقّه فليس عمله داخلاً في الغاية.

الثاني: قد عرفت أنّه داخل في الرشوة موضوعاً ولكن، يحكم عليه بالحلّية في هذا الفرض لقاعدة لاضرر. وأمّا كونه حراماً على الآخذ لأنّه أكل المال بالباطل فعمله داخل في صدرها.و إنّما تصدق الرشوة في حقّ المنصوب بالقضاء والحكم فإذا مُنع من الرشوة لما حكم بالحقّ، بل حكم بالباطل.لأخذ الرشوة من صاحبه، وأمّا من ليس منصوباً بالقضاء، فيطلب الأُجرة على القضاء بالحقّ وإلاّ، فلايتصدّى للأمر ، فهو خارج عن موضوع البحث، وداخل في جواز أخذ الأُجرة على القضاءوعدمه. وبذلك تعلم الخلل في كلام الشيخ الطوسي حيث فرض المسألة في الصورة الأخيرة كما لايخفى.

ثمّ هل الدفع من جانب المعطي رشوة محلّلة كما هو الحال في صورة الإكراه، أو ليس رشوة موضوعاً وإن كان رشوة بالنسبة إلى الآخذ. لايترتّب على ذلك ثمرة، وإن كان الأوّل لايخلو عن قوّة. و قد عرفت وجود السعة في التعريف السابق لها: وهو الدفع لأجل الحكم بالباطل، أو الحكم لصالحه حقّاً كان أو باطلاً، بإضافة مايشمل ذلك القسم أيضاً.

ثمّ إذا لم يتوقّف استنقاذ الحقّ عليه، كما إذا كان لأخذ الحقّ، طريقان: أحدهما ذلك والآخر، التقاص من ماله أو التوسل بأصحاب القدرة فهل يجوز


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/869.
2 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/23.


(308)

أولا فيه وجهان:

1ـ الجواز، لانتفاء الغاية الواردة في الآية من أكل أموال الناس بالإثم ولقاعدة لاضرر، كما مرّ، وتوهم أنّه من باب الإعانة على الإثم قد عرفت حاله.

2ـ عدمه لكون الرشوة أوسع ممّا جاء في الآية ، و لا موضوع لقاعدة لا ضرر لعدم الضرر بعد وجود طريق مشروع لأخذ الحقّ. و الثاني هو الأقوى لانّه رشوة.

الخامس: في عدم اختصاص الرشوة بالمال والقاضي والحقّ

ثمّ إنّ هنا أُموراً ثلاثة لايدلّ عليها منطوق الآية ولكن يمكن استخراج حكمهابالتأمّل منها:

1ـ هل الرشوة تختصّ بالمال، أو تعمّ غيره كالخياطة، أو قضاء حاجة القاضي في موضوع آخر، أو مدحه بالشعر والخطابة؟ يظهر من السيّد الطباطبائي كونها أعم. قال: الرشوة قد تكون مالاً من عين أو منفعة وقد تكون عملاً للقاضي كخياطة ثوبه أو تعمير داره أو نحوهما وقد تكون قولاً كمدحه والثناء عليه.(1)

والعرف يساعده، وأمّا الآية فالمذكور فيها، هو إدلاء المال إلى الحاكم ولكنّه وارد مورد الغالب، والمقصود أنّ كلّ تسبب إلى الغاية المحرّمة(أكل أموال الناس بالإثم) حرام فحرمة الغاية توجب سراية الحرمة إلى كلّ سبب مالاً،كان أو منفعة، أو عملاً للقاضي.

2ـ وبذلك تعلم الحال في دفع المال إلى الظالم للغاية المحرّمة وإن لم يكن قاضياً، فهو أيضاً من مصاديق الرشوة وقد مرّ أنّ ذكر الحكّام في الآية من باب أغلب المصاديق.

قال السيّد الطباطبائي: لاتختصّ الرشوة ما يبذل للقاضي ليحكم له، بل


1 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/23.


(309)

تجري في غير الحكم أيضاً كما إذا بذل شيئاً لحاكم العرف أو الظالم أو رئيس ليعينه على ظلم أو غيره من المعاصي ونحو ذلك فتكون حراماً(1) نعم لو بذله شيئاً ليعينه على إحقاق حقّ أو دفع ظلم أو أمر مباح فلا إشكال.وأمّا في القاضي فقد مرّ الكلام فيه و أنّه رشوة محرّمة .

3ـ كما أنّ بذل الرشوة لأكل المال بالإثم حرام وكذلك تحرم إذا كان الهدف إبطال الحقّ كما إذا رشا القاضي ، ليحكم بأنّ حقّ الحضانة في البنت فوق السنتين للأب، مع أنّه للأُم إلى سبع سنين، وذلك لأنّ أكل المال بالإثم، وارد مورد الغالب.

السادس: حكم بيع المحاباة

وهو بيع الغالي بقيمة رخيصة كبيع ما يساوي ألف، بمائة، وتكون المعاملة غطاءً لدفع المال إلى القاضي ليحكم له. ولاشكّ في حرمته لحرمة غايته وهو أكل أموال الناس بالإثم، إنّما الكلام في فساده .قال في الجواهر في شرح قول المحقّق :«ويجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها » ما هذا نصّه: حتّى لو وقعت في ضمن عقد هبة أو بيع محاباة أو وقف فإنّه بناء على أنّ نحو ذلك من أفراد الرشا لا ريب في فساد العقود المزبورة نحو ما كان منها إعانة على الإثم ترجيحاً لأدلّة فسادها على ما يقتضي صحّتها، بل النهي فيها عن نفس المعاملة بل لعلّ ذلك مبني على فساد الرشوة التي هي غالباًتكون بعنوان الهبة رشوة.(2)

يلاحظ عليه: أنّه إذا لم يكن النهي متعلّقاً بنفس المعاملة، بل بعنوان خارج عن حقيقتها، ككونها إعانة على الإثم، أو رشوة ففي مثلها لايقتضي الفساد، إذ غاية ما ذكره ، أنّ العقد والمعاملة أي الإيجاب والقبول، مصداق لعنوان الرشوة،


1 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/24.
2 ـ النجفي: الجواهر: 40/131.


(310)

ولكن المعاملة ليست محرّمة بالذات، فعندئذ تصحّ المعاملة ويكون نفس العمل حراماً تكليفاً.

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم قسَّم المعاملة المحابى فيها إلى أقسام ثلاثة ورجّح الفساد في الجميع قال وله أقسام:

1ـ ما لم يقصد من المعاملة إلاّ المحاباة التي في ضمنها.

2ـ قصد المعاملة لكن جعل المحاباة لأجل الحكم له بأن كان الحكم له من قبيل ما تواطئا عليه من الشروط غير المصرّح بها في العقد وهي الرشوة.

3ـ قصد أصل المعاملة، ثمّ حابى فيها لجلب قلب القاضي فهي كالهدية ملحقة بالرشوة وفي فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوي.(1)

يلاحظ عليه بوجهين:

الأوّل: إنّ رمي الجميع بسهم واحد غير تامّ، والأوّل باطل لأجل عدم قصد المعاملة، والثاني باطل لأجل بطلانها بمقدار المحاباة، المستلزم لبطلان أصل المعاملة.

وأمّا الثالث: فقابل للملاحظة فربّما يقال أنّ ظاهر القواعد الصحّة، لكون الرشوة داعياً، فيها.إلاّ أن يقال فيها بالبطلان فإنّ الهدية غطاء على الرشوة و واجهة لها فانتظر.

الثاني: إنّ سياق كلامه أنّ البطلان لأجل انطباق أمر خارج على المعاملة، وقد عرفت انّه لايستلزم البطلان.

نعم للسيّد الطباطبائي كلام في المقام أشار في آخره بما يمكن أن يكون سنداً للبطلان.


1 ـ الأنصاري، المكاسب المحرّمة: ص31،ط تبريز.


(311)

قال معترضاً على كلام المحقّق الأنصاري : إنّه اختار في مسألة الإعانة على الإثم عدم فساد البيع إذا قصد توصل الغير إلى المحرّم مثل بيع العنب ليعمل خمراً وذلك لتعلّق النهي بما هو خارج عن المعاملة وهو الإعانة ـ إلى أن قال ـ وإلاّ فالأوجه عدم الفساد لما ذكر من تعلّق النهي بأمر خارج عن المعاملة ولانسلّم ما ذكره صاحب الجواهر من بقاء المال على ملك الراشي بأيّ طريق كان وإنّما هو مسلّم في صورة البذل من غير أن يكون بعقد من العقود ـ إلى أن قال: ـ نعم يمكن أن يقال إنّه إذا قصد الرشوة بالمعاملة المحابائية يصدق عرفاً أنّ العين الموهونة رشوة فيكون حراماًولازمه بطلان المعاملة وهذا هو الفرق بين المقام وبين مسألة الإعانة. وعليه لابدّ أن يفصّل بين المذكورات وبين البيع بثمن المثل بقصد الرشوة فيما إذا كان للقاضي غرض في المبيع ولو بعوض مثله.(1)

الأمرالسابع: في حكم الرشوة ردّاً و ضماناً

إنّ المأخوذ رشوة أو الملحق بها حكماً ـ كما هو الحال في الهدايا الّتي تُقدّم إلى القاضي و سيوافيك حكمهاـ هل يجب ردّه مادام باقياً، ويضمن إذا تلف او أتلفه الآخذ، أو لا؟ والمحكي عن فقهاء العامّة أنّ المرتشي يملكها و إن فعل حراماً، و نقل عن بعض آخرين أنّه يضعها في بيت المال. (2)و إليك نقل بعض الكلمات:

1ـ قال الشيخ: كلّ موضع قلنا يحرم عليه فإن خالف و قبل فما الذي يصنع؟ فإن كان عامل الصدقات ، قالقوم: يجب عليه ردّها، وقال آخرون: يجوز أن يتصدّق عليه بها، والأوّل أحوط، وأمّا هديّة القاضي قال قوم يضعها في بيت المال ليُصرف في المصالح وقال آخرون: يردّها على أصحابها وهو الأحوط عندنا.(3) ولم يذكر


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/24.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/405.
3 ـ الطوسي ، المبسوط: 8/152.


(312)

الشيخ حكم التلف ولعلّ نظره فيه يعلم من حكمه بوجوب الردّ، إذ لو وجب الردّ، يلزمه الضمان مع التلف، وإلاّ فيكون الحكم بعدم الضمان مناقضاًمع وجوب الردّ كما سيوافيك .

2ـ وقال المحقّق: ويجب على المرتشي إعادة الرشوة إلى صاحبها، ولو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها له.(1)

3ـ وقال العلاّمة: وتجب على المرتشي إعادتها وإن حكم عليه بحقّ أو باطل ولو تلفت قبل وصولها إليه ضمنها.(2)

4ـ وقال أيضاً: وعلى المرتشي إعادتها فإن تلفت ضمن.(3)

5ـ وقال الشهيد الثاني: وتجب على المرتشي إعادة الرشوة على صاحبها على خلاف بعض العامّة حيث ذهب إلى أنّه يملكها وإن فعل حراماً لوجود التمليك، وآخرين حيث ذهبوا إلى أنّه يضعها في بيت المال والأظهرما ذكره المصنّف من عدم ملكها مطلقاًووجوب ردّها إلى المالك ويضمنها إلى أن يصل.(4)

6ـ قال المحقّق الأردبيلي: وممّا سبق يعلم وجوب الإعادة على المرتشي وأنّه لابدّ من دفعه فورياً مع وجود العين، ومع التلف عوضاً مثلاً وقيمةً على الوجه المقرّر في ضمان المتلفات سواء أكان بتفريطه أم لا مثل الغصب فإنّ اليد ليست بيد أمانة.(5)

7ـ وقال صاحب الجواهر: ولا إشكال في بقاء الرشوة على ملك المالك كما هو مقتضى قوله « إنّها سحت» وغيره من النصوص الدالة على ذلك وأنّ حكمها حكم غيرها ممّا كان من هذا القبيل نعم قد يشكل الرجوع بها مع تلفها وعلم الدافع بالحرمة باعتبار تسليطه والتحقيق فيه ما مرّ في نظائره.(6)


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع4/78.
2 ـ العاملي: مفتاح الكرامة: 10/33، قسم المتن.
3 ـ العلاّمة الحلّي، إرشاد الأذهان:2/140.
4 ـ زين الدين العاملي: المسالك2/405.
5 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/50.
6 ـ النجفي، الجواهر:22/149.


