welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : التقيّة مفهومها، حدّها، دليلها*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التقيّة مفهومها، حدّها، دليلها

23

التقيّة
مفهومها، حدّها، دليلها

تأليف

الفقيه المحقق
الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)


1-المائدة: 3 .


(6)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، الأمر الّذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَ لاَ تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً).(1)

جعفر السبحاني

قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


1-آل عمران: 103 .


(7)

التقيّة

من المفاهيم الإسلامية السامية

تُعدّ التقية من المفاهيم الإسلامية الأصيلة، المنسجمة مع حكم العقل، وروح الإسلام، ومرونة الشريعة المقدسة وسماحتها، وضرورات العمل الإسلامي، وقد وردت في القرآن الكريم، وأكّدتها السنة الشريفة، وآمن بمشروعيتها علماء المسلمين.

ولا ريب في أنّ الشيعة ـ و بحكم الظروف العصيبة التي حاقت بهم على امتداد فترات تاريخية طويلة ـ اشتهروا بالعمل بالتقية، واللّياذ بظلها كلما اشتدت عليهم وطأة القهر والظلم.

وقد سعى الصائدون في الماء العكر من حُكّام الجور والمغرضين والمتعصّبين إلى استغلال هذا الأمر، وذرّ الرماد في العيون من خلال إيجاد تصوّرات وأوهام باطلة، وغرسها في أذهان


(8)

الناس، بدعوى أنّ التقية عند الشيعة ضرب من النفاق والخداع والتموية، وأنّها تجعل منهم منظّمة سرية غايتها الالتفاف على الإسلام وتشويه صورته وتهديم أركانه.

إنّ العمل بالتقية والاحتراز عن الإفصاح عن المبادئ والأفكار لا يعنيان أبداً أنّ للشيعة أسراراً وطلاسم يتداولونها بينهم، ولا يتيحون للآخرين فرصة الاطلاع عليها ومعرفتها،ولا يعنيان أيضاً أنّ لهم نوايا عدوانية ضدّ الإسلام وأهله، وإنّما يتعلّق الأمر كلّه بإرهاب فكري وسياسي مُورس ضدهم، وجرائم وحشية ارتكبت بحقهم، ألجاتهم إلى اتخاذ التكتّم والاحتراز أسلوباً لصيانة النفوس والأعراض والمحافظة عليها. ونحن إذا نظرنا إليهم في بعض العهود التي استطاعوا أن يتنفسوا فيها نسائم الحرية، نجد كيف أنّهم بادروا وبنشاط إلى نشر أفكارهم وآرائهم وبثّ مبادئهم وتعاليمهم، وكيف أنّهم ساهموا ـ مع إخوانهم من سائر المذاهب والطوائف ـ في صنع حضارة الإسلام الخالدة.

وإذا كان الانصاف يدعو إلى تبرير موقف ضحايا القمع والاستبداد بالالتجاء إلى حمى التقية لضمان السلامة والتوقّي من


(9)

الشر المستطير... وإذا كان الضمير الحي يدعو إلى مواساة هؤلاء المظلومين الذين تُحصى عليهم أنفاسهم ويعانون أفانين الضغط والإكراه، وأشكال التضييق والمحاربة، فإنّ شيئاً من هذا ولا ذاك لم يحصل، بل حصل العكس، إذ عمد الكثير من أهل السنّة والجماعة ـ و مع الأسف ـ إلى الإغضاء عن الجزّارين أو معاضدتهم، وإلى التنديد بالضحايا والتشهير بهم!!

وأخيراً، نحن نعتقد أنّ العمل بالتقية أمر لا مفرّ منه، وأنّ مجانبتها تماماً وفـي كلّ الأحوال والعصـور أمـر لا واقع ولا حقيقـة لـه. وأنت إذا رميت ببصرك إلـى بعض الشعوب التي تحكمها أنظمة قمعية استبدادية، لوجدت أنّها ـ و فيها من هم مـن أهـل السنـّة ـ تتجنّب الإعلان عـن آرائها وأهـدافها جهـرةً، و تسكت عمّا يُمارس بين ظهرانيها من أعمال منافية للإسلام، وما ذلك إلاّ خوفاً من البطش والقتل والأذى الذي سيصيبها لو أنّها نطقت بما يخالف إرادة المستبدين.

