welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الاعتصام بالكتاب والسنة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاعتصام بالكتاب والسنة

الاعتصام بالكتاب والسنة

دراسة مبسّطة في مسائل فقهية مهمة

تأليف
الفقيه المحقق

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(3)

مقدّمة المجمع العالمي لاَهل البيت _ عليهم السلام _ :

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والصلاة والسلام على سيّد الاَنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

وبعد؛

فإنّ الوحدة الاِسلامية هي من أهم خصائص الاَُمّة الاِسلامية التي أكّد عليها القرآن الكريم ودعا كل مسلم للعمل على تحقيقها، وخطّط لها بشتّى الاَساليب.

وأعلن أنّ هذه الوحدة ليست وحدة مصالح، ولا وحدة مكان أو عنصر وإنّما هي وحدة قلوب، وهبها اللّه تعالى التآلف والتحابّ وهو أمر لا يتحقّق عبر الوسائل المادية مهما تعاظمت ... وبها تمّ الانتصار الاِسلامي الاَوّل على كل طواغيت الكفر وأساطين الاستكبار فقال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْـرِهِ وبالموَمنينَ * وألّفَ بينَ قلوبِهِم لَوْ أَنفقْتَ ما في الاَرضِ جميعاً ما أَلّفْتَ بين قلوبِهِم ولكِنَّ اللّهَ ألّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عزيزٌ حكيمٌ» (الاَنفال 62 ـ 63).


(4)

وقد ظن البعض أنّها وحدة عاطفية ممّا يجعلها واهيةً أيضاً إلاّ أنّ الحقيقة هي أنّها وحدة قلوب، وليس القلب عاطفة لا تقوم على أُسس عقلية كما أنّه ليس عقلاً مجرّداً يبتعد عن التجسّد العاطفي، إنّه التحام الوعي بالاِحساس ... وهكذا الوحدة الاِسلامية .. انّها تنطلق من أُسس عقائدية متينة واقعية تنير الوجود الاِنساني بأنوارها وتصوغ الاَحاسيس بلطفها كما تصوغ المفاهيم عن الكون والحياة والانسان تماماً، وحينئذ يشكل المجموع (العقيدة، والمفاهيم والاَحاسيس) القاعدة الاَساسية لقيام المجتمع الاِسلامي الرصين الواحد.

ولا ريب في أنّ الاِسلام أراد من كل نظمه أن تساهم في إغناء هذه الحقيقة والمساهمة الفاعلة في إيجاد أُمّة موحّدة تغييرية تعمل جادة لتحقيق هدف الخلقة على المستوى الحضاري التاريخي الممتد. ومن هذه النظم الاِسلامية نفس نظام الاجتهاد الذي يعبّـر عن أروع صورة للمرونة الاِسلامية كما تعبّـر عن أرضية الخصوبة الفكرية المستمرة وطبيعي أن يعلن الاِسلام وهو المبدأ الواقعي حرية الاجتهاد والاستنباط نظراً لاَنّه دين الحياة، ونظراً لاَنّه يعطي رأيه في كل واقعة، والوقائع متكثّرة والاِسلام إذ يفتح باب الاجتهاد يمنح المتخصّصين والعلماء كل القواعد وكل المنابع الواضحة، ويعيّن كل الشروط التي تضمن للعملية الاجتهادية أن تبقى في الخط العام تنتج وتثمر وتتعامل مع الواقع منطلقة من الروَية المبدئية فإذا الاجتهاد، انطلاقة مبدئية، وثراء علمي وقدرة على استيعاب الجديد وامتداد مع المسيرة الفطرية الصافية نحو الغد المرسوم هكذا شاء اللّه تعالى للاجتهاد أن يكون مصدر عظمة، ومصدر توحّد، ولا خير في أن تختلف النتائج وتختلف الآراء إن كانت جميعاً في الخط العام .. وما ورد من النصوص الناهية عن الاختلاف إنّما تنصب على الموقف العملي الاجتماعي والسياسي للاَُمّة في حين تصوّر البعض أنّها تشير للاختلاف الاستنباطي الفقهي أو المفهومي وليس الاَمر كذلك.


(5)

هذه الحقائق كان ينبغي للقادة والعلماء أن يعلنوها بكل صراحة وأن يمرّنوا الاَُمّة عليها وهذا هو ما أكّده الاِسلام ورسوله العظيم وأهل بيته الطاهرون، ومن هنا أمكننا أن نقول إنّ مدرسة أهل البيت _ عليهم السلام _ كانت من أهم المدارس مرونة ورحابة صدر، يجلس فيها أئمّة المذاهب لينهلوا من علومها ويرشفوا من معينها الصافي بروح الاخوة والمحبة الخالصة.

إلاّ أنّ عصور الظلمة، ودسائس الاَعداء، وجهل البعض حول هذه الحالة الاَخوية مع الاَسف أدّت إلى حالات تنافر وتباعد، وتصوّر بعض العامة أنّ الاختلاف في الآراء الفقهية يعني الاختلاف في المواقف الاِسلامية الاجتماعية.

وهذا الكتاب القيّم يعبّـر عن محاولة علمية جادة تجمع بين الرأي العلمي القوي والنظرة الاجتماعية القويمة واللغة السمحة لبيان الموقف في بعض الموارد الفقهية المختلف فيها ممّا يوَكّد ما قلناه ... وسماحة آية اللّه الشيخ السبحاني رجل غني عن التعريف ... خصوصاً وانّ نتاجه العلمي الثر وقدرته الاستقلالية الفائقة تبدو بوضوح من كتبه الكثيرة والغزيرة بمعلوماتها.

وإنّنا إذ نسأل اللّه جلّ وعلا أن يوفّق كل القرّاء الكرام للانتهال من هذا المنهل العذب لنرجوه عزّ وجلّ أن يوفقنا جميعاً لوعي أهداف رسالتنا والعمل بجد ووعي على تحقيقها بما نستطيع إنّه السميع المجيب.

الشيخ محمّد علي التسخيري
الاَمين العام للمجمع العالمي لاَهل البيت _ عليهم السلام _


(6)

مقدمة الموَلف :

بسم الله الرحمن الرحيم

المذاهب الفقهية تراث إسلامي ثمين

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبي الرحمة

وعترته الا َُسوة، وعلى من اهتدى بهداهم واعتصم بالعروة الوثقى.

بُني الاِسلام على دعامتين: العقيدة والشريعة.

فالعقيدة تتكفّل البحث عن اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله. والشريعة تبحث عن وظائف العباد أمام اللّه وأمام أنبيائه وعباده. فلكل من المجالين رجال وأبطال خدموا الاِسلام بآرائهم وأفكارهم وأقلامهم.

فالمناهج الكلامية تحاول أن تشقَّ الطريق وصولاً إلى الواقع كما أنّ المذاهب الفقهية تسعى إلى كشف الستر عن وجه الاَحكام الواقعية. والحقّ لا يتلخّص في منهج دون منهج أو في مذهب دون آخر، إذ لازم ذلك بطلان سائر المناهج والمذاهب من رأس وإن كانت تتميّز بقلّة الخطأ وكثرته. ومع ذلك فللمصيب أجران وللمخطىَ أجر واحد.

إنّ الطريق المهيع لكسح الخلاف، وتقريب السُّبل، وتداني الآراء؛ هو دراسة الآراء والمقارنة ما بينها في العقيدة والشريعة، فعند ذاك يتجلّـى الحقّ في اطار النقاش بصورة واضحة ويرجع المخطىَ المنصف عن خطئه، ويُدعم الحق برجوع الآخر إليه.

إنّ المذاهب الفقهية ثمرة ناضجة لدراسة الكتاب والسنّة وتراث إسلامي وصل إلينا من المشايخ الكبار فللخلف النظر إليها بالاكبار والتقدير، فإنّها جهود رجال نذروا حياتهم في استثمار تلك الشجرة الطيبة. ولكن ذلك لا يعني عدم جواز النقاش فيها على ضوء المنطق الصحيح فانّ التقاء الفكرين أشبه بالتقاء


(7)

الاَسلاك الكهربائية التي يتفجّر منها النور.

ففي ضوء هذا الاَصل نستعرض في هذه الرسالة مسائل فقهية اختلف فيها مذهب فقهاء الشيعة مع سائر المذاهب الفقهية وليس الاختلاف ناجماً عن الرغبة في الاطاحة بالحق. بل هو أمر طبيعيّ في كل علم له مسائل نظرية تستنبط من أُصول وضوابط. فابتغاء الوفاق في جميع المسائل أمر في غير محلّه.

وقد سبقنا في هذا النمط من البحث سيّدنا الجليل العلاّمة الاَكبر السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (1290 ـ 1377) المغفور له، فآثرنا مواقفه وخطواته، ومشينا على الخط الذي مشى عليه في النقاش والجدال في كتابه المعروف بـ «مسائل فقهية» وإن كانت المسائل مختلفة جوهراً لكنّها متشاكلة عرضاً واستدلالاً.

وقد اخترنا للبحث المسائل التالية ورتّبناها حسب ترتيب الكتب الفقهية:

1ـ مسح الرجلين أو غسلهما.

2ـ التثويب في أذان صلاة الفجر.

3ـ وضع اليد اليمنى على اليسرى في القراءة.

4ـ السجود على الاَرض أو ما أُنبت منها.

5ـ الخمس في الاَرباح والمكاسب.

6ـ الزواج الموَقت.

7ـ الاشهاد على الطلاق.

8 ـ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد.

9ـ الحلف بالطلاق.

10ـ الطلاق في الحيض والنفاس.

11ـ الوصية للوارث إذا لم تتجاوز الثلث.

12ـ ارث المسلم من الكافر.

13ـ التعصيب في الارث .

14ـ العول .

15ـ التقيّة في الكتاب والسنّة .


(8)

وبما أنّا صدرنا في هذه المسائل عن الاَحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت بعد الاستضاءة من الكتاب والسنّة، فيطيب لنا البحث في الخاتمة حول مصادر علومهم ليكون كالاَساس لكلّ ما نقلنا عنهم. وإن كان حسب وضع الكتاب خاتمة المطاف.

وإنـّي أتقدّم بكتابي هذا إلى حملة لواء التقريب بين المسلمين ودعاته في جميع أصقاع العالم الاِسلامي وبهذه الاَبيات الرائعة التي تفجّرت من روح موّارة تسعى لصالح تقريب المسلمين ولا تهدأ حتى تتحقّق تلك الا َُمنية بأحسن ما يمكن إن شاء اللّه تعالى.

فيم التفرّق والكتاب المرجع * قلباً إلى قلب يضم ويجمعُ
فيم التفرّق والنبيّ محمد * ينهى عن الصف الشتيت ويردعُ
الوحدة البيضاء نهج نبيّنا * فعـلام نهجُ نبيّنا لا يُتْبعُ
الوحدة البيضاء صخرة عزِّنا * فعلام صخرة عزِّنا تتصدّعُ
إنّ الخلاف طريق كلّ مضـلل * مهما يُزَّين قبحه ويرقّعُ
الدين دين اللّه لا دين الهوى * فتوحَّدوا بطريقه وتسرّعوا

يا من تُفرِّقُنا وتنقض صفَّنا * هبطت عليك مصيبة لا ترفعُ (1)

ونحن وجميع الموَلّفين الاِسلاميين كما يصفهم شاعر الاَهرام، محمد حسن عبد الغني المصري:

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة * ويضمّنا دين الهدى أتباعا
ويوَلّف الاِسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الاِسلام وأهله،
وتُذِلُّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك،
والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.

قم ـ الحوزة العلمية
جعفر السبحاني
16 رمضان المبارك 1413 هـ



(1)الاَبيات للا َُستاذ: محمود البغدادي ـ دام علاه ـ.


(9)

المسألة الا َُولى :

مسح الرجلين أو غسلهما في الوضوء

اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب الاَئمّة الاَربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده، وقالت الشيعة الاِمامية: إنّه المسح، وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية :يجب الجمع بينهما وهو صريح الطبري في تفسيره: ونقل عن الحسن البصري: إنّه مخيّر بينهما (1).

وممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسألة، مع أنّهم رأوا وضوء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كلّ يوم وليلة في موطنه ومهجره، وفي حضره وسفره، ومع ذلك اختلفوا في هذه المسألة التي هي من أشدّ المسائل ابتلاءً، وهذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً، فجعل أوضح المسائل أبهمها.

إنّ الذكر الحكيم تكفّل ببيان المسألة وما أبقى فيها إبهاماً واعضالاً، وقد بيّنها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومن هنا فلابد من الجزم بأنّ المسلمين كانوا قد اتّفقوا على فعل واحد، وإلاّ فما كان هذا الاَمر يخفى، إذن فلا محيص من القول بأنّ الحاضرين في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحـداً: إمّا المسـح أو


(1)الطبري: التفسير : 6|86 ومفاتيح الغيب: 11|162 والمنار : 6|228.


(10)

الغسل، ولم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً. ولو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على الاَجيال الآتية فلا غرو في أن يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل.

وليس فيها شيء أوثق من كتاب اللّه فعلينا دراسة ما جاء فيه، قال سبحانه: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِِلى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِروَوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْن» (1)وقد اختلف القرّاء في قراءة: «وأرجلكم إلى الكعبين» فمنهم من قرأ بالفتح، ومنهم من قرأ بالكسر. إلاّ أنّه من البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فإنّ تجويزهما يضفي على الآية ابهاماً واعضالاً، ويجعل الآية لغزاً، والقرآن كتاب الهداية والارشاد، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان،خصوصاً فيما يتعلّق بالاَعمال والاَحكام التي يبتلى بها عامّة المسلمين، ولا تقاس بالمعارف والعقائد التي يختصّ الامعان فيها بالاَمثل فالاَمثل.

وعلى كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية وبيّنها الاِمام الرازي في تفسيره، ننقل كلامه بتلخيص ـ وسيوافيك مفصل كلامه في آخر البحث ـ :

قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله: «وأرجلكم» وهما:

الاَوّل: قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبو بكر عنه ـ بالجرّ.

الثاني: قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب.


(1)المائدة|6.


(11)

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الاَرجل معطوفة على الروَوس فكما وجب المسح في الرأس، فكذلك في الاَرجل.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» وقوله: «كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مَزَمّلٍ» .

قيل: هذا باطل من وجوه:

1ـ إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لاَجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

2ـ إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، وفي هذه الآية الاَمن من الالتباس غير حاصل.

3ـ إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح، وذلك لاَنّ «بروَوسكم» في قوله: «فامسحوا بروَوسكم» في محل النصب (1)بامسحوا لاَنّه المفعول به، ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء، فإذا عطفت الاَرجل على الروَوس جاز في الاَرجل النصب عطفاً على محل الروَوس، وجاز الجر عطفاً على الظاهر.


(1)يقال: ليس هذا بعالم ولا عاملا. قال الشاعر:

معاوي انّنا بشر فاسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا

لاحظ: المغني لابن هشام: الباب الرابع.


(12)

ونزيد بياناً أنّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محل بروَوسكم، ولا يجوز العطف على ظاهر «أيديكم» لاستلزامه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد، فضلاً عن الجملة.

هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم، ولا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره، فإذا كان هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ والباطل، والمأثورات التي فيها الحديث ذو شجون . مع كونها متضاربة في المقام، فلو ورد فيها الاَمر بالغسل، فقد جاء فيها الاَمر بالمسح، رواه الطبري عن الصحابة والتابعين نشير إليه على وجه الاجمال.

1ـ ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

2ـ كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما، ولمّا خطب الحجّاج وقال: ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، قال أنس: صدق اللّه وكذب الحجّاج، قال اللّه: «وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم إلى الكعبين» وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

3ـ عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل وإنّما نزل فيهما المسح.

4ـ الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح وقال: ألا ترى انّ التيمّم أن يُمسَحَ ما كان غسلاً ويُلْغى ما كان مسحاً.

5ـ عامر: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء: الرأس والرجلان. وقيل له: إنّ أُناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل


(13)

بغسل الرجلين فقال: نزل جبرئيل بالمسح.

6ـ قتادة: في تفسير الآية: افترض اللّه غسلتين ومسحتين.

7ـ الاَعمش: قرأ «وأرجلكم» مخفوضة اللام.

8 ـ علقمة:قرأ «أرجلكم» مخفوضة اللام.

9ـ الضحاك: قرأ «وأرجلكم» بالكسر.

10ـ مجاهد: مثل ما تقدّم (1).

وهوَلاء من أعلام التابعين وفيهم الصحابيان: ابن عباس وأنس وقد أصفقوا على المسح وقراءة الجر الصريحة في تقديم المسح على الغسل، وجمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة فلماذا أُعرض عنهم في هذا المجال المهم والحساس في عبادة المسلم.

إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ ، وهم يسندون المسح إلى النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ويحكون وضوءه به، قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ : «ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه.

وفي رواية أُخرى: ثمّ مسح ببقيّة ما بقى في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء (2).

وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات اتّفقت الشيعة الاِمامية على أنّ


(1)الطبري: التفسير : 6|82 ـ83.
(2)الحرّ العاملي: الوسائل 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 9و 10.


(14)

الوضوء غسلتان ومسحتان، وإلى ذلك يشير السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة:

إنّ الوضوء غسلتان عندنا * ومسحتان والكتاب معنا
فالغسل للوجه ولليدين * والمسح للرأس وللرجلين

وبعد وضوح دلالة الآية، واجماع أئمّة أهل البيت على المسح، واستناداً إلى جملة الاَدلّة الواضحة التي ذكرنا بعضاً منها، فانّ القول بما يخالفها يبدو ضعيفاً ولا يصمد أمام النقاش، إلاّ أنّا سنحاول أن نورد الوجوه التي استدل بها القائلون بالغسل ليتبيّن للقارىَ الكريم مدى ضعف حجّيتها:

1ـ إنّ الاَخبـار الكثـيرة وردت بإيجـاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، ويكون غسل الاَرجل يقوم مقام مسحها (1).

يلاحظ عليه: أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح، وليس شيء أوثق من كتاب اللّه، فلو دلّ على لزوم المسح لا يبقى مجال لترجيحه على روايات المسح.والقرآن هو المهيمن على الكتب والمأثورات، والمعارض منها للكتاب لا يقام له وزن.

وأعجب من ذلك قوله: إنّ الغسل مشتمل على المسح، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان، فالغسل إمرار الماء على المغسول، والمسح إمرار اليد على الممسوح (2)


(1)مفاتيح الغيب: 11|162.
(2)قال سبحانه حاكياً عن سليمان: (رُدّوها عَلَـيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والاَعْناق) ـ ص|33 ـ أي مسح بيده على سوق الصافنات الجيادوأعناقها.


(15)

وهما حقيقتان مختلفتان لغة وعرفاً وشرعاً، ولو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح والغسل، لا الاكتفاء بالغسل.

2ـ ما روي عن علي ـ عليه السّلام ـ من أنّـه كان يقضي بين النــاس فقــال: ««وأرجلكم» هذا من المقدّم والموَخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واغسلوا أرجلكم وامسحوا بروَوسكم) ».

لكنّه يرد: بأنّ أئمّة أهل البيت كالباقر والصادق _ عليهما السلام _ أدرى بما في البيت، وهما اتّفقا على المسح، وهل يمكن الاتّفاق على المسح مع اعتقاد كبيرهم بالغسل؟! إنّ الموَكد هو أنّ هذه الرواية موضوعة عن لسان الاِمام ليثيروا الشك بين أتباعه وشيعته. ولا نعلّق على احتمال التقديم والتأخير شيئاً، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح، إذ هي المرجع للقروي والبدوي، وللحاضر عصر النزول، والغائب عنه، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد، ثمّ إنّه أيّ ضرورة اقتضت هذا التقديم والتأخير، مع إنّه كان من الممكن ذكر الاَرجل بعد الاَيدي من دون تأخير؟ ولو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب، وإنّ غسل الاَرجل بعد مسح الرأس، فكان من الممكن أن يُذكر فعله ويقال: (فامسحوا بروَوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين) . كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النص وما عليه أئمّة أهل البيت من الاتّفاق على المسح.

3ـ ما روي عن ابن عمر في الصحيحن قال: تخلّف عنّا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في سفره، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، وجعلنا نتوضّأ ونمسح


(16)

على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته : «ويل للاَعقاب من النار» ـ مرتين أو ثلاث ـ(1).

ويرد هذا الاستدلال: أنّ هذه الرواية على تعيّن المسح أدلّ من دلالتها على غسل الرجلين، فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يمسحون، وهذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح، وما ذكره البخاري من أنّ الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل، اجتهاد منه، وهو حجّة عليه لا على غيره، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح؟!

على أنّ للرواية معنى آخر توَيّده بعض المأثورات، فقد روي: أنّ قوماً من أجلاف العرب، كانوا يبولون وهم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سبباً لذلك الوعيد (2)ويوَيّد ذلك ما يوصف به بعض الاَعراب بقولهم: بوّال على عقبيه، وعلى فرض كون المراد ما ذكره البخاري، فلا تقاوم الرواية نص الكتاب.

4ـ روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حيّة، قال: رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال: «أردت أن أُريكم طهور نبيّكم» (3).

يلاحظ عليه: أنّ أبا حيّة مجهول لا يعرف، ونقله عنه أبو إسحاق الذي شاخ ونسى واختلط وترك الناس روايته (4)أضف إليه أنّه يعارض ما رواه عنه أهل


(1)صحيح البخاري ج1 كتاب العلم ص 18 باب من رفع صوته، الحديث 1.
(2)مجمع البيان: 2|167.
(3)سنن ابن ماجة: 1|170 باب ما جاء في غسل القدمين الحديث الاَوّل.
(4)لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة 170 وميزان الاعتدال للذهبي: 4|519، برقم 10138 وص 489 باب «أبو إسحاق».


(17)

بيته، وأئمّة أهل بيته، خصوصاً من لازمه في حياته وهو ابن عباس كما مرّ.

5ـ قال صاحب المنار: وأقوى الحجج اللفظية على الاِمامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين، وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء، لاَنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل.

وهذا القول يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره، لكنّا نسأله: لماذا لا تحصل تلك الغاية إلاّ باستيعابها بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد، والاختبار سهل، و نحن لا نرى في العمل اعضالاً وعسراً.

6ـ وقال: إنّ الاِمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم، ويقولون هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم، فلو صحّ هذا لقال: إلى الكعاب كما قال في اليدين: «إلى المرافق»(1).

أقول: إنّ المشهور بين الاِمامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك، وهناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق والقدم، وذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل. وعلى كلّ تقدير، يصح اطلاق الكعبين، وإن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل، فيكون المعنى: (فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين منكم) إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه.


(1)المنار : 6|234.


(18)

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التفسير بما ذكره فإنّه يجب أن يوسع الممسوح ويحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح بالغسل، وكأنّه تخيّل أنّ المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق بها، وأنّه تجفّ إليد قبل الوصول إليهما.

ولعمري أنّ هذه اجتهادات واهية، وتخرّصات لا قيمة لها في مقابل الذكر الحكيم.

7ـ آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الاَرجل هو التمسّك بالمصالح، حيث قال: لا يعقل لاِيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء، لاَنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، وينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النص، فلا شك أنّ الاَحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها، فأي مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار اصبع أو اصبعين حتى قال الشافعي: إذا مسح الرأس باصبع واحدة أو بعض اصبع أو باطن كفه، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

وهناك كلمة قيّمة للاِمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها، قال ـ رحمه اللّهـ: نحن نوَمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم، ولم ينههم إلاّ عمّـا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الاَحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة


(19)

عنها إلى ما سواها. وأوّل تلك الاَدلّة الحكيمة كتاب اللّه عزّ وجلّ، وقد حكم بمسح الروَوس والاَرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الاَرجل من الدنس فلابدّ من احرازه قبل المسح عليها عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1) ولعلّ غسل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجليه ـ المدعى في أخبار الغسل ـ إنّما كان من هذا الباب ولعلّه كان من باب التبرّد، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء. واللّه أعلم (2).

* * *

ثمّ إنّ هناك لفيفاً من أهل السنّة اعترفوا بما ذكرنا من أنّ المستفاد من الكتاب هو المسح لا الغسل، ويطيب لي نقل نصوصهم:
1ـ قال ابن حزم: إنّ القرآن نزل بالمسح، قال اللّه تعالى: «وامسحوا برءوسكم وأرجلكم» وسواء قرىَ بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الروَوس: إمّا على اللفظ وإمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لاَنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة. وهكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح ـ يعني في الرجلين ـ في الوضوء.

وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم علي بن أبي طالب


(1)ولذا ترى حفاة الشيعة والعمال منهم ـ كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطةبالطهارة ـ إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.
(2)مسائل فقهية: 82.


(20)

وابن عباس والحسن وعكرمة والشعبي وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار.

منها أثر من طريق همام، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: ثنا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه، عن عمه ـ هو رفاعة بن رافع ـ أنّه سمع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «إنّـها لا تجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّ وجلّ ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين».

وعن إسحاق بن راهويه: ثنا عيسى بن يونس، عن الاَعمش، عن عبد خير ، عن علي: «كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح حتى رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يمسح ظاهرهما».

ثمّ إنّه ذكر خبر «ويل للاَعقاب من النار» واستظهر منها أنّه يستفاد من الخبر شيء زائد على ما في الآية، ويكون ناسخاً لما فيها، والاَخذ بالزائد واجب.

ولكنّك عرفت أنّ هذا الخبر ـ على فرض صحّته ـ لا يهدف إلى ما يرتئيه من وجوب الغسل، وقد عرفت معنى الرواية.

ثمّ قال: وقال بعضهم: إنّه سبحانه وتعالى قال في الرجلين: «إلى الكعبين» كما قال في الاَيدي: «إلى المرافق» ، دلّ على أنّ حكم الرجلين حكم الذراعين.

فأجاب عنه بقوله: ليس ذكر المرفقين والكعبين دليلاً على وجوب غسل ذلك، لاَنّه تعالى قد ذكر الوجه ولم يذكر في مبلغه حدّاً، وكان حكمه الغسل، لكن لما أمر اللّه تعالى في الذراعين بالغسل كان حكمهما الغسل، وإذا لم يذكر ذلك في


(21)

الرجلين وجب أن لا يكون حكمهما ما لم يذكر فيها إلاّ أن يوجبه نصّ آخر.

قال علي: والحكم للنصوص لا للدعاوي والظنون. وباللّه تعالى التوفيق (1).

2ـ قال الاِمام الرازي: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفّال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الاِمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود الاَصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمّة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخيّر بين المسح والغسل.

حجّة من قال بوجوب المسح مبنى على القراءتين المشهورتين في قوله «وأرجلكم» فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الاَرجل معطوفة على الروَوس فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الاَرجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار كما في قوله: جحر ضبّ خرب. وقوله : كبير أُناس في بجاد مزمل.

قلنا: هذا باطل من وجوه: الاَوّل: أنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لاَجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: أنّ الكسر إنّما يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس، كما في


(1)ابن حزم: المحلّـى: 2| 56 برقم 200.


(22)

قوله: جحر ضب خرب، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الاَمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف، وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، وأمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنّـها توجب المسح. وذلك لاَنّ قوله: «وامسحوا بروَوسكم» فروَوسكم في محل النصب ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الاَرجل على الروَوس جاز في الاَرجل النصب عطفاً على محل الروَوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: «وأرجلكم» هو قوله : «وامسحوا» ويجوز أن يكون هو قوله: «فاغسلوا» لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الاَقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله «وأرجلكم» هو قوله «وامسحوا» فثبت أنّ قراءة «وأرجلكم» بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح. ثمّ قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالاَخبار لاَنّـها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

واعلم أنّه لا يمكن الجواب عن هذا إلاّ من وجهين: أنّ الاَخبار الكثيرة وردت بايجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه (1) وعلى هذا الوجه يجب القطع بأنّ غسل الرجل يقوم مقام مسحها، والثاني: أنّ فرض الرجلين محدود إلى الكعبين، والتحديد إنّما جاء في الغسل لا في المسح.


(1) قد عرفت الجواب عنه فيما سبق.


(23)

والقوم أجابوا عنه بوجهين: الاَوّل: أنّ الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم، وعلى هذا التقدير فيجب المسح إلى ظهر القدمين.

والثاني: أنّـهم سلّموا أنّ الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، إلاّ أنّـهم التزموا أنّه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين، وحينئذ لا يبقى هذا السوَال (1).

3ـ إنّ الزمخشري لمّا سلّم بأنّ قراءة الجر تجرّه إلى القول بوجوب المسح أراد التخلّص منه بقوله:

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟

قلت: الاَرجل من بين الاَعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكانت مظنّة للاِسراف المذموم المنهية عنه، فعطفت على الثالث «الروَوس» الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها (2).

يلاحظ عليه: أنّ الوجوه والاَيدي مظنّة للاِسراف المذموم مثل الاَرجل، فلماذا نبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء في خصوص الاَرجل دون غيرهما مع كون الجميع مظنّة للاِسراف في صبّ الماء.

ولا يخفى أنّه تفلسف في تفسير الآية بشيء تافه لا يرضى به الذوق العربي. فإنّه لو صحّ ما ذكره من الفلسفة فإنّما يصحّ فيما إذا أُمن من الاِلتباس لا في مثل المقام الذي لا يوَمن منه، ويحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح من دون التفات لما ذكره من النكتة البديعة!.


(1)الاِمام الرازي: مفاتيح الغيب: 11|161.
(2)الزمخشري: الكشاف: 1|449.


(24)


(25)

المسألة الثانية :

التثويب (1)في أذان صلاة الفجر

اتفقت الشيعة الاِمامية ـ تبعاً للنصوص المتضافرة من أئمة أهل البيت ـ على أنّ الاَذان ـ ومثله الاِقامة ـ من صميم الدين ومن شعائره، أنزله اللّه سبحانه على قلب سيّد المرسلين وأنّ اللّه الذي فرض الصلاة، هو الذي فرض الاَذان، وأنّ منشىَ الجميع واحد، ولم يشارك في تشريعه أيّ ابن أُنثى، لا في اليقظـة ولا في المنام. ففي جميع فصوله من التكبير إلى التهليل مسحة إلهية، وعذوبة وإخلاص، وسموّ المعنى وفخامته، تثير شعور الاِنسان إلى مفاهيم أرقى، وأعلى وأنبل ممّا في عقول الناس. ولو حاولت يد التشريع الانساني أن تضيف فصلاً إلى فصوله أو تقحم جملة في جُمله لاَصبح المضاف كالحصى بين الدرر والدراري.

والفصل الاَول من فصوله يشهد على أنّه سبحانه أكبر من كل شيء وبالتالي: أقدر وأعظم وأنّ غيره من الموجودات وإن بلغ من العظمة ما بلغ، ضئيل وصغير عنده خاضع لمشيئته.

والفصل الثاني يشهد على أنّه سبحانه هو الاِله في صفحة الوجود وأنّ ما سواه سراب ما أنزل اللّه به من سلطان.


(1)سيوافيك معنى التثويب في محلِّه فانتظر.


(26)

وثالث الفصول، يشهد على أنّ محمّداً _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رسوله، الذي بعثه لاِبلاغ رسالاته وإنجاز دعوته.

ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل صراحه واعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها والتي بها يتّصل الانسان بعالم الغيب، وفيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثمّ الدعوة إلى الفلاح والنجاح، وخير العمل (1)التي تنطوي عليها الصلاة.

وفي نهاية الدعوة إلى الفلاح وخير العمل، يعود ويذكر الحقيقة الاَبدية التي صرّح بها في أوليات فصوله ويقول: اللّه أكبر ، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه، لا إله إلاّ اللّه.

هذه هي حقيقة الاَذان وصورته والجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جملٍ، تحكي عن حقائق أبدية، تصدّ الانسان عن الاِنكباب في شواغل الدنيا وملاذّها.

هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للاَذان، ومتدبر في فصوله ومعانيه، ولكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي ولا لغيري إخفاوَها ـ بشرط التجرّد عن كل رأي مسبق، أو تعصّب لمذهب ـ وهو أنّ الموَذِّن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، والفلاح وخير العمل ـ في أذان صلاة الفجر ـ إلى الاِعلان بأنّ الصلاة خير من النوم ، فكأنّما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلامٍ عارٍ عن الرفعة والبداعة، يُعلِن شيئاً يعرفه الصبيان ومن دونهم، يصيح ـ بجدٍ وحماسٍ ـ على شيء لا يجهله إلاّ من يجهل البديهيات، فإنّ صراخه واعلانه بأنّها خير من النوم، أشبه بصراخ من يُعلن في محتشد كبير بأنّ الاثنين نصف الاَربعة.


(1)سيأتي أنّه من فصول الاَذان أُسقط منها لغاية خاصة.