(313)

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة لما سبق. ويقع الكلام في وجوب ردّها أوّلاً وضمانها بمثل أو قيمة ثانياًوبعبارة أُخرى: يقع الكلام تارة في الحكم التكليفي أي وجوب الردّ ، وأُخرى في الحكم الوضعي أي الضمان لدى الإتلاف والتلف.

أمّا وجوب الردّفلما مرّ من عدم تملّكها، لتعلّق النهي بذات المعاملة (الرشوة) الدالّ على فساد التمليك العرفي، الملازم لبقائها في ملك مالكها، من غير فرق بين أن يملّكها بنفسها أو وقعت في ضمن بيع محاباة لما عرفت من صدق الرشوة على العين عرفاًويظهر من خبر ابن اللتبية الواردة في الهدايا التي تقدّم إلى عامل الصدقات، أنّه لايملكها وسيوافيك نصّ الحديث عند البحث في الهديّة .

أمّا ضمانها على المرتشي إذا تلفت أو أتلفها المرتشي فقد عرفت عبارات الأصحاب، الحاكية عن الضمان إنّما الكلام في دليله. فنقول: أُستدلّ بعموم« على اليد ما أخذت حتّى تؤّدي» (1) خرج منه ما أُخذ أمانة كالوديعة وغيرها والمفروض انّه لم يُسلّطه على العين إلاّ في مقابل عوض و لم يجعلها عنده أمانة ، ولم يهتك حرمة ماله، بل طلب به ماهو أعزّ وأغلى ممّا دفع. ولمّا حكم الشارع ببطلان المعاملة، بقيت العين على ملك مالكه، فيكون أخذها بعنوان المعاوضة موجباً للضمان، حتّى يردّعينها أو مثلها أو قيمتها.وما تقدّم من صاحب الجواهر من «أنّه قد يشكل الرجوع بها مع تلفها وعلم الدافع بالحرمة باعتبار تسليطه» فقد أوضحه السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة وقال: ولعلّ وجه الضمان لأنّ الراشي إنّما بذل في مقابلة الحكم فيكون إعطاؤه بعنوان المعاوضة ويدخل في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » ثمّ استشكل عليه بوجوه ثلاثة وقال: وفيه:

أوّلاً: أنّه أخص من المدّعى إذ قد يكون لا بعنوان المعاوضة، بل إنّما يعطى مجّاناً وعوضه جلب قلب القاضي فلايكون في مقابلة الحكم، والغرض غير العوض.


1 ـ النوري، المستدرك: الجزء17، الباب 1 من كتاب الغصب، الحديث 4، والبيهقي، السنن: 6/95


(314)

ثانياً: لادليل على القاعدة المذكورة كما بيّن في محلّه.

وثالثاً: أنّ المفروض أنّ الراشي راض بإتلاف المرتشي إيّاها فيكون هو الهاتك لحرمة ماله حيث إنّه سلّطه عليه مع علمه بعدم ملكيّته وحرمته عليه، فرضاه وإن كان مقيّداً بالعوض الذي هو الحكم إلاّ أنّ قيده حاصل بعد فرض الحكم له، فحاله حال سائر المقبوضات بالعقود الفاسدة وقد بيّنا فيها عدم الضمان مع التلف.نعم لو كان رضاه مقيّداً بالحكم له ولم يحكم له يمكن أن يقال فيه بالضمان لأنّ المفروض أنّ رضاه كان مقيّداً والقيد لم يحصل.(1)

يلاحظ على الوجه الأوّل: وقد سبقه الشيخ الأنصاري في هذا التفصيل قائلاً «بأنّ الرشوة حقيقة جعل على الباطل بخلاف ما إذا لم يقصد بها المقابلة فأعطى مجّاناً ليكون داعياًعلى الحكم وهو المسمّى بالهبة فإنّ الظاهر عدم ضمانه لأنّ مرجعه إلى هبة فاسدة إذ الدّاعي لايكون عوضاً » بأنّه إنّما يتمّ في مورد لم يكن هناك التفات من القاضي إلى ما أضمره المُهدي وإلاّ يكون العين في مقابل الحكم، لصالحه والقاضي الملتفت إلى نيّة الدافع يتلقّاه رشوة، ويقف على أنّ عنوان الهدية غطاء على القبيح، وواجهة لما هو المذموم شرعاً وعرفاً، ومع ذلك كيف يتلقّاه هدية، ولايُعتبر في كون الشيء عوضاً، التصريح به بل تكفي الإشارة والإيماء إلى أنّ الدافع يطلب من تقديمه إليه، هو حكمه لصالحه وإنّما يصرِّح بالتقابل والمعاوضة، البسطاء من الناس وأمّا أهل الخبرة فيدفعونه بعناوين، صوناً لمقام القضاء في الظاهر عن القبيح، وما هو إلاّ شيطنة منهم والحاصل أنّ الهدية بشرط التفات القاضي إلى واقع الأمر رشوة ، موضوعاً وحكماً أو حكماًفقط وإن كان التحقيق هو الأوّل فلايكون الدليل أخصّ من المدّعى.

وأمّا الثاني: فلايضرّ بالمقصود إذ الدليل على الضمان ، هو دليل القاعدة أعني: قاعدة اليد، أو قاعدة الإقدام، لا نفس القاعدة سواء أصحّت أم لا.


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/24.


(315)

وأمّا الثالث، أعني قوله: «أنّ المفروض أنّ الراشي راض بإتلاف المرتشي إيّاها فيكون هو الهاتك لحرمة ماله حيث إنّه سلّطه عليه مع علمه بعدم مالكيته وحرمته عليه به ورضاه وإن كان مقيّداً لكن المفروض حصول قيده» فهو يرجع إلى أمرين:

1ـ « إنّه الهاتك لحرمة ماله»، ولكنّه ممنوع إذ كيف يوصف كذلك مع أنّه بصدد أن يأخذ من القاضي ما هو أعز وأغلى ممّا دفع بمراتب .وبعبارة أُخرى إنّما دَفعَ ما دَفَعَ ليلتزم القاضي على شيء من الأُمور الثلاثة الماضية.

2ـ «إنّ رضاه كان مقيّداًوقد حصل قيده» وهو أيضاً مثل ما سبق وذلك لأنّ رضا الراشي بتصرّف القاضي فيه لم يكن مغايراً لرضاه بالتصرّف فيه بعنوان الرشوة والمفروض أنّ الشارع حكم ببطلانها فيكون وجود الرضا كعدمه، فيصير مقتضى عموم «على اليد» هو الضمان وذلك لعدم صلاحية ذلك الرضا للخروج عنه، ولايكون علم الدافع بفساد المعاملة سبباً لنشوء رضى آخر حتّى يكون هو المسوِّغ للتصرّف والرافع للضمان بل الراشي إنّما رضى بالتصرّف بالعنوان المحرّم، علم بتحريمه أو لا ومثل ذلك الرضا لايكون سبباًللحلّية وإلاّ لزم أن يكون ثمن المغنيّة وأجر الزانية حلالاً لرضا الدافع بالتصرّف فيه .

وما ذكرناه جار في جميع العقود الفاسدة ، محرّمة كانت أو لا كبيع الصبي والمحجور لأنّ المفروض أنّ الرضا فيها رضا معاملي والمفروض أنّ الشارع تلقّاه لغواً وفاسداًغير مؤثر، وليس هناك رضى آخر يؤثّر في جواز التصرّف ورفع الضمان ، فيكون المرجع هو عموم على اليد و لم يثبت المخصِّص.

وهناك إشكال آخر يتوجّه على كلامه وهو: لو كان رضا الراشي وكونه هاتكاً لحرمة ماله، رافعاً للضمان وسبباًلجواز التصرّف فيه ، يلزم عدم وجوب الردّمع أنّ الكل اتّفقوا على وجوبه، والجمع بين وجوب الردّ وعدم الضمان أشبه بالجمع بين الضدّين .


(316)

وممّا ذكر من اختصاص البحث بما إذا كان القاضي ملتفتاً إلى نيّة الراشي والمُهدِي، يعلم ضعف ما أفاده في الجواهر من الإشكال في الضمان مع التلف، فيما إذا كانت الرشوة من الأعمال التي تبرَّع بها الراشي ونحوه ممّا لابد فيه للمرتشي ولا أمر بالعمل (1) . اللّهم إلاّ أن يُفصَّل كما احتملناه في الدورة السابقة بين العين والمنفعة بأنّ الراشي لمّا كان هو المقدم عرفاًفهو المتلف فلايملك على المرتشي شيئاًمن العمل. ومع ذلك فللنظر فيه مجال لأنّه لم يملّكه إلاّ في مقابل الحكم له الذي طرده الشارع وعدّه فاسداًولم يملّكه مجّاناً فيدخل تحت قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده»، لا العكس.

الأمر الثامن: في الفرق بين الهدية والرشوة

إنّ ما يبذل للقاضي والعامل والظالم، ينقسم إلى الرشوة والهدية والظاهر أنّ الفرق بينهماجوهري يتفارقان به لا بالقصد، والاختلاف في القصد تابع للاختلاف الماهوي، فلو كان البذل في مقابل العوض، بأن يذكر أو يضمر بأنّ هذا مقابل ذاك فهو رشوة، وإلاّفإن كان البذل بلا عوض بأن كان ناشئاً عن عاطفة قلبية أو رابطة رحمية أو غير ذلك، فهو هدية .

وبعبارة أُخرى: أنّ الطريق الصحيح لاستكشاف الفرق بين الرشوة والهدية هو الدقّة في الفرق بين البيع والهبة غير المعوَّضة فإنّ الفرق بينهما جوهري في عالم الاعتبار، لا بالقصد والنيّة،حتى ولو اختلف القصد ، فإنّما هو لأجل اختلاف المقصود بالذات ففي البيع التزام بشيء، ليس في الهبة، ولأجل ذلك يقصد البائع مبادلة مال بمال ولايقصده الواهب. وإنّما يقصد أصل البذل بلا عوض. ومثله الرشوة والهدية فالراشي سواء دفعه صريحاً باسم الرشوة، أو ألبس عليها لباس الهدية فإنّما يبذل في مقابل التزام بما يرجع إلى المحاكمة والمرافعة بخلاف ما إذا


1 ـ النجفي: الجواهر: 40/133.


(317)

بذله من دون انتظار عمل وبذلك يظهر أنّهما عقدان متخالفان ، لايجتمعان في مورد، كاختلاف البيع والهبة عقداً أو معاطاة فما يسميه القوم في المقام هديّة فهو عندنا رشوة و ليست هديّة إلاّ مجازاً وتغطية واسماً، لا حقيقة ، والهدية الواقعية ما لا يكون هناك أيُّ انتظار عمل.

قال السيّد الطباطبائي: الفرق بين الرشوة والهدية أنّ الغرض من الرشوة جلب قلبه ليحكم له ومن الهدية الصحيحة، القربة أو إيراث المودّة لا لداع أو الداعي عليها حبّه له، لوجود صفة كمال فيه من علم أو ورع أو نحوهما.(1) ولقد أحسن فعدّ ما يبذل لجلب قلب القاضي من الرشوة، وخصص الهديّة بما لا عوض فيه .

وعلى كلّ تقدير فالأولى التركيز على حكم الهديّة في المقام، فللشيخ في المقام كلام في المبسوط نأتي بإجماله قال: «فأمّا الهدية فإن لم يكن بمهاداته عادة حرم عليه قبولها والعامل على الصدقات كذلك لما روي عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه قال: هدية العمّال غلول وفي بعضها هدية العمّال سحت وأمّا إن كان من عادته كالقريب والصديق الملاطف نظرت فإن كان في حال حكومته بينه وبين غيره أو أحسّ بأنّه يقدّمه لحكومة بين يديه، حرم عليه الأخذ كالرشوة وإن لم يكن هناك شيء من هذا فالمستحبّ أن يتنزّه عنها هذا كلّه إذا كان الحاكم في موضع ولايته فأمّا إن حصل في غير موضع ولايته فأهدى له هدية فالمستحبّ أن لايقبلها.(2)

وحاصله تقسيمها إلى أقسام ثلاثة، يحرم الأوّلان دون الثالثة وقريب منه ما ذكره ابن البرّاج في المهذّب.(3)

وقال المحقّق الأردبيلي: والظاهر أنّه يجوز له قبول الهدية فإنّه مستحبّ في الأصل إلاّ أنّه يمكن أن يكون مكروهاً لاحتمال كونها رشوة إلاّ أن يعلم باليقين انّها


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/25.
2 ـ الطوسي، المبسوط : 8/152.
3 ـ ابن البرّاج، المهذّب: 2/581.


(318)

ليست كذلك مثل أن كان بينه وبين المهدي صداقة قديمة وعلم أن ليس له غرض من حكومة وخصومة بوجه أو يكون غريباًلايعلم أو جاء من السفر وكان عادته ذلك، أو فعل ذلك بالنسبة إليه وإلى غيره ومع ذلك لاشكّ أنّ الأحوط هو الاجتناب في وقت يمكن أو يحتمل احتمالاً بعيداً لكونها رشوة وتؤيّده الأخبار من طرقهم وقد روي أنّه صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: هدايا العمّال غلول وفي أُخرى : هدية العمّال سحت.(1)

وقد ظهر ممّا ذكر أنّ هذه التفاصيل تبعيد للمسافة والأولى حسم مادة الخلاف بكلمة واحدةوهي أنّ الرشوة عبارة عن كون البذل في مقابل شيء من الحكم بالباطل أو الحكم لصالحه، أو الحكم بالحقّ لولاه لما حكم ولايشترط في التقابل، التصريح بل يكفي كونه معلوماًمن القرائن سواء كان البذل في موضع الولاية أو غيره، كان قبل طرح الدعوى أو بعده وقبل الحكم. وعلى ضوء ذلك فأكثر ما يسمّيه الناس هدية، فهو هدية ظاهراً، رشوة حقيقة ولايهمّنا دخولها فيها موضوعاً، سواء أكانت رشوة موضوعاً أم لا فهي رشوة حكماًوما دلّ على حرمة الرشوة، يدلّ على حرمة الهدية أيضاً لفظاً، أو بإلغاء الخصوصية وإن كان الحقّ أنّها رشوة موضوعاً ولقد أحسن السيد الطباطبائى كما مرّ حيث سمّى ما يبذل لجلب قلب القاضي رشوة لا هدية، وخصّ الثانية بما إذا كان الداعي حبّه له أولكماله.

وبكلمة قصيرة: إنّ البذل إذا كان في مقابل التزام القاضي بشيء في صميم الحكم ، ظاهراً أو غاية فهو رشوة وإن قُدِّم إليه باسم الهديةوأمّا إذا بذل من دون أيّ انتظار من القاضي لا ظاهراً ولا واقعاً فهو هدية.

ويؤيّده ما روي عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أنّه استعمل رجلاً من الأزد على الصدقة يقال له ابن اللتبية .

فلما جاءه قال للنبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: هذا لكم وهذا أُهدي لي.


1 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/51.


(319)

فقام رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم على المنبر فحمد الله و أثنى عليه وقال: «مابال العامل نستعمله على بعض العمل من أعمالنا فيجيىء فيقول هذا لكم وهذا أُهدي لي أفلا جلس في بيت أبيه أو في بيت أُمِّه فينظر هل يُهدى له شيء أولا؟ والذي نفس محمّد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرةً لها خوار، أو شاة تيعر».ثمّ رفع يديه حتّى رأيت عفرة إبطيه فقال: «اللّهم هل بلّغت؟» .(1)

ثمّ إنّ هنا فروعاً ذكرها الشيخ الأنصاري في المكاسب المحرّمة نأتي بها وبغيرها ممّا ذكره السيّد الطباطبائي في ملحقات العروة.

فروع:

الفرع الأوّل: إذا شكّ الآخذ في كون المأخوذ رشوة أو هدية

إذا بُذل للقاضي شيء وشكّ في أنّ الدافع قصد بها الرشوة أو الهديّة الصحيحة ذهب السيّد الطباطبائي إلى جواز الأخذ حملاً لفعله على الصحّة إلاّ إذا كانت هناك قرينة على إرادته منها الرشوة كما إذا لم تكن من عادته ذلك قبل المرافعة وقال: والأولى عدم أخذها مطلقاً، ويمكن أن يقال بحرمتها حال المرافعة لأنّه يصدق عليها الرشوة عرفاً بل يمكن أن يقال: بحرمتها تعبّداً لما في بعض الأخبار من أنّ هدايا العمّال غلول أو سحت.(2)

يلاحظ عليه: أنّ جريان أصل الصحّة مبنيّ على أنّ الرشوة والهبة تتحدان ماهية وتختلفان قصداً، فلو قَصَد الباذل التزام القاضي بشيء من إبطال الحقّ، أو إحقاق الباطل أو الحكم بالحقّ فهو رشوة وإن لم يقصد التزامه بشيء، بل دفعه إليه، تكريماً أو محبّة، أو أداءً للوظيفة في حقّ الرحم فهو هديّة ، فعند ذلك فالعمل


1 ـ البيهقي، السنن الكبرى:4/158.
2 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة: 2/25، تفرّد السيّد بطرح هذا الفرع.


(320)

الواحد الذي له حالتان يحمل على حالة الصحّة، لا على حالة الفساد كما هو الحال فيما إذا باع وشكّ أنّه هل كان ربوياً أو لا، أو أسلف وشكّ أنّه أقبض الثمن أو لا ففي جميع ذلك يحمل على الصحّة.

وأمّا إذا قلنا بأنّهما أمران مختلفان ماهية حيث إنّ أحدهما بذل في مقابل شيء، و الآخر بذل بلا عوض فإجراء أصالة الصحّة مشكل جدّاً لأنّ القدر المتيقّن من موردها إذا أحرز عنوان الفعل وشكّ في خصوصياته لا ماإذا كان العنوان مشكوكاً وهذا كما إذا رأينا الرجل أمام الميّت، يحرّك لسانه، ولا ندري أنّه يصلي أو يدعو له بالخير والمغفرة، فلا يُحكم عليه بأنّه صلّى عليه صلاة صحيحة أو ذهب إلى الحمام ثمّ خرج ولايدري هل كان للنظافة ، أو للاغتسال، والمقام من قبيل الثاني، لأنّ البذل مع العوض، غير البذل بلا عوض فاختلافهما يَكْمُنُ في وجود المقابل لأحدهما دون الآخر، وأمّا الاختلاف في القصد فهو تابع لاختلاف المقصود، لا أنّهما يتميزان بالقصد.

وأمّا ما أفاده من أنّه «لو دلّت القرينة على أنّه رشوة يحكم بها» فإنّما يتم إذا كانت مفيدة للاطمئنان الذي هو علم عرفي وحجّة عقلائية أمضاه الشارع، لا على مطلق الظنّ الذي لم يقم دليل على حجّيته. نعم الاستدلال بما ذكر من الرواية غير كاف في المقام، لأنّ إضافة الهدية إلى العمّال قرينة على أنّ الهدية كانت رشوة ولأجل ذلك حكم عليه بالغلول أو السحت.

الفرع الثاني: إذا اتّفقا على وجود عقد واختلفا في نوعه

إذا اتّفقا على وجود عقد بين الدافع والقابض ولكن اختلفا في نوعه فقال الدافع: كان المبذول رشوة وقال القابض: كان هبة صحيحة قال السيّد الطباطبائي ـ على غرار ما ذكره في الفرع الأوّل ـ يقدّم قول القابض للحمل على الصحّة وأصل البراءة من الضمان ، بناء على أنّ الضمان على فرض كونه رشوة.


(321)

وأمّا احتمال تقديم قول الدافع لأنّه أعرف بنيّته أو لأنّ الأصل في اليد الضمان، فلا وجه له، لعدم الدليل على الأوّل، ومثله كون الأصل الضمان لعدم الدليل عليه إلاّ عموم على اليد وهي مختصّة باليد العادية ومع الإغماض ـ عن الاختصاص ـ فالشبهة مصداقية، وعلى فرض التمسّك بالعموم فيها، الحمل على الصحّة مقدّم عليه.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: بما عرفت من كون المورد خارجاً عن مجرى أصالة الصحّة، لعدم تعلّق الشكّ بالعقد الواحد من أجل كونه واجداً لشرائط الصحّة وعدمه، وإنّمااتّفقا على أصل العقد لكنّه مردّد بين عقدين، مختلفين وقد عرفت حاله وأنّه ليس مجرى لأصالة الصحّة.

وثانياً : أنّ الأصل في الأموال وهكذا الأعراض والنفوس، هو الضمان، لا البراءة وقد نبّه الشيخ بذلك في مبحث البراءة ، وأوجب الاحتياط في الشبهات البدئية إذا كان المشتبه مالاً أو عرضاً أو نفساً، وذلك لأنّ الأصل عدم الانتقال في الأموال، وعدم الحلّية في الأعراض والنفوس .

هذا تحليل كلامه حول الشقّ الأوّل ، أعني: تقديم قول القابض.

وأمّا تحليل كلامه حول الشقّ الثاني، أعني: تقديم قول الدافع فقد أشكَلَ بالأُمور التالية:

1ـ بأنّ الدافع وإن كان أعرف بنيّته، لكن لا دليل على حجّيته.

2ـ إنّ قاعدة«على اليد» مختصّة باليد العادية وهي منتفية في المقام.

3ـ إنّ المورد من قبيل الشبهة المصداقية للعام لاحتمال كون التسليط بالمجّان وهو خارج عن تحت العموم.


1 ـ السيّد الطباطبائي، ملحقات العروة : 2/26، وأمّا وجه كون المورد شبهة مصداقية فلخروج التسليط المجّاني عنه فيكون المورد مردّداً بين كونه باقياً تحت العام أو خارجاً عنه وداخلاً تحت المخصّص أي التسليط بالمجّان.


(322)

4ـ وعلى فرض التمسّك به فأصالة الصحّة مقدّمة عليه.

و الجميع قابل للمناقشة:

أمّا الأوّل: فالظاهر اعتباره في كلّ مورد كان منشأ الشك، هو الاختلاف في نيّة العامل، نعم ليس منشأ الشكّ في المقام ناشئاً من الاختلاف في نيّة الدافع، بل منشؤه هو الاختلاف في كون العقد الواقع، رشوة أو هدية وقد عرفتأنّ القصد تابع.

وأمّا الثاني: فللمنع من اختصاصها باليد العادية، نعم هي منصرفة عن اليد الأمانية.

وأمّا الثالث: فهو صحيح لو كان هو المستند ولكن المستند إنّما هو الأصل المسلّم في الأموال وهو الضمان حتّى يدلّ دليل على خلافه، وتسانده أصالة عدم الانتقال.

وأمّا الرابع: أعني تقديم أصالة الصحّة على عموم اليد فهو غريب، لأنّها أصل والقاعدة أمارة ومعها لاتصل النوبة إلى الأصل.

الفرع الثالث: فيما إذا لم يتّفقا على وجود العقد

إذا اختلفا في أنّه مبذول رشوة من غير عقد أو أنّه عقد هبة صحيحة والفرق بين الفرعين واضح، لاتّفاقهما على وجود عقد مشترك بينهما في السابق غير أنّ الباذل يصفه بالرشوة والآخر بالهبة بخلاف المقام فالدافع لايعترف بالعقد بل بالإعطاء رشوة، والقابض يدّعي العقد الصحيح ولأجل ذلك تردّد السيّد الطباطبائي في هذا الفرع في بدء الأمر فقال: فالأقوى أنّه مثل الفرع السابق وقد يحتمل عدمه لعدم عقد مشترك حتّى يحمل على الصحّة فالدافع منكر لأصل العقد لا لصحّته.

ثمّ أورد على ما احتمله بقوله: وفيه أنّ تمليكه محمول على الصحّة ولايلزم في


(323)

الحمل على الصحّة أن يكون عقد مشترك، فأصالة عدم الهبة معارضة بأصالة عدم التملّك رشوة.(1)

والظاهر أنّ حكم هذا الفرع هو حكم السابق لعدم جريان أصالة الصحّة لعدم ثبوت الموضوع أي العقد لا أصله ولا نوعه والمرجع هو الضمان في الأموال حتّى يثبت خلافه لأصالة عدم انتقاله ولو قلنا بجريان أصالة البراءة في ناحية القابض، فإنّما تنفع في نفي الحرمة التكليفية للقابض، ولاتنفي الحرمة الوضعية بمعنى الضمان لما عرفت من أنّ الأصل في الأموال هو الضمان.

وأمّا ما أفاده من احتمال الضمان في المقام دون السابق، لعدم الاتّفاق على وجود عقد مشترك محمول على الصحّة في المقام دون السابق، فغير مفيد لما عرفت أنّ الحقّ هو الضمان حتّى في صورة الاتّفاق على وجود عقد مشترك لأصالة الضمان في الأموال، فليس الاتّفاق وعدمه مؤثّراً في الضمان وعدمه.

ثمّ إنّه حاول تصحيح تقديم قول القابض بأمرين:

1ـ إجراء أصالة الصحّة في التمليك المعترف به بالطرفين.

2ـ تعارض أصالة عدم الهبة مع أصالة عدم التملّك رشوة.

يلاحظ على الأوّل بما ذكرنا من أنّ الأصل الحاكم في المقام هو أصالة الضمان لا أصالة الصحّة أوّلاً، وعلى فرض جريانها فإنّ موضوعها هو العقد ، المشكوك وجوده، لا التمليك ثانياً ،لأنّه يحصل من ضمّ اعتراف الدافع إلى القابض حيث إنّهما يعترفان به غاية الأمر يختلفان في وصفه.

ويلاحظ على الثاني: بأنّ الأثر مترتّب على الهبة لا على التمليك عن رشوة فتكون الهبة مصبّاًللأُصول يدّعيها القابض وينكرها الدافع والأصل مع الثاني حتّى يقيم القابض البيّنة، ويكفي للدافع إنكار الهبة ولايحتاج إلى إثبات الرشوة لأنّ مجرّد إنكار الهبة كاف في تقديم قوله مع اليمين من دون حاجة إلى إثبات كونه رشوة.

***

وبما ذكرنا يظهر حال الفرع الرابع والخامس اللّذين ذكرهما الشيخ ولانطيل الكلام في المقام وقد طرحناهما في محاضراتنا باسم «المواهب في أحكام المكاسب» فراجعهما.(1)


1 ـ السيّد الطباطبائى، ملحقات العروة: 2/26.


(324)

المسألة الثامنة عشرة: في إحضار الخصم بطلب المشتكي

إذا التمس المشتكي، إحضار خصمه مجلسَ الحكم، فهل يجب مطلقاً، حاضراً كان في ولاية الحاكم أو غائباً ، حررّ الدعوى أو لا، كانت بينهما معاملة أو لا، كانت فيه مشقّة أو لا، أو لا يجب مطلقاً غاية الأمر يبعث إليه ويُعلمه الموقف ويخيّره بين الحضور أو الحكم عليه غائباً. أو يفصِّل بين الحاضر والغائب فلا يُحضر الثاني إلاّ بعد تحرير الدعوى لاحتمال أن لاتكون مسموعة، والإحضار قبل إحراز المشروعية حرج وضرر أو يفصّل بين ما يعلم أنّ بينهما معاملة وعدمه فلايحضره إلاّ في الأوّل وجوه وتفاصيل وإليك نقل الكلمات:

قال الشيخ : إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل وكان المستعدى عليه حاضراً، اعتدى عليه و أحضره سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، وبه قال الشافعي وقال مالك إذا لم يعلم بينهما معاملة لم يحضره لما روي عن علي ـ عليه السلام ـ أنّه قال: لايَعْدي الحاكمُ على خصم إلاّ أن يعلم بينهما معاملة ولامخالف له (هذا إذا كان الخصم حاضراً).

وأمّا إذا ادّعى رجل على غيره شيئاًوكان المستعدى عليه غائباً في ولاية


1 ـ المواهب: 413، 416، وقد وردا ضمن المسألة الثالثة والرابعة فلاتغفل.


(325)

الحاكم في موضع ليس له فيه خليفة، ولا فيه من يَصلَح للحكم أن يجعل الحكم إليه فيه، فانّه يُحضره إذا تحرّر دعوى خصمه قريباً كان أو بعيداً وبه قال الشافعي.(1)

حاصله أنّه يحضره مطلقاً إذا كان حاضراًوإلاّ فيحضره بعد تحرير الدعوى.

2ـ وقال في المبسوط : إذا استعدى رجل عند الحاكم على رجل فإن كان حاضر اعتدى عليه واحضره ـ مطلقاً ـ وليس في ذلك ابتذال لأهل الصيانات والمروءات فإنّ عليّاً ـ عليه السلام ـ حضر مع يهودي عند شريح ... هذا إذا كان المستعدى عليه حاضراً وأمّا إذا كان غائباً في غير ولايته، فإنّه يقضي على غائب وفيه خلاف ، وإن كان غائباًفي ولايته فإن كان له قاض في موضع غيبته ، كتب إليه وبعث بخصمه إليه ليحكم بينهما وإن لم يكن له فيه من يصلح أن يقضي بينهما قال لخصمه : حرّر دعواك عليه.(2)

ومختاره في المبسوط يخالف مختاره في الخلاف في خصوص الغائب حيث اكتفى في الثاني برأي واحد وهو الإحضار بعد التحرير، وجعله في المبسوط شقوقاً ثلاثة:

الف: إذا كان خارج ولايته يُقضى على غائب.

ب: لو كان في ولايته وكان هناك قاض يبعث إليه .

ج: لو لم يكن من يصلح للقضاء، يُحضر بعد التحرير.

3ـ وقال المحقّق: إذا التمس الخصم إحضار خصمه مجلس الحكم أحضره إذاكان حاضراً أمّا لو كان غائباً لم يَعِده الحاكم حتّى يحرّر دعواه والفرق لزوم المشقة في الثاني وعدمها في الأوّل. هذا كلّه إذا كان في بعض ولايته وليس له هناك


1 ـ الطوسي: الخلاف 3/كتاب القضاء، المسألة 33ـ34.
2 ـ الطوسي، المبسوط:8/154ـ155.


(326)

خليفة يحكم له وإلاّ سمع بيّنته وأرسل إلى خليفته وإن كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه بالحجّة وإن كان غائباً.

وما ذكره المحقّق يوافق المبسوط حيث جعل حكم الغائب شقوقاً ثلاثة فإذا كان خارج ولايته، يقضى عليه غائباً، وإذا كان داخل ولايته فإن كان في موضع إقامته نائب يرسل إليه وإلاّ يحضر بعد التحرير. هذا كلّه في الرجل وأمّا المرأة فقال المحقّق:

ولو ادّعى على امرأة فإن كانت برزة فهي كالرجل وإن كانت مخدّرة بعث إليها من ينوبه في الحكم بينها وبين غريمها.(1)

4ـ وقال العلاّمه: وإذا سأل الخصم إحضار الخصم مجلس الحكم اجيب مع حضوره وإن لم يحرّر الدعوى ولايجاب في الغائب إلاّ مع التحرير، ولو كان في غير ولايته أثبت الحكم عليه وإن كانت امرأة مبرزة كلّفت الحضور وإلاّانفذ من يحكم بينهما.(2)

وقال الشهيد الثاني: إذا كان الخصم في البلد وجب إحضاره مطلقاً عند علمائنا وأكثر العامّة وقال مالك : إن كان من أهل المروات لم يحضره إلاّ أن يعرف بينهما معاملة صيانة له من الابتذال (ثمّ ذكر بعد بيان كيفية الإحضار) وإن كان في خارج ولايته فإنّ له أن يحكم عليه بشرائط القضاء على الغائب، وإن كان في داخل ولايته فإن كان له نائب لم يحضره بل يسمع البيّنة ويكتب إليه، فإن لم يكن هناك نائب فإن كان من يصلح للاستخلاف، استخلفه وأذن له في القضاء بينهما وإلاّ طولب المدّعي بتحرير الدعوى فقد تكون غير مسموعة.(3)

وما ذكره قريب ممّا ذكره في المبسوط غير أنّه جعل للغائب صوراً أربع.

أقول: إنّ المسألة ممّا لم يرد فيه نصّوما ذكر من الأقوال، اصطياد من


1 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/79.
2 ـ العلاّمة الحلي: إرشاد الأذهان2/142.
3 ـ زين الدين العاملي:المسالك: 2/405.


(327)

القواعد العامّة ولكل ذوقه وفهمه.

أمّا الحاضر في البلد، فلاشكّ أنّ القضاء شُرّع لسماع الدعاوي من الطرفين وهو يقتضي إخبارها بالموضوع ليحضرا حتّى يسمع القاضي كلامهما في مجلس الحكم ولأجل ذلك يقول ابن سعيد الحلي:«وينبغي أن لايحكم بين الخصمين إلاّ في مجلس حكم»(1)، ولكنّه إن احرز أنّ الدعوى مسموعة، سواء كان صاحبها محقّاً أو لا فيشرع من الإخطار إلى الإحضار وأمّا مع الشكّ فيها، فجواز الإحضار فضلاً عن وجوبه موضع تأمّل وذلك لأنّ الحاضر لاتخلو حاله عن أمرين إمّا أن يكون الحضور عليه حرجياً أو ضررياً فإيقاعه في الضرر والحرج القطعيين بمجرّد احتمال كون دعواه مسموعة، غير جائز قطعاً إذ معناه تقديم محتمل الضرر على قطعيه إلاّ أن يكون المحتمل أقوى، ولايعلم إلاّ بعد بيان الدعوى وتحريرها والمفروض عدمه.

وأمّا غير المتضرّر، فإيجاب الحضور عليه، بلا حجّة (الدعوى المسموعة)يحتاج إلى الدليل ولأجل ذلك يجب أن يقيّد الوجوب إمّا بتحرير الدعوى أو وقوف القاضي من القرائن على أنّ الدعوى مسموعة وإن لم يميّز المحقّ عن المبطل لأنّ سماع الدعوى غير كون مدّعيها محقّاً فعند ذلك يخبره ويطلب منه الحضور وإلاّ يحضره على نحو يجمع بين حقّ صاحب الدعوى وكرامة المستعدى عليه بخلوّ إحضاره من أيّ إهانة أوابتذال وإسقاطه عن عيون الناس، وبما أنّ حضور الخصم مقدّمة القضاء لا نفسه يتخيّر القاضي في الوصول إليه بين صورها المختلفة .(2)

والاستدلال باجتماع علي ـ عليه السلام ـ مع أحد الرعايا مجلس شريح، لايصلح دليلاً، لأنّه ـ عليه السلام ـ كان مدّعياً، لامنكراً، وكان مستعدياً لامستعدى عليه .

هذا كلّه حول الحاضر بكلا قسميه من المتضرّر وغيره فالشرط الوحيد هو إحراز كون الدعوى مسموعة. ولكن لمّا كان الحضور مقدّمة للقضاء يتوصّل


1 ـ ابن سعيد الحلي، الجامع للشرائع:525.
2 ـ لاحظ مجمع الفائدة: 12/92.


(328)

القاضي لتحصيل المقدّمة، أسهلها وأبعدها عن الوهن، وهو يختلف حسب اختلاف الأمكنة والأزمنة فيبدأ بأسهل الطرق، وينتهي إلى الجلب إلى المحكمة ولكل محلّه وشرطه .

وأمّا الغائب فسيوافيك عنه البحث تبعاً للشرائع تحت عنوان «مسائل تتعلّق بالحكم على الغائب».(1)

***


1 ـ لاحظ الجواهر: 40/220.


(329)

النظر الثالث
في كيفية الحكم

وفيها مقاصد

المقصد الأوّل: في وظائف الحاكم وهي سبع:

الأُولى: التسوية في أنواع الإكرام بين المتخاصمين

من آداب مجلس الحكم رعاية القاضي التسوية بين المترافعين في أنواع الإكرام وهل هي واجبة أو مستحبّة، أو يفصّل بين الإنصات والعدل في الحكم فهما واجبان لأنّ الإنصات بمعنى استماع الدعوى وجوابها وهو واجب. وجوه وعبارات الأصحاب مختلفة بين ظاهرة في الوجوب، وصريحة في الاستحباب أو في التفصيل:

1ـ قال الشيخ: على الحاكم أن يسوّي بين الخصمين في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والنظر إليهما، والإنصات إليهما والاستماع منهما والعدل في الحكم بينهما. روت أُم سلمة أنّ النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم قال: من ابتلى بالقضاء بين الناس فليعدل بينهم في لحظه وإشارته،ومقعده فلا يرفعن صوته على أحدهما بما لايرفع على الآخر، وكتب بعض الصحابة إلى قاضيه كتاباً طويلاً. فقال فيه واس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لاييأس ضعيف من عدلك ولايطمع


(330)

شريف من حيفك.(1)

2ـ قال المحقّق: «التسوية بين الخصمين في السلام والجلوس والنظر والكلام والإنصات والعدل في الحكم»(2) ولعلّ عطف الأخيرين الواجبين على غيرهما ظاهر في كون التسوية واجباً في الجميع.

3ـ قال العلاّمة: وتجب على الحاكم التسوية بين الخصمين إن تساويا في الإسلام والكفر، في القيام و النظر، وجواب السّلام وأنواع الإكرام والجلوس والإنصات والعدل في الحكم.(3)

4ـ وقال في الإرشاد: إذا حضر الخصمان بين يديه سوى بينهما في السّلام والكلام والقيام والنظر وأنواع الإكرام والإنصات والعدل في الحكم.(4)

والعبارتان الأخيرتان صريحتان في الوجوب وأمّا عبارة المحقّق فمحتملة له، وسيوافيك في الوظيفة الثالثة أنّه جوّز تخصيص الخطاب بأحد المترافعين وهو يوافق استحباب التسوية لا وجوبها وممّن قال بالاستحباب: سلاّر، وابن ادريس.

5ـ قال سلاّر:وليكن نظره إليهما متساوياً ومجلسهما كذلك ... فهذا كلّه ندب.(5)

6ـ وقال ابن إدريس: ويستحبّ أن يكون نظره إليهما واحداً ومجلسهما بين يديه على السواء لا أنّ ذلك واجب على ما يتوهمه من لا بصيرة له بهذا الشأن.(6)

استدلّ على الحكم بروايات غير نقيّة السند، لكن التعاضد وإتقان المضمون، يدلّ على الصدور خصوصاً ما رواه سلمة بن كهيل عن أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ :واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتّى لايطمع قريبك


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/139، والمقصود من «بعض الصحابة» هو أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ على ما في رواية سلمة بن كهيل.
2 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع:4/80.
3 ـ العاملي، مفتاح الكرامة: 10/30، قسم المتن.
4 ـ العلاّمة الحلي، إرشاد الأذهان: 2/140.
5 ـ سلاّر الديلمي، المراسم:231.
6 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/157.


(331)

في حيفك ولاييأس عدوك من عدلك.(1)

يلاحظ عليه : أنّ في السند عمرو بن أبي المقدام، وهو لم يوثق وكون الراوي من أصحاب الإجماع كالحسن بن محبوب ليس دليلاً على كون المرويّ عنه ثقة كما أوضحنا حاله في كتابنا :«كليّات في علم الرجال»: أضف إلى ذلك أنّ «واس» الذي هو لغة في«اس» بمعنى التعاون من واسى الرجل بمعنى عاونه وهو غير المساواة، على أنّه غير مختصّ بمجلس المرافعة، والتعليل يناسب كونه مستحبّاً، لأنّ الواجب على القاضي، هو الحكم بالعدل، فلوقام بعمل طمع القريب في حيفه، ولكنّه لم يحف ، ليس عليه شيء. كلّ ذلك دليل على أنّ هذه الأُمور مستحبّة إلاّ ما دلّ الدليل على وجوبه كالإنصات والعدل في الحكم.

ومنه يظهر حال ما رواه السكوني.(2)

وقال المحقّق الأردبيلي:إنّ ظاهر الرواية (السكوني) الوجوب ولكن ـ للندرة وضعف السند والأصل وورود الأمر للندب كثيراًخصوصاً في مقام بيان الآداب الأعم ـ حملت على الندب (3) نعم لو انتهى ترك العمل بها إلى تحقير الآخر وإهانته يحرم .

و قد استثنى من ذلك أمران:

1ـ التسوية في الميل القلبي لأنّ ذلك غير مقدور.

2ـ تفضيل المسلم على الكافر فلا مانع من كون الكافر قائماًوالمسلم جالساً ليميّزا و لكنّه لايكون دليلاً على العدول عن الحقّ وقضيّة الإمام مع يهودي حضر لدى شريح معروفة.(4)


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1.
2 ـ نفس المصدر ، الباب 3 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2ـ3.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة: 12/54.
4 ـ الطوسي: المبسوط:8/149، وابن قدامة، المغني: 11/444.


(332)

الثانية : في تحريم تلقين أحد الخصمين على الآخر

قال الشيخ: إذا جلس الخصمان بين يديه لم يكن له أن يلقّن أحدهما ما فيه ضرر على خصمه ولا يهدي إليه ،مثل أن يقصد الإقرار فيلقّنه الإنكار، أو يقصد اليمين فيلقّنه ألاّ يحلف.(1)

قال المحقّق: « لايجوز للحاكم أن يلقّن أحد الخصمين ما فيه ضرر على خصمه ، ولا أن يهديه لوجوه الحجاج»(2) ،أي ليس له أن يعين المدّعي في ادّعائه ليكون ادّعاؤه مسموعاً، كما إذا ادّعى بطريق الاحتمال فيعلمه أن يدّعي بالجزم حتّى تكون دعواه مسموعة، ولا أن يعين المنكر في إنكاره. كما إذا قال له المدّعي، أقرضته كذا درهماً، فأراد المدّعى عليه أن يقول، بأنّه أدى دينه وبما أنّ هذا النمط من الجواب يجعله مدّعياً لايقبل منه إلاّ بالبيّنة، يُعلمه القاضي لينكر الدين من أساس . كلّ ذلك إدخال ضرر على الخصم وإرشاد لأحد المترافعين ليغلب على الآخر، فالجملتان (3) في عبارة المحقّق تشيران إلى معنى واحد ودليل التحريم كونه مخالفاً لشؤون القضاء وهو المحايدة وأين هي من تلقين الحجّة على أحد المتخاصمين ـ مضافاً إلى احتمال إيراد الضرر على خصمه، وأمّا ما ذكره المحقّق من أنّه يفتح باب المنازعة وقد نصب لسدّها فليس بكاف إذ لادليل على تحريمه مالم ينجر إلى إبطال الحقوق.

نعم لابأس بالاستفسار والتحقيق وإن استفاد منه الخصم، كما أنّه لا بأس بالتلقين، إذا علم أنّه الحقّ ولايلزم منه فتح باب المنازعة.

هذا كلّه في القاضي وأمّا الوكيل فهو على طرف النقيض من الحيادة، فله أن يعلمه ويلّقنه طريق الغلبة ، مالم يقف على فساد الدعوى وإلاّ فيحرم الدفاع عنه


1 ـ الطوسي، المبسوط: 8/150.
2 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/80.
3 ـ التلقين، والهداية و حاول في مفتاح الكرامة أن يفرّق بينهما بوجه غير مهمّ فلاحظ ج10/34.


(333)

الثالثة : في عدم مواجهة أحدهما بالخطاب

قال المحقّق: إذا سكت الخصمان استحب أن يقول لهما تكلّما أو ليتكلّم المدّعي، ولو أحسّ منهما أنّ سكوتهما بسبب احتشامه، أمر من يقول ذلك ويكره أن يواجه بالخطاب أحدهما لما يتضمّن من إيحاش الآخر.(1)

وذكر العلاّمة صدر الكلام وترك ذيله أي قوله: «ويكره أن يواجه أحدهما بالخطاب» ولو كانت التسوية واجبة لماجاز أن يخصّ أحدهما بالخطاب إلاّ أن يجعل ذلك قرينة ، على كون التسوية لدى المحقّق مستحبّة.

ويظهر من الشيخ أنّه على الحرمة قال: «ولايقول لواحد منهما تكلّم لأنّه إذا أفرده بالخطاب كسّر قلب الآخر».(2)

ولكن الكراهة أظهر وقد مرّ عدم الدليل الواضح على وجوب التسوية في غير الإنصات والعدل في الحكم.

الرابعة: في الدعوة إلى الصلح

قال المحقّق: إذا ترافع الخصمان وكان الحكم واضحاً لزمه القضاء ويستحبّ ترغيبهما في الصلح فإن أبيا إلاّ المناجزة، حكم بينهما.(3)

وقال العلاّمة: وإذا اتّضح الحكم وجب، ويستحبّ الترغيب في الصلح وإن أشكل أخّر إلى أن يتّضح.(4)

إذا ظهر للحاكم ـ بعد تحرير الدعوى والمنازعةـالحكم الحقّ، يحب عليه الحكم به ـ إذا طلب المحكوم له ـ لا مطلقاًكما سيوافيك وكونه فورياً لأجل أنّه


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/80.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/150.
3 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/81.
4 ـ العلاّمة الحلي، إرشاد الأذهان: 2/141.


(334)

حقّ مطالب ولامسوّغ للتأخير، كما أنّه إذا لم يظهر الحكم الحقّ، فعليه أن يتأمّل ويجتهد ويطالع ويباحث العلماء حتّى يظهر الحكم .إنّما الكلام استحباب الدعوة إلى الصلح بعد ظهور الحكم وطلب المحكوم على وجه لاينافي الفورية العرفية وما في المسالك من أنّ الترغيب إلى الصلح ، ينافي الفورية وإلاّ لم يصحّ الاشتغال عنه بالترغيب في الصلح، ليس بتام لعدم منافاته مع الفورية العرفية .

ويمكن استظهار الاستحباب مما نذكر.

1ـ عمومات الدعوة إلى الصلح ، منها: ما رواه اسحاق بن عماّر عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ في قول الله عزّ وجلّ: «وَلا تَجْعَلُوا اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ»(1) قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل عليّ يمين أن لا أفعل.(2)

ومعنى الآية لاتجعلوا اليمين بالله مانعاً عن البرّ والتقوى والصلح لئلاّ تبرّوا و تتّقوا، نظير قوله سبحانه «يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا...» (النساء/176) أي لئلاّ تضلّوا، والآية نزلت في عبد اللّه بن رواحة حلف أن لايدخل ... ولايكلّمه ولايصلح بينه وبين امرأته فكان يقول إنّي حلفت بهذا فلايحلّ لي أن أفعل فنزلت الآية.(3)

2ـ لولا الترغيب إلى الصلح ربّما يتوجّه إلى المنكر الحلف وهو مكروه وإن كان صادقاً.(4)

الخامسة: فيما إذا ازدحمت جماعة من المدّعين

إذا ورد الخصوم إلى المحكمة متعاقبين وعُرف المتقدِّم والمتأخر بُدِئ بالأوّل


1 ـ البقرة/224.
2 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 1 من أبواب الصلح ، الحديث 5 ولاحظ روايات الباب .
3 ـ الطبرسي:1/322، ط صيدا.
4 ـ الوسائل: الجزء 16، الباب 1 من أبواب كتاب الأيمان ، لاحظ أحاديثه.


(335)

فالأوّل.

فإن وردوا جميعاً ، أو لم يُعْرَف الترتيب فقد ذكر المحقّق لحلّ مشكلة الترتيب وجهين:

1ـ يُقْرع بينهم.

2ـ تكتب أسماء المدّعين ولايحتاج إلى ذكر الخصوم، وقيل يذكرهم أيضاً لتنحصر الحكومة ويجعلها تحت ساتر ثمّ يُخْرج رُقعة رقعة ويستدعي صاحبها.

ما هو الفرق بين الطريقين وهل الطريق الثاني أيضاً نوع إقراع، والظاهر أنّه كانت للقرعة في الأعصار السابقة صورة خاصّة من وضع الرقاع في بنادق(1)من طين وسترها ونحو ذلك بخلاف الصورة الثانية فإنّها ليست إلاّكتابة أسماء المدّعين في رقاع وصبُّها تحت يدي القاضي مستورة ليأخذها واحدة واحدة ويسمع دعوى من خرج اسمه في كلّ مرتبة وهذا في الحقيقة ضرب من القرعة لا على الوجه المشهور.(2).

وكان تعبّدهم بالصورة الأُولى على حدّ نقل المحقق أنّه إنّما يعمل بالصورة الثانية إذا تعسّرت القرعة بالصورة الأُولى ونسبه في المسالك إلى المشهور.

أمّا لزوم تقديم السابق وروداً فلأجل أنّه يوجد السبق حقّاً للسابق في نظر العرف والعقلاء بحيث يرون التخلّف عنه ظلماً وتعدّياً وهذا كاف في لزوم العمل به وإذا كان عندهم كذلك فليس للقاضي التجاوز عنه فيعمّه قوله سبحانه:«فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقّ» (ص/26) فيشمل أيضاً ما يعدّ حقّاً في نظر عامّة الناس بفطرتهم.

وأمّا إذا لم يعلم السبق فبما أنّ المقام مظنّة التنازع فالإقراع، الطريق الوحيد لرفعه نعم المتقدّم بالسبق أو القرعة إنّما يقدّم في دعوى واحدة فإن كان له دعوى


1 ـ البندق كلّ ما يرمى به من رصاص كرويّ وسواه.
2 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/405.


(336)

غيرها، يحضر في مجلس آخر، ويكفي في لزوم عدم الاشتغال به. إنّ العدول عنه يعدّ تعدّياً إلاّ إذا لم يتوقف على صرف وقت كثير يعدّ تضييعاً لحقّ الآخرين.

هذا ما يرجع إلى السابق أمّا في محاكم اليوم، فيراعى الترتيب حسب تسلسل ورود الشكوى لدائرة استلام المرافعات.

ومع ذلك فربّما يرى القاضي أنّ التأخير في القضاء، يوجّه ضرراً كثيراً بالنسبة إلى أحد المترافعين أو أنّ المتّهم سوف يترك ولاية القضاء فلاتصل اليد إليه، فعند ذلك يقدّم ما هو الأصلح للقضاء. أو أنّ الاشتغال بالمرافعة المتأخّرة، يكون مؤثّراً في حلّ المرافعة الأُولى أو انّ التحقيق بعدُ لم يتمّ من حيث تكميل ملفّ المرافعة ففي جميع ذلك يكون للقاضي، العدول عن السابق إلى اللاحق.

السادسة : في قطع كلام المدّعي بطرح دعوى جديدة

إذا كان المتقدّم من المدّعيين أحقّ في طرح الدعوى وسماع القاضي منه من غيره، يترتب عليه أنّه لو قطع المدّعى عليه، دعوى المدّعي بدعوى، لم تسمع حتى يجيب عن الدعوى وتنتهى الحكومة فإنّه حينئذ مدّع متأخّر عن الأوّل فلاتسمع دعواه مالم يفرغ القاضي عن الحكومة في الاولى إلاّ إذاكانت بين الدعويين صلة، ربّما تلقى الثانية ضوءاً في حال الدعوى الأُولى فلا مانع عندئذ من استماعها.

نعم بعد الفراغ، يستأنف هو دعواه الثانية إن لم يكن هناك مدّع متقدّم.

السابعة: فيما إذا سبق أحد الخصمين بالكلام

لاشكّ أنّ المدّعي هو الأحقّ بالابتداء بالكلام لأنّه المشتكي هو وإذا ترَكَ تُرِكَ ، لكن إذا تنازع الخصمان وزعم أنّ كلّ واحد منهم هو المدّعي نظر، فإن سبق أحدهما بالدعوى، لم يلتفت إلى قول الآخر الذي يقول :أنا المدعي بل عليه أن


(337)

يجيب ثمّ إن شاء طرح الدعوى.

لكن إذا لم يبتدئ واحد منهما بالدعوى فلابدّ في ترجيح أحدهما على الآخر، من مرجّح، فقيل: يقدّم من كان جالساً على يمين خصمه ويكون بالطبع أمام يسار القاضي . قال الشيخ : إذا حضر اثنان عند الحاكم معاً في حالة واحدة كلّ واحد منهما يدّعي على صاحبه، من غير أن يسبق أحدهما بها. روى أصحابنا أنّه يقدّم من هو على يمين صاحبه واختلف الناس في ذلك على ما حكاه ابن المنذر، فقال: منهم من قال: يُقْرع بينهما وهو الذي اختاره أصحاب الشافعي وقالوا: لا نصّ فيها عن الشافعي ، ومنهم من قال:يُقدِّم الحاكم منهما من شاء، ومنهم من قال: يصرفهما حتى يصطلحا، ومنهم من قال :يستحلف كل واحد منهما لصاحبه. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم ولو قلنا بالقرعة كما ذهب إليه أصحاب الشافعي كان قوياً لأنّه مذهبنا في كلّ أمر مجهول.(1)

فظهر أنّ هنا قولين:

1ـ يقدِّم قول الجالس عن يمين الخصم.

2ـ يقرع، ودليل القول الثاني واضح أشار إليه الشيخ في كلامه إنّما الكلام في دليل القول الأوّل.

فقد استدل للأوّل بمارواه الصدوق بسنده عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال: قضى رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم أن يقدّم صاحب اليمين في المجلس بالكلام.(2)

و رواه ابن الجنيد عن كتاب الحسن بن محبوب عن محمد بن مسلم (3) وسند الصدوق إلى محمّد بن مسلم غير نقي، وسند ابن الجنيد إلى الحسن بن محبوب غير


1 ـ الطوسي، الخلاف: 3/319، كتاب القضاء، المسألة 32، ولاحظ المبسوط: 8/154.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 5 من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.
3 ـ المرتضى، الانتصار: 244.


(338)

معلوم لنا وهل المراد يمين الخصم، أو يمين القاضي وليس صريحاً في يمين صاحبه كما عبّر به الشيخ في الكتابين.نعم على ما قرر السيّد المحقّق البروجردي من أنّ الصدوق نقل الأحاديث عن الكتب الثابتة إسنادها إلى مؤلفيها (كما صرّح به الصدوق في أوّل الفقيه). وأنّ ذكر الاسناد إلى مؤلفي هذه الكتب تبرّعي لاإلزامي، يرتفع الإشكال في السند.

روى الصدوق بسند صحيح عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ قال: «إذا تقدّمتَ مع خصم إلى وال أو إلى قاض فكن على يمينه يعني يمين الخصم» والظاهر أنّ التفسير من الصدوق وعلى فرض صحّته لايدلّ على أنّه كان مدّعياً وأنّ له حقّ السبق بالكلام .ولو قيل بالقرعة أو فوّض الأمر إلى اختيار القاضي لكان أحسن أيضاً.

إذا كثر المدّعون، ووردوا مجتمعين، فقد تقدّم أنّ القاضي يقرع بأحد النحوين، فيقدّم في الاستماع من خرج اسمه لكن لو افترضنا أنّ بين المدّعين مسافراً أو مرأة ربّما يكون تأخير سماع دعواهما، سبباً لوقوعهما في الضرر والحرج الشديدين فيقدّما على غيرهما وربّما يقال بعدم اقتضاء ذلك سقوط حقّ الآخر، ويمكن أن يقال: إنّما يرجع إلى القرعة إذا لم يكن هناك مرجّح شرعي والمفروض تضرّرهما دون الآخرين، وعلى ذلك لايختصّ الحكم بالمسافر ولا بالمرأة بل يعمّ كل مورد يصاحب الضرر، لو أخّر، وهل يمكن إسراء الحكم إلى ما كان المتضرّر متأخّراً قطعاً، أو لا؟ وجهان:

كراهة الشفاعة للقاضي

ذكر المحقّق أنّه يكره للحاكم أن يشفع في موردين:

1ـ إسقاط حقّ بعد ثبوته

2ـ إبطال دعوى قبل ثبوتها


(339)

لقول النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم لأُسامة: يا اسامة لاتسألني حاجة إذا جلست مجلس القضاء فإنّ الحقوق ليس فيها شفاعة.(1)والحديث أجنبيّ عن المقام لكون البحث في شفاعة القاضي، لا شفاعة الغير عند القاضي.

وقد سبق في الوظيفة الرابعة: أنّه إذا ترافع الخصمان وكان الحكم واضحاً يستحبّ ترغيبهما في الصلح، وعند ذلك يقع الكلام في كيفية الجمع بينهما ويمكن الجمع بوجهين:

1ـ إنّ الترغيب إلى الصلح قبل الحكم بالحقّ وإن كان واضحاً عند القاضي بخلاف المقام فإنّ الشفاعة بعده.(2)

2ـ إنّ الترغيب إلى الصلح راجع إلى حقوق الناس بخلاف المقام فإنّه راجع إلى حدودالله.

على أنّ القاضي إذا أعياه الأمر ولميجد طريقاً صحيحاً للقضاء يأمر بالصلح أيضاً.

المقصد الثاني:

في مسائل متعلّقة بالدعوى
وهي خمس:

الأُولى:لا تسمع الدعوى إذا كانت مجهولة

يشترط أن يكون المدّعى به معلوماً بالجنس والنوع والوصف والقدر كما عن الشيخ وأبي الصلاح وابني حمزة وزهرة وإدريس والفاضل في التحرير، والتذكرة


1 ـ النوري، المستدرك:الجزء17، الباب 11من أبواب آداب القاضي، الحديث 2.
2 ـ لاحظ الوسائل: الجزء 18، الباب 20 من أبواب مقدّمات الحدود.


(340)

والدروس فلاتسمع إذا كان مجهولاً كما إذا ادّعى فرساً أو دابّة أو ثوباً أو شيئاً.(1)

1ـ قال الشيخ إنّ ما يدّعيه لم يخل من أحد أمرين إمّا أن يكون أثماناً أو غيرها فإن كان أثماناً فلابدّ من ثلاثة أشياء يكون بها معلومة وهو أن يذكر القدر والجنس والنوع ، فالقدر ألف، والجنس دراهم ، والنوع راضية أو عزيّة.

وأمّا إذا كانت من غير الأثمان فقسّمها إلى القائمة والتالفة، والقائمة إلى ما يمكن ضبطها بالصفات كالحبوب والثياب فيذكر صفاتها وإلى ما لايمكن فليذكر القيمة، ثمّ قسم التالف إلى مثلي يذكر صفاته وقيمي يذكر قيمته.(2)

2ـ وقال عماد الدين الطوسي:ولايجوز سماع الدعوى غير محرّرة إلاّ في الوصيّة وإنّما تتحرّر الدعوى في الدين بثلاثة: قدر المال والجنس والنوع وربّما احتاج إلى وصف رابع إذا اختلف النوع مثل من ادّعى مائة درهم فلاني وكان بين الصحيح والعلّة تفاوت.(3)

3ـ وقال ابن إدريس: فإن كان أثماناً فلابدّ من ذكر ثلاثة أشياء تكون معلومة وهو أن يذكر القدر والجنس والنوع وأمّا إن كانت غير الأثمان فقد ذكر نفس ما ذكره الشيخ في المبسوط.(4)

4ـ وقال المحقّق: لاتسمع الدعوى إذا كانت مجهولة مثل أن يدّعي فرساً أو ثوباً ويقبل الإقرار بالمجهول ويلزم تفسيره وفي الأوّل (عدم قبول الدعوى المجهولة) إشكال.(5)

ولعلّ المحقّق أوّل من خالف الرأي السائد قبله إذ أيّ فرق بين الدعوى


1 ـ النراقي، المستند: 2/513ـ514 ; والسيّد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/38.
2 ـ الطوسي، المبسوط: 8/156ـ157 بتلخيص.
3 ـ عماد الدين، الوسيلة: كتاب القضاء216.
4 ـ ابن إدريس، السرائر: 2/178.
5 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/82.


(341)

والإقرار، فإنّ الأوّل لايقبل، والثاني يقبل لكن يلزم بتفسيره وربّما قيل إنّ الفرق وهو أنّ إقرار المقرّ يسمع إذ لو ردّ ربّما يرجع عن إقراره فلأجل ذلك يقبل، حتى يفسره بخلاف ادّعاء المدّعي فبما أنّه لصالحه، فلو لم يقبل يرجع ويدّعي شيئاً معلوماً، إذ له داع لأخذ حقّه من غيره.

يلاحظ عليه: أنّ المهم ، شمول الأدلّة للمجهولة منهما أوّلاً، ولا اعتبار بهذه الاستحسانات ثانياً.

والأولى أن يقال: يجب أن تكون الدعوى ذات أثر شرعي فلو ادّعى على رجل شيئاً لا أثر شرعي لها كما إذا قال لي عنده شيء، وهو مردّد بين ما له القيمة وما ليس له قيمة، فلاتشمله الأدلّة وأمّا إذا كان مع كونه مجهولاً، ذا أثر شرعي فيقبل وإن كان مجهولاً من جهة ومعلوماً من جهة أُخرى كما إذا ادّعى أنّ له على زيد ثوباً أو دابّة فيقبل الادّعاء فإن قامت البيّنة على تعيين المدّعى به من حيث الخصوصيات التي تختلف بها القيم، وإلاّ فيُلزم بالأقلّ قيمة من محتملات الثياب أو الدواب لاالخارج عنهما وتحتمل القرعة فإذا ادّعى أنّ له عليه ثوباً لكن نسي خصوصياته، وكان المدّعى به محتملاً بين ثياب أو دوابّ مختلفة محدودة فإن كان موجوداً يقرع بين الثياب أو الدواب، فإن تلف فإن اتّفقا في القيمة وإلاّ، فيدفع الأقل.

الثانية: إيراد الدعوى بصيغة الجزم

من شروط صحّة طرح الدعوى إيرادها بصيغة الجزم وعليه لفيف من الفقهاء فلايصحّ أن يقول: أظنّ أو أتوهّم كذا سواء أكان في قلبه جازماً أو لا:

1ـ قال المحقّق:ولابدّ من إيراد الدعوى بصيغة الجزم فلو قال: أظنّ أو أتوهّم لم تُسمع وكان بعض ما عاصرناه يسمعها في التهمة ويحلف المنكر. وهو بعيد عن شبه الدعوى.(1)


1 ـ نجم الدين الحلّي: الشرائع: 4/82.


(342)

2ـ وقال العلاّمة :لايجوز أن يعتمد على خطّه إذا لم يتذكّر.

وقد تتبّع المحقّق النراقي الأقوال في المسألة وتبعه السيّد الطباطبائي وهي لاتتجاوز عن ستّة.

1ـ لاتسمع الدعوى الظنيّة والوهمية.

2ـ تسمع مطلقاً لو كانت احتمالية.

3ـ تسمع في صورة التهمة.

4ـ تسمع في صورة الظنّ.

5ـ تسمع فيما يخفى ويعسر الاطّلاع عليه كالقتل والسرقة ونحوهما دون ما لايخفى.

6ـ تسمع عند احتمال الإقرار أو وجود البيّنة أو ادّعاء المدّعي أحدهما فإن تحقّق وإلاّ سقطت، كما تسقط مع عدم احتمال شيء منهما من الأوّل.(1)

إنّ الظاهر من كلماتهم أنّ وجه الاشتراط أحد أمرين: إمّا لعدم صدق الدعوى إذا لم يكن جزم في عرضها، أو لعدم ترتّب أثرها عليه من حلف المدّعي إذا ردّ المنكر عليه، أو القضاء بالنكول، فلايصحّ للمدّعي الحلف لعدم علمه بصحّة الدعوى كما أنّه لو قضى القاضي بالنكول لما صحّ له التصرّف في المدّعى به للوجه المذكور، فلأجل ذينك الوجهين التزموا باشتراط الجزم في صيغة الدعوى مطلقاً أو في بعض الموارد كما عرفت في الأقوال.

غير أنّ هذه الوجوه غير صالحة للاستدلال.

أمّا الأوّل فيمنع عدم صدق الدعوى مع الظنّ والتهمة ولايمكن إنكاره بل تطلق عليه الدعوى في مقام التهمة وغيرها ولأجل ذلك يجوز تحليف الأمين مع


1 ـ النراقي، المستند: 2/514، والسيد الطباطبائي ، ملحقات العروة:2/42 والقول الأخير لوالد النراقي ، أعني: الشيخ مهدي النراقي في المعتمد فإذا كان للولد« المستند»فللوالد«المعتمد».


(343)

التهمة كما في غير واحد من الروايات.

روى بكر بن حبيب: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : اعطيت جبّة إلى القصار فذهبت بزعمه قال:إن اتّهمته فاستحلفه، وإن لم تتّهمه فليس عليه شيء.(1)

كلّ ذلك يدلّ على أنّه لايشترط في طرح الدعوى الجزم بالصيغة بل يكفي كون الدعوى مقبولة عند العقلاء.

نعم فرق بين المقام ومورد الرواية فإنّ الحالف فيها، هو المدّعي ، أعني: القصّار و الحائك اللذين يدّعيان أنّ الثوب قد سُرِقَ، بخلاف المقام فإنّ الحالف ـ لو قلنا بسماع الدعوى ـ هو المنكر ، دون المدّعي ولكن وجه الاستدلال غير مبني على التماثل بين البابين من جميع الجهات بل من جهة أنّه يجوز طرح الدعوى مع عدم الجزم بهما .

وأمّا الثاني والثالث: أي قبول اليمين المردودة من المنكر، أو القضاء بالنكول فلانلتزم بكونها من آثار الدعوى على وجه الإطلاق لأنّه إنّما يحلف باليمين المردودة أو يُقضى بالنكول إذا لم يكن هناك مانع وهو في المقام موجود لأنّ المفروض عدم جزم المدّعي بالمدّعيبه فكيف يحلف ، أو يتصرّف فيما قُضي له بالنكول.

هذا هو إجمال الكلام في المسألة وتحقيق الحقّ يقتضي التفصيل وهو.

لاشكّ أنّه إذا علم بالحقّ، صحّ له طرح الدعوى على وجه الجزم كما أنّه إذا علم بعدمه يحرم عليه طرح الدعوى مطلقاً إنّما الكلام فيما إذا لم يكن له علم جازم أي العلم حسب اصطلاح المنطقيين فهنا صورتان:

الأُولى: إذاكانت معه حجّة شرعية كما إذا قامت البيّنة على كونه مديوناً أو دلّ الاستصحاب على كونه كذلك، أو أقرّ خارج مجلس الحكم ، أو وجد بخطّه أو


1 ـ الوسائل: الجزء 13، الباب 29، من أبواب أحكام الإجارة، الحديث 16، ويلاحظ الحديث 17و12.


(344)

خطّ المدّعى عليه أنّه مديون وأمن من التزوير فإنّه حجّة عقلائية بلا كلام.

الثانية: إذا لم تكن له حجّة شرعية أو بيّنة عقلائية بل لم يكن له إلاّ مجرّد احتمال يحتمل معه انتهاء الأمر إلى إقرار المدّعى عليه بالدين ونحوه والكلام في كلّ منهما يقع في موردين:

تارة في جواز طرح الدعوى من جانب المدّعي وعدمه وأُخرى، في جواز سماع الدعوى للقاضي وعدمه، وبعبارة أُخرى يقع الكلام تارة في الحكم التكليفي للمدّعي، وأُخرى في الحكم الوضعي للقاضي من حيث وجوب السماع واعمال قواعد القضاء فلنبحث عن الصورتين واحدة بعد الاخرى.

الأُولى :إذا كانت للمدّعي حجّة شرعية

أمّا جواز طرح الدعوى فلا شكّ في أنّه إذا كان للمدّعي حجّة شرعية، أنّ له حق المطالبة وطرح الدعوى باحدى الصور التالية :

1ـ أن يطرح الدعوى بصورة الاخبار ويقول:لي على فلان دينار، من دون أن يذكر مصدرها.

2ـ تلك الصورة ، لكن يضمّ إليها ذكر المصدر، ويقول: لي على فلان دينار، لقيام البيّنة.

3ـ أن يطرح الدعوى بصورة الإنشاء، ويقول خطاباً للقاضي : أُطْلب من فلان ديناراً. وإن لم يكن له علم وجداني، إذ يكفي في عدم صدق الكذب استناده إلى الحجّة الشرعية خلافاً للمحقّق الرشتي حيث زعم أنّه كذب مسوَّغ لأجل استنقاذ الحقّ الذي قامت عليه أمارة شرعية.

يلاحظ عليه: أنّ إظهار الدعوى بالجزم مع عدمه في القلب إنّما يعدّ كذباً وتدليساً إذا لم يستند إلى دليل شرعي، وأمّا معه فلايوصف به، وقد أشار إليه


(345)

صاحب الجواهر في ثنايا كلامه (1) وأمّا الكذب المضموني فهو يتحقّق مع الجزم أيضاً، كما هو واضح.

وأمّا سماع الدعوى فيجب على القاضي سماعها، لوجود المقتضي وهو الدعوى الصحيحة وفقدان المانع ، حتّى ولو علم القاضي أنّه استند إلى البيّنة أو القواعد الشرعية وذلك لشمول الإطلاقات للمقام ولولاه لزم إبطال كثير من الحقوق ويترتب عليه كلّما يترتّب على الدعاوي الصحيحة من لزوم اقامة البيّنة على المدعي والحلف على المنكر، فلو ردّ الحلف جاز له اليمين حسب ما قامت عليه البيّنة أو الأصل الشرعي ولو قضى القاضي بالنكول جاز له التصرّف في العين لنفس الدليل، ومعه لاحاجة إلى الاستدلال بما ورد في جواز إحلاف الأُمناء إذا ادّعوا التلف أو إحلاف القصار والحائك في صورة التهمة(2) وقد أشار صاحب الجواهر إلى هذه الصورة وقال:«إنّ المدّعي لايشترط جزمه في نفس الأمر لأنّه إذا كانت للمدّعي بينّة تشهد له بحقّ وهو لايعلم به فله أن يدّعي به عند الحاكم لتشهد له البيّنة، وكذا لو أقرّ له مقرّ بحقّ وهو لايعلم فله أن يدّعيه عليه وإن لم يعلم سببه في نفس الأمر ما هو».(3)

الصورة الثانية: إذا كانت فاقدة للحجّة الشرعيّة

لاشكّ في أنّه لايجوز طرح الدعوى بصيغة الجزم لكونه كذباً مخالفاًلما يعتقد إذ ليس في نفسه جازماً نعم يجوز له، إظهارها على النحو المنزّه عن كذب ونفاق فقال: أظنّ أو احتمل أنّ لي عندك درهماً فالكلام في وجوب السماع وترتيب الأثر وإعمال قواعد القضاء في حقّه وعدمه، وربّما يرجّح عدمه لأنّ الدعوى يلزمها أن


1 ـ الجواهر: 40/154، السطر 9.
2 ـ الوسائل: الجزء13، الباب29 من أبواب الإجارة، الحديث 16ـ17.
3 ـ الجواهر:40/154ـ153.


(346)

يتعقّبها يمين المدّعي إذا ردّت إليه أو القضاء بالنكول وكلاهما غير ممكنين مع عدم العلم بأصل الحقّ، ولكنّك قد عرفت أنّ الأمرين المذكورين ليسا من أثر مطلق الدعوى، وإنّما يقوم به المدّعي أو القاضي إذا كان العمل بهما ممكناً، لا ما إذا لم يكن كذلك، والظاهر الاكتفاء بكون الدعوى أمراً مقبولاً عند العقلاء وهو كذلك إذا كان مظنوناً أو متّهماً أو ما إذا اكتنفت الدعوى بأُمور تسوِّغ إقامة الدعوى عند العقلاء فيكفي ترتّب الأثر عليها من احتمال إقرار المدّعى عليه على الحقّ ، أو يمينه المسقط لحقّ الدعوى أو نحوهما وأقصى ما يلزم أنّه إذا توقّف عن اليمين، تكون الدعوى متوقّفة و كم لها من نظير في باب القضاء. ويؤيّد ما ذكرنا أمران:

1ـ ما قدّمناه من الروايات الواردة في القصار والحائك فإنّ الأثر المترتّب عليها، هو جواز إحلاف القصّار هناك وفي المقام.

2ـ إنّه لو بنى على سماع خصوص الدعوى القطعية لصار كثير من الحقوق خصوصاً فيما تردّد المدّعى عليه من بدء الأمر بين شخصين، ولكن مهما طال التحقيق والاستنطاق، يتجلّى الواقع، ويُميّز السارق عن الأمين.

ويمكن أن يقال إنّه يجوز له الجزم في طرح الدعوى إذا كان المحتمل أمراً مهمّاً يحتمل معه إقرار المدّعى عليه به كالقتل والمال الطائل، بحيث لو طرحها بصورة الظن أو الوهم ، يبعد اعترافه به.

ثمّ إنّ القوم قد عدّوا من الصورة الثانية ما لو وجد الوارث في ديوان أبيه بخطّه ديوناً لأبيه، أو وجد الإمام في ديوان من لاوارث له ديوناً له، بخطّه، وقد سبق أنّه حجّة إذا كان مأموناًمن التزوير فيلحق بالصورة الأُولى، وإلاّ فهو من الصورة الثانية.


(347)

المسألة الثالثة: في طلب الجواب من المدّعى عليه

إذا تمّت الدعوى من المدّعي هل يُطالِبُ الحاكمُ، المدّعى عليه بالجواب أو يتوقّف ذلك على التماس المدّعي؟ وجهان:

قال الشيخ : كلّ موضع تحرّرت الدعوى، هل للحاكم مطالبة المدّعى عليه بالجواب من غير مسألة المدّعي أم لا؟ قال قوم : لايطالبه بالجواب من غير مسألة المدّعي، لأنّ الجواب حقّ المدّعي فليس للحاكم المطالبة به من غير مسألته كنفس الحقّ وهو الصحيح عندنا وقال قوم: له مطالبته به من غير مسألة المدّعي لأنّ شاهد الحال يدلّ عليه لأنّ الإنسان لايُحضِر خصمه إلى الحاكم ليدّعي عليه، وينصرف من غير جواب وهو قويّ أيضاً.(1)

ولايخفى أنّ الاستناد إلى شهادة الحال، يُرجع القول الثاني إلى الأوّل ومعناه، عدم جواز المطالبة إلاّ بطلبه صريحاً أو بشهادة الحال.

وقوّاه المحقّق وقال: إنّه يتوقّف لأنّه حقّ له فيقف على المطالبة.(2)

ولكن الحقّ خلافه، ـ مضافاً إلى كونه خلاف سيرة العقلاء في المحاكم ـ .

أنّ شاغل منصّة القضاء إنّما نُصب عليه لقطع المخاصمات، وحلّ المشكلات، فما لم يكن هناك موضوع مطروح فلا تكليف له، وأمّا بعده ، فهو مأمور بالقضاء بالقواعد، فلا شأن له إلاّ هذا فهو يتّبع القواعد إلى نهاية الأمر، إلاّ أن يدلّ دليل خاص على لزوم التوقّف واستفسار الأمر عن أحد المترافعين ، وبما أنّه لا دليل على لزوم سؤال المدّعي، في مورد مطالبة الجواب عن الخصم، لكونه على خلاف المفهوم من الأمر بالقضاء فينهي المخاصمة بالقضاء.

و هناك احتمال ثالث و هو أنّ الجواب حقّ الخصم، ليدفع عن نفسه ما


1 ـ الطوسي، المبسوط:8/157.
2 ـ نجم الدين الحلي: الشرائع: 4/82.


(348)

وجّهه إليه المدّعي، و هو يؤيّد عدم الحاجة إلى إجازة المدّعي.

المسألة الرابعة : في الشكوى على القاضي

قد سبق أنّه يشترط في صحّة الترافع أن لايكون القاضي من أطراف المرافعة، فلايصحّ إذا كان أحد المترافعين قاضياً فيها بل يجب أن يكون كأحد الرعايا وترفع الشكوى إلى قاض آخر والمسألة عندئذ لاتخلو من الصور الآتية:

1ـ إذا كان هناك إمام له رئاسة كلّية على الأنظمة، ومنها نظام القضاء، رفعها إليه.

2ـ إذا لم يكن رفع الشكوى إلى الإمام ميسوراً وكان المدّعي في غير ولاية الخصم (القاضي) رفعه إلى قاضي ولايته ،ويجب على القاضي الحضور، شأن غيره ممّن تكون بينه وبينه خصومة، وذلك، لأنّ تعيين القاضي حقّ طبيعي للمدّعي، فتجب على الخصم الإجابة إذا دعى إلى المحكمة.

3ـ إذا كان المدّعي في بلد الخصم الذي هو قاضي ذلك البلد، فلايصحّ رفع الشكوى إليه، لما عرفت من بطلان كون القاضي أحد المترافعين ، لكن إذا كان له خليفة في ذلك البلد رفعه إليه كما حضر علي ـ عليه السلام ـ مع أحد الرعايا عند خليفته أعني : شريحاً، وبما أنّ النائب يكون خارجاً عن طرف الدعوى، يكون حكمه نافذاً في حقّهما ، وافتراض الخليفة عادلاً، يصدّه عن الجنوح إلى جانب المنوب عنه، إلاّجنوحاً عن لا شعور، وهو ليس بمحرّم.

وهناك احتمال آخر وهوأن يرفع الشكوى إلى قاضي بلد آخر كالصورة الثانية إذ لا دليل على لزوم الرجوع إلى قاضي البلد الذي هو و خصمه، فيه خصوصاً بعد ما عرفت من أنّ تعيين القاضي حقّ طبيعي للمدّعي، فلا وجه لعدم حضوره في المحكمة وإن كانت في غير بلده إلاّ إذا كان ضررياً أو حرجياً، فما لم يمنعه مانع عن رفع الشكوى إلى أيّ محكمة من المحاكم القريبة أو النائية، فله رفع الشكوى


(349)

إليها، إلاّ إذا كان هناك تحديد من الحاكم الأعلى للمرافعات خلافاً للشهيد الثاني، حيث منع العدول عن الترافع لدى الخليفة وقال:«ولاتجب إجابة المدّعي إلى الذهاب معه إلى غيره مع وجوده لأنّ العدالة تمنع من التهمة»(1) وهو كما ترى.

4ـ ولو لم يكن له خليفة رفعه إلى حاكم آخر في غير ولايته.

هذا هو مقتضى الأنظمة السالفة وأمّا اليوم فللاعتراض على أحكام القضاة محكمة خاصّة، هم المعنيّون لرفع التظلم عن الرعايا، نعم تختصّ تلك المحكمة بالنظر إلى الشكاوى المتوجّهة إلى أحكامهم ، لا إلى أعمالهم الخارجة عن حيطة قضاءهم فهم في ذلك مغ غيرهم سواء.

المسألة الخامسة: في جلسة المتخاصمين

يستحبّ للمتخاصمين أن يجلسا بين يدي الحاكم لأنّه الموافق للأدب، وليتمكّن القاضي من التساوي بينهما في النظر، وقد جلس علي ـ عليه السلام ـ مع خصمه عند شريح(2) ولو قاما لكان أيضاً جائزاً، كلّ ذلك لباس للقضاء، وليس لبّاً له والحاكم يتحرّى في كلّ زمان ، الصورة المناسبة له.

المقصد الثالث:

في جواب المدّعى عليه

ذكروا أنّ جواب المدّعى عليه لايخلو عن ثلاثة :إمّا الإقرار أو الإنكار أو السكوت ولكلّ حكمه ولكن جعل الأخير من أقسام الجواب لايخلو عن تأمّل فإنّه يرجع إلى عدم الجواب، ولعلّ عدّه منه لأجل اشتراكه في الإنكار في الأثر إذا أصرّ


1 ـ زين الدين العاملي، المسالك: 2/407.
2 ـ الوسائل: الجزء18، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث6.


(350)

عليه فيكون كالناكل في ردّ اليمين على المدّعي أو القضاء بالنكول لو قلنا به، وقد نسب إلى المحقّق الأردبيلي قسم رابع وهو الجواب بـ «لاأدري» وهو جواب حقيقة، وأكثر ما يجاب به في كلام الوارث فيما إذا اُدّعيَ على موّرثه من الديون فيجيب بـ «لاأدرى» وعدّه قسماً من الإنكار كما ارتكبه المحقّق الرشتي بحجّة اشتراكهما في نفي العلم ، لا في نفي الواقع ، ضعيف لأنّ الإنكار، ادّعاء علم بالعدم ، بخلاف «لاأدري» فهو ادّعاء عدم العلم، وشتّان بينهما فجعله أمراً مستقلاً أولى من إدخاله تحت الإنكار، ولأجل ذلك لايترتّب عليه حكمه من الاستحلاف على نفي الواقع .

وإليك البحث عنها واحداً بعد الآخر فهنا فصول ثلاثة:

الفصل الأوّل
في إقرار المدّعى عليه

اقرار المدّعى عليه بما ادّعاه المدّعي موضوع للمسائل التالية:

1ـ يُلزم المدّعى عليه بما أقرّ به و هل اللزوم يتوقّف على حكم الحاكم أولا؟

2ـ هل يتوقّف حكم الحاكم على مسألة المدّعي و موافقته لصدور الحكم أو لا؟

3ـ لو التمس المقرّ له، أن يكتب له إقرار المدّعى عليه، هل تجب الكتابة أولا؟

4ـ ما هو صورة الحكم، إذا حاول أن يكتب؟

5ـ إذا امتنع المقرّ عن الأداء مع كونه واجداً.

6ـ إذا ادّعى الإعسار واستبان فقره فهل يُنظر أو يسلّم إلى الغرماء؟


(351)

7ـ إذا جهل حاله، فهل يحبس لتُبيَّن حاله أو لا؟

فهذه فروع سبعة مطروحة حول الجواب بالإقرار فنبحث عن كلّ بعد الآخر.

الأوّل: إلزام المقرّ و التوقّف على حكم الحاكم؟

إذا أقرّ يلزمه ما أقر به إذا كان جامعاً للشرائط، أي جامعاً لشرائط الإقرار والتصرّف وإقراره حجّة على نفسه لما روى عن النبيّ صلَّى الله عليه و آله و سلَّم انّه قال::«إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(1)و هل الإلزام مقيّد بحكم الحاكم كما هو الحال في البيّنة إذا قامت لصالح المدّعي أو لا ؟ذهب العلاّمة إلى عدم التوقّف قال في الإرشاد :«فإن اعترف الزم بأن يقول الحاكم حكمت أو قضيت أو اخرج من حقّه ـ مع التماس المدّعي ـ وإلاّ ثبت الحقّ»(2)وفسّره الأردبيلي بقوله:«وإن لم يلزمه الحاكم ويحكم عليه، ثبت».

وتبعه الشهيد الثاني في المسالك فحكم بالثبوت وإن لم يرافقه الحكم، خلافاً للأردبيلي حيث قيّد الثبوت بحكم الحاكم وقد استدل الشهيد وغيره على الفرق بين الإقرار والبيّنة في أنّ الثبوت فيها منوط بحكم الحاكم دون الإقرار بوجوه:

1ـ إنّ البيّنة منوطة باجتهاد الحاكم في قبولها وردّها وهو غير معلوم بخلاف الإقرار.(3)

يلاحظ عليه: أنّه لم يعلم الفرق بينهما من هذه الجهة فإنّ الثبوت في الإقرار أيضاً منوط باجتهاد الحاكم في قبوله وردّه لأنّه ربّما لايكون جامعاً للشرائط إقراراً


1 ـ الوسائل: الجزء13، الباب2 من كتاب الإقرار ، الحديث 2.
2 ـ العلاّمة الحلي: إرشاد الأذهان:2/144.
3 ـ الأردبيلي، مجمع الفائدة:12/129. والظاهر زيادة بل.


(352)

وتصرّفاً كما إذا كان محجوراً أو سفيهاً، وربّما يكون غير صريح فيما يدّعيه المدّعي فنفوذه يتوقّف على حكم الحاكم.

2ـ إنّ قبول البيّنة وردّها يرجع إلى الاجتهاد بخلاف الإقرار.(1)

يلاحظ عليه: أنّه ليس شيئاً جديداً بل هو نفس الفرق السابق أضف إليه ـ أنّ الإقرار مثل البيّنة ربّما لايتوقّف قبولها على حكم الحاكم إذا علم قبولها عند الحاكم وإن لم يُنشأ الحكم لمقتض