وهذه الرسالة المتواضعة، ستميط الستر عن وجه الحقيقة وتثبت ، انّ التقية ثمرة البيئة التي صودرت فيها الحريات، ولو كان


(10)

هناك لومٌ وانتقاد، فالأجدر أن نتوجه بهما إلى من حمل المستضعفين على التقية، لا أنفسهم.

وستتضح للقارئ في غضون هذه الرسالة، انّ التقيّة من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفسَ من يمتُّ إليه بصلة وعرضَه ومالَه، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1) ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل (2) ، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها، مفهوماً (لغة و اصطلاحاً)، و تاريخاً وغايةً ودليلاً وحدّاً، حتى نتجنَّب الافراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق.

وتحقيق المسألة يتم ببيان أُمور:


1 . القصص: 20.
2 . النحل: 106.


(11)

1

التقية لغة

التقية اسم مصدر لـ«إتقى يتقي» و أصل اتقى: إوتقى فقلبت الواو ياءً للكسرة قبلها، ثمّ أُبدلت تاءً وادغمت وقد تكرر ذكر الاتقاء في الحديث ومنه حديث علي: «كنّا إذا احمّر البأس اتقينا برسول اللّه»، أي جعلناه وقاية لنا من العدو.(1)

وقد أخذ «اتقى» من وقي الشيء، يقيه إذا صانه، قال اللّه تعالى: (فَوقاهُ اللّهُ سيّئاتِ ما مَكَرُوا)(2) أي حماه منهم فلم يضرّه مكرهم.

وربما تستعمل مكان التقية لفظة «التُّقاة» قال سبحانه: (لا يَتّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافرينَ أولِياءَ مِنْ دُونِ )


1 . النهاية: مادة وقي.
2 . غافر:45.


(12)

المؤمِنينَ ومَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ في شيْء إلاّ أن تَتَّقُوا مِنْهُم تُقاة).(1)

قرأ الأكثر «تقاة» إلاّ يعقوب فقرأ «تقيّة» وكلاهما مصدر لفعل اتقى«فتقاة، أصله «وقية» أبدلت الواو تاءً كما أبدلوها في تُجاة وتكاة وانقلبت الياء الفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، وهو مصدر على وزن فُعل كتؤدد وتخمة.(2)


1 . آل عمران:28.
2 . عن تعليق أحمد محمد شاكر على دائرة المعارف الإسلامية:5/423.


(13)

2

التقية اصطلاحاً

التقية كما عرّفها السرخسي هي أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان ما يضمر خلافه.(1)

وقال ابن حجر: التقية: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير.(2)

وعرفها صاحب المنار بأنّها ما يقال أو يفعل مخالفاً للحقّ لأجل توقّي الضرر.(3)

وعرفها الشيخ محمد أبو زهرة بأنّها أن يخفي الشخص ما يعتقد دفعاً للأذى.(4)


1 . المبسوط للسرخسي: 25/45.
2 . فتح الباري:12/314، ط المكتبة السلفية.
3 . تفسير المنار:3/280.
4 . محمد أبو زهرة: الإمام الصادق:255.


(14)

والتعريف الثالث أشمل من الرابع لاختصاص الأخير بالعقيدة وعمومية الآخر لها وللفعل.

وأمّا الشيعة فقد عرّفها الشيخ المفيد بقوله: التقية كتمان الحقّ وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا.

وفُرض ذلك، إذا علم بالضرورة أو قوي في الظن، فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحقّ ولا قوي في الظن ذلك لم يجب فرض التقية.(1)

وعرفها الشيخ الأنصاري بقوله: التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ.(2)


1 . شرح عقائد الصدوق:66، ط تبريز.
2 . رسالة التقية للشيخ الأنصاري:37.


(15)

3

التقية تاريخيَّاً

ربما يتصوّر لأول وهلة انّ للتقية مبدأً تاريخياً ظهر في المجتمع الإنساني، ولكن هذا التصور يجانب الحقّ، فظاهرةُ التقية زامنت وجود الإنسان على هذا الكوكب يوم برز بين البشر القويّ و الضعيف، وصادر الأوّل حريات الثاني ولم يسمح له بإبداء ما يضمره عن طريق القول والفعل.

فظهور التقية في المجتمع البشري إذن، كان تعبيراً عن مصادرة الحريات، وسلاحاً لم يجد الضعيف بدّاً من الجوء إليه للدفاع عن نفسه وعرضه وماله.

1. التقيّة في عصر الكليم

وأظهر مورد تبنّاه القرآن الكريم في هذا الصدد هو


(16)

مؤمن آل فرعون، يقول اللّه تعالى:

(وَقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرعَوْنَ يكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّي اللّهُ وقَدْ جاءَكُمْ بِالبَيِّنات مِنْ رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صادِقاً يُصِبكُمْ بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُم إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّاب).(1)

وكانت عاقبة أمره أن(فَوقاهُ اللّه سيّئاتِ ما مَكَرُوا وحَاقَ بآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذاب).(2)

وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتعميته، استطاع أن ينجّي نبيَّ اللّه من القتل كما يحكيه سبحانه عنه ويقول: (قالَ يا مُوسى إِنَّ المَلأَ يَأتمِرُونَ بِكَ لَيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنّي لَكَ مِنَ النّاصِحِين).(3)

نقل الثعلبي عن السدي و مقاتل انّ مؤمن آل فرعون كان ابن عم فرعون و هو الذي أخبر اللّه تعالى عنه فقال: (وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أقْصَى المَدِينَةِ يَسْعَى).(4)


1 . غافر:28.
2 . غافر:45 .
3 . القصص:20.
4 . القصص:20.


(17)

وقال آخرون: كان إسرائيلياً، ومجاز الآية:« وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعونْ، واختلفوا أيضاً في اسمه.

فقال ابن عباس وأكثر العلماء: اسمه حزبيل.

وقال وهب بن منبه: اسمه حزيقال.

وقال ابن إسحاق: خبرل.(1)

2. التقية في عصر الرسول

هناك حوادث تاريخية تدلّ على شرعية التقية في عصر الرسول - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نكتفي بهذين النموذجين:

1.يقول سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِّنٌ بِالإِيمان).(2)

قال المفسرون: قد نزلت الآية في جماعة أُكْرِهُوا على الكفر، وهم عمّار و أبوه ياسر وأُمّه سُميّة، و قُتل الأبوان لأنّهما لم يُظهرا الكفر ولم ينالا من النبي، وأعطاهم عمّارُ ما أرادوا


1 . تفسير الثعلبي:8/273.
2 . النحل:106.


(18)

منه فأطلقوه، ثمّ أخبر بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمار، فقال الرسول - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كلاّ انّ عماراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه».

وفي ذلك نزلت الآية السابقة، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول اللّه يَمْسَحَ عينيه ، ويقول:« إن عادُوا لك فعُد لهم بما قلت».(1)

2. أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن، انّ مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال لأحدهما:

أتشهد انّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أنّي رسول اللّه؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخر فقال: أتشهد أنّ محمّداً رسول اللّه؟ قال: نعم، فقال له: أفتشهد انّي رسول اللّه؟ قال: إنّي أصمّ. قالها ثلاثاً، كل ذلك يجيبه بمثل الأوّل، فضرب عُنقُه، فبلغ ذلك رسول اللّه - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال: أمّا ذلك المقتول فقد


1 . مجمع البيان:3/388


(19)

مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئاً له.

وأمّا الآخر فقبلَ رخصة اللّه فلا تبعةَ عليه.(1)

3. التقية بعد رحيل الرسول - صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

قد استغل الأمويُّون مسألة القضاء والقدر وركّزوا على أنّ كلّ ما يجري في المجتمع الإسلامي بقضاء و قدر من اللّه سبحانه وليس لأحد فيه الاختيار ولا الاعتراض، وعلى ذلك فالفقر المدقع السائد بين أكثر المسلمين تقدير من اللّه، والترف الذي يعيشه الأمويون، والظلم الذي يُلحقونه بالمسلمين تقدير من اللّه.

ولما كانت تلك المزعمة مخالفة لضرورة الدين وبعثة الأنبياء، قام غير واحد بوجه هذه الفكرة، وسكت كثيرون خوفاً من بطش الأمويين، فكتموا عقيدتهم وسلكوا مسلك


1 . مسند ابن أبي شيبة:12/358، ط السلفية; التبيان:2/453، وقد علق الطوسي على الرواية وقال: وعلى هذا التقية رخصة، والافصاح بالحق فضيلة، وظاهر أخبارنا يدلّ على انّها واجبة، وخلافها خطأ وسيوافيك أنّها على أقسام خمسة.


(20)

التقيّة.

1. هذا هو ابن سعد يروي عن الحسن البصري بانّه كان يخالف الأمويين في القدر بالمعنى الذي تتبنّاه السلطة آنذاك فلما خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود.

روى ابن سعد في طبقاته عن أيوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرة حتّى خوّفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.(1)

2. كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة في بغداد أن يُشخص إليه سبعة نفر من المحدثين منهم:

1. محمد بن سعد كاتب الواقدي، 2. أبو مسلم، مستملي يزيد بن هارون، 3. يحيى بن معين، 4. زهير بن حرب أبو خثيمة، 5. إسماعيل بن داود، 6. إسماعيل بن أبي مسعود، 7. أحمد بن الدورقي فامتحنهم المأمون وسألهم عن خلق القرآن، فأجابوا جميعاً انّ القرآن مخلوق فأشخصهم إلى مدينة


1 . طبقات ابن سعد:7/167، ط بيروت.


(21)

السلام، وأحضرهم إسحاق بن إبراهيم داره فشهّر أمرهم وقولهم بحضرة الفقهاء والمشايخ من أهل الحديث فأقرّوا بمثل ما أجابوا به المأمون فخلّى سبيلهم. وقد فعل إسحاق بن إبراهيم ذلك بأمر المأمون.

يذكر أن الرأي الذي كان سائداً بين المحدّثين هو قدم القرآن أو عدم حدوثه ولكنّهم اتّقوا واعترفوا بخلق القرآن، و هذا هو نفس التقية التي يعمل بها الشيعة، وقد مارسها المحدِّثون في عصر المأمون.

وهناك رسالة أُخرى للمأمون إلى إسحاق بن إبراهيم رئيس الشرطة، وممّا جاء فيها: وليس يَرى أمير المؤمنين لمن قال بهذه المقالة(القرآن ليس بمخلوق) حظاً في الدين ولا نصيباً من الإيمان....

فلما جاءت الرسالة إلى إسحاق بن إبراهيم أحضر لفيفاً من المحدّثين ربما يبلغ عددهم إلى 26 فقرأ عليهم رسالة المأمون مرتين حتّى فهموها ثمّ انّ إسحاق دعا بهم رجلاً رجلاً فأجاب القوم كلّهم واعترفوا بانّ القرآن مخلوق إلاّ أربعة نفر منهم:


(22)

أحمد بن حنبل، وسجادة، والقواريري، ومحمد بن نوح المضروب، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشُدُّوا في الحديد، فلما كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله وأصرّ الآخرون على قولهم.

فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول، فأجاب القواريري بأنّ القرآن مخلوق فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله، وأصرّ أحمد بن حنبل و محمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدّا جميعاً في الحديد ووُجِّها إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما.

ثمّ لما اعتُرض على الراجعين عن عقيدتهم، برّرّوا عملهم بعمل عمار بن ياسر حيث أكره على الشرك وقلبه مطمئن بالإيمان.(1)

كلّ ذلك يدلّ على انّ التقية أصل مشروع التزم بها المسلمون عند الشعور بالضعف أمام السلطة الغاشمة.


1 . لاحظ تاريخ الطبري:7/197، حوادث 218هـ.


(23)

وبذلك يظهر انّ اتهام الشيعة بتفرّدها بالقول بالتقية يضادُّ الذكر الحكيم والسنة النبوية وسيرة المسلمين عبر التاريخ.

إنّ التقية سلاح الضعيف، سلاح من صُودرتْ حقوقه وحرّياته من قبل سلطة غاشمة، قاهرة، لا تُبدي أية مرونة في مواقفها، وهذا هو حكم العقل وهو دفع الضرر عن النفس والنفيس بإظهار الموافقة لساناً وعملاً حتّى يرتفع الضرر ثمّ يعود الإنسان إلى ما كان عليه.

ومثل هذا لا يمكن أن يختص بفرقة دون أُخرى.


(24)

4

محنة الشيعة

في عصر الأمويين والعباسيين

اشتهرت الشيعة بالتقيّة أكثر من سائر الفرق، ولكونهم أكثر من غيرهم من حيث التعرّض للضغط، ومصادرة الحريّات، بالظنّة، والتشريد وقتل تحت كلّ حجر ومدر.

إنّ الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة، فلو لم يكن هناك في غابر القـرون ـ من عصـر الأمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أيُّ ضغط على الشيعة، ولم تكن بلادهم وعُقر دارهم مخضّبة بدمائهم (والتاريخ خير شاهد على ذلك)، لأصبح من المعقول أن تَنْسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها


(25)

من قاموس حياتها، ولكن ـ ياللأسف ـ إنّ كثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الأمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يؤلِّبون العامة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة، لم يكن للشيعة، بل لكل من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله.

والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدَّ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا، وإليك نص ما ذكرته المصادر عن هذه الواقعة لتدرك محنة الشيعة:

محنة الشيعة في العصر الأموي

روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمّاله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من


(26)

فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويتبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتتبّع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيام علي ـ عليه السَّلام ـ ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسَمَلَ العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّـاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

ثمّ كتب إلى عمّـاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: مَن اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي ـ عليه السَّلام ـ ليأتيه من يثق به،


(27)

فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولايحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمنَّ عليه.

وأضاف ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليمها السَّلام ، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طـريد في الأرض.

ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ، وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولّـى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من علي ـ عليه السَّلام ـ وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له، حتى أنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب ـ فصاح به: أيّها الأمير إنّ أهلي عقوني فسمّوني علياً، وإنّي فقير وبائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسّلتَ به، قد ولّيتك


(28)

موضع كذا.(1)

واستمر الحزب الأموي في الإرهاب وسفك الدماء على امتداد مراحل وجوده في السلطة، حيث سجّل لنا التاريخ حوادث أُخرى تحكي أبشع صور الإرهاب والاستخفاف بقيم الحق والعدل أيام عبد الملك بن مروان وقتله سعيد بن جبير. وقد جاء في كتاب عبد الملك بن مروان الذي ولّى فيه خالد بن عبد اللّه القسري:

أمّا بعد، فانّي ولّيت عليكم خالد بن عبد اللّه القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلاً، فإنّما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير، والسلام. ثمّ التفت إليهم خالد، وقال: والذي نحلف به، ونحجُّ إليه، لا أجده في دار أحد إلاّ قتلته وهدمت داره ودار كلّ من جاوره واستبحت حرمته،وقد أجلّت لكم فيه ثلاثة أيّام.(2)


1 . شرح نهج البلاغة:11/44ـ 46.
2 . الإمامة والسياسة:2/47، ط مصر.


(29)

ثمّ يُلقى القبض على سعيد بن جبير الذي كان من طلائع الموالين لآل البيت النبوي، ويُسلَّم إلى الحجاج السفّاح الشهير في تاريخ الإسلام الذي قتل عشرات الآلاف من معارضي السلطة، فيقتله.

وهذا هو الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ يصف بيئته والمجتمع الذي كان يعيش فيه حيث قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيانا، وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس... ـ إلى أن قال ـ ثمّ لم نزل ـ أهلَ البيت ـ نُستذل ونُستضام، ونُقصى ونُمتهن، ونُحرم ونُقتل، ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون، لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عُظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن ـ عليه السَّلام ـ فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي و الأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا


(30)

والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين ـ عليه السَّلام ـ ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كلّ قتلة وأخذهم بكلّ ظنة وتهمة، حتّى انّ الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبّ إليه من أن يقال شيعة علي.(1)

محنة الشيعة في العصر العباسي

لقد مارست السلطة العباسية سياسة البطش والقتل والتشريد كنظيرتها السلطة الأموية بل كانت أكثر بطشاً وتنكيلاً ، وهذا هو أبو الفرج الاصفهاني يقول في حقّ المتوكل:

كان المتوكل شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً في جماعتهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم... واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الرخجي، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس


1 . شرح ابن أبي الحديد:11/43ـ 44.


(31)

ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه انّ أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء، وإن قل إلاّ أنهكه عقوبة، واثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة ثمّ يرقعنه، ويجلسن على مغازلهن عواري حاسرات.(1)

هكذا شاء أميرالمؤمنين المتوكل على اللّه، أن تقبع العلويات في بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقع عند الصلاة، وان تختال الفاجرات العاهرات بالحلي وحلل الديباج بين الاماء والعبيد... لقد أرسل الرشيد إلى بنات الرسول من يسلب الثياب عن أبدانهن، أمّا المتوكّل فقد شدد و ضيق عليهن، حتّى ألجأهن إلى العري، وهكذا تتطور الفلسفات والمناهج مع الزمن على أيدي القرشيين العرب أبناء الأمجاد والأشراف!

لقد تفرق العلويون أيام المتوكل، فمنهم من توارى فمات في حال تواريه كأحمد بن عيسى الحسين و عبد اللّه بن


1 . مقاتل الطالبيين:395ـ 396.


(32)

موسى الحسيني، و منهم من ثار على القهر والجور كمحمد بن صالح و محمد بن جعفر.

ولم يكتف المتوكل بالتنكيل بالأحياء، حتّى اعتدى على قبور الأموات فهدم قبر الحسين ـ عليه السَّلام ـ وما حوله من المنازل والدور، ومنَع الناس من زيارته ونادى مناديه من وجدناه عند قبر الحسين ـ عليه السَّلام ـ حبسناه في المطبق ـ سجن تحت الأرض ـ فقال الشاعر:

تاللّه إن كانت أمية قد أتت * قتل ابن بنت نبيها مظلوماً

فلقد أتاه بنو أبيه مثلها * هذا لعمرك قبره مهدوماً

أسفوا على أن لا يكونوا شايعوا * في قتله فتَتّبعوه رميماً (1)


1 . الشيعة والحاكمون:169ـ 170.


(33)

نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى، حسب قوّة الضغط وضآلته، فشتّان بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت، ويكرم العلويين، وبين عصر المتوكل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة.

فهذا ابن السكيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكيت: واللّه إنّ قنبر خادم علي ـ عليه السَّلام ـ خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات. ولما مات سيَّـر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك!! (1)

وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:


1 . ابن خلكان: وفيات الأعيان: 3/33. الذهبي: سير أعلام النبلاء : 12/16.


(34)

أكلّ أوان للنبيّ محمّد * قتيل زكيّ بالدماء مضرَّجُ

بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم * لبلواكم عمّـا قليل مفرِّجُ

أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم * تضيء مصابيح السماء فتسرجُ (1)

وكان العباسيون أشدّ كرهاً للعلـوييـن مـن الأموييـن، وأعظم بغضاً فأمعنوا فيهم قتلاً وحـرقاً واضطهاداً وتعذيبـاً، فهذا هو المنصور يُحمل إليه من المدينة كلّ من كـان فيهـا مـن العلويين مقيـدين بالسلاسل والأغلال، ولما وصلوا إليه حبسهم في سجن مظلم لا يعرف فيه ليل من نهار، و كـان إذا مات أحدهم تُرك معهم و أخيراً أمر بهدم السجن عليهم، وفي ذلك يقول أحد شعراء الشيعة:


1 . ديوان ابن الرومي : 2/243.


(35)

واللّه مـا فعـلت أميـة فيهـم * معشار ما فعلت بنو العباس

وقال آخر:

يا ليت جـور بنـي مـروان دام لنـا * وليت عدل بني العباس في النار(1)

وقال أبو فراس:

ما نال منهم بنو حرب وإن عظمت * تلـك الجــــرائـم إلاّ دون نيلكــم

وقال الشريف الرضي:

ألا ليـس فعـل الأوليـن وإن علا * علـى قبـح فعـل الآخـرين بـزائد

وقال الشيخ الطوسي الذي كان يعيش في عصر ازدهار الخلافة العباسية، وهو يصف حال الشيعة :

لم تلق فرقة ولا بُلي أهل مذهب بما بُليت به الشيعة، حتّى إنّا لانكاد نعرف زماناً تقدّم سلمت فيه الشيعة من


1 . الشعر لأبي عطاء السندي.


(36)

الخوف و لزوم التقية، ولا حالاً عريت فيه من قصد السلطان وعصبيته وميله وانحرافه.(1)

هذه لمحة خاطفة لمحنة الشيعة في العصر العباسي وقد دام الأمر على هذه الوتيرة في العصور المتأخرة لاسيما في عصر الأيوبيين والعثمانيين.

محنة الشيعة في العصرين: الأيوبي والعثماني

ما إن انتزع صلاح الدين الأيوبي الملك من الفاطميين حتّى قام بعزل القضاة الشيعة واستناب عنهم قضاة شافعيـة، وأبطل من الأذان«حي على خير العمـل» وتظاهر الناس بمذهب مالك والشافعي، واختفى مذهب التشيـع إلى أن نسي من مصر، و كان يحمل الناس على التسنن وعقيدة الأشعري، ومن خالف ضربت عنقه، وأمر أن لاتقبل شهادة أحد ولا يقـدم للخطابة ولا للتدريس إلاّ إذا كان مقلـداً لأحد المـذاهب الأربعة، قـال الخفاجي في


1 . الطوسي: تلخيص الشافي:2/59.


(37)

كتابـه «الأزهـر في ألف عام» (1) ما نصه: فقد غالى الأيوبيون في القضاء على كلّ أثر للشيعة.

وأمّا في العصر العثماني فقد تولى السلطان سليم زعامة السنة واستحصل على فتوى من شيوخ السوء بأنّ الشيعة خارجون على الدين يجب قتلهم ولذلك أمر بقتل كلّ من كان معروفاً بالتشيع داخل بلاده.

وبهذا الأمر قُتل في الاناضول وحدها أربعون ألفاً وقيل سبعون، لا لشيء إلاّ لأنّهم شيعة. وجاء في «الفصول المهمة» للسيد شرف الدين انّ الشيخ نوح الحنفي أفتى بكفر الشيعة ووجوب قتلهم، فقتل من جراء هذه الفتوى عشرات الألوف من شيعة حلب حتّى لم يبق فيها شيعي واحد وكان التشيّع فيها راسخاً و منتشراً منذ كانت حلب عاصمة الدولة الحمدانية، وقد نشأ في حلب منذ القديم العديد من كبار العلماء وأئمة الفقه كبني زهرة وآل أبي جرادة وغيرهم ممن جاء ذكرهم في كتب السير والتراجم خاصة كتاب «أمل


1 . الأزهر في ألف عام:1/58.


(38)

الآمل».(1)

وقتل العثمانيون الشهيد الثاني المشهور بفضله وورعه وكتبه العلمية الجليلة التي يدرس بعضها حتّى اليوم في جامعة النجف وقم، وفعل الجزار والي عكا بجبل عامل ما فَعل الحجاج في العراق.

وانتهب الجزار أموال العامليين ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد و بقيت أفران عكا توقد أسبوعاً كاملاً من كتب العامليين، ولم يسلم من ظلم الجزار إلاّ من استطاع الفرار، وفي عهده هاجر علماء جبل عامل مشردين في الأقطار، ومن هؤلاء الشاعر الشيعي إبراهيم يحيى الذي هرب إلى دمشق، و في نفسه لوعة وحسرة، وذكرى فظائع الجزار لا تفارقه بحال وقد صورها وهو شاهد عيان في قصائد تدمي الأفئدة والقلوب منها قصيدة طويلة ، يقول فيها:


1 . راجع الفصول المهمة:206، الفصل التاسع; غنية النزوع:11، المقدمة.


(39)

يعز علينا أن نروح ومصرنا * لفرعون مغنى، يصطفيه ومغنم

منازل أهل العدل منهم خليّة * وفيها لأهل الجور جيش عرمرم

هذه لمحة خاطفة لمحنة الشيعة في العصر العثماني، وعلى الرغم من شيوع الحرية في عصرنا الراهن فلم تزل الشيعة في أكثر نقاط العالم تمارس التقيه، وإلاّ يضيق عليها الخناق.

يقول العلاّمة السيّد هبة الدين الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها لأنّها مُنيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الأموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم، ولما كانت الشيعة، تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين وفي كثير من


(40)

الأحكام الفقهيّة، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمّة من آل البيت مضطرّة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختص به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان، صيانةَ النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمدية.

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقية وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الا ُخرى، متبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين اللّه يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم. (1)

روي عن صادق آل البيتعليهم السَّلام في الأثر الصحيح:

«التقية ديني ودين آبائي» .


1 . غافر:28; النحل:106.


(41)

لقد كانت التقية شعاراً لآل البيتعليهم السَّلام دفعاً للضرر عنهم، وعنأتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاًلشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم.وكل إنسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أوالتظاهر به لا بد أن يتكتم ويتقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.

من المعلوم أنّ الإمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.

ولهـذا السبب امتـازوا بالتقية وعـرفـوا بها دون سواهـم.(1)


1 . مجلة المرشد: 3/252، 253ولاحظ تعاليق اوائل المقالات ص 96.


(42)

حصيلة البحث

فحصيلة البحث انّ أوساط الشيعة شهدت مجازر بشعه على يد السلطات الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرض إلى شتى صنوف التنكيل والارهاب والتخويف، والحقّ يقال: انّ من الأُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوة وعدة وأقامت دولاً وشيّدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين.

فلو كان الأخ السني يرى التقية أمراً محرماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي وأن لا يضيق عليه في الحرية التي سمح بها الإسلام لأبنائه، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذَرَ أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الديار فكيف بطائفة تدين بدينه وتتفق معه في كثير من معتقداته، وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم فماذا يمنعه


(43)

عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين.

وإذا كانوا يقولون ـ و ذاك هو العجيب ـ انّ الخروج على الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه، وفي مقدمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين!! وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ، فَلِمَ لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ولايذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!


(44)

5

الغاية من تشريع التقية

الغاية من التقية: هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً خوفاً من أن تترتّب على ذلك مضار وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة تمارس الارهابَ، والتشريد والنفي، والقتل والتنكيل، ومصادرة الأموال، وسلب الحقوق الحقة، وعندئذ لا يجد صاحبُ العقيدة ـ الذي يرى نفسه محقاً ـ محيصاً عن إبطانها، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل، إلى أن يُحدِث اللّه أمراً.

إنّ التقية سلاح الضعيف في مقابل القوي الغاشم، سلاح من يُبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ


(45)

لأنّه لا يتفق معه في بعض المبادئ والأفكار.

إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مُرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابد منها من أجل اغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوة، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولاً إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم.

إنّ أكثر من يَعيبُ التقية على مستعملها، يتصوّر أو يصوِّر أنّ الغاية منها هو تشكيل جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرية، وهو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلاً أو عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل ما أو حجة مقنعة، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يُذكر، ولو لم تستبد الظروف القاهرة والأحكام المتعسفة بهذه الجموع المستضعفة


(46)

من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية، ولما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم ولَدَعوا الناس إليها علناً ودون تردّد.

أين العمل الدفاعي بصورة بدائية من الأعمال التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرية للإطاحة بالسلطة وامتطاء منصّة الحكم؟ وهي أعمال كلها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة.

وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكل قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة.

إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتخذ التقية غطاءً، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شر الغير، حتى لا يُقْتَل ولا يُستأصل، ولا تُنهب داره وماله، إلى أن يُحدث اللّه أمراً، من قبيل عطف المبائن على مثله.

إنّ المسلمين القاطنين في الاتحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها


(47)

ولا أن تتصورها، فإنّ الشيوعيّين طيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم، ومساجدهم، ومدارسهم، وأحرقوا مكتباتهم، وقتلوا كثيراً منهم قتلاً ذريعاً ووحشياً، فلم ينج منهم إلاّ من اتقاهم بشيء من التظاهر بالمرونة، وإخفاء المراسيم الدينية، والعمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلك القوة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم وديارهم، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها اللّه تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين.

فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها، وكانت هذه غايتَها وهدفَها، فهي أمر فطريّ، يسوق الإنسان إليها قبل كل شيء عقلُه ولبُّه، وتدعوه إليها فطرته، ولأجل ذلك يلوذ بها كل من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يترددون عن التنكيل بكل


(48)

من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها.

ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ، ندرس دليله من القرآن والسنّة.

Website Security Test