(27)

هذا هو الذي أحسسته عندما تشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام عام 1375 وأنا أستمع للاَذان في الحرمين الشريفين، ولم تزل تجول في ذهني ومخيلتي أنّ هذا الفصل ليس من كلام الوحي وانّما أُقحم بسبب، بين فصول الاَذان، فهذا ما دعاني إلى البحث والتنقيب في هذا الموضوع فلم أر بدّاً من البحث عن أمرين:

1ـ كيفية تشريع الاَذان ودراسة تاريخه.

2ـ ما هو السبب لدخول هذا الفصل بين فصول الاَذان.

المقام الاَوّل : كيفية تشريع الاَذان ودراسة تاريخه:

اتفقت أئمّة أهل البيت على أنّ اللّه سبحانه هو المشرّع للاَذان، وانّه هبط به جبرئيل وعلّمه رسول اللّه وهو علّمه بلالاً ، ولم يشارك في تشريعه أحد. وهذا عندهم من الا َُمور المسلّمة، نذكر بعض ما أثر عنهم:

1ـ روى ثقة الاِسلام الكليني بسند صحيح عن زرارة و الفضيل، عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ قال: لمّا أُسري برسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى السماء فبلغ البيت المعمور، وحضرت الصلاة، فأذّن جبرئيل _ عليه السلام _ وأقام فتقدم رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصفَّت الملائكة والنبيون خلف محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

2ـ روى أيضـاً بسنـد صحيح عن الاِمـام الصـادق _ عليه السلام _ قــال: لمّا هبط جبرئـيل بالاَذان على رسـول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان رأسـه في حجـر علي _ عليه السلام _ فأذّن جبرئيل وأقام (1)فلمّا انتبه رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: علي سمعت؟ قال: نعم (1)قال:


(1)لا منافاة بين الروايتين وكم نزل أمين الوحي بآية واحدة مرّتين، والغاية من التأذين في الاَوّل غيرها في الثاني كما هو واضح لمن تدبّر.


(28)

حفظتَ؟ قال: نعم .قال: ادع لي بلالاً، فدعا علي _ عليه السلام _ بلالاً فعلّمه.

3ـ روى أيضاً بسند صحيح أو حسن عن عمر بن أذينة عن الصادق ـ عليه السلام ـ قال: تروي هوَلاء؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: في أذانهم ... فقلت: إنّهم يقولون إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم. فقال: كذبوا فانّ دين اللّه أعزّ من أن يرى في النوم. قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكراً. فقال أبو عبد اللّه (الصادق) : إنّ اللّه تعالى لمّا عرج بنبيه «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى سماواته السبع إلى آخره (2).

4ـ وروى محمد بن مكي الشهيد في الذكرى عن فقيه الشيعة في أوائل القرن الرابع، أعني ابن أبي عقيل العماني أنّه روى عن الاِمام الصادق: أنّه لعن قوماً زعموا أنّ النبيّ أخذ الاَذان من عبد اللّه بن زيد (3)فقال: ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنّه أخذ الاَذان من عبد اللّه بن زيد (4).

وليست الشيعة متفردة في هذا النقل عن أئمة أهل البيت، فقد روى الحاكم وغيره نفس النقل عنهم وإليك بعض ما أثر في ذلك المجال عن طريق أهل السنّة.


(1)كان علي _ عليه السلام _ محدَّثاً وهو يسمع كلام الملك. لاحظ صحيح البخاري وشرحه: إرشاد الساري: 6|99 وغيره باب رجاليُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء ... روى عن النبيّ أنّه قال: لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل ...
(2)الكليني: الكافي: 3|302 باب بدء الاَذان الحديث 1ـ 2 وباب النوادر ص 482 الحديث 1. وسيأتي أنّه ادّعى روَية الاَذان في النوم مايقرب من أربعة عشر رجلاً.
(3)سيوافيك نقله عن السنن.
(4)وسائل الشيعة: الجزء 4|612، الباب الاَوّل من أبواب الاَذان والاقامة، الحديث 3.


(29)

5ـ روى الحاكم عن سفيان بن الليل قال: لمّا كان من الحسن بن علي ما كان، قدمت عليه المدينة قال: فقد ذكروا عنده الاَذان فقال بعضنا: إنّما كان بدء الاَذان بروَيا عبد اللّه بن زيد، فقال له الحسن بن علي: إنّ شأن الاَذان أعظم من ذلك، أذَّن جبرئيل في السماء مثنى، وعلّمه رسول اللّه وأقام مرة مرة (1)فعلّمه رسول اللّه (2).

6ـ روى المتقي الهندي عن هارون بن سعد عن الشهيد زيد بن الاِمام علي ابن الحسين عن آبائه عن علي: أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عُلِّمَ الاَذان ليلة أُسري به وفرضت عليه الصلاة (3).

7ـ روى الحلبي عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد بن الحنفية: إنّا لنتحدّث أنّ بدء الاَذان كان من روَيا رآها رجل من الاَنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد بن الحنفية فزعاً شديداً وقال: عمدتم إلى ما هو الاَصل في شرائع الاِسلام، ومعالم دينكم، فزعمتم أنّه كان من روَيا رآها رجل من الاَنصار في منامه، يحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام، قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس. قال: هذا واللّه الباطل ... (4).

8ـ روى المتقي الهندي عن مسند رافع بن خديج: لمّا أُسري برسول اللّه إلى السماء أُوحي إليه بالاَذان فنزل به فعلّمه جبرئيل. (الطبراني في الاَوسط عن ابن عمر ) (5).


(1)المروي عنهم _ عليهم السلام _ أنّ الاِقامة مثنى مثنى إلاّ الفصل الاَخير وهو مرة.
(2)الحاكم: المستدرك: 3|171، كتاب معرفة الصحابة .
(3)المتقي الهندي: كنز العمال: 6|277 برقم 397.
(4)برهان المدني الحلبي: السيرة: 2|297.
(5)المتقي الهندي: 8|329 برقم 23138 ، فصل في الاَذان .


(30)

9ـ ويظهر ممّا رواه عبد الرزاق عن ابن جريج: قال عطاء: إنّ الاَذان كان بوحي من اللّه سبحانه (1).

10ـ قال الحلبي: ووردت أحاديث تدل على أنّ الاَذان شرّع بمكة قبل الهجرة، فمن تلك الاَحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر... ونقل الرواية الثامنة (2).

هذا هو تاريخ الاَذان وطريق تشريعه أخذته الشيعة من عين صافية من أُناسٍ هم بطانة سنّة الرسول يروي صادق عن صادق حتى ينتهي إلى الرسول.

وأمّا غيرهم فقد رووا في تاريخ تشريع الاَذان أُموراً لا تصح نسبتها إلى الرسول الاَعظم، يروون أنّ الرسول كان مهتمّـاً بأمر الصلاة ولكن كان متحيراً في انّه كيف يجمع الناس إلى الصلاة، مع بُعدِ الدار وتفرّق المهاجرين والاَنصار في أزِقَّة المدينة، فاستشار أصحابه في حلّ العقدة فأشاروا إليه بعدة أُمور:

1ـ أن يستعين بنصب الراية فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه.

2ـ أشاروا إليه باستعمال القُبع أي بوق اليهود، فكرهه النبي.

3ـ أن يستعين بالناقوس كما يستعين به النصارى، كرهه أوّلاً ثمّ أمر به فعمل من خشب ليضرب به للناس حتى يجتمعوا للصلاة.

كان النبي الاَكرم على هذه الحالة إذ جاء عبد اللّه بن زيد وأخبر رسول اللّه بأنّه كان بين النوم واليقظة إذ أتاه آت فأراه الاَذان، وكان عمر بن الخطاب قد رآه


(1) عبد الرزاق : همام الصنعاني (126ـ 211): المصنف: 1|456 برقم 1775.
(2)الحلبي: السيرة: 2|296 باب بدء الاَذان ومشروعيته.


(31)

قبل ذلك بعشرين يوماً فكتمه ثمّ أخبر به النبي فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فعلّمه، فتعلّم بلال الاَذان وأذّن.

هذا مجمل ما يرويه المحدثون حول تاريخ تشريع الاَذان، فتجب علينا دراسة أسناده ومتونه، وإليك البيان.

روايات حول كيفية تشريع الاَذان:

1ـ روى أبو داود (202 ـ 275) قال: حدّثنا عباد بن موسى الختلي، وزياد بن أيوب، ـ وحديث عباد أتم ـ قالا: ثنا هشيم، عن أبي بشر، قال زياد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الاَنصار، قال: اهتمّ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القُبْع ـ يعني الشبور ـ قال زياد: شبور اليهود، فلم يُعجبه ذلك، وقال: « هو من أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس فقال: «هو من أمر النصارى» .

فانصرف عبد اللّه بن زيد (بن عبد ربّه) وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، فأُري الاَذان في منامه، قال: فغدا على رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فأخبره فقال (له): يا رسول اللّه، إنّي لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت فأراني الاَذان، قال: وكان عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوماً (1) قال: ثمّ أخبر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال


(32)

له: «ما منعك أن تخبرني» ؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله» قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أنّ الاَنصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لولا أنّه كان يومئذ مريضاً، لجعله رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» موَذناً.

2ـ حدثنا محمد بن منصور الطوسي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، قال: حدثني أبي: عبد اللّه بن زيد، قال: لمّا أمر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي، وأنا نائم، رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد اللّه، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت (له): بلى، قال: فقال تقول:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه.

قال: ثمّ استأخر عني غير بعيد ثمّ قال: وتقول إذا أقمت الصلاة:

اللّه أكبر، اللّه أكبر ، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللّه أكبر ، اللّه أكبر ، لا إله إلاّ اللّه.

فلمّـا أصبحت أتيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأخبرته بما رأيت فقال: «إنّها لروَيا حق


(1)أفيصح في منطق العقل أن يكتم الاِنسان تلك الروَيا التي فيها إراحة للنبيّ وأصحابه عشرين يوماً، ثم يعلّل ذلك ـ بعد سماعها من ابنزيد ـ بأنّه استحيى...


(33)

إن شاء اللّه، فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليوَذّن به، فانّه أندى صوتاً منك». فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويوَذِّن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : فللّه الحمد» (1).

ورواه ابن ماجة (207 ـ 275) بالسندين التاليين:

3ـ حدثنا أبو عبيد: محمد بن ميمون المدني، ثنا محمد بن سلمة الحرّاني، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد عن أبيه، قال: كان رسول اللّه قد همَّ بالبوق، وأمر بالناقوس فنُحِتَ، فأُري عبد اللّه بن زيد في المنام ... إلخ.

4ـ حدثنا: محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي: ثنا أبي، عن عبد الرحمان بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنّ النبي استشار الناس لما يهمّهم إلى الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثمّ ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، فأُري النداء تلك الليلة رجل من الاَنصار يقال عبد اللّه بن زيد وعمر بن الخطاب ...

قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرّها رسول اللّه ... (2).

ورواه الترمذي بالسند التالي:

5ـ حدثنا سعد بن يحيى بن سعيد الاَموي، حدثنا أبي،حدثنا محمد بن


(1)أبو داود: السنن: 1|134ـ135 برقم 498ـ 499 تحقيق محمد محيي الدين.
(2)ابن ماجه: السنن: 1|232ـ233 باب بدء الاَذان، برقم 706 ـ 707.


(34)

إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه قال: لمّا أصبحنا أتينا رسول اللّه فأخبرته بالروَيا ... إلخ.

6ـ وقال الترمذي: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتمَّ من هذا الحديث وأطول، ثم أضاف الترمذي: وعبد اللّه بن زيد هو ابن عبد ربّه، ولا نعرف له عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شيئاً يصحّ إلاّ هذا الحديث الواحد في الاَذان (1).

هذا ما رواه أصحاب السنن المعدودة من الصحاح أو الكتب الستة ولها من الاَهمية ما ليس لغيرها كسنن الدارمي أو الدارقطني أو ما يرويه ابن سعد في طبقاته، والبيهقي في سننه، ولاَجل تلك المكانة الخاصّة فصلنا ما روي في السنن المعروفة، عمّـا روي في غيرها.

فلندرس هذه الروايات متناً وسنداً حتّى تتّضح الحقيقة ثمّ نذكر بقية النصوص الواردة في غيرها فنقول:

هذه الروايات لا تصلح للاحتجاج:

إنّ هذه الروايات غير صالحة للاحتجاج لجهات شتى:

الا َُولى: لا تتفق مع مقام النبوّة:

إنّه سبحانه بعث رسوله لاِقامة الصلاة مع الموَمنين في أوقات مختلفة. وطبع القضية يقتضي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقق هذه الا َُمنية. فلا معنى لتحيّر النبيّ


(1)الترمذي: السنن: 1| 358 ، باب ما جاء في بدء الاَذان برقم 189.


(35)

أياماً طويلة أو عشرين يوماً على ما في الرواية الا َُولى التي رواها أبو داود وهو لا يدري كيف يحقّق المسوَولية الملقاة على عاتقه، فتارة يتوسّل بهذا، وأُخرى بذاك حتى يرشد إلى الاَسباب والوسائل التي توَمِّن مقصوده، مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: «وكانَ فضل اللّهِ عليكَ عَظيماً» (النساء|113) والمقصود من الفضل هو العلم بقرينة ما قبله: «وعلَّمكَ ما لَـمْ تَكُنْ تَعلَم» .

إنّ الصلاة والصيام من الا َُمور العبادية وليسا كالحرب والقتال الذي ربّما كان النبي يتشاور فيه مع أصحابه ولم يكن تشاوره في كيفية القتال عن جهله بالاَصلح، وإنّما كان لاَجل جلب قلوبهم كما يقول سبحانه:

«ولو كُنتَ فَظّاً غَليظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَولكَ فَاعفُ عَنهُمْ وشاوِرْهُمْ في الاَمرِ فإذا عَزمتَ فتوكَّلْ عَلَـى اللّهِ» (آل عمران|159).

أليس من الوهن في أمر الدين أن تكون الروَيا والاَحلام والمنامات من أفراد عاديين، مصدراً لاَمر عبادي في غاية الاَهمية كالاَذان والاِقامة ؟ ...

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ كون الروَيا مصدراً للاَذان أمر مكذوب على الشريعة. ومن القريب جداً أنّ عمومة عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الروَيا وروّجوها، لتكون فضيلة لبيوتاتهم وقبائلهم. ولذلك نرى في بعض المسانيد أنّ بني عمومته هم رواة هذا الحديث، وأنّ من اعتمد عليهم انّما كان لحسن ظنّه بهم.

الثانية: انّها متعارضة جوهراً:

إنّ الروايات الواردة حول بدء الاَذان وتشريعه متعارضة جوهراً من جهات:


(36)

1ـ إنّ مقتضى الرواية الا َُولى (رواية أبي دواد) أنّ عمر بن الخطاب رأى الاَذان قبل عبد اللّه بن زيد بعشرين يوماً. ولكن مقتضى الرواية الرابعة (رواية ابن ماجة) أنّه رأى في نفس الليلة التي رأى فيها عبد اللّه بن زيد.

2ـ إنّ روَيا عبد اللّه بن زيد هو المبدأ للتشريع، وأنّ عمر بن الخطاب لمّا سمع الاَذان جاء إلى رسول اللّه وقال: إنّه أيضاً رأى نفس تلك الروَيا ولم ينقلها إليه استحياءً.

3ـ إنّ المبدأ به، هو نفس عمر بن الخطاب، لا روَياه لاَنّه هو الذي اقترح النداء بالصلاة الذي هو عبارة أُخرى عن الاَذان، روى الترمذي في سننه وقال: كان المسلمون حين قدموا المدينة ... ـ إلى أن قال:ـ وقال بعضهم: اتّخذوا قرناً مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر بن الخطاب: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : يا بلال قم فناد بالصلاة، أي الاَذان.

نعم فسّـر ابن حجر النداء بالصلاة بـ «الصلاة جامعة» (1)ولا دليل على هذا التفسير.

ورواه النسائي والبيهقي في سننهما (2).

4ـ إنّ مبدأ التشريع هو نفس النبي الاَكرم.

روى البيهقي: ... فذكروا أن يضربوا ناقوساً أو ينوّروا ناراً فأُمر بلال أن يشفع الاَذان ويوتر الاِقامة. قال : ورواه البخاري عن محمد بن عبد الوهاب ورواه


(1)الحلبي: السيرة النبوية: 2| 297.
(2)الترمذي: السنن: 1|362 رقم 190، النسائي: السنن: 2|3 ، البيهقي: السنن: 1|389 في باب بدء الاَذان الحديث الاَوّل.


(37)

مسلم عن إسحاق بن عمار (1).

فمع هذا الاختلاف في النقل كيف يمكن الاعتماد على هذه النقول.

الثالثة: انّ الرائي كان أربعة عشر شخصاً لا واحداً:

يظهر ممّا رواه الحلبي أنّ الرائي للاَذان لم يكن منحصراً بابني زيد والخطاب، بل ادّعى أبو بكر أنّه أيضاً رأى نفس ما رأياه وقيل: انّه ادّعى سبعة من الاَنصار، وقيل: أربعة عشر (2)كلّهم ادّعوا أنّهم رأوا في الروَيا الاَذان، وليست الشريعة ورداً لكل وارد، فاذا كانت الشريعة والاَحكام خاضعة للروَيا والاَحلام فعلى الاِسلام السلام. فالرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يستسقي تشريعاته من الوحي لا من أحلامهم.

الرابعة: التعارض بين نقلي البخاري وغيره:

إنّ صريح صحيح البخاري أنّ النبي أمر بلالاً في مجلس التشاور بالنداء للصلاة وعمر حاضر حين صدور الاَمر، فقد روى عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس ينادى لها فتكلّموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل قرناً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول اللّه: يا بلال قم فناد بالصلاة (3).

وصريح أحاديث الروَيا: أنّ النبي إنّما أمر بلالاً بالنداء عند الفجر إذ قصّ


(1)البيهقي: السنن: 1|390. الحديث 1 و 2.
(2) الحلبي: السيرة الحلبية: 2|300.
(3)البخاري: الصحيح: 1|120 باب بدء الاَذان.


(38)

عليه ابن زيد روَياه ذلك بعد الشورى بليلة ـ في أقل ما يتصوّر ـ ولم يكن عمر حاضراً وإنّما سمع الاَذان وهو في بيته، خرج وهو يجر ثوبه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى.

وليس لنا حمل ما رواه البخاري على النداء بـ «الصلاة جامعة» وحمل أحاديث الروَيا على التأذين بالاَذان، فانّه جمع بلا شاهد أوّلاً ، ولو أمر النبي بلالاً برفع صوته بـ «الصلاة جامعة» لحلّت العقدة ثانياً، ورفعت الحيرة خصوصاً إذا كررت الجملة «الصلاة جامعة» ولم يبق موضوع للحيرة وهذا دليل على أنّ أمره بالنداء، كان بالتأذين بالاَذان المشروع (1).

هذه الوجوه الاَربعة ترجع إلى دراسة مضمون الاَحاديث وهي بوحدتها كافية في سلب الركون عليها. وإليك دراسة أسنادها واحداً بعد الآخر. وهي بين موقوف لا يتّصل سندها بالنبي الاَكرم، ومسند مشتمل على مجهول أو مجروح أو ضعيف متروك، وإليك البيان حسب الترتيب السابق.

أمّا الرواية الا َُولى التي رواها أبو داود فهي ضعيفة:

1ـ تنتهي الرواية إلى مجهول أو مجاهيل، لقوله: عن عمومة له من الاَنصار.

2ـ يروي عن العمومة، أبو عمير بن أنس، فيذكره ابن حجر ويقول فيه: روى عن عمومة له من الاَنصار من أصحاب النبي في روَية الهلال وفي الاَذان.

وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.

وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به (2).


(1)شرف الدين: النص والاجتهاد: 137.
(2)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 12|188 برقم 767.


(39)

وقال جمال الدين: هذا ما حدث به في الموضوعين: روَية الهلال والاَذان جميع ما له عندهم (1).

أمّا الرواية الثانية: فقد جاء في سندها من لا يصح الاحتجاج به نظراء:

1ـ محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: أبو عبد اللّه المتوفّـى حدود عام 120.

قال أبو جعفر العقيلي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المدني فقال: في حديثه شيء، يروي أحاديث مناكير، أو منكرة (2).

2ـ محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، فانّ أهل السنّة لا يحتجون برواياته، وإن كان هو الاَساس لـ «سيرة ابن هشام ـ المطبوعة ـ ».

قال أحمد بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين عنه فقال: ... ضعيف عندي سقيم ليس بالقوي.

وقال أبو الحسن الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحاق ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي (3).

3ـ عبد اللّه بن زيد، راوية الحديث و كفى في حقّه أنّه قليل الحديث، قال الترمذي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبي إلاّ حديث الاَذان، قال الحاكم: الصحيح: أنّه قُتل بأُحد، والروايات عنه كلّها منقطعة، قال ابن عدي: لا نعرف


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 34|142 برقم 7545.
(2)المصدر نفسه: 24| 304.
(3)المصدر نفسه: 24|423 ـ424، ولاحظ تاريخ بغداد: 1|221ـ224.


(40)

له شيئاً يصح عن النبيّ إلاّ حديث الاَذان (1).

وروى الترمذي عن البخاري: لا نعرف له إلاّ حديث الاَذان (2).

وقال الحاكم: عبد اللّه بن زيد هو الذي أُرِيَ الاَذان، الذي تداوله فقهاء الاِسلام بالقبول ولم يخرج في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده (3).

وأمّا الرواية الثالثة : فقد اشتمل السند على محمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وقد تعرّفت على حالهما كما تعرفت على أنّ عبد اللّه بن زيد كان قليل الرواية، والروايات كلّها عنه منقطعة.

وأمّا الرواية الرابعة: فقد جاء في سنده:

1ـ عبد الرحمان بن إسحاق بن عبد اللّه المدني.

قال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه وكذلك قال علي بن المديني.

وقال علي أيضاً: سمعت سفيان وسئل عن عبد الرحمان بن إسحاق، قال: كان قدرياً فنفاه أهل المدينة فجاءنا هاهنا مقتل الوليد فلم نجالسه.

وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عنه فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.

وقال أحمد بن عبد اللّه العجلي: يكتب حديثه وليس بالقوي.


(1) السنن: الترمذي: 1|361، ابن حجر: تهذيب التهذيب: 5|224.
(2)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 14|541.
(3)الحاكم: المستدرك: 3|336.


(41)

وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به.

وقال البخاري: ليس ممّن يعتمد على حفظه ... ولا يعرف له بالمدينة تلميذ إلاّ موسى الزمعي، روى عنه أشياء في عدّة منها اضطراب.

وقال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر. وقال أحمد بن عدي: في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع (1).

2ـ محمد بن عبد اللّه الواسطي (150 ـ 240) فيعرّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه، وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين فقال: رجل سوء كذاب، وأخرج أشياء منكرة، وقال أبو عثمان سعيد بن عمر البردعي: وسألته ـ أبا زرعة ـ عن محمد بن خالد ، فقال: رجل سوء، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: يخطىَ ويخالف (2).

وقال الشوكاني بعد نقل الرواية: وفي اسناده ضعف جدّاً (3).

وأمّا الرواية الخامسة: فقد جاء في سندها:

1ـ محمد بن إسحاق بن يسار.

2ـ محمد بن الحارث التيمي.

3ـ عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على جرح الاَوّلين، وانقطاع السند في كل ما يرويان عن الثالث


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 16|519 برقم 3755.
(2)المصدر نفسه: 25|139 برقم 5178.
(3)الشوكاني: نيل الاَوطار : 2|42.


(42)

وبذلك يتضح حال السند السادس فلاحظ.

هذا ما ورد في الصحاح. أمّا ما ورد في غيرها فنذكر منه ما رواه الاِمام أحمد، والدارمي، والدارقطني في مسانيدهم، والاِمام مالك في موطئه، وابن سعد في طبقاته والبيهقي في سننه وإليك البيان:

ألف ـ ما رواه الاِمام أحمد في مسنده:

روى الاِمام أحمد روَيا الاَذان في مسنده عن عبد اللّه بن زيد بأسانيد ثلاثـة(1):

1ـ قد ورد في السند الاَول زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفّـى 203 هـ).

وقد وصفوه بكثرة الخطأ وله أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة اسنادها، وقال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة (2).

كما اشتمل على عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، وليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ رواية واحدة وهي هذه، وفيها فضيلة لعائلته، ولاَجل ذلك يقل الاعتماد عليها.

كما اشتمل الثاني على محمد بن اسحاق بن يسار الذي تعرَّفت عليه.

واشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، وينتهي إلى عبد اللّه بن زيد وهو قليل الحديث جداً.


(1)الاِمام أحمد: المسند: 4|42ـ 43.
(2)الذهبي: ميزان الاعتدال: 2|100 برقم 2997.


(43)

وقد جاء في الرواية الثانية بعد ذكر الروَيا وتعليم الاَذان لبلال:

إنّ بلالاً أتى رسول اللّه فوجده نائماً فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر.

ب ـ ما رواه الدارمي في مسنده:

روى روَيا الاَذان الدارمي في مسنده بأسانيد، وكلها ضعاف وإليك الاَسانيد وحدها:

1ـ أخبرنا محمد بن حميد، ثنا سلمة، حدثني محمد بن إسحاق وقد كان رسول اللّه حين قدمها ... الخ.

2ـ نفس هذا السند وجاء بعد محمد بن إسحاق: حدّثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه عن أبيه بهذا الحديث.

3ـ أخبرنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق ... والباقي نفس ما جاء في السند الثاني (1).

والاَول منقطع، والثاني والثالث مشتملان على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وقد عرفت حاله، كما تعرفت على حال ابن إسحاق.

ج ـ ما رواه الاِمام مالك في الموطأ:

روى الاِمام مالك روَيا الاَذان في موطئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى


(1) الدارمي: السنن: 1|267 ـ 269 باب بدء الاَذان.


(44)

ابن سعيد أنّه قال: كان رسول اللّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما ... (1).

والسند منقطع، والمراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود عام 70 وتوفي بالهاشمية سنة 143 (2).

د ـ ما رواه ابن سعد في طبقاته:

رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد (3)موقوفه لا يحتج بها:

الاَوّل: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفّي في عشر التسعين وقيل سنة 99.

والثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي تولّد عام 29 وتوفّـي عام 93.

والثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفّـي عام 136.

والرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفّـي عام 94 وإلى عبد الرحمان ابن أبي ليلى الذي توفي عام 82، أو 83.

وقال الذهبي في ترجمة عبد اللّه بن زيد: حدّث عنه سعيد بن المسيب وعبد الرحمان بن أبي ليلى ـ ولم يلقه ـ (4).

وروى أيضاً بالسند التالي:

أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الاَزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدثني


(1)مالك: الموطأ : 75 باب ما جاء في النداء للصلاة برقم 1.
(2)الذهبي: سير أعلام النبلاء: 5|468 برقم 213.
(3)ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1|246ـ247.
(4)الذهبي: سير أعلام النبلاء: 2|376 برقم 79، وسيوافيك تفصيله في المقام الثاني. والضمير يرجع إلى عبد الرحمن، وسيوافيك أنّه منالبعيد أن يروي سعيد بن المسيب عن عبد اللّه بن زيد.


(45)

عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس ... حتى أُريَ رجل من الاَنصار يقال له عبد اللّه بن زيد، وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... ـ إلى أن قال: ـ فزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرّها رسول اللّه.

فقد اشتمل السند على:

1ـ مسلم بن خالد بن قرقرة: ويقال: ابن جرحة.

ضعّفه يحيى بن معين. وقال علي بن المديني: ليس بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر (1).

2ـ محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري المدني (51 ــ123).

قال أنس بن عياض، عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطى الكتاب فلا يقرأه ولا قرىَ عليه فيقال له: نروي هذا عنك فيقول: نعم.

وقال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي: سمعت سفيان الثوري: أتيت الزهري فتثاقل عليّ فقلت له: لو أنّك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا، فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليَّ كتاباً فقال: خذ هذا فاروه عنّي فما رويت عنه حرفا (2).


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 27|508 برقم 5925.
(2) المصدر نفسه: 26|439ـ440.


(46)

هـ : ما رواه البيهقي في سننه:

روى البيهقي روَيا الاَذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علاّت وإليك الاشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:

الاَوّل: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الاَنصار ، وقد تعرفت على أبي عمير بن أنس، أنّه قال فيه ابن عبد البر : وإنّه مجهول لا يحتجّ به يروي عن مجاهيل (1)باسم العمومة، ولا دليل على كون هوَلاء من الصحابة، وإن افترضنا عدالة كل صحابي، وعلى فرض التسليم أنّ العمومة كانوا منهم لكن موقوفات الصحابي ليست بحجّة إذ لا علم بأنّه روى عن الصحابي.

الثاني: يشتمل على أُناس لا يحتج بهم:

1ـ محمد بن إسحاق بن يسار.

2ـ محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.

3ـ عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على الجميع.

الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفّـى عام 94 عن عبد اللّه بن زيد وقد عرفت أنّه لم يدركا عبد الله بن زيد.(2) وقد توفي عبد اللّه بن زيد سنة 32هـ وقد تولّد سعيد بن المسيب ـ حسب ما ينقله الذهبي ـ لسنتين مضتا من خلافة عمر . وعلى ذلك فقد تولّد عام 15 هـ فيكون عمره عند وفات زيد قريباً من 17 سنة.


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 12|188 برقم 768.
(2)البيهقي: السنن: 1|390.


(47)

و ـ ما رواه الدارقطني:

روى الدارقطني روَيا الاَذان بأسانيد، إليك بيانها:

1ـ حدثنا محمد بن يحيى بن مرداس، حدثنا أبو داود، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد، ثنا محمد بن عمرو ، عن محمد بن عبد اللّه، عن عمِّه عبد اللّه بن زيد.

2ـ حدثنا محمد بن يحيى: ثنا أبو داود، ثنا عبيد اللّه بن عمر، ثنا عبد الرحمان ابن مهدي، ثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عبد اللّه بن محمد، قال: كان جدي عبد اللّه بن زيد بهذا الخبر (1).

وقد اشتمل السندان على محمد بن عمرو ، و هو مردّد بين الاَنصاري، الذي ليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ هذه الرواية، قال الذهبي: لا يكاد يعرف، وبين محمد بن عمرو أبو سهل الاَنصاري الذي ضعّفه يحيى القطان، وابن معين وابن عدي (2).

3ـ حدثنا أبو محمد بن ساعد، ثنا الحسن بن يونس، ثنا الاَسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الاَعمش عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الاَنصار، يعني عبد اللّه بن زيد، إلى النبي فقال: إنّي رأيت في النوم ... (3).


(1)الدارقطني: السنن: 1|245 برقم 56 و 57.
(2)الذهبي: ميزان الاعتدال: 3|674 برقم 8017 و 8018 ، جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 26|220 برقم 5516، ابن حجر : تهذيبالتهذيب: 9|378 برقم 620.
(3)الدارقطني: السنن: 1|242 برقم 31.


(48)

وهذا السند منقطع لاَنّ معاذ بن جبل توفي عام 20 أو 18 وتولّد عبد الرحمان بن أبي ليلى، سنة 17، مضافاً إلى أنّ الدارقطني ضعّف عبد الرحمان وقال: ضعيف الحديث سيّىَ الحفظ وابن أبي ليلى لا يثبت سماعه من عبد اللّه بن زيد (1).

إلى هنا تم الكلام في المقام الاَوّل واتّضح أنّ الاَذان انّما شرع بوحي إلهي لا بروَيا عبد اللّه بن زيد ولا بروَيا عمر بن الخطاب ولا غيرهما كائناً من كان، وانّ هذه الاَحاديث، متعارضة جوهراً، غير تامّة سنداً، لا يثبت بها شيء، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث من الاستنكار العقلي فلاحظ.

وحان البحث عن كيفية دخول التثويب في أذان الفجر، وهذا هو المقام الثاني الذي نتلوه عليك فنقول:

المقام الثاني: ما هو السبب لدخول التثويب في أذان صلاة الفجر

التثويب من ثاب يثوب: إذا رجع فهو بمعنى الرجوع إلى الاَمر بالمبادرة إلى الصلاة، فانّ الموَذّن إذا قال: «حيّ على الصلاة» فقد دعاهم إليها، فإذا قال: «الصلاة خير من النوم» فقد رجع إلى كلام معناه: المبادرة إليها.

وفسّـره صاحب القاموس: بمعان منها: الدعاء إلى الصلاة، وتثنية الدعاء، وأن يقول في أذان الفجر «الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ».

وقال في المغرب: التثويب: القديم، هو قول الموَذن في أذان الصبـح: «الصـلاة خـير من النوم ـ مرتين ـ » والمحـدَث «الصـلاة الصـلاة» أو «قامت


(1)الدارقطني: السنن: 1|242 برقم 31.


(49)

قامت» (1).

والظاهر أنّه غلب استعماله بين أئمّة الحديث في القول المذكور أثناء الاَذان، ربّما يطلق على مطلق الدعوة بعد الدعوة، فيعم ما إذا نادى الموَذن بعد تمام الاَذان بالقول المذكور أيضاً أو بغيره ممّـا يفيد الدعوة إليها بأيّ لفظ شاء.

قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: التثويب هو العود إلى الاعلام بعد الاعلام، وقول الموَذن «الصلاة خير من النوم» لا يخلو عن ذلك . فسمي تثويباً(2).

فالمقصود في المقام تبيين حكم قول الموَذن أثناء الاَذان لصلاة الفجر: الصلاة خير من النوم، فهل هو مشروع أو بدعة حدثت بعد النبي لما استحسنه بعض الناس من اقراره في الاَذان، سواء كان هو التثويب فقط أو عمَّ مطلق الدعوة إلى الصلاة ولو بعد تمام الاَذان، بهذا اللفظ أو بغيره.

فنقول: التثويب بهذا المعنى ورد تارة في خلال أحاديث روَية الاَذان، وأُخرى في غيرها، أمّا الاَوّل فقد ورد في ما يلي:

1ـ ما رواه ابن ماجة (الرواية الرابعة) وقد عرفت نصَّ الشوكاني على ضعفها (3) .

2ـ ما رواه الاِمام أحمد: وقد عرفت ما في سنده من الضعف حيث جاء فيه:


(1)ابن الاثير: النهاية في غريب الحديث: 1|226 وابن منظور: لسان العرب مادة «ثوب»، والفيروز آبادي: القاموس، مادة «ثوب». والبحراني: الحدائق: 7|419.
(2) السنن: 2|14 قسم التعليقة.
(3) لاحظ ص 41 من هذا الكتاب.


(50)

محمد بن إسحاق، وابن شهاب الزهري وعبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه (1).

3ـ ما رواه ابن سعد في طبقاته: وفي سنده: مسلم بن خالد بن قرقرة وقد عرفت ضعفه (2).

وأمّا الثاني فقد نقله أصحاب السنن وإليك النصوص:

4ـ ما رواه ابن ماجة: بالسند التالي: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمد بن عبد اللّه الاَسدي، عن أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى عن بلال، قال: أمرني رسول اللّه أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء (3)وفي هذه الرواية دلالة على أنّ التثويب يستعمل في مطلق الدعوة إلى الصلاة، وإن لم يكن بلفظ «الصلاة خير من النوم» بشهادة النهي عن التثويب في العشاء، لاَنّ الاَنسب للتثويب في صلاة العشاء هو «الصلاة جامعة» ، أو «قد قامت الصلاة» وغيرهما.

5 ـ حدثنا عمرو بن رافع، ثنا عبد اللّه بن المبارك، عن معمر ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن بلال: أنّه أتى النبيّ يوَذِّنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأُقرت في تأذين الفجر فثبت الاَمر على ذلك (4).

والسندان منقطعان أمّا الاَوّل: فابن أبي ليلى ولد عام 17 ومات بلال عام 20 أو 21 بالشام وكان مرابطاً بها قبل ذلك من أوائل فتوحها، فكيف يسمع منه


(1)لاحظ ما نقلناه عن الاِمام أحمد، بعد أحاديث السنن ص42.
(2)لاحظ ص 44 من هذا الكتاب.
(3)ابن ماجة: السنن: 1|237 برقم 715ـ 716.
(4)ابن ماجة: السنن: 1|237 برقم 715ـ 716.


(51)

مع حداثة السن وتباعد الديار (1).

ورواه الترمذي مع اختلاف في أوّل السند وقال: حديث بلال لا نعرفه إلاّ من حديث أبي إسرائيل الملاّئي، وأبو إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم (ابن عيينة) قال: إنّما رواه عن الحسن بن عمارة عن الحكم.

وأبو إسرائيل اسمه: إسماعيل بن أبي إسحاق وليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث (2).

أمّا الثاني فقد قال فيه ابن ماجة نقلاً عن الزوائد: اسناده ثقات إلاّ أنّ فيه انقطاعاً (لاَنّ) سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال (3).

6ـ ما رواه النسائي: أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد اللّه، عن سفيان، عن أبي جعفر ، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال: كنت أُوَذن لرسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكنت أقول في أذان الفجر: حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه (4).

وفي سنن البيهقي (5)وسبل السلام (6)مكان «أبي سلمان» : «أبي سليمان» .

قال البيهقي: وأبو سليمان اسمه «همام الموَذن» ولم نجد ترجمة لهمام الموَذّن فيما بأيدينا من كتب الرجال فلم يذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، ولا المزّي في تهذيب الكمال ،والرجل غير معروف.


(1)الشوكاني: نيل الاَوطار : 2|42.
(2)الترمذي: السنن: 1|378 ، برقم 198.
(3)ابن ماجة: السنن: 1|237، برقم 716، وولد سعيد بن المسيب عام 13 وتوفي عام 94.
(4)النسائي: السنن: 2| 13 باب التثويب في الاَذان .
(5)البيهقي: السنن: 1|422، الصنعاني: سبل السلام: 1|221.
(6)البيهقي: السنن: 1|422، الصنعاني: سبل السلام: 1|221.


(52)

وأمّا أبو محذورة فهو من الصحابة لكنّه قليل الرواية، لا يتجاوز ما رواه عن عشر روايات وقد أذّن لرسول اللّه في العام الثامن، في غزوة حنين (1).

7ـ ما رواه البيهقي في سننه بسند ينتهي إلى أبي قدامة عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه، عن جده قال: يا رسول اللّه علّمني سنّة الاَذان، وذكر الحديث وقال فيه: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قل: الصلاة خير من النوم ، الصلاة خير من النوم...

8 ـ ما رواه أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن السائب: أخبرني أبي، وأُم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نحوه (2).

ومحمد بن عبد الملك قد تعرّفت على حاله. وعثمان بن السائب ولداً ووالداً، غير معروفين ليس لهما إلاّ رواية واحدة (3).

9ـ ما رواه أبو داود بسند ينتهي إلى الحرث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول اللّه علّمني سنّة الاَذان ـ إلى أن قال : ـ فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ... (4).

والسند مشتمل على محمد بن عبد الملك، قال ابن حجر: قال عبد الحق: لا يحتج بهذا الاسناد، وقال ابن القطان: مجهول الحال، لا نعلم روى عنه إلاّ


(1)ابن حزم الاَندلسي: أسماء الصحابة الرواة: برقم 188.
(2)البيهقي: السنن: 1|421 ـ 422 باب التثويب في أذان الصبح.
(3) الذهبي: ميزان الاعتدال : 2|114، برقم 3075 (السائب)، وابن حجر: تهذيب التهذيب: 7|117 برقم 252 (عثمان بن السائب).
(4)أبو داود: السنن: 1|136، برقم 500.


(53)

الحارث(1).

وقال الشوكاني في حقّ محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة: غير معروف الحال، والحرث بن عبيد وفيه مقال (2).

10ـ روى أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن سائب: أخبرني أبي، وأُم عبد المالك بن أبي محذورة عن أبي محذورة عن النبي. نحو هذا الخبر (3).

وقد عرفت ضعف السند.

11ـ روى أيضاً بسند ينتهي إلى إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنّه سمع أبا محذورة يقول: ألقى عليّ رسول اللّه الاَذان حرفاً حرفاً ـ إلى أن قال ـ: وكان يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم ... (4).

وإبراهيم بن إسماعيل له رواية واحدة، وهو بعد لم يوثق (5)مضافاً إلى احتمال الانقطاع في السند.

وما رواه الدارقطني فعلى أقسام:

12ـ ما يدل على أنّه سنّة في الاَذان، رواه عن أنس من دون أن ينسبه «أنس» إلى النبي وفيه أحاديث ثلاثة (6).


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب :9|317.
(2)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|43.
(3)أبو داود: السنن: 1|136 ـ 137 ، باب كيفية الاَذان برقم 501ـ 504.
(4)أبو داود: السنن: 1|136 ـ 137 ، باب كيفية الاَذان برقم 501ـ 504.
(5)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 2|44 برقم 147.
(6)الدارقطني: السنن: 1|243 برقم 38ـ39ـ40.


(54)

13ـ ما يدل على أنّ النبي أمر بلالاً بذلك لكن السند منقطع. رواه عبد الرحمان بن أبي ليلى عن بلال (1)مع ضعف في سنده لمكان عبد الرحمان بن الحسن فيه المكنّى بـ «أبي مسعود الزجاج» وقد عرّفه أبو حاتم: بأنّه لا يحتج به وإن ليّنه الآخرون (2).

14ـ ما يدل على جواز الاعلام بعد الاَذان، بأي شكل اتّفق وهو خارج عن المقصود وقد ضعف بعض من جاء في سنده (3).

ما رواه الدارمي:

15ـ روى الدارمي بسند ينتهي إلى الزهري عن حفص بن عمر بن سعد الموَذن ... قال حفص: حدثني أهلي، أنّ بلالاً أتى رسول اللّه يوَذِّنه لصلاة الفجر فقالوا: إنّه نائم، فنادى بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. فأُقرّت في أذان صلاة الفجر (4).

والرواية لا يحتج بها لمكان الزهري أوّلاً، وحفص بن عمر الذي ليس له إلاّ رواية واحدة وهي هذه (5)مضافاً إلى كون الاَصل الناقل مجهولاً.

16ـ ما رواه الاِمام مالك: إنّ الموَذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يوَذنه لصلاة


(1)الدارقطني: السنن: 1|243 برقم 41.
(2) الذهبي: ميزان الاعتدال: 2|556 برقم 4851.
(3)الدارقطني: السنن: 1| 244ـ 245 برقم 48 ،51 ،52 ،53.
(4) الدارمي : السنن: 1 / 270 ، باب التثويب في أذان الفجر.
(5)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 7|30 برقم 1399، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: 1|560 برقم 2129 : تفرّد عن حفص،الزهري.


(55)

الصبح فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم. فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح (1).

حصيلة الروايات:

إنّ روايات التثويب متعارضة جداً لا يمكن ارجاعها إلى معنى واحد، وإليك أقسامها:

1ـ ما يدل على أنّ عبد اللّه بن زيد رآه في روَياه وأنّه كان جزءاً من الاَذان من أوّل الاَمر.

2ـ ما يدل على أنّ بلالاً زاده فيه وقرّره النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على أن يجعله بلال جزءاً من الاَذان كما في رواية الدارمي.

3ـ ما يدل على أنّ عمر بن الخطاب أمر الموَذّن أن يجعلها في نداء الصبح كما رواه الاِمام مالك.

4ـ ما يدل على أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ علّمها أبا محذورة، كما رواه البيهقي في سننه.

5ـ ما يظهر أنّ بلالاً ينادي بالصبح فيقول: «حيَّ على خير العمل» فأمره النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يجعل مكانها : « الصلاة خير من النوم» وترك «حيّ على خير العمل» كما رواه المتقي الهندي في كنزه (8|345 برقم 23188).

ومع هذا التعارض الواضح، لا يمكن الركون إليها وبما أنّ أمرها دائر بين


(1)الاِمام مالك: الموطأ: 78 برقم 8.


(56)

السنّة والبدعة، فتركها متعيّن لعدم العقاب على تركها، بخلاف ما لو كانت بدعة.

تصريح أعلام الا َُمّة على كونها بدعة:

وهناك من يراها بدعة وأنّه لم يأمر بها النبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» وإنّما حدثت بعده _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وإليك نصوصهم:

1ـ قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن حفص أنّ سعداً (الموَذّن) أوّل من قال: الصلاة خير من النوم، في خلافة عمر فقال عمر: بدعة، ثمّ تركه وانّ بلالاً لم يوَذّن لعمر.

2ـ وعنه أيضاً: أخبرني حسن بن مسلم أنّ رجلاً سأل طاووساً: متى قيل الصلاة خير من النوم؟ فقال: أما أنّها لم تقل على عهد رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ولكن بلالاً، سمعها في زمان أبي بكر بعد وفاة رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» . يقولها رجل غير موَذن، فأخذها منه. فأذّن بها فلم يمكث أبو بكر إلاّ قليلاً حتى إذا كان عمر قال: لو نهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث وكأنّه نسيه وأذّن بها الناس حتى اليوم (1).

3ـ روى عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ليث عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر فسمع رجلاً يثوب في المسجد فقال: اخرج بنا من (عند) هذا المبتدع (2).


(1)المتقي الهندي: كنز العمال: 8|357 برقم 23252 و 23251 ، ورواه عبد الرزاق في المصنف: 1|474 برقم 1827 و 1828 و 1829.
(2)عبد الرزاق الصنعاني: المصنف: 1|475 برقم 1832، ورواه أيضاً المتقي الهندي: 8|357 برقم 23250 .


(57)

نعم يظهر ممّا رواه أبو داود في سننه أنّ الرجل ثوب في الظهر والعصر لا في صلاة الفجر (1).

4ـ ما روي عن أبي حنيفة كما في جامع المسانيد عنه عن حماد عن إبراهيم قال: سألته عن التثويب؟ فقال: هو ممّا أحدثه الناس وهو حسن، ممّا أحدثوه. وذكر أنّ تثويبهم كان حين يفرغ الموَذّن من أذانه: إنَّ الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ. قال: أخرجه الاِمام محمد بن الحسن (الشيباني) في الآثار فرواه عن أبي حنيفة ثمّ قال محمد: وهو قول أبي حنيفة ـ رضي اللّه عنه ـ وبه نأخذ (2).

وهذه الرواية تدلّ على أنّ التثويب في عصر الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» أو في عصر الخلفاء كان بعد الفراغ عن الاَذان ولم يكن جزءاً منه وانّما كان يذكره الموَذّن من عند نفسه ايقاظاً للناس من النوم. ثمّ إنّه أُدرج في نفس الاَذان.

5ـ قال الشوكاني نقلاً عن البحر الزخار: أحدثه عمر فقال ابنه: هذه بدعة. وعن علي _ عليه السلام _ حين سمعه : لا تزيدوا في الاَذان ما ليس منه، ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وبلال: قلنا لو كان لما أنكره علي وابن عمر وطاووس سلمنا فأُمرنا به اشعاراً في حال، لا شرعاً جمعاً بين الآثار (3).

6ـ وقال الاَمير اليمني الصنعاني المتوفى عام 182: قلت: وعلى هذا ليس «الصلاة خير من النوم» من ألفاظ الاَذان المشروع للدعاء إلى الصلاة والاخبار بدخول وقتها، بل هو من الاَلفاظ التي استعملت لايقاظ النائم فهو كألفاظ


(1)أبو داود: السنن: 1|148 برقم 538.
(2)الخوارزمي: جامع المسانيد: 1|296.
(3)الشوكاني: نيل الاَوطار : 2|43 ولعلّ الصحيح «شعاراً» لا «اشعاراً».


(58)

التسبيح الاَخير الذي اعتاده الناس في هذه الاَعصار المتأخرة عو ضاً عن الاَذان الاَوّل. ثم قال: وإذا عرفت هذا، هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب هل هو من ألفاظ الاَذان أو لا، وهل هو بدعة أو لا ؟ (1).

7ـ نقل ابن قدامة عن إسحاق أنّه بعد ما نقل رواية أبي محذورة قال: هذا شيء أحدثه الناس، وقال أبو عيسى: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم وهو الذي خرج منه ابن عمر من المسجد لما سمعه (2).

8 ـ ما استفاض من أئمّة أهل البيت من كونها بدعة: روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه عن التثويب الذي يكون بين الاَذان والاِقامة؟ قال: لا نعرفه (3).

والذي أحتمله جداً من خلال دراسة ما ورد حول الاَذان: أنّ عائلتين استغلّتا ما روي عن جدّهم عبد اللّه بن زيد وأبي محذورة فعمدتا إلى نشر ما نُسِبَ إلى جدهما لما فيه من فضيلة للعائلة، ولولا ذلك لم يكن لهذين الاَمرين (تشريع الاَذان بالروَيا والتثويب في أذان صلاة الفجر) انتشار بهذا النحو الواسع، ولاَجل ذلك ربّما يرتاب الانسان فيما نقل عن جدهما، وقد عرفت وجود رواتٍ في أسانيد الروايات يُنسَبون إلى هاتين العائلتين.

* * *


(1)الصنعاني: سبل السلام في شرح بلوغ المرام: 1|222.
(2)ابن قدامة: المغني: 1|419 ـ 420.
(3)الوسائل: 4|الباب 92 من أبواب الاَذان والاِقامة، الحديث 1، ولاحظ أحاديث الباب.


(59)

قد تقدم منّا أنّ التصرّف في الاَذان بادخال التثويب ليس فريداً في بابه، بل له نظير آخر، وهو: حذف «حيّ على خير العمل» من فصول الاَذان والاِقامة، وذلك لغاية أن لا يكون الاعلان به في الاَذان سبباً في تثبيط العامة عن الجهاد، لاَنّ الناس إذا عرفوا أنّ الصلاة خير العمل، لاقتصروا عليها وأعرضوا عن الجهاد.

وهذا بعين اللّه اطاحة بالتشريع وتصرّفٌ فيه، بتفلسفٍ تافه. فانّ المشرّع كان واقفاً على هذا المحذور ، ومع ذلك أدخله في الاَذان.

قال القوشجي ـ وهو من متكلّمي الاَشاعرة ـ ناقلاً عن الخليفة الثاني أنّه قال على المنبر:

ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنا أنهى عنهنّ وأُحرّمهنّ وأُعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل (1).

وقد أطبقت الشيعة على كونه جزءاً من الاَذان، وعلى ذلك جروا ، من العهد النبوي إلى يومنا هذا، وصار ذلك شعاراً لهم. وإنّ كثيراً من الموَرّخين يكنّون عن الشيعة بمن يحيعلون أي الذين يقولون: «حيّ على خير العمل».

قال أبو الفرج في «مقاتل الطالبيين» في مقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير الموَمنين _ عليه السلام _ : أنّه استولى على المدينة، وصعد عبد اللّه بن


(1)علاء الدين القوشجي (المتوفى عام 879 هـ بالقسطنطينية): شرح التجريد: اقرأ ترجمته في كتابنا «بحوث في الملل والنحل ج2 ـ ط.بيروت.


(60)

الحسن الاَفطس المنارة التي عند رأس النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عند موضع الجنائز ، فقال للموَذّن: أذّن بـ «حي على خير العمل» ... (1).

وقال الحلبي: إنّ ابن عمر والاِمام زين العابدين عليّ بن الحسين ـ عليهما السلام ـ كانا يقولان في الاَذان بعد «حيّ على الفلاح» : «حيّ على خير العمل» (2).


(1)أبو الفرج الاصفهاني (284 هـ ـ 356 هـ): مقاتل الطالبيين : 297.
(2)برهان الدين الحلبي: السيرة: 2| 295.


(61)

المسألة الثالثة :

وضع اليد اليمنى على اليسرى
في القراءة

اتّفق المسلمون على عدم وجوب القبض الذي يعبّـر عنه بوضع اليمين على الشمال أو بالتكتيف أو بالتكفير (1)ولكن اختلفوا في حكمه في ما عدا الوجوب.

فقالت الحنفية: إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، والاَفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سرّته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.

وقالت الشافعية: أنّه يُسَنُّ للرجل والمرأة، والاَفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرة، ممّا يلي الجانب الاَيسر.

وقالت الحنابلة: أنّه سنّة والاَفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلها تحت السرة.

وقالت المالكية: بأنّه جائز ، ولكن يندب ارسال اليدين في صلاة الفرض.


(1)من تكفير العلج للملك، بمعنى وضع يده على صدره، والتضامن له.


(62)

فهوَلاء اتّفقوا على عدم وجوبه بينما تراه الاَكثرية أنّه مسنون، والمالكية على خلافه، وقد صرّح غير واحد من أهل السنّة بكونه غير واجب (1).

وقد نقل عن المالكيّة أنّ بعضهم استحبّه وبعضهم استحبّ الارسال وكرهه، وبعضهم خَيّر بين الوضع والارسال (2).

وأمّا الشيعة، فالمشهور بينهم كونه حراماً ومبطلاً وقال بعضهم: إنّه حرام وليس بمبطل، إلى ثالث كالحلبي، قال: إنّه مكروه. ومن أراد أن يقف على دلائل القائلين والروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت في هذا المجال فليرجع إلى مظانّه(3).

ومع أنّ أهل السنّة اتّفقوا على عدم وجوبه، فقد أثارت المسألة مشكلاً في الاَوساط الاِسلامية، أنّ الشيعة بأجمعهم تبعاً للنهي عن أئمّة أهل البيت، يرسلون الاَيدي في حال الصلاة فترى أنّ كثيراً من عوام أهل السنّة ينظرون إليهم بنظر خاص، وربّما يعدّونهم مبتدعين بتركهم هذا العمل مع أنّ أقصى ما عندهم كونه أمراً مسنوناً، ولا يعد ترك السنّة بدعة مع أنّ المالكية يكرهونه، مضافاً إلى أنّ أئمة أهل البيت نهوا عنه.

وعلى كلّ تقدير فعلى المخلصين من دعاة التقريب السعي في أن لا يقع ارسال اليدين أو قبضهما ذريعة للتفرقة.


(1)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: ص 110.
(2)صحيح مسلم: 1| 382، موَسسة عزّ الدين، بيروت 1407.
(3)النجفي، جواهر الكلام : 11| 15و 16، ولاحظ وسائل الشيعة : 4| 126 الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة.


(63)

والمسألة لم تحدث مشكلاً بين الشيعة بل ربّما صارت ذريعة بين أهل السنّة للضرب والشتم وسفك الدم بحجّة أنّ إمام هذا المصلّـي يتكتّف على كيفية، وإمام المصلّـي الآخر يقبض على كيفية أُخرى أو يرسل يديه.

يقول محمد صالح العثيمين:

«لقد جرى في سنة من السنين مسألة في «منى» على يدي ويد بعض الاخوان، وقد تكون غريبة عليكم، حيث جيىَ بطائفتين، وكل طائفة من ثلاثة أو أربـعة رجـال، وكل واحدة تتهم الا َُخرى بالكفر واللعن ـ وهم حُجّاج ـ وخبر ذلك أنّ إحدى الطائفتين، قالت: إنّ الا َُخرى إذا قامت تصلّـي وضعت اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر، وهذا كفر بالسنّة، حيث إنّ السنّة عند هذه الطائفة إرسال اليدين على الفخذين، والطائفة الا َُخرى تقول: إنّ إرسال اليدين على الفخذين دون أن يجعل اليمنى على اليسرى، كفر مبيح للّعن، وكان النزاع بينهم شديداً.

ثمّ يقول: فانظر كيف لعب الشيطان بهم في هذه المسألة التي اختلفوا فيها، حتّى بلغ أن كفَّر بعضهم بعضاً بسببها التي هي سنّة من السُّنن فليست من أركان الاِسلام ولا من فرائضه، ولا من واجباته، غاية ما هنالك إنّ بعض العلماء يرى أنّ وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر هو السنّة وآخرين من أهل العلم يقولون: إنّ السنّة هو الارسال، مع أنّ الصواب الذي دلّت عليه السنّة هو وضع اليد اليمنى على الذراع اليسرى» (1).

وقد سمعت عن بعض الشباب المصريين في مكّة المكرّمة عام 1412: أنّ


(1)محمد بن صالح العثيمين: دروس وفتاوى في الحرم المكّي ص 26.


(64)

الشباب المجاهدين في مصر الذين يقومون في وجه الحكومة المصرية الاستعمارية جرّهم البحث في هذه المسألة الى اختلاف شديد ما كانت تحمد عقباه لولا أن منَّ اللّه عليهم بائتلاف جديد.

أقول: لا أظنّ أنّ الشباب ولا الاخوان ولا غيرهم مقصّـرين في المسألة، وإنّما التقصير في المسألة يرجع إلى العلماء والخطباء، حيث يأمرون بالمسنون كأمرهم بالواجب، فتظنّ العامّة أكثر المسنونات فرائض. وكما أنّ ترك المسنون من رأس، يخالف روح الشريعة فهكذا المداومة به على وجه يتخيّل الناس أنّه واجب كسائر الفرائض، ليس ببعيد عن البدعة، بل يجب الاصحار بالحقيقة مع المداومة.

إنّ النبيّ الاَكرم كان يفرّق الصلوات الخمس، وربّما كان يجمع بينهما (1)لئلاّ يتخيّل الناس أنّ التفريق فريضة وللاَسف إنّه صار كذلك، عند الفقيه والمتفقّه والمقلّد. والحديث ذو شجون.

إنّ إمام كلّ صقع وخطيبه، يعتقد أنّ ما عليه إمام مذهبه في الفقه هو الوحي المنزل الذي لا غبار عليه، فانتهى ذلك إلى جهل المسلمين بأحكام صلواتهم إلى أن عاد يكفّر بعضهم بعضاً، وهم مساكين لا يعلمون من الاِسلام شيئاً.

أضف إلى ذلك، أنّ ما استدلّوا به من الروايات، على كونه سنّة، غير وافية


(1)روى مسلم عن ابن عباس قال: صلّـى رسول اللّهالظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير : فسألتسعيداً لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته. (صحيح مسلم: 2|151 باب الجمع بين الصلاتين في الحضر).


(65)

باثباته أمراً مسنوناً، فإليك بما استدلّوا به على كونه مسنوناً ـ والذي هو عند أئمة أهل البيت بدعة ـ وإليك دراسة ما روي في المقام.

إنّ مجموع ما يمكن الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن مرويات ثلاثة:

1ـ حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.

2ـ حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقلها البيهقي بأسانيد ثلاثة.

3ـ حديث عبد اللّه بن مسعود. رواه البيهقي في سننه.

وإليك دراسة كلّ حديث.

ألف: حديث سهل بن سعد:

روى البخاري عن أبي حازم عن سهل بن سعد، قال : «كان الناس يُوَمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلمه إلاّ يَنمي ذلك إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (1).

قال إسماعيل (2): يُنمى ذلك ولم يقل يَنمي.

والرواية متكفّلة لبيان كيفية القبض إلاّ أنّ الكلام في دلالته على وروده من النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _. ولا يدلّ عليه بوجهين:

أوّلاً: لو كان النبيّ الاَكرم هو الآمر بالقبض فما معنى قوله: «كان الناس


(1)ابن حجر، فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 2| 224، باب وضع اليمنى على اليسرى. ورواه البيهقي في السنن الكبرى: 2 | 28الحديث3 في باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
(2)المراد: إسماعيل بن أبي اويس شيخ البخاري كما جزم به الحميدي. لاحظ فتح الباري: 5 |325.


(66)

يُوَمرون» ؟ أوَ ما كان الصحيح عندئذ أن يقول: كان النبيّ يأمر؟ أو ليس هذا دليلاً على أنّ الحكم نجم بعد ارتحال النبيّ الاَكرم حيث إنّ الخلفاء وأُمراءهم كانوا يأمرون الناس بالقبض بتخيّل أنّه أقرب للخشوع؟ ولاَجله عقد البخاري بعده باباً باسم باب الخشوع. قال ابن حجر: الحكمة في هذه الهيئة أنّه صفة السائل الذليل، وهو أمنع عن العبث وأقرب إلى الخشوع، كان البخاري قد لاحظ ذلك وعقبه بباب الخشوع .

وثانياً: إنّ في ذيل السند ما يوَيّد أنّه كان من عمل الآمرين، لا الرسول الاَكرم نفسه حيث قال:

قال إسماعيل : «لا أعلمه إلاّ يُنمى ذلك إلى النبي» بناءً على قراءة الفعل بصيغة المجهول.

ومعناه أنّه لا يعلم كونه أمراً مسنوناً في الصلاة غير أنّه يُعزى وينسب إلى النبيّ، فيكون ما يرويه سهل بن سعد مرفوعاً.

قال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه، فمراده: يرفع ذلك إلى النبيّ (1).

هذا كلّه إذا قرأناه بصيغة المجهول، وأمّا إذا قرأناه بصيغة المعلوم، فمعناه أنّ سهلاً ينسب ذلك إلى النبيّ، فعلى فرض صحّة القراءة وخروجه بذلك من الارسال والرفع، يكون قوله: «لا أعلمه إلاّ ...» معرباً عن ضعف العزو والنسبة وأنّه سمعه عن رجل آخر ولم يسم.


(1) المصدر السابق ، هامش رقم (1).


(67)

ب ـ حديث وائل بن حجر:

وروي بصور :

1ـ روى مسلم عن وائل بن حجر: أنّه رأى النبيّ رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّـر ثم التحف بثوبه ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّـا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثمّ رفعهما ثمّ كبّـر فركع ... (1).

والاحتجاج بالحديث احتجاج بالفعل، ولا يُحتجّ به إلاّ أن يعلم وجهه، وهو بعد غير معلوم لاَنّ ظاهر الحديث أنّ النبيّ جمع أطراف ثوبه فغطّـى صدره به، ووضع يده اليمنى على اليسرى وهل فعل ذلك لاَجل كونه أمراً مسنوناً في الصلاة، أو فعله لئلاّ يسترخي الثوب بل يلصق الثوب بالبدن ويتّقي به نفسه عن البرد؟ والفعل أمر مجهول العنوان، لايكون حجّة إلاّ إذا علم أنّه فعل به لاَجل كونه مسنوناً.

إنّ النبيّ الاَكرم صلّـى مع المهاجرين والاَنصار أزيد من عشر سنوات، فلو كان ذلك ثابتاً من النبيّ لكثر النقل وذاع، ولما انحصر نقله بوائل بن حجر، مع ما في نقله من الاحتمالين.

نعم روي بصورة أُخرى ليس فيه قوله «ثمّ التحف بثوبه» وإليك صورته:


(1) مسلم: الصحيح : 1| 382، الباب الخامس من كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي سند الحديث «همّام» ولو كانالمقصود، هو همام بن يحيى فقد قال ابن عمار فيه: كان يحيى القطان لا يعبأ بـ «همام» وقال عمر بن شيبة: حدثنا عفان قال: كان يحيى بن سعيد يعترض على همّام في كثير من حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة في حفظه. لاحظ هدى الساري: 1| 449.


(68)

2ـ روى البيهقي بسنده عن موسى بن عمير: حدثني علقمة بن وائل عن أبيه: أنّ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه ورأيت علقمة يفعله (1).

وبما أنّه إذا دار الاَمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية هي المتعيّنة، فيلاحظ عليها بما لوحظ على الا َُولى وأنّ وجه الفعل غير معلوم.

على أنّه لو كان النبيّ مقيماً على هذا العمل، لاشتهر بين الناس، مع أنّ قوله: «ورأيت علقمة يفعله» يعرب عن أنّ الرواي تعرّف على السنّة من طريقه.

3ـ رواه البيهقي أيضاً بسند آخر عن وائل بن حجر (2)ويظهر الاشكال فيه بنفس ما ذكرناه في السابق.

4ـ روى البيهقي مسنداً عن ابن مسعود ـ رضى اللّه عنه ـ أنّه كان يصلّـي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فوضع يده اليمنى على اليسرى (3).

يلاحظ عليه مضافاً إلى أنّه من البعيد أن لا يعرف مثل عبد اللّه بن مسعود ذلك الصحابي الجليل ما هو المسنون في الصلاة مع أنّه من السابقين في الاِسلام: أنّ في السند هشيم بن بشير وهو مشهور بالتدليس (4).


(1)سنن البيهقي: 2|28 وفي سند الحديث عبد اللّه بن جعفر ، فلو كان هو ابن نجيح قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك،وكان وكيع إذا أتى على حديثه جزّ عليه، متّفق على ضعفه. لاحظ دلائل الصدق للشيخ محمد حسن المظفّر: 1|87.
(2)المصدر نفسه وفي سنده عبد اللّه بن رجاء. قال عمرو بن علي الفلاس: كان كثير الخلط والتصحيف، ليس بحجّة. لاحظ هدى الساري:1| 437.
(3)سنن البيهقي: 2|28 باب وضع اليد اليمنى على اليسرى الحديث 5.
(4)هدى الساري: 1|449.


(69)

ولاَجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت كانوا يتحرّزون عنه ويرونه من صنع المجوس أمام الملك.

روى محمد بن مسلم عن الصادق أو الباقر ـ عليهما السلام ـ قال: قلت له: الرجل يضع يده في الصلاة ـ وحكى ـ اليمنى على اليسرى؟ فقال: ذلك التكفير، لا يفعل.

وروى زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ أنّه قال: وعليك بالاقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق باسناده عن علي _ عليه السلام _ أنّه قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ يتشبّه بأهل الكفر ـ يعني المجوس ـ (1).

على أنّ الاعتبار لو قلنا بحجّية الاستحسان ، يقتضي أن يقوم العبد أمام الربّ مرسل اليد ، لاَنّ التكتّف شعار المتمرّدين الذين أُلقي عليهم القبض فصاروا أسارى أمام الملوك والجبابرة ـ ومقام المصلّي أمام الله فوق ذلك فهو عبد خاضع خاشع لا يملك لنفسه موتاً ولا حياة ولا بعثاً ولا نشورا ، فالاَولى أن يطرق رأسه ويقوم أمام الله سبحانه مشعراً بأنّه لا يملك شيئاً وأنّه أذلّ من كلّ شيء ، والقبض اشعار بالشخصية المقهورة ، وعباد الرحمن الذين يبيتون لربّهم سجّداً وقياما، وتتججافى جنوبهم عن المضاجع ، أعلى منزلة من ذلك .

وفي الختام نلفت نظر القارىَ إلى كلمة صدرت من الدكتور علي السالوس: فهو بعد ما نقل آراء فقهاء الفريقين، وصف القائلين بالتحريم والابطال بقوله: «وأُولئك الذين ذهبوا إلى التحريم والاِبطال، أو التحريم فقط، يمثّلون التعصّب المذهبي وحبّ الخلاف، تفريقاً بين المسلمين» (2).

ما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنّة إلى أنّ القبض أمر حدث بعد النبيّ الاَكرم وكان الناس يوَمرون بذلك أيام الخلفاء، فمن زعم أنّه جزء من الصلاة فرضاً أو استحباباً، فقد أحد ث في الدين ما ليس منه، أفهل جزاء من اجتهد أن يرمى بالتعصّب المذهبي وحبّ الخلاف؟!


(1)الحر العاملي: الوسائل 4| الباب الخامس عشر من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 1و2و7.
(2)فقه الشيعة الاِمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الاَربعة|183.


(70)

ولو صحّ ذلك، فهل يمكن توصيف الاِمام مالك به؟ لاَنّه كان يكره القبض مطلقاً أو في الفرض أفهل يصحّ رمي إمام دار الهجرة بأنّه كان يحبّ الخلاف؟!

أجل لماذا لا يكون عدم الارسال ممثلاً للتعصّب المذهبي وحبّ الخلاف بين المسلمين، ياترى؟!


(71)

المسألة الرابعة :

السجود على الاَرض

لعلّ من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلّل من قبل المخلوق لخالقه، هو السجود، وبه يوَكد الموَمن عبوديته الموَكّدة للّه تعالى، ومن هنا فانّ البارىَ عزّ اسمه يقدّر لعبده هذا التصاغر وهذه الطاعة فيضفي على الساجد فيض لطفه وعظيم إحسانه، لذا روي في بعض المأثورات «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده».

ولمّا كانت الصلاة من بين العبادات معراجاً يتميّز بها الموَمن عن الكافر، وكان السجود ركناً من أركانها، فليس هناك أوضح في إعلان التذلّل للّه تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى، لما فيه من التذلّل شيء أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري، فضلاً عن السجود على الاَلبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضّة، وإن كان الكلّ سجوداً، إلاّ أنّ العبودية تتجلّى في الاَوّل بما لا تتجلّى في غيره.

والاِمامية ملتزمة بالسجدة على الاَرض في حضرهم وسفرهم، ولا يعدلون عنها إلاّ إلى ما أُنبت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يوَكل ولا يلبس، ولا


(72)

يرون السجود على غيرهما صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأهل بيته وصحبه. وسيظهر ـ في ثنايا البحث ـ أنّ الالتزام بالسجود على الاَرض أو ما أنبتت، كانت هي السنّة بين الصحابة، وأنّ العدول عنها حدث في الاَزمنة المتأخرّة. ولاَجل توضيح المقام نقدّم أُموراً:

1ـ اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه:

اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين، ولم يختلفوا في المسجود له، فإنّه هو اللّه سبحانه الذي له يسجد من في السموات والاَرض طوعاً وكرهاً (1)وشعار كلّ مسلم قوله سبحانه: «لا تَسجُدُوا لِلشَّمسِ ولا للقَمَرِ واسجُدُوا للّهِ الَّذي خَلَقَهُنَّ» (2)وإنّما اختلفوا في شروط المسجود عليه ـ أعني ما يضع الساجد جبهته عليه ـ فالشيعة الاِمامية تشترط كون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري، وما أشبه ذلك. وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب، وإليك نقل الآراء:

قال الشيخ الطوسي (3)ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء ـ: لا يجوز السجود إلاّ على الاَرض أو ما أنبتته الاَرض ممّا لا يوَكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار.


(1)إشارة إلى قوله سبحانه: (وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمواتِ والاَرضِ طَوْعاً وَكرْهاً وظلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ) ـ الرعد|15ـ.
(2)فصلت: الآية 37.
(3)من أعلام الشيعة في القرن الخامس صاحب التصانيف والموَلّفات ولد 385 هـ وتوفّي عام 460 هـ من تلاميذ الشيخ المفيد 336 ـ413 هـ ، والسيّد الشريف المرتضى 355 ـ 436 هـ ـ رضي اللّه عنهما ـ.


(73)

وخالف جميع الفقهاء في ذلك حيث أجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك ـ إلى أن قال ـ: لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة، وطرف الرداء، وكم القميص، وبه قال الشافعي، وروي ذلك عن علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وابن عمر، وعبادة بن الصامت، ومالك، وأحمد بن حنبل.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه.

وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه، وروي ذلك عن الحسن البصري (1).

وقال العلاّمة الحلّي (2)ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه ـ: لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع، وأطبق الجمهور على الجواز.

وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناوَه في حديث الثقلين ونحن نكتفي هنا بإيراد شيء ممّا روي في هذا الجانب:

روى الصدوق باسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لاَبي عبد اللّه ـ عليه السلام ـ : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه، وعمّا لا يجوز؟ قال: «السجود لا يجوز إلاّ على الاَرض، أو على ما أنبتت الاَرض إلاّ ما اُكل أو لبس». فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟


(1)الخلاف: 1 كتاب الصلاة | 357 ـ 358 ، المسألة 112 ـ 113.
(2)الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي 648 ـ 726هـ وهو زعيم الشيعة في القرن السابع، لا يسمح الدهر بمثله إلاّ في فترات خاصة.


(74)

قال: «لاَنّ السجود خضوع للّه عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يوَكل ويلبس، لاَنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده في عبادة اللّه عزّ وجلّ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها» (1).

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الاَرض أو ما أنبتته إذا لم يكن مأكولاً ولا ملبوساً اقتداءً بأئمّتهم، على أنّ ما رواه أهل السنّة في المقام، يدعم نظريّة الشيعة، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الاَحاديث من طرقهم، ويتّضح أنّ السنّة كانت هي السجود على الاَرض، ثمّ جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك.

روى المحدث النوري في المستدرك عن دعائم الاِسلام: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي _ عليهم السلام _ ، أنّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «إنّ الاَرض بكم برّة، تتيمّمون منها، وتصلّون عليها في الحياة (الدنيا) وهي لكم كفاة في الممات، وذلك من نعمة اللّه، له الحمد، فأفضل ما يسجد عليه المصلّـي الاَرض النقيّة».

وروى أيضاً عن جعفر بن محمد ـ عليهما السلام ـ أنّه قال: «ينبغي للمصلّـي أن يباشر بجبهته الاَرض، ويعفّر وجهه في التراب، لاَنّه من التذلّل للّه» (2).

وقال الشعراني ـ ما هذا نصّه ـ: المقصود اظهار الخضوع بالرأس حتى يمسّ


(1)الوسائل: ج 3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 1، وهناك روايات بمضمونه. والكلّ يتضمّن أنّ الغاية من السجود التي هيالتذلّل لا تحصل بالسجود على غيرها فلاحظ.
(2) مستدرك الوسائل: 4 باب 10 من أبواب ما يسجد عليه. ولعلّ الحديث ورد في أوائل الهجرة وقد كان المسلمون آنذاك يسجدون علىالاَرض فقط ولا منافاة بينه وبين ما يأتي من الرخصة بالنسبة إلى ما أنبتته الاَرض.


(75)

الاَرض بوجهه الذي هو أشرف أعضائه، سواء كان ذلك بالجبهة أو الاَنف، بل ربّما كان الاَنف عند بعضهم أولى بالوضع من حيث إنّه مأخوذ من الاَنفة والكبرياء، فإذا وضعه على الاَرض، فكأنّه خرج عن الكبرياء التي عنده بين يدي اللّه تعالى إذ الحضرة الاِلهية محرّم دخولها على من فيه أدنى ذرة من كبر فانّها هي الجنة الكبرى حقيقة وقد قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «لايدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر» (1).

نقل الاِمام المغربي المالكي الروداني: عن ابن عباس رفعه: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالاَرض إذا سجد لم تجز صلاته (2).

2ـ الفرق بين المسجود له والمسجود عليه:

كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الاَرض أو ما أنبتت منها بدعة ويتخيّل الحجر المسجود عليه وثناً، وهوَلاء هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له، والمسجود عليه، ويزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلّي وثناً يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه. ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف، ولم يفرّق بين الاَمرين، وزعم المسجود عليه مسجوداً له، وقاس أمر الموحّد بأمر المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر، فأخذ بالصور والظواهر، مع أنّ الملاك هو الاَخذ بالبواطن والضمائر، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له، ولكن الموحّد الذي يريد أن يصلّـي في إظهار العبودية إلى نهاية


(1)اليواقيت والجواهر في عقائد الاَكابر : عبد الوهاب بن أحمد بن علي الاَنصاري المصري المعروف بالشعراني (من أعيان علماء القرنالعاشر ): 1| 164. الطبعة الا َُولى.
(2)محمد بن محمد بن سليمان المغربي (المتوفى عام 1049) : جمع الفوائد من جامع الا َُصول ومجمع الزوائد: 1|214 برقم 1515.


(76)

مراتبها، يخضع للّه سبحانه ويسجد له، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلاً: أين التراب وربّ الاَرباب.

نعم: الساجد على التربة غير عابد لها، بل يتذلّل إلى ربّه بالسجود عليها، ومن توهّم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان، وسيوَدي إلى إرباك كلّ المصلين والحكم باشراكهم، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لابدّ أن يكون عابداً لها على هذا المنوال فيا للعجب العجاب !!

3ـ السنّة في السجود في عصر الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وبعده:

إنّ النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الاَرض مدّة لا يستهان بها، متحمّلين شدّة الرمضاء، وغبار التراب، ورطوبة الطين، طيلة أعوام. ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة بل ولا على الحصر والبواري والخمر، وأقصى ما كان عندهم لرفع الاَذى عن الجبهة، هو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود عليها، وقد شكى بعضهم رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» من شدّة الحرّ، فلم يجبه، إذ لم يكن له أن يبدل الاَمر الاِلهي من تلقاء نفسه، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر، فوسع الاَمر للمسلمين لكن في إطار محدود، وعلى ضوء هذا فقد مرّت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير:

1ـ ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الاَرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين، ولم تكن هناك أيّة رخصة لغيرها.

2ـ المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الاَرض من الحصى


(77)

والبواري والخمر، تسهيلاً للاَمر، ورفعاً للحرج والمشقّة، ولم تكن هناك أيّة مرحلة أُخرى توسع الاَمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدّعيه البعض، وإليك البيان:

المرحلة الا َُولى: السجود على الاَرض:

1ـ روى الفريقان عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: «وجُعلت لي الاَرض مسجداً وطهوراً» (1).

والمتبادر من الحديث أنّ كلّ جزء من الاَرض مسجد وطهور يُسجد عليه ويُقصد للتيمّم، وعلى ذلك فالاَرض تقصد للجهتين: للسجود تارةً، وللتيمّم اُخرى.

وأمّا تفسير الرواية بأنّ العبادة والسجود للّه سبحانه لا يختص بمكان دون مكان، بل الاَرض كلّها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم حيث خصّوا العبادة بالبِيَع والكنائس، فهذا المعنى ليس مغايراً لما ذكرناه، فإنّه إذا كانت الاَرض على وجه الاِطلاق مسجداً للمصلّي فيكون لازمه كون الاَرض كلّها صالحة للعبادة، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه، ويعرب عن كونه المراد ذكر «طهوراً» بعد «مسجداً» وجعلهما مفعولين لـ «جُعلت» والنتيجة هو توصيف الاَرض بوصفين: كونه مسجداً وكونه طهوراً، وهذا هو الذي فهمه الجصاص وقال: إنّ ماجعله من الاَرض مسجداً هو الذي جعله طهوراً (2).

ومثله غيره من شرّاح الحديث.


(1)صحيح البخاري: 1|91 كتاب التيمّم الحديث 2 وسنن البيهقي: 2|433 باب: أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد، ورواه غيرهما منأصحاب الصحاح والسنن.
(2)أحكام القرآن للجصاص: 2|389 نشر بيروت.


(78)

تبريد الحصى للسجود عليها:

2ـ عن جابر بن عبد اللّه الاَنصاري، قال: كنت اُصلّي مع النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» الظهر، فآخذ قبضة من الحصى، فأجعلها في كفّي ثمّ اُحوّلها إلى الكف الا َُخرى حتى تبرد ثمّ أضعها لجبيني، حتّى أسجد عليها من شدّة الحرّ (1).

وعلّق عليه البيهقي بقوله: قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود (2).

ونقول: ولو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلاً أم منفصلاً جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى، ولاَمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه.

3ـ روى أنس قال: كنّا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه (3).

4ـ عن خباب بن الاَرت قال: شكونا إلى رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» شدّة الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا (4).

قال ابن الاَثير في معنى الحديث: إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم (5).


(1)مسند أحمد: 3| 327 من حديث جابر وسنن البيهقي: 1|439 باب ما روي في التعجيل بها في شدّة الحرّ.
(2)سنن البيهقي: 2|105.
(3)السنن الكبرى: 2|106.
(4)سنن البيهقي: 2|105 باب الكشف عن الجبهة.
(5)ابن الاَثير: النهاية: 2|497 مادة «شكى».


(79)

هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الاَرض فقط، حتّى أنّ الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتّصلة أو المنفصلة، وهو «صلى الله عليه وآله وسلم» مع كونه بالموَمنين روَوفاً رحيماً أوجب عليهم مسّ جباههم الاَرض، وإن آذتهم شدّة الحرّ.

والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الاَرض، وعن إصرار النبي الاَكرمبوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتّصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد، ما روي من حديث الاَمر بالتتريب في غير واحد من الروايات.

الاَمر بالتتريب:

6ـ عن خالد الجهني: قال: رأى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له: «ترّب وجهك يا صهيب» (1).

7ـ والظاهر أنّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب، بالسجود على الثوب المتّصل والمنفصل، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري والاَحجار الصافية، وعلى كلّ تقدير، فالحديث شاهد على أفضليّة السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى لما مرّ من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الاَرض.

8ـ روت أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ: رأى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ غلاماً لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد، فقال: «يا أفلح ترّب» (2).


(1)المتقي الهندي: كنز العمال: 7|465 برقم 19810.
(2)المصدر نفسه: 7|459 برقم 19776.


(80)

9ـ وفي رواية: «يا رباح ترّب وجهك» (1).

10ـ روى أبو صالح قال: دخلت على أُمّ سلمة، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين، فلمّا سجد نفخ التراب، فقالت أُمّ سلمة: ابن أخي لا تنفخ، فإنّي سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول لغلام له يقال له يسار ـ ونفخ ـ: «ترّب وجهك للّه» (2).

الاَمر بحسر العمامة عن الجبهة:

11ـ روي: أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته (3).

12ـ روي عن علي أمير الموَمنين أنّه قال: «إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه»، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة (4).

13ـ روى صالح بن حيوان السبائي: أنّ رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» عن جبهته (5).

14ـ عن عياض بن عبد اللّه القرشي: رأى رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» رجلاً يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: «ارفع عمامتك» وأومأ إلى جبهته(6).

هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلاّ


(1) المتقي الهندي: كنز العمال: 7|459 برقم 19777.
(2)المصدر نفسه: 7|465، برقم 19810 ومسند أحمد: 6|301.
(3)ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1|151 كما في السجود على الاَرض 41.
(4)منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند: 3|194.
(5)البيهقي: السنن الكبرى: 2|105.
(6)المصدر نفسه.


(81)

السجود على الاَرض، ولم يكن هناك أي رخصة سوى تبريد الحصى، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك، ولما أمر النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالتتريب، وحسر العمامة عن الجبهة.

المرحلة الثانية: الترخيص في السجود على الخُمر والحصر :

هذه الاَحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأصحابه بالسجود على الاَرض بأنواعها، وأنّهم كانوا لا يعدلون عنه، وإن صعب الاَمر واشتدّ الحرّ، لكن هناك نصوصاً تعرب عن ترخيص النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ـ بايحاء من اللّه سبحانه إليه ـ السجود على ما أنبتت الاَرض، فسهل لهم بذلك أمر السجود، ورفع عنهم الاصر والمشقّة في الحرّ والبرد، وفيما إذا كانت الاَرض مبتلّة، وإليك تلك النصوص:

1ـ عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّـي على الخمرة (1).

2ـ عن ابن عباس: كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة، وفي لفظ: وكان النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة (2).

3ـ عن عائشة: كان النبيّيصلّي على الخمرة (3).

4ـ عن أُمّ سلمة: كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمرة (4).


(1)أبو نعيم الاصفهاني: أخبار اصبهان: 2|141.
(2)مسند أحمد: 1|269 ـ 303 ـ 309 و358.
(3)المصدر نفسه: 6|179 وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد: ناوليني الخمرة.
(4)المصدر نفسه: 302.


(82)

5ـ عن ميمونة: ورسول اللّهيصلّي على الخمرة فيسجد (1).

6ـ عن أُمّ سليم قالت: كان [رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ] يصلّي على الخمرة (2).

7ـ عن عبد اللّه بن عمر: كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الخمر (3).

السجود على الثياب لعذر :

قد عرفت المرحلتين الماضيتين، ولو كانت هناك مرحلة ثالثة فإنّما هي مرحلة جواز السجود على غير الاَرض وما ينبت منها لعذر وضرورة. ويبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» لم يُجب شكوى الاَصحاب من شدّة الحرّ والرمضاء، وراح هو وأصحابه يسجدون على الاَرض متحمّلين الحرّ والاَذى، ولكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة، وإليك ما ورد في هذا المقام:

1ـ عن أنس بن مالك: كنّا إذا صلّينا مع النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الاَرض، طرح ثوبه ثم سجد عليه.

2ـ وفي صحيح البخاري: كنّا نصلّي مع النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ. فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الاَرض، بسط ثوبه.

3ـ وفي لفظ ثالث: كنّا إذا صلّينا مع النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيضع أحدنا طرف الثوب


(1) مسند أحمد: 6| 331 ـ 335.
(2) المصدر نفسه: 377.
(3) المصدر نفسه : 2|92 ـ 98.


(83)

من شدّة الحرّ مكان السجود (1).

وهذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضاً. وذلك لاَنّ رواية أنس نصّ في أنّهم كانوا يفعلون ذلك حالة الضرورة، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات، وإليك بعض ما روي في هذا المجال:

1ـ عبد اللّه بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» يصلّي على كور عمامته (2).

إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» عن السجود عليه، محمولة على العذر والضرورة، وقد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه، حيث قال: قال الشيخ: «وأمّا ما روي في ذلك عن النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك، وأصحّ ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» (3).

وقد روي عن ابن راشد قال: رأيت مكحولاً يسجد على عمامته فقلت: لما تسجد عليها؟ قال أتّقي البرد على أسناني (4).

2ـ ما روي عن أنس: كنّا نصلّي مع النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فيسجد أحدنا على ثوبه (5).


(1)صحيح البخاري: 1|101، صحيح مسلم: 2|109، مسند أحمد: 1|100، السنن الكبرى: 2|106.
(2)كنز العمال: 8|130 برقم 22238.
(3)البيهقي: السنن: 2|106.
(4)المصنف لعبد الرزاق: 1|400 كما في سيرتنا وسنّتنا، والسجدة على التربة 93.
(5)البيهقي: السنن الكبرى: 2|106، باب من بسط ثوباً فسجد عليه.


(84)

والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه، وبما رواه عنه البخاري: كنّا نصلّي مع النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الاَرض بسط ثوبه فسجد عليه (1).

ويوَيّده ما رواه النسائي أيضاً: كنّا إذا صلّينا خلف النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ (2).

وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدلّ إلاّ على أنّ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» صلّى على الفرو. وأمّا أنّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه.

3ـ عن المغيرة بن شعبة: كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصلّي على الحصير والفرو المدبوغة (3).

والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث، ليست ظاهرة في السجود عليه. ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه، ولعلّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وضع جبهته على الاَرض أو ما ينبت منها. وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين.

حصيلة البحث:

إنّ المتأمّل في الروايات يجد وبدون لبس أنّ قضيّة السجود في الصلاة مرت بمرحلتين أو ثلاثة مراحل ففي المرحلة الا َُولى كان الفرض السجود على الاَرض ولم


(1)البخاري: 2|64 كتاب الصلاة باب بسط الثوب في الصلاة للسجود.
(2)ابن الاَثير: الجامع الا َُصول: 5|468 برقم 3660.
(3)أبو داود: السنن: باب ما جاء في الصلاة على الخمرة برقم 331.


(85)

يرخّص للمسلمين السجود على غيرها، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الاَرض، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أُخرى إلاّ جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقاً فمحمولة على الضرورة، أو لا دلالة لها على السجود عليها، بل غايتها الصلاة عليها.

ومن هنا يظهر بوضوح أنّ ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنّة النبويّة، ولم تنحرف عنه قيد أنملة، ولعلّ الفقهاء أدرى بذلك من غيرهم، لاَنّهم الا َُمناء على الرسالة والاَدلاء في طريق الشريعة، ونحن ندعو إلى قليل من التأمّل لاِحقاق الحقّ وتجاوز البدع.

ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة ؟

بقي هنا سوَال يطرحه كثيراً اخواننا أهل السنّة حول سبب اتّخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها. وربّما يتخيّل البسطاء ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أنّ الشيعة يسجدون لها لا عليها، ويعبدون الحجر والتربة، وذلك لاَنّ هوَلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة، والسجود لها.

وعلى أيّ تقدير فالاِجابة عنها واضحة، فإنّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها، من أيّ أرض أُخذت، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلّها في ذلك سواء.

وليس هذا الالتزام إلاّ مثل التزام المصلّي بطهارة جسده وملبسه ومصلاّه، وأمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها، ويتّخذها


(86)

مسجداً، لا تتأتّى له في كلّ موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حلّه وترحاله، بل وأنّى له ذلك وهذه الاَماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر، مسلمين كانوا أم غيرهم، ملتزمين بأُصول الطهارة أم غير ذلك، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصاً من أن يتخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئنّ بها وبطهارتها، يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة، والاَوساخ التي لا يتقرّب بها إلى اللّه قط ولا تجوّز السنّة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها:

المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومواطن الاِبل، بل والاَمر بتطهير المساجد وتطييبها (1).

وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها، فقد روي: أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الاَجدع المتوفّـى عام 62 كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها. كما أخرجه بن أبي شيبة في كتابه المصنف، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه. فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها (2).

إلى هنا تبيّن أنّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلاّ لتسهيل الاَمر للمصلّي في سفره وحضره خوفاً من أن لا يجد أرضاً طاهرةً أو حصيراً طاهراً فيصعب الاَمر عليه، وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليها.


(1)العلاّمة الاَميني: سيرتنا وسنّتنا 158 ـ 159.
(2)أبو بكر بن أبي شيبة: المصنف: 1|400 كما في السجدة على التربة 93.


(87)

وأمّا السرّ في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية فإنّ من الاَغراض العالية والمقاصد السامية منها، أن يتذكّر المصلّي حين يضع جبهته على تلك التربة، تضحية ذلك الاِمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد.

ولمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة، وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية، أُولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحقّ، وارتفعت أرواحهم إلى الملاَ الاَعلى، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة، وزخارفها الزائلة، ولعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر، فيكون حينئذ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى ربّ الاَرباب (1).

وقال العلاّمة الاَميني: نحن نتّخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الاَجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة، ومعلّم السنّة بها، وحاشاه من البدعة. فليس في ذلك أيّ حزازة وتعسّف أو شيء يضاد نداء القرآن الكريم أو يخالف سنّة اللّه وسنّة رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو خروج من حكم العقل والاعتبار.

وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا ممّا ألزمه المذهب، ولا يفرق أيّ أحد منهم منذ أوّل


(1)الاَرض والتربة الحسينية: 24.


(88)

يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الاَرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ، واختيار لما هو الاَولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت، وكثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم (1).

هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل موكول إلى محلّه، وقد أغنانا عن ذلك ما سطّره أعلام العصر وأكابره، وأخص بالذكر منهم.

1ـ المصلح الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1295ـ1373هـ) في كتابه الاَرض والتربة الحسينية.

2ـ العلاّمة الكبير الشيخ عبد الحسين الاَميني موَلّف الغدير (1320ـ 1390هـ ) فقد دوّن رسالة في هذا الموضـوع طبع في آخر كتابه «سيرتنا وسنّتنا».

3ـ السجود على الاَرض للعلاّمة الشيخ علي الاَحمـدي ـ دام عزّه ـ فقد أجاد في التتبّع والتحقيق.

فما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم. رحم اللّه الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم.

هذا ما وقفنا عليه من الاَبحاث والتي أوردناها في هذا المختصر.

* * *


(1)العلاّمة الاَميني: سيرتنا وسنّتنا: 166ـ 167 طبعة النجف الاَشرف.


(89)

ليست هذه أوّل قارورة كسرت في الاِسلام:

قد وقفت على أنّ السجود على الاَرض أو على الحصر والبواري وأشباهها هو السنّة، وأنّ السجود على الفرش والسجاجيد وأشباهها هو البدعة، وأنّه ما أنزل اللّه به من سلطان، ولكن يا للاَسف صارت السنّة بدعة والبدعة سنّة. فلو عمل الرجل بالسنّة في المساجد والمشاهد، وسجد على التراب والاَحجار يوصف عمله بالبدعة، والرجل بالمبدع. ولكن ليس هذا فريداً في بابه فقد نرى في فقه المذاهب الاَربعة نظائر . نذكر موضعين:

1ـ قال الشيخ محمد بن عبد الرحمان الدمشقي:

السنّة في القبر، التسطيح. وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي.

وقال أبو حنيفة ومالك: التسنيم أولى، لاَنّ التسطيح صار شعاراً للشيعة (1).

2ـ قال الاِمام الرازي: روى البيهقي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه يُجهر في الصـلاة بـ «بسـم اللّه الرحمـن الرحيم» وكان عليٌّ ـ رضي اللّه عنه ـ يُجهر بالتسمية وقد ثبت بالتواتر، وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين، ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه.

وقالت الشيعة: السنّة، هي الجهر بالتسمية، سواء أكانت في الصلاة


(1) الدمشقي: رحمة الا َُمة في اختلاف الاَئمّة: 1|88 ونقله أيضاً العلاّمة الاَميني في الغدير: 10|209.


(90)

الجهرية أو السرية، وجمهور الفقهاء يُخالفونهم ـ إلى أن قال ـ: إنّ عليّاً كان يُبالغ في الجهر بالتسمية، فلمّـا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال آثار عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ (1).


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 1|205ـ 206.


(91)

المسألة الخامسة :

الخمس(1) في الاَرباح والمكاسب

الاَصل في ضريبة الخمس هو قوله سبحانه: «واعلَموا أنَّما غَنِمتُمْ مِن شيءٍ فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيلِ إن كُنتُمْ آمَنتُمْ باللّهِ وما أنْزَلْنا على عَبدِنا يَومَ الفُرقانِ يَومَ التَقَى الجَمْعانِ واللّه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ» (الاَنفال|41).

لا شك أنّ الآية نزلت في مورد خاص، أعني يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان وهو غزوة «بدر » الكبرى ، لكن الكلام في أنّ قوله «ما غَنِمْتُمْ» هل هو عام لكل ما يفوز به الانسان في حياته أو خاص بما يظفر به في الحرب من السلب والنهب؟

وعلى فرض كونه عامّاً فهل المورد مخصّص أو لا ؟

فيقع الكلام في مقامين:


(1)ربّما يتخيّل بعض البسطاء أنّ الشيعة تنفرد بالقول بوجوب الخمس في غير الغنائم، ولاَجل توضيح الحال ندرس الموضوع في ظلالكتاب والسنّة، وكلمات الفقهاء.


(92)

الاَوّل: الغنيمة مطلق ما يفوز به الانسان:

أمّا الاَوّل فالظاهر من أئمّة اللغة أنّه في الاَصل أعم ممّا يظفر به الانسان في ساحات الحرب، بل هو لغة لكلّ ما يفوز به الانسان وإليك بعض كلماتهم.

1ـ قال الاَزهري: «قال الليث: الغنم: الفـوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم» (1).

2ـ قال الراغب: الغنم معروف ... والغُنْم: إصابته والظفر به، ثم استعمل في كل مظفور به من جهة العِدَى وغيرهم قال: «واعلموا أنَّما غنمتم من شيء» «فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّباً» والمغنم: ما يُغنم وجمعه مغانم، قال: «فَعندَ اللّهِ مغانمُ كثيرة(2) ».

3ـ قال ابن فارس: «غنم» أصل صحيح واحد يدل على افادة شيء لم يملك من قبل ثمّ يختص بما أُخذ من المشركين (3).

4ـ قال ابن منظور: «الغُنْم» الفوز بالشيء من غير مشقّة (4).

5ـ قال ابن الاَثير: في الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غُنمه وعليه غُرمه، غنمه: زيادته ونماوَه وفاضل قيمته» (5).

6ـ قال الفيروز آبادي: «الغنم» الفوز بالشيء لا بمشقّة، وأغنمه كذا تغنيماً


(1)الاَزهري: تهذيب اللغة، مادة «غنم».
(2)الراغب الاصفهاني: المفرادت ، مادة «غنم».
(3)ابن فارس: مقاييس اللغة مادة «غنم».
(4)ابن منظور الاَفريقي: لسان العرب نفس المادة.
(5)نهاية اللغة، مادة «غنم».


(93)

نفله إيّاه، واغتنمه وتغنّمه، عدّه غنيمة (1).

وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الانسان في الحروب، بل معناها أوسع من ذلك وإن كان لا يستعمل في العصور المتأخّرة عن نزول القرآن إلاّ في ما يظـفر به في ساحة الحرب.

ولاَجل ذلك نجد أنّ المادة استعملت في مطلق ما يفوز به الانسان في الذكر الحكيم والسنّة النبويّة.

لقد استعمل القرآن لفظة «المغنم» فيما يفوز به الانسان وإن لم يكن عن طريق القتال بل كان عن طريق العمل العادي الدنيوي أو الا َُخروي إذ يقول سبحانه:

«يا أيُّها الَّذين آمنُوا إذا ضَـربتُمْ في سَبيلِ اللّهِ فَتَبيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَنْ ألقى إليكُمُ السَّلام لَستَ مُوَمِناً تَبتَغونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنيا فَعِندَ اللّهِ مَغانِمُ كَثيرة» (2).

والمراد بـالمغـانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليل مقابلـته لعرض الحياة الدنيا فيدل على أنّ لفظ المغنم لا يختصّ بالا َُمور والاَشياء التي يحصل عليها الانسان في هذه الدنيا وفي ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة.

ثمّ إنّه قد وردت هذه اللفظة في الاَحاديث وأُريد منها مطلق الفائدة الحاصلة للمرء.


(1)قاموس اللغة، مادة «غنم».
(2)النساء: الآية 94.


(94)

روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرما» (1).

وفي مسند أحمد عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «غنيمة مجالس الذكر الجنّة» (2).

وفي وصف شهر رمضان عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «غنم للموَمن»(3).

وفي نهاية ابن الاَثير: الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة ، سمّـاه غنيمة لما فيه من الاَجر والثواب (4).

فقد بان ممّا نقلناه من كلمات أئمّة اللغة وموارد استعمال تلك المادة في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كل مورد يفوز به الانسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في الاَعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الانسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول اللّه، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّـي على مورد خاص.

الثاني: المورد لا يخصّص:

إذا كان مفهوم اللفظ عامّاً يشمل كافّة ما يفوز به الانسان، فلا يكون وروده في مورد خاص، مخصّصاً لمفهومه ومضيقاً لعمومه، إذا وقفنا على أنّ التشريع الاِسلامي فرض الخمس في الركاز والكنز والسيوب أوّلاً، وأرباح المكاسب ثانياً، فيكون ذلك التشريع موَكّداً لاطلاق الآية، ولا يكون وروده في الغنائم الحربية


(1) ابن ماجة: السنن: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند اخراج الزكاة، الحديث 1797.
(2) أحمد : المسند: ج2 ص 330و 374 و 524.
(3)المصدر نفسه: ص 177.
(4)النهاية، مادة «غنم».


(95)

رافعاً له. وإليك ما ورد في السنّة من الروايات في الموردين:

1ـ الخمس في الركاز والكنز والسيوب:

تضافرