welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام القضاء والشهادة في الشريعة الاسلامية الغراء / ج 1

نظام القضاء والشهادة
في الشريعة الاسلامية الغراء

تأليف
العلامة الفقيه

الشيخ جعفر السبحاني

الجزء الأوّل

نشر
مؤسسة الإمام الصادق (ع) إيران _ قم


(2)


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

القضاء و دوره في استتباب الأمن
و استقرار العدل

تقوم الحكومة الإسلامية على دعائم ثلاث، يلعب كلّ منها دوراً هاماً في تشييد معالمها وهي عبارة عن:

1. السلطة التشريعيّة.

2. السلطة التنفيذيّة.

3. السلطة القضائيّة.

فللسلطة التشريعية مراحل نشير إليها على وجه الإيجاز:

أ. مرحلة التشريع: أي سنّ القوانين و جعلها: و هو مختص بالله سبحانه، و ليس لأحد حقّ التقنين و التشريع، و هذا ما يعبر عنه بالتوحيد في التقنين.

ب. مرحلة الاستنباط: أي استنباط ما شرّعه الله سبحانه في الكتاب والسنّة و غيرهما من مصادر التشريع، و يقوم بتلك المهمة الفقهاء العظام.

ج. مرحلة التخطيط: و هي وظيفة المجلس النيابي الذي يضم نواب الأُمّة من ذوي الاختصاص، و تطرح فيه البرامج المختلفة في مجالات شتى على ضوء القوانين


(4)

الإسلامية.

هذا كلّه حول السلطة التشريعية.

وأمّا السلطة التنفيذية فهي التي تأخذ على عاتقها إدارة البلاد بصورة مباشرة دون أن يكون هناك التزام بأُسلوب وصورة خاصة لإدارتها غير كونه موافقاً للشرع، و لأجل ذلك تتبع كلّ ما تجده صالحاً حسب مقتضيات الزمان. فإنّ المطلوب من صاحب الشريعة هوالتركيز على لزوم السلطة و مواصفات القائمين عليها، وأمّا أساليب التنفيذ فإنّما تتبع متطلبات الزمان شريطة أن لا تكون مخالفة لما سنّه الإسلام.

وأمّا السلطة القضائية التي هي موضوع بحثنا في هذا التقديم، فتمثل مكان الصدارة في استتباب الأمن والنظام، واستقرار العدل، و صيانة الحقوق و الحرّيات من التعسّف والتعدي، و بذلك يسود التوازن والقسط والعدل ربوع ذلك المجتمع.

و يكفي في الإشارة إلى منزلة القضاء الرفيعة انّه من شؤون الأنبياء، كما نلاحظه في قوله سبحانه:«يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْض فَاحْكُمْ بَيْنَ الناسِ بالحَقِّ وَلاتتّبِعِ الهَوى فَيُضلَّكَ عَنْ سَبيلِ الله»(ص/26).

و كان الأنبياء يصدرون في فصل الخصومات عن الكتب السماوية دون أن يتعدوها قيد شعرة، قال سبحانه:«إِنّا أنْزَلْنا التَوراةَ فِيها هدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِها النَبِيُّونَ الّذينَ أَسْلَمُوا لِلّذينَ هادُوا» (المائدة/44).

و يخاطب الله سبحانه نبيّه الخاتم بقوله:«وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَل اللّهُ إِليك» (المائدة/49).

هذه هي مكانة القضاء و هؤلاء هم القضاة (الأنبياء) وهذه برامجهم، فليس للقاضي القضاء طبقاً للقوانين الوضعية التي لا تمتُّ إلى أحكام السماء بصلة، ولا القضاء بالهوى، و قد نوّه سبحانه إلى ذينك الأمرين بقوله:«فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحقّ»(المائدة/48).


(5)

وحدة السلطة التنفيذية و القضائية و فصلهما

إنّ الرائج في العصور المتأخرة فصل السلطتين القضائية و التنفيذية لمصالح تقتضيه، و لكلّ سلطة حدودها ومجال نفوذها، لئلاّ تتداخل إحداهما في شؤون الأُخرى.

ولانرى في الإسلام أصلاً لهذا الفصل، لا بمعنى انّ الإسلام ينهى عنه و يمنع منه، بل ترك فصل السلطتين أو وحدتهما إلى مقتضيات الزمان، فالنبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم أوّل من مارس القضاء في الشريعة الإسلامية كما مارس في الوقت نفسه السلطة التنفيذية، فكان بشخصه يُمثِّل السلطتين، و قد بلغ عناية القرآن بلزوم التسليم أمام قضائه حدّاً ، عدّ التسليم لقضائه من مقدمات الإيمان، قال سبحانه:«فَلا وَ ربِّكَ لا يؤمِنُونَ حتّى يُحكِّمُوكَ فِيما شَجَرَبَيْنَهمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» (النساء/65)، فكان حاكماًو قاضياً و في الوقت نفسه كان ينصب القضاة، فقد بعث صلَّى الله عليه و آله و سلَّم عليّاً إلى اليمن للقضاء و دعا في حقّه قائلاً: «اللّهمّ اهد قلبه و ثبّت لسانه»(1). كما بعث معاذاً إلى اليمن لهذه المهمة أيضاً، و سار على هذا النهج، الخلفاء الذين أخذوا بزمام الأُمور بعد رحيل النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم فكانوا ولاة و قضاة في آن واحد.

ولما غادر الإمام ـ عليه السلام ـ البصرة إلى الكوفة و جعلها دار الخلافة، فقد مارس القضاء و هو وال إضافة إلى أنّه ـ عليه السلام ـ نصب شريحاً لمهمة القضاء و شرط عليه أن لا ينفذ ما قضاه حتى يعرضه عليه.(2)

فالفصل بين السلطتين أو وحدتهما أمر متروك إلى المصالح.

وهنا نكتة جديرة بالبحث و هي انّ الحافز من وراء فصل السلطتين في الأوساط الغربية هو عدم اشتراطهم شيئاً من المواصفات في السلطة التنفيذية سوى الدهاء و


1 ـ الجزري: جامع الأُصول: 1 / 549 أخرجه أبو داود والترمذي .
2 ـ الوسائل: 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1 .


(6)

العقل والكفاءة الذاتية من دون اشتراط عنصر الإيمان و العدالة و الزهد على خلاف ما اشترط الإسلام، وقال سبحانه:«اَلّذينَ إِنْ مَكّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاة وَآتوا الزَّكاة وَأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَ نَهَوا عَنِ المُنْكَرِوَ للّهِ عاقِبَةُ الأُمور»(الحج/41).

فلو مارس الحاكم بهذه المواصفات مهمّة القضاء لا يهمه سوى اجراء العدالة دون أن يستغل مقامه السامي في إحقاق الباطل و إبطال الحق. بخلاف الحاكم في الأنظمة الغربية فلا يبعد أن يستغل مقامه في صالح المبطل و ضدّ المحق .

إنّ على عاتق الجمهورية الإسلامية رفع المستوى الفقهي للقضاة، فلا تنصب لتولي مديرية هذه المهمّة إلاّ من له أهليّة الاستنباط في باب القضاء والشهادات و الحدود و الديات التي يجمعها لفظ عنوان الأحكام والسياسات.

كما أنّ على عاتق مديرية الحوزة العلمية أن تجعل القضاء إحدى مواد مناهجها الدراسية يتخصص بها، لفيف من الفضلاء و هذه أمنيّة كسائر الأماني التي لم أزل أنادي بها منذ زمن بعيد.

و في الختام أتقدّم بالشكر الجزيل إلى ولدي الروحي الفاضل حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ «محمد الهادي به» حيث حضر هذه البحوث بوعي و دقة كما حضر سائرها وأشرف على هذا الكتاب الماثل بين يدي القارئ إشرافاً علمياً منذ تدوينه إلى إخراجه بهذه الحلة ا لرائعة، فشكر الله مساعيه و جعله من العلماء العاملين و نفع الله به الإسلام و المسلمين، آمين ربّ العالمين.

قم. مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ
للأبحاث و الدراسات الإسلامية
جعفر السبحاني
في 15 من شهر ربيع الأوّل من شهور عام 1418 هـ


(7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أمر عباده بالقضاءبالعدل و الحقِّ، و نهاهم عن الحكم بالجور و العسف. والصلاة و السلام على رسوله الذي بعثَه بالحُجج و البيّنات، و رافقه بالصحف و الكتاب، و على وصيّه الحاكمِ بالقسط، و أقضى الأمّة، و عترته الطاهرين، أئمّة العدل و خلفاء الله على الأرض، صلاة لانهاية لها.

أمّا بعد: فقد طلب منّي لفيف من الفضلاء الأكارم، و جمع من العلماء الأماثل، إلقاءَ محاضرات حول القضاء في الإسلام، الذي اشتدّت الحاجة إليه بعد قيام الثورة الإسلاميّة في ايران و زادت الرغبة إلى فهم أصوله ودقائقه بين طلاّب الفقه و بغاة الفضيلة فنزلت عند رغبتهم، سائلاً من اللّهسبحانه العصمة من الخطاء في القول، و الزلل في العمل، إنّه خير معين و مجيب.

فنقول: مقاصد القضاءأربعة :

الأوّل : القاضي و صفاته.

الثّاني :في آداب القاضي.

الثالث: في كيفيّة الحكم.

الرابع : في أحكام الدعاوي.

و قبل الخوض في المقصود نقدّم اُموراً:


(8)

الأمرالأوّل :

في أن القضاء أحد الدعائم الثلاث لسعادة المجتمع

من سَبر الكتب الفقهيّة و أمعن النظر في المصادر الإسلاميّة، يقف على أنّ الشريعة الإسلاميّة إعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة، لكل شأنه و موقفُه و لايستغني عنها اهل الدّين في زمان من الأزمنة، وأنّ رحى الحياة في جميع الأدوار تدور عليها، و هي:

1ـ السائس و الحاكم

هذا هو الركن الأوّل لإدارة المجتمع، والمقصود منه وجود قوّة تنفيذيّة، تنفّذ و تطبّق ماجاء به صاحب الشريعة في مجالات مختلفة، و في ظلّ هذه القوّة المتمثّلة في الحاكم الإسلامي، يسود الأمنُ على البلاد، و يُجْبى الصدقاتُ و الزكاةُ، و تُجرى الحدودُ و الأحكام على العصاة و الطغاة، و تُحفظُ ثغور البلاد من دخول الأعداء و تسلّل الكفّار إلى أراضيها و أجوائها ليفسدوا الأمر عليهم. إلى غير ذلك من وظائفَ لِسائس القوم و حاكمهم و منظِّم أمورهم في مجال ترويج الاقتصاد و التّجارة، و بسط العدل و القسط، وصيانة الأمّة من الظلم و التعدّي و ما شابهها، و تختلف وظائف السائس قلّة و كثرة حسب إختلاف الحضارات و البيئات الّتي تحيط به.

قال سبحانه «الّذينَ إنْ مكّنّاهم فِى الأرضِ أقاموا الصَّلوةَ وَ آتَوُا الزكوةَ و أمرُوا بِالمعْروفِ و نَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ»(الحج/41)

و قال الإمام علي بن موسى الرضا ـ عليه السلام ـ : «إنّا لانجد فرقة من الفرق ولاملّة من الملل، بقوا وعاشوا إلاّ بقيّم ورئيس لما لابدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أنْ يتركَ الخلقَ ممّا يعلم أنّه لابدّ لهم منه ولاقوامَ لهم إلاّ به،


(9)

فيقاتلون به عدوّهم، ويقسمون فيئهم ويقيمون به جمعتهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم فيه مظلومهم».(1) وعُبّر عن السائس في الروايات، بالحاكم والسلطان والإمام إلى غير ذلك.

2ـ القاضي والفاصل للخصومات

وهذا هو الركن الثاني لإدارة المجتمع الإسلامي بل مطلق المجتمع البشري لأنّ الحياة الفردية، لاتثير أي اختلاف ونزاع بخلاف الحياة الجماعيّة فإنّ الاختلاف فيها وافر نابع من جهات عديدة فتثير التزاحم والتصادم في الحقوق والأموال، إمّا طمعاً في حقوق الآخرين وأموالهم أو جهلاً بالحكم والوظيفة واعتقاداً بملكيّة ماليس يملكه أو بحقّ ليس يستحقّه، فلامناص من وجود قوة قضائية وسلطة نافذة فاصلة للخصومات، محلّة للعُقَد، ببنان العدل والانصاف وفي ضوء القانون النازل من الله سبحانه وإلى ذلك تشير الآيات الواردة في سورة المائدة من الآية الثانية والأربعين إلى الآية الخمسين .

3ـ المفتي والمجتهد

إنّ الإسلام ليس مجرّد أوراد وطقوس جافّة لاتتجاوز عدّة آداب ومراسيم، يُلْقيها القُسُّ (2) في الكنائس بل هو ذو تشريع مسهب فيه حياة الفرد والمجتمع في عاجلهما وآجلهما، يغنيهم عن الاستعانة بأيّة قوّة تشريعية أجنبية، غربية وشرقية في مجال العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والسياسات، والقضاء والشهادات.

إنّ التشريع الإسلامي بما يتمتّع من السعة والاسهاب، يعدُّ من معاجز النبي الأكرم، وآيةُ صلته بقدرة غير متناهية، استطاع على إغناء المجتمع ـ عن أيّ نظام


1 ـ علل الشرايع : 253 . وللحديث ذيل فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.
2 ـ القس: كفلس، رئيس رؤساء النصارى في الدين والعلم، وكذلك القسيس.


(10)

تشريعي ـ في كلّ ما يمت إلى الحياة الفرديّة الاجتماعية والسياسية والخُلقية والبيئيّة بصلة.

إنّ هذه الأركان الثلاثة قد تجتمع في شخص واحد كما في الرسول الأكرم وأوصيائه وقد لاتجتمع كلها في شخص لضرورات اجتماعية توجب تقسيم الوظائف والمناصب، ومثل هذا لايعني فصل الدين عن السياسة.

ويكفي في أهميّة مقام القضاء أنّه سبحانه اختار أنبياءه للقيام به وقد خاطب نبيّه داود بقوله:«يا داود إنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الأرض فاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ» (ص/26).

وقال مخاطباً نبيه «وَإنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ إنّ الله يُحِبُّ المُقْسِطينَ»(المائدة/42) وقال سبحانه :«وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكْتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنزلَ اللّهُ ولاتَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ»(المائدة/48) وقال سبحانه :«وَأنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنزَل اللّهُ ولاتتَّبع أهواءَهُم واحْذَرْهُمْ أنْ يَفتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَل اللّهُ إلَيْكَ»(المائدة/49)

وليس المراد من الحكم في الآيات هو الحكم فيما يرجع إلى الأُصول والعقائد، بل المراد هو الحكم في مجال الفروع وذلك بوجهين:

1ـ قوله سبحانه: «وَكَيْفَ يُحَكِّمونَكَ وَعِنْدَهُمُ التوراةُ فيها حُكمُ اللّهِ ثمّ يتولّون َمِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أولئكَ بِالمؤمِنينَ»(المائدة/43) فإنّه بحكم قوله: «يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم اللّه» صريح في كون مجال الحكم هو الفروع.

2ـ ما روي في شأن نزول الآيات عن الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ وجماعة من المفسّرين: إنّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم وهما محصنان فكرهوا رجمهما فأرسلوا إلى يهود المدينة وكتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعاً


(11)

في أن يأتي لهم برخصة....(1)

والآيات وإن كان خطاباً للنبي الأكرم، لكنّه من قبيل: «إياك أعني واسمعي يا جارة» فهي تدلّ بوضوح على أنّ القاضي في مظنّة اتّباع الهوى، معرضاً عن الحقّ، وأنّ المترافعين ربّما يفتنونه عن القضاء بما أنزل الله وعليه فلايتصدّى لذلك المقام إلاّ من امتحن الله قلبه، للتقوى، وامتلأ جوانحه بالخوف والخشية.

ويكفي من السنّة، ما روي أنّ لسان القاضي بين جمرتين من نار(2) حتّى يقضي بين الناس فإمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار.(3)

وروى المفيد مرسلاً عن النبي صلَّى الله عليه و آله و سلَّم :فإنّ من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين.(4)

إلى غير ذلك من الآيات والروايات النّاصة على خطورة الموقف وعظمة المسؤولية للقاضي.

الأمر الثاني : القضاء لغة واصطلاحاً

ذكر اللغويون للقضاء معاني مختلفة، ففي القاموس: القضاء: الحكم، والصنع والحتم، والبيان، وقضى:مات، وقضى عليه:قتله، وقضى وطرَه:أتمّه وأدامه، وقضى عليه عهداً:أوصاه وأنفذه، وقضى إليه:أنهاه، قضى غريمه دينَه: أدّاه.

ولكن الظاهر أنّ الجميع من طوارئ المعنى الواحد، الذي نصّ عليه ابن


1 ـ الطبرسي: مجمع البيان 2/193 ط صيدا.
2 ـ الجمرة: النار المتقدة.
3 ـ الوسائل : الجزء 18، الباب 2 من أبواب آداب القاضي، الحديث 3.
4 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 8.


(12)

فارس في مقاييسه الذي ألّفه لبيان أُصول معاني الألفاظ وجذورها وقال:له أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه قال سبحانه: «فقضاهنّ سَبْعَ سَماوات في يَومَين»(1) أي :احكم خلقهنّ، والقضاء: الحكم، قال سبحانه :«فَاقْضِ ما أنْتَ قاض»(2) أي: اصنع واحكم، وسمي القاضي قاضياً لأنّه يحكم الأحكام وينفذها، وسميّت المنّية قضاء، لأنّه أمر ينفذ في بنى آدم وغيره في الخلق.(3)

فكل فعل يصدر عن فاعله بإحكام وإتقان، وتنفيذ، فهو قضاء والموارد المذكورة في عبارة القاموس من مصاديق هذا المعنى الواحد.وإن شئت قلت:المادّة وضعت للفعل، الصادر عن الفاعل بإتقان واستحكام وأمّا خصوصيّة الفعل من الصنع، والحكم والموت، والأداء، وقضاء الحاجة فإنّما تعلم من القرائن والمتعلّقات فإذا تعلّق بالسماوات، يكون قرينة على أنّ الصادر بإتقان، هو الخلق، وإذا تعلق بالدّين، يكون دليلاً على أنّ الصادر، الأداء، وإذا تعلّق بحكم تشريعي، يكون المراد هو الحكم مثل قوله:«وَقَضى رَبُّكَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاه» (الاسراء/117)

تعاريف أربعة للقضاء

هذا كلّه حول معنى القضاء لغة وأمّا اصطلاحاً فقد عرّف بوجوه:

1ـ عرّفه الشهيد بقوله:«ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامّة من قبل الإمام ».(4)

2ـ عرّفه الشهيد الثاني بقوله:«ولاية الحكم شرعاً لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعيّة على أشخاص معيّنة من البرية بإثبات الحقوق


1 ـ فصلت : 12.
2 ـ طه: 72.
3 ـ ابن فارس: المقاييس، مادة «قضاء».
4 ـ الشهيد: الدروس: 168.


(13)

واستيفائها للمستحق».(1)

والأوّل أعمّ من الثاني، لعدم شمول الأخير، لمثل إثبات الهلال، لأنّه ليس من قبيل إثبات الحقوق واستيفاؤها للمستحق.

ويرد على التعريفين أمران :

أ ـ إنّ الولاية ليست نفس القضاء وإنّما هي المصحّحة له، لأنّ نفوذ الفصل بين المتخاصمين يتوقّف على كون القاضي ذاولاية تجعل حكمه نافذاً في حقّ المولّى عليه، أشبه بنفوذ تصرّف الأب والجدّ في حقّ الصغير ، فتكون الولاية من مؤهلات القضاء ومصححاته، لانفسه.

وما ربّما يقال إنّ الغرض من ذكر الولاية بيان أنّ القضاء الصحيح من المراتب والمناصب كالإمارة وهو غصن من شجرة الرئاسة العامّة للبني(2) غير تام لأنّه صحيح ثبوتاً و لايكون مصحِّحاً لأخذها في التعريف المبين لماهيّة القضاء.

ب ـ إنّ التعريفين لايشملان قضاء النبي والإمام، لتقييد الولاية في الأوّل بكونها من قبل الإمام، و بمن له أهليّة الفتوى في الثاني، و النبيّ ليس بمفت وكذا الإمام،وكون الولاية شاملة لما يكون من قبل الله، وإن كان يدخل فيها قضاء الإمام فيهما، لكن تقييدها بكونها من قبل الإمام في التعريف الأوّل وبمن له أهليّة الفتوى في التعريف الثاني، يخرج قضاء النبي والإمام عن التعريف .

إلاّ أن يقال: المقصود هو تعريف القضاء الرائج وهو قضاء غيرالنبي والإمام .

3ـ القضاء: فصل الأمر قولاً أو فعلاً. (3)


1 ـ المسالك: 2/388، الطبعة الحجرية عام 1268.
2 ـ النجفي، الجواهر: 40/9.
3 ـ كشف اللثام، و فيه: فصل الأمر مكان الخصومة.


(14)

يلاحظ عليه ـ مع عدم شموله لمثل الحكم في مورد الهلال والنسب والنكاح إذا لم يكن مورداً للخصومة بل كان الأمر مبهماً تمام الإبهام للطرفين ـ: أنّ فصل الخصومة ليس نفس القضاء بل من آثاره أولاً و أنّ للقاضي شؤوناً وراء الفصل. كإجراء الحدود والتعزيرات، وإصدار القرار الذي هو حكم مؤقّت حتى يستمرّ التحقيق ويتميّز المحقّ عن المبطل ويصدر الحكم النهائي ثانياً، الاّ أن يقال إنّ إجراء الحدود بعد ثبوته وظيفة شرعيّة و ليس من شؤون القضاء.

4ـ القضاء: هو الحكم بين الناس. (1)

وهو أحسن التعاريف ويكمل بإضافة ما يعدّ من شؤون القاضي سواء كان غاية للحكم، كإثبات حقّ أو نفيه أو إجراء الحدود والتعزيرات، أو لغرض مصالح المسلمين كالحكم بالهلال والنسب، أو مقدّمة له كالحكم على تعقيب المجرم، وجلبه إلى المحاكم، وتوقيف الأموال، أو الحكم بجمع القرائن والشواهد.

ثمّ إنّ الفرق بين الفتوى وحكم القاضي واضح و هو أنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلي وليس لها أثر إلاّ تنجّز الواقع، وأمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئي مطابق للحكم الكلي الصادر من الله.

و إن شئت قلت: إنّه حكم جزئي في مورد شخصيّ و يفترق عن حكم الحاكم باشتراط سبق النزاع في القضاء دون حكم الحاكم في الأمور العامّة.

والحكم الصادر من القاضي له أحكام مثل عدم جواز نقضه إلاّ في موارد جزئية، ويجب على الآخرين تنفيذ حكمه وإن خالف اجتهاده مالم يخالف دليلاً قطعياً، وعدم ضمانه إذا لم يكن مقصّراً، وكون الضرر على بيت المال، وله ولاية على كل مولّى عليه إذا لميكنله وليّ إلى غير ذلك من الشؤون.

***


1 ـ الروضة 3/161.


(15)

الأمر الثالث: القضاء منصب يتقوّم بالولاية

القاضي في كلمات فقهائنا على أقسام ثلاثة:

1ـ القاضي المنصوب من قبل النبي والإمام في زمان الحضور.

2ـ قاضي التحكيم وهو ما يتراضى المترافعان على قضائه وحكمه إذا كان عارفاً بالأحكام.

3ـ القاضي المأذون بالإذن العام في زمان الغيبة كما هو الحال بالنسبة إلى الفقهاء في زمان الحضور و الغيبة حيث أمر المعصوم بالرجوع إليهم، صيانة لهم عن الرجوع إلى حكّام الجور وفقهائهم حسب ما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة.(1)

لاشكّ أنّ القضاء في القسم الأوّل منصب إلهي، لايتمتّع به الإنسان إلاّ في ظلّ التنصيب والتعيين وهو يلازم الولاية فيما عُيِّنَ له ويكون القضاء عندئذ غصناً من دوحة الرئاسة العامّة الثابتة للنبي والأئمّة كما أنّه في القسم الثاني ليس منصباً وليس للمتصدّي ولاية لما يلي، لكن لمّا رضي المترافعان بقضائه وتعهّدا على تطبيق العمل على حكمه، صار قضاؤه نافذاً.

إنّما الكلام في القسم الثالث أي القاضي المأذون فهل القضاء فيه منصب وولاية على الموّلى عليهم، أو هو أشبه بقاضي التحكيم؟ المشهور، هو الأوّل وصار البعض إلى القول الثاني.

استدل للثاني بأنّ لسان أدلّة القاضي المأذون، أشبه بلسان قاضي التحكيم حيث ورد في المقبولة قوله: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فارضوا به حكماً» (2) فأمرهم بالتراضي بحكم


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.


(16)

ذلك القاضي كما هو شأن قاضي التحكيم، ومثله خبر أبي خديجة حيث قال: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» (1) فإنّ قوله:«فاجعلوه بينكم» أي اختاروه لأن يحكم بينكم ولايخرج هذا عن شأن قاضي التحكيم وعلى ضوء ذلك فماهية القضاء لاتلازم كونه منصباً وأن يكون فيه ولاية بشهادة صدقه على القسم الثاني ولانصب فيه ولاولاية و القاضي المأذون أشبه به، نعم يصدق قولهم في القاضي المنصوب بأنّ فيه ولاية، ولكن ذلك ليس باعتبار القضاء بل باعتبار النصب، وهو لايختصّ بالقاضي، بل كل من له صلة بالدولة ويكون منصوباً مِنْ قِبَلِها و يكون له ولاية على العمل الذي عيِّن لأجله.

يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّه إذا كان القاضي المأذون في زمان الغيبة أشبه بقاضي التحكيم، بشهادة وحدة اللسان، فلماذا عقّبه الإمام بقوله:«قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه».فإنّ الجعل فيه بمعنى النصب، فيكون أشبه بالقاضي المنصوب، غاية الأمر، أنّ الثاني منصوب بشخصه وعينه وهذا منصوب بوصفه ورسمه .

وثانياً: أنّ الاستدلال على أنّ ماهية القضاء لاتلازم كونه منصباً وأن تكون فيه ولاية، بقاضي التحكيم، فإنّه فاقد للمنصب والولاية مع كونه قاضياً، غير تام.

لأنّ القضاء الحقيقي، هو القضاء المؤيد بالقوّة والقدرة مادّية كانت أم معنوية كما هو الحال في قضاء النبي والإمام والفقهاء عند عدم بسط اليد، وأمّا الفاقد لها كقاضي التحكيم، فإنّه أشبه بحلّ العقدة بالرجوع إلى القرعة، أو المصالحة، أو قانون العدل والانصاف أو ما أشبه ذلك كما كان الحال عند اختلاف


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5.


(17)

قريش في من يتولّى وضع الحجر الأسود في مكانه، عندما عمدوا إلى بناء الكعبة من جديد، فرضوا أن يكون أوّل من يدخل من باب المسجد قاضياً بينهم، فكان أوّل من دخل من قريش محمّد الأمينصلَّى الله عليه و آله و سلَّم فلمّا رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، فقال صلَّى الله عليه و آله و سلَّم: «هلمّوا إليّ ثوباً» فأخذ الحجر ووضعه فيه ثم قال:لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعاً...(1) وعلى هذا الاحتمال ليس قاضي التحكيم من مصاديق القضاء، وإنّما هو محاولة من المترافعين لحلّ الخلاف .

وإن أبيت إلاّ عن كونه من مصاديقه فنقول إنّ قاضي التحكيم يتمتّع بالنصب والولاية، أمّا الأوّل فمن جانب المترافعين، و أمّا الولاية فرضاهما على التصرّف في مورد القضاء تصرفاً محدوداً، وقد سلم القائل انّ النصب يلازم الولاية.

والحاصل: أنّ قاضي التحكيم لايخلو عن نصب مؤقّت من جانب المترافعين، و ولاية معطاة من ناحيتهما.

دليل القول المشهور

يمكن الاستدلال على مختار المشهور بوجهين :

الأوّل: إنّ القضاء يتوقّف على النصب وهو دليل الولاية

توضيحه: الأصل المسلّم عدم نفوذ حكم أحد، على أحد، إلاّ حكمه سبحانه فلو قلنا بنفوذ رأي قاض في مورد، فلابدّ أن يكون داخلاً في المستثنى بنحو من الأنحاء ويكون حكمه، حكمه ولايتحقق ذلك إلاّ بالنصب من جانبه سبحانه إمّا بالإسم والشخص كما في القاضي المنصوب، أو بالوصف والخصوصية كما في القاضي المأذون ولولا النصب بوجه من الوجوه، لايدخل تحت المستثنى.

ثمّ إنّ النصب لاينفكّ عن الولاية إلاّ إذا كان النصب صورياً كما هو الحال


1 ـ ابن هشام، السيرة النبوية: 2ـ1/192ـ 199.


(18)

في مورد شريح.(1) فإذا كان النصب جدّياً، لغاية نفوذ رأيه وقضائه فهذا عبارة أُخرى عن وجود الولاية له فيما يتولاّه، ولولاها، لما كان لنفوذ قضائه وجه.

والحاصل: أنّه لولا النصب، لمادخل في المستثنى، وهو آية الولاية وأنّه لولاها فيما يتولاّه لما كان لنفوذ رأيه وجه، إذ يكون مثل الأجنبي لاصلة له بمورد القضاء.

حتى لو قطعنا النظر عن كون القضاء قائماً بالنصب،قلنا بولايته مع قطع النظر عنه، وذلك بالإمعان في ماهية القضاء وآثاره، فإنّ القضاء لاينفكّ عن التصرّف في الأنفس والأعراض والأموال والحقوق، وكيف يصحّ التصرف فيها بلا ولاية له؟

الثاني: إنّ الإمعان في الآيات والروايات يعطي أنّ القضاء حسب الطبع الأوّلي أمر يتوقف على المنصب فمن الآيات قوله سبحانه: «يا داود إنّا جَعَلْناكَ خَليفَةً في الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ الناسِ بِالْحَقّ» (ص/26) حيث رتّب الحكم، على جعله خليفة فيها و هو المنصب ومن الروايات قول أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ لشريح: يا شريح قد جلست مجلساً لايجلسه إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقيّ»(2) أي مجلس القضاء مجلس من نصبه الله سبحانه للقضاء مثل النبي داود ـ عليه السلام ـ أو وصيه الذي هو أيضاً منصوب من جانبه سبحانه بالواسطة، وقول أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ لسليمان بن خالد: «اتقوا الحكومة فانّ الحكومة إنّما هي للإمام، العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبي(كنبيّ) أو وصيّ نبيّ»، والتقريب كما سبق.(3)

كلام المحقق الآشتياني

قال قدَّس سرَّه في وجه دلالة الآية على كون القضاء منصباً بأنّه سبحانه عزّوجلّ


1 ـ حيث اشترط الإمام عليه أن لاينفذ القضاء حتى يعرضه عليه(الوسائل: ج18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
2 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ3.
3 ـ الوسائل: الجزء 18 ، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 2ـ3.


(19)

فرّع جواز الحكومة على كونه خليفة أي منصوباً من الله، فينتفي بانتفائها. ثمّ أورد عليه بوجوه:

1ـ إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب الحكم لاجوازه، فلايدلّ على انتفاء الجواز لغير الخليفة.

2ـ إنّ المتفرّع على الخلافة وجوب الحكم بالحقّ أعني القيد فيكون المتفرع وجوب الحكومة باعتبار القيد فلا دلالة للآية على أصل وجوبها على الخليفة لكونها واردة في مقام بيان آخر.

3ـ نعم لو قلنا بأنّ الأصل في الحكم، الحرمة والآية وردت لرفع الحظر في حقّ الخليفة تدلّ على بقاء الحظر في حقّ غير الخليفة.

يلاحظ عل(1)يه: أنّ المتبادر من الاحتمالات هو المعنى الأوّل، وأمّا ما أورد عليه، من أنّ المعلَّق على الخلافة، القضاء الواجب، دون المستحب وغيره فغير ظاهر لأنّ أمر القضاء يدور بين الواجب والمحظور، وأمّا الأقسام الأُخر، فلاتتصور فيه، لكونه واجباً كفائياً حسب ما يأتي. ومعه كيف يمكن أن يكون حسب الطبع راجحاً أو مباحاً أو مرجوحاً؟ وأمّا كونه مستحباً حسب الطوارئ فهو خارج عن موضوع البحث، وعليه ينتج أنّ القضاء الجائز ـ مقابل المحظور ـ لاينفكّ عن كونه متفرّعاً على جعل الخلافة له.

وأمّاالاحتمال الثاني أعني كون المتفرع هوالقيد دون المقيّد مع القيد، فهو كما ترى فإنّ التفكيك لايصار إليه بلادليل.

وأمّاالثالث فهو فرع وجود فكرة الحظر في أذهان الصحابة حين نزول الآية، حتّى تكون رادعة لذلك الوهم أو الحظر المحقق. وإن كانت دلالتها على


1 ـ القضاء/3 ،ترى ذلك الإشكال بشقوقه الثلاثة في القضاء للمحقق الرشتي ص27 ، و لعلّ العلمين أخذاه عن استاذهما الشيخ الأنصاري ـرحمه الله ـ .


(20)

المطلوب تامّة على هذا الوجه، لكن المفروض غير واضح.

***

الأمر الرابع : القضاء في زمان الغيبة ربّمايتوقف على النصب

إذاكان القضاء من المناصب، ومتوقفاً على النصب المستلزم للولاية، فهل تكفي الإجازات العامّة الواردة في المقبولة وغيرها وعليه يكون كل فقيه جامع للشرائط، قاضياً منصوباً بالنصب العام، أو يتوقف على النصب إذا كان في قمّة الحكومة فقيه مؤثر في شؤون الحكومة وصلاح الأُمّة.

الظاهر هو الثاني، لأنّ القدر المتيقّن من الإجازات العامة هو الظروف التي يكون زمام السلطة بيد الطغاة والظالمين، فعندئذ يكون الملجأ للشيعة المؤمنين هو الفقيه الجامع للشرائط، وأمّا إذا تبدّلت الظروف وقامت الثورة الإسلامية وكان في قمّة الحكومة، فقيه ذو شؤون مشرف على الأمور، فاللازم هو عدم تصدّي الفقيه، القضاء إلاّبنصبه وإجازته وذلك لالقصور في المقتضي، بل لأجل إيصاد باب الفوضى في وجه المجتمع، لئلا يحصل الاصطكاك، ويدبَّ الفساد.

نعم لايتم الاستدلال على لزوم النصب في تلك الظروف «بقياس القضاء على سائر المناصب للولاة والعمّال فكما أنّ قيادة الجيش، والولاية للمدينة، والمديرية لدائرة خاصّة تتوقف على النصب ولاتكفي الإجازات العامّة فهكذا القضاء». وذلك، لعدم وجود الإجازات العامّة في منصب سوى القضاء، ففيه المقتضي تام غير أنّه مقرون بالمانع، بخلاف سائر المناصب، فالمقتضي فيه غير موجود حتى يبحث عن وجود المانع.

***


(21)

الأمرالخامس: في أنّ القضاء واجب كفائي

إنّ الحياة الاجتماعية للإنسان، لاتخلو عن تنازع في الأملاك والحقوق ، و الأعراض والنفوس، وهذا ما فرض على العقلاء إرساء عماد القضاء في البلاد، وقد صرّح لفيف من الفقهاء بكونه واجباً كفائياً.

1ـ قال المحقق : تولّي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه وربّما وجب ووجوبه على الكفاية.

2ـ قال العلاّمة في القواعد: وتجب (تولية القضاء) على الكفاية.(1)

3ـ وقال في التحرير:إنّ القضاء من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن أخلّوا به أجمع، استحقُّوا بأسرهم العقاب لما فيه من القيام بنظام العالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والانتصاف للمظلوم قال رسول اللّهصلَّى الله عليه و آله و سلَّم: إنّ الله لا يقدّس أُمّة ليس فيهم من يأخذ للضعيف حقه.(2)

4ـ وقال الأردبيلي في شرح قول العلامة في الإرشاد:« القضاء واجب على الكفاية»:دليل وجوب قبول الولاية من الإمام حال حضوره، إن لم يفهم وجوبه منه حينئذ بخصوصه، ووجوب الحكم وارتكابه حال الغيبة مع عدم المانع كفاية، كأنّه الإجماع والاعتبار من وجوب ردّ الظالم عن ظلمه، وانتصاف المظلوم منه، ودفع المفاسد وغلبة بعضهم على بعض وإيصال حقوق الناس إليهم، وإقرار الحقّ مقرّه، بل انتظام النوع والمعيشة ، وذلك دليل وجوبه للنبي والإمام (3).

5ـ وقال السيد علي في الرياض:«وهو من فروض الكفاية بلاخلاف أجد


1 ـ مفتاح الكرامة :10/5 ، قسم المتن.
2 ـ التحرير: 2/179.
3 ـ الأردبيلي: مجمع الفائدة: 12/19.


(22)

فيه بينهم لتوقّف نظام النوع الإنساني عليه، ولأنّ الظلم من شيم النفوس فلابدّ من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم ولما يترتّب عليه من النهي عن المنكر، والأمر بالمعروف.(1)

6ـ وقال في الجواهر :وربّما وجب تولّي القضاء مقدّمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللقيام منه بالقسط، ولكن يكون وجوبه حينئذ على الكفاية لعموم الخطابات المعلومة إرادة حصوله من مجموعهم لامن مباشر بعينه ولو جميعهم نعم قد يتعيّن فرد للانحصار أو لمصلحة اقتضت تعيين الإمام (2).

هذه هي الكلمات الواردة في المقام وقبل الخوض في تحليل أدلّتهم، نقول: سيوافيك معنى ما ذكره المحقق من استحباب القضاء لمن يثق من نفسه، فإنّ الاستحباب، حكم طارئ على القضاء لا صلة له، بحكمه الذاتي من الوجوب الكفائي.

وقد اشير في هذه الكلمات إلى وجوه من الأدلّة على كونه واجباً كفائياً:

1ـ الإجماع الذي جاء في كلام المحقق الأردبيلي، والإجماع مستند إلى الأدلّة الواردة في كلامهم ومثله لايعدّ حجّة.

2ـ الخطابات العامّة التي تمسّك بها صاحب الجواهر ولكن ليس من تلك الخطابات في الكتاب والسنّة أثر والوارد في القرآن، خطاب مشروط قال سبحانه:«وإذا حَكَمْتُم بينَ النّاسِ أن تحكُمُوا بِالعَدْل» (النساء/58) و مثله ما ورد في سورة المائدة من وصف من لم يحكم بما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق.(المائدة/44، 45، 47).

ولايستفاد من مثل هذه الآيات وجوب القضاء وإنّما تدلّ على أنّ الإنسان


1 ـ السيّد علي ،رياض المسائل2/330.
2 ـ النجفي ، الجواهر 40/38.


(23)

إذا مارس القضاء يجب عليه أن يحكم بالعدل، وأمّا أنّ الحكم واجب فلاتدلّ عليه.

3ـ إنّه من فروع القيام بالقسط الذي أمر به سبحانه، قال سبحانه:«يا أيُّها الّذينَ آمنُوا كُونُوا قوّامِينَ بالقِسْطِ شُهداءَ لله» (النساء/135) وقال سبحانه:«يا أيّها الّذينَ آمنُوا كُونوُا قوَاّمِينَ للّهِ شُهداءَ بِالقِسْط» (المائدة/8).

والاستدلال قابل للمناقشة، إذ فرق بين أن يقول: «أقيموا القسط » ويقول:«قوّامين بالقسط»، فالتعبير الأوّل يجرّ الإنسان إلى قبول القضاء لإقامة القسط، دون الثاني لكن الآيتين تدلان على لزوم كون الإنسان قائماً بالقسط لامقيماً القسطَ، وصيغة المبالغة تدل على كثرته ووفرته وعلى ذلك فيكون مرجعهما إلى العمل بالقسط في مجال الحياة الشخصية فلو كان عنده مال اليتيم مثلاً فلايمسّه إلاّ بالقسط قال سبحانه:«و أنْ تَقُومُوا لِليتامى بالقِسْط» (النساء/127) ولو تصدى للقضاء فلايحكم إلاّ بالقسط لقوله:«وإن حَكمتَ فاحكُمْ بَيْنَهُم بالقِسْطِ إنَّ اللّهَ يُحبُّ المُقسِطين»(المائدة/42) ولو تصدى للتوزين فيوزن به قال سبحانه:«وأقِيمُوا الوزْنَ بالقِسْطِ ولاتُخْسِرُوا المِيزان» (الرحمن/9).

والحاصل فرق بين إقامة القسط والقيام به، والآيات تدل على الثاني دون الأوّل، والمفيد في المقام هو الأوّل ولعلّ هذين القسمين من الآيات هو مراد صاحب الجواهر من قوله للعمومات وقد عرفت أنّها قابلة للمناقشة.

4ـ كون القضاء مقدّمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو مصداق له وهذا أيضاً استدل به صاحب الجواهر وهو قابل للمناقشة لأنّ القدر المتيقّن من وجوبه هو ما إذا كان هناك معروف مشهود، ومنكر معلوم، فيجب الأمر بالأوّل والزجر عن الثاني ، لاما إذا كان محتملهما كما في مورد القضاء لأنّ القاضي غير واقف على صحّة دعوى المدّعي، وعدمها فلم يتبين المعروف ولاالمنكر عنده.

وأمّا أنّه يجب عليه تبيين المعروف والمنكر بتصدّي القضاء فلا دلالة لأدلّتهما


(24)

عليه، ومن المعلوم أنّ الحكم لايثبت الموضوع.

5ـ توقف نظام النوع الإنساني عليه كما في عبارة الرياض والدليل لا يخلو من إبهام.

فإن أُريد بقاء الحياة الإنسانية في هذا الكوكب، فإنّه لايتوقّف على القضاء إذ ما زال البشر موجوداً في الغابات والمناطق البعيدة، ولم يكن عندهم قضاء فكان الحاكم مكان القضاء ومنطق العدل، منطق القوّة والزور.

وإن أُريد النظام الاجتماعي والحضارة الإنسانية فهو واجب على من بيده القوّة والقدرة، ويجب عليه، نصب القضاء لحفظ النظام فالوجوب يتوجّه إلى أصحاب القدرة ويجب على القاضي قبوله للملازمة بين وجوب النصب ووجوب القبول وإلاّ يكون وجوب النصب لغواً و أين هذا من كون القضاء واجباً كفائياً ابتداءً.

ولو قلنا بأنّ مرادهم من الوجوب الكفائي هو هذا النوع من الوجوب، يقيّد وجوبه بما إذا كان ترك القضاء ، مستلزماً للإخلال بالنظام لامطلقاً، مع أنّ المفروض في كلامهم كونه واجباً مطلقاً.

والحاصل: أنّ هذه الأدلّة غير وافية لإثبات المقصود، قابلة للمناقشة. وهناك وجوه أُخر ربّما تكون خالية عن المناقشة، نأتي بها بالعنوان الخاص.

6ـ القضاء مبدأ لتطبيق الأحكام

إنّ من رجع إلى الكتاب والسنّة يقف على أنّ الشارع الأقدس، لايرضى بتعطيل الأحكام بل الغاية من التشريع، هو تطبيق العمل عليها، من غير فرق بين الأحكام الفردية أو الاجتماعية، فالمطلوب من التشريع هو العمل وهو غاية الخلقة قال سبحانه:«الّذي خَلَقَ الموتَ والحياةَ لِيَبلُوَكُم أيُّكُم أحسنُ عَمَلاً»(الملك /2) فإذا كان تطبيق العمل على الأحكام الشرعية هو الغاية من التشريع ،


(25)

فكيف لايجب القضاء مع أنّ كثيراً من الأحكام يتجسّد في ظل القضاء؟ وإليك بيانه:

إذا كان الإمام المعصوم حاضراً وباسط اليد، فيجب عليه نصب القاضي لتلك الغاية ويجب على المنصوب قبوله إطاعة لأمر الإمام المعصوم. إنّما الكلام إذا كان غائباً، فيجب على القاضي أيضاً التصدي. وذلك بالبيان التالي:

1ـ إنّ السبب الوثيق لإجراء الأحكام ولو في مجالات مخصوصة، هو القضاء والشارع لايرضى بتركها في زمان الغيبة والحضور، فإذا علمنا ذلك، وكان تصدي القضاء من أسباب إجرائها، يجب التصدي وإلاّ يلزم حذف الأحكام الإسلاميّة من الساحة وهو مما لايرضى به الشارع.

فإن قلت: إنّ من المحتمل أن يكون الأحكام الجزائية مشروطة بحضور الإمام المعصوم، ولولاه ، لما جاز العمل بها، فما روي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ أنّه قال :«حدّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين ليلة وأيّامها».(1) وإن كان يعرب عن لزوم اجراء الحدود لكنّها مخصوصة بزمان الحضور لأنّ اجرائها من شؤون الإمام المعصوم، فعلى هذا لايجب التصدي للقضاء لتلك الغاية.

قلت: مضافاً إلى عدم صحّة ذلك كما أوضحنا حاله في الحدود، إنّ هذا الاحتمال لو صحّ فإنّما يصح في الأحكام الجزائية دون سائر الأحكام مما يتعلّق بالحقوق والأموال.

7ـ القضاء سبب لحفظ الحقوق

إنّ الشارع حرّم المراجعة إلى محاكم الجور، و أرجع الشيعة إلى الفقهاء فإذا جاز لهم الرجوع إلى الفقيه لأجل القضاء وجب عليه التصدي، وإلاّ لزم تفويت الحقوق على المؤمن وهو قبيح، إذ كيف يصحّ للشارع أن يترك القضاء في هذه


1 ـ الوسائل: الجزء 18، الباب 1 من أبواب مقدّمات الحدود، الحديث 2.


(26)

الظروف، مع إمكان إحياء الحقوق و لو بالرجوع إلى الفقيه، وهو القائل لن تقدّس أُمّة لايؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي(1).

8ـ إقامة العدل من وظائف الفقيه المقتدر.

إذا كان الفقيه في البلد ذا قوة وقدرة تجب عليه إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، عن غير طريق البيان واللسان، فإنّ الإرشاد بهما، وظيفة من لايملك العدة والعدد، كما في رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله ـ عليه السلام ـ يقول: وسئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمة جميعاً؟فقال:«لافقيل له:ولم ؟قال:« إنّما هو على القويّ المطاع ، العالم بالمعروف من المنكر، لاعلى الضعيف الذي لايهتدي سبلاً...».(2)

ومن وظائف القويّ المطاع ردّ المظالم، والانتصاف من الأعداء كما عن أبي جعفر قال: «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب وتحلّ المكاسب وتردّ المظالم وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء ويستقيم الأمر».(3)

إنّ وظيقة القويّ المطاع فوق الفرد العادي، فلايصحّ له أن يعتذر بما أوردناه على الإستدلال بأدلّة الأمر بالمعروف من عدم العلم التفصيلي بالمعروف قبل التصدّي إذ العلم الإجمالي في حقّه منجّز و العلم القطعي حاصل للقويّ المطاع بأنّ هناك حقوقاً مهضومة وأموالاً مغصوبة ودماء مسفوكة بغير الحقّ، فتجب عليه معالجتها بعد التبيين ، ومفتاحه ممارسة القضاء، فيجب عليه القيام به.

ومن أراد أن يستدل على وجوب القضاء بأدلة الأمر بالمعروف فعليه التقرير


1 ـ نهج البلاغة، الرسائل/53; الوسائل: الجزء 11، الباب 12من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 9.
2 ـ الوسائل: الجزء 11، الباب 2 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1.
3 ـ الوسائل الجزء 11، الباب 1 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 6.


(27)

بهذا النحو الذي عرفت.

الأمرالسادس: استحباب تولّي القضاء لمن يثق من نفسه

يظهر من غير واحد من الأكابر استحباب تولي القضاء لمن يثق من نفسه والمقصود استحبابه العيني، مع وجوبه الكفائي وإليك بعض الكلمات:

1ـ قال المحقق: تولي القضاء مستحب لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطه.(1)

2ـ قال العلاّمة في القواعد:ويستحب التولية لمن يثق من نفسه بالقيام بشرائطها على الأعيان.(2)

3ـ قال الشهيد الثاني: وفي استحبابه مع التعدد عيناً (مع كونه واجباً كفائياً) قولان أجودهما ذلك مع الوثوق من نفسه بالقيام به.(3)

4ـ وقال أيضاً في شرح قول المحقّق: «تولي القضاء مستحب...» :فحكم المصنف باستحبابه لمن يثق بنفسه محمول على طلبه من الإمام ممن لم يأمره به إذا كان من أهله، أو على فعله لأهله في حال الغيبة حيث لايتوقّف على إذن خاصّ ـ إلى أن قال: ـ وخالف في استحبابه أو وجوبه بعض العامّة فحكم بكراهته نظراً إلى الأحاديث المحذِّرة عنه ومن ثم امتنع جماعة من أكابر التابعين وغيرهم.(4)

5ـ وقال الفاضل الهندي:ويستحب التولية على الأعيان إلاّ من وجبت عليه عيناً لأنّه أمر مرغوب عقلاً وشرعاً (5).


1 ـ الشرايع: 4/861.
2 ـ مفتاح الكرامة:10/5 قسم المتن.
3 ـ الروضة البهية: 3/62.
4 ـ المسالك: 2/390 وفي هامش المطبوع عن الميرزا محمد الشيرواني :هنا احتمال ثالث هو قبول من كلّفه الإمام على سبيل التخيير.
5 ـ كشف اللثام :2/141.


(28)

6ـ وقال العاملي:وقد أجمعت الأُمّة كما في المبسوط (ما عدا أبا قلابة لأنّه كان يحتمل أنّه غير فقيه) على أنّه طاعة ومرغوب عقلاً و نقلاً والاستحباب العيني لاينافي الوجوب الكفائي فلا ريب في رجحانه على الاكتساب بالمباح وفي الوسيلة: قسّمه إلى واجب ومكروه ومندوب ومحظور(1) إلى غير ذلك من الكلمات.

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما هو الدليل على استحبابه؟

الثاني: ما هو الموضوع للاستحباب وكيف يجتمع الاستحباب العيني مع الوجوب الكفائي؟

أمّا الأوّل فالقول باستحبابه إنّما هو فيما إذا كان القاضي متعدداً كما عرفت من الشهيد في الروضة، فيقع الكلام في استحبابه عيناً، مع كونه واجباً كفائياً وأمّا إذا اتحد يكون واجباً عينياً ومعه لاملاك للاستحباب. وأمّا الدليل على الاستحباب فهناك وجوه مذكورة في كلمات القوم نشير إليها:

1ـ الإجماع الوارد في كلام الشيخ في المبسوط(2) الذي نقله في مفتاح الكرامة، ولكن الظاهر أنّ معقده، هو كونه القضاء طاعة، وأمراً مرغوباً عقلاً ونقلاً في مقابل مانقل عن بعض أهل السنّة من الكراهة للأحاديث الذامة، وهو غير كونه مستحباً، إذ يكفي في كونه طاعة وأمراً مرغوباً، كونه واجباً كفائياً، ولايتوقّف على كونه مستحباً وراء وجوبه الكفائي.


1 ـ مفتاح الكرامة :10/5.
2 ـ قال الشيخ في المبسوط: القضاء جائز بين المسلمين و ربّما كان واجباً فإن لم يكن واجباً كان مستحباً...ـ إلى أن قال: ـ وعليه إجماع الأمة إلاّ أباقلابة فإنّه طلب القضاء فلحق بالشام و أقام زماناً ثمّ جاء ... ـ إلى أن قال:ـ إنّ أباقلابة رجل من التابعين لايقدح خلافه في إجماع الصحابة(المبسوط8/82) ، والإمعان في العبارة يعطي أنّ معقد الإجماع هو جواز القضاء أو وجوبه الكفائي لا استحبابه، ولأجل ذلك يقول، لايعبأ بخلاف أبي قلابة.


(29)

2ـ عظم الفوائد المترتّبة عليه، المعلوم رجحانها عقلاً ونقلاً.(1) وهو موافق لما نقلناه عن كشف اللثام.

يلاحظ عليه: بأنّها لاتلازم الاستحباب العيني، بل يكفي كونه واجباً كفائياً، فلأجل هذه الفوائد المترتبة ، ما أهمله الشارع بل أوجبه عيناً فيما إذا لم يكن هناك إلاّ قاض واحد، وكفائيّاً فيما إذا تعدد.

ولو أُريد من الفوائد العظيمة ترتّب الأجر، وهو أيضاً لاتلازم الاستحباب لكفاية الوجوب الكفائي في ترتّبه إذا كان هناك إخلاص.

3ـ عمومات باب القضاء، ولكنّها مثل الأجر لاتلازم الاستحباب.

وبالجملة لم نجد دليلاً صالحاً للاستحباب مع التحفظ على كونه واجباً كفائياً هذا كلّه حول المقام الأوّل.

الثاني: ما هو الموضوع للاستحباب على فرض ثبوته؟ هناك احتمالات:

1ـ كون تولّي القضاء مستحباً وهو الظاهر من المحقّق والعلاّمة، والشهيد في الروضة والفاضل في كشف اللثام.

2ـ طلبه من الإمام إذا لم يأمره كما في المسالك.

3ـ قبول من كلّفه الإمام على سبيل التخيير كما من الشيرواني في هامش المسالك.

4ـ استحباب المبادرة والتسابق ليتقدّم إليه على الغير كما صرح الفقيه الطباطبائي في ملحقات العروة(2) ولنأخذ كل واحد بالبحث.

أمّا الأوّل فهو المتبادر من كلماتهم إلاّ من صرّح بالخلاف لكنّه يستلزم اجتماع الوجوب والاستحباب في شيء واحد.


1 ـ الجواهر: 40/37 وقد تبع في ذلك كشف اللثام فلاحظ.
2 ـ السيد الطباطبائي: ملحقات العروة:2/4.


(30)

وما ذكره في المفتاح(1) والرياض(2) من أنّ الاستحباب العيني لاينافي الوجوب الكفائي غير تام لأنّ مفاد الأوّل جواز ترك المتعلّق مطلقاً، سواء قام به الآخرون أو لا ولكن مفاد الثاني، جواز تركه إذا قام به الآخرون و ربّما يتصور إمكان الجمع من باب تجويز اجتماع الأمر والنهي في شي واحد، بسبب عنوانين، و لكنّه غير مفيد في المقام .لأنّ البحث هناك فيما إذا كان بين العنوانين عموم وخصوص من وجه لامثل المقام فإنّ النسبة بين القضاء، وقضاء من يثق من نفسه عموم وخصوص مطلق، ومن قال بجواز الجمع فإنّما قال به فيما إذا كان بين العنوانين عموم من وجه، لاعموم مطلق.

فلامحيص من حمل الأمر الاستحبابي على فرض ثبوته على الإرشاد إلى أفضل الأفراد كما في الأمر بإقامة الصلاة جماعة أو في المسجد، وعندئذ يخرج الأمر عن كونه مولويّاً وهو خلاف المفروض.

وأمّا الثاني، فإنّ الطلب يكون مقدّمة للقضاء ومع فرض كونه واجباً كفائياً، تكون مقدّمتة كذلك، لامستحباً نفسيّاً إلاّ إذا كانت المقدّمة بوصف كونها مستحبّة مقدّمة كما في الطهارات الثلاث، وليس المقام كذلك.و ذلك لوجود ملاك الاستحباب النفسي في الطهارات لأجل أنّ لها شأناً وراء المقدميّة لكونها نوراً في حدّ نفسها فالكون على الطهارة مستحبّ في ذاته و لا مانع من أن تقع بهذا الوصف مقدّمة للصلاة، بخلاف الطلب، إذ ليس له شأن وراء المقدميّة للقضاء و ليس نفس الطلب بما هو هو مطلوباً سواء انجرّ إلى التصدي أم لا فتدبّر.

ومنه يظهر حال الثالث أي قبوله من الإمام ـ عليه السلام ـ إذا أمر بالتخيير فإنّ حال القبول لايزيد على الطلب، وكلاهما مقدّمتان للقضاء فيكون حكمه حكمه.


1 ـ مفتاح الكرامة: 10/5.
2 ـ الرياض :2/333.


(31)

وأمّا الرابع الذي احتمله السيد الطباطبائي، فقد أشكل عليه هو نفسه بأنّه كيف يُعْقل استحباب المبادرة من كل أحد عيناً، مع كون الفعل واحداً لايقبل التكرار بل لايتصوّر استحباب مثله عيناً وإن لم يكن وجوب.(1)

اقول : ماذكرهقدَّس سرَّه أظهر الوجوه ولايرد عليه ما أوردناه على الوجه الثاني و الثالث وذلك لأنّ الواجب الكفائي هو أصل القضاء، و قبوله أو طلبه مقدّمة، و هي أيضاً واجبة مثله ، بخلاف المبادرة والإستباق إلى القبول فهو ليس مقدمة بل هو مستحبّ مثل قوله سبحانه « فاستَبقوا الخَيْرات» (المائدة/48) فالإتيان بالخير واجب، و مقدّمته مثله، لكن المبادرة اليه مستحب.

و ماأوردهقدَّس سرَّه على هذا الوجه ـ و هو أنّه كيف يعقل استحباب المبادرة من كلّ أحد عيناً مع كون الفعل واحداً لايقبل التكرار... ـ غير تامّ إذ لوصحّ لتوجّه على جميع الواجبات الكفائيّة ، لأنّه كيف يطلب الفعل الواحد من الجميع مع عدم إمكان قيام الجميع به؟ والحلّ في جميع الموارد واحد و على ضوء ذلك فالإستباق مطلوب من الجميع لكنّه لوبادر أحد قبل الجميع سقط عن الباقين.

و في الختام نقول: إنّ الإختلاف في موضوع الإستحباب ، دليل واضح على عدم وجود دليل صالح على أصل الإستحباب، إذ لوكان، لكان الموضوع متبيّناً.

تمّ الكلام في المقدّمات ، ولندخل في النظر الأوّل من النظرات الأربع.


1 ـ السيد الطباطبائي، ملحقات العروة:2/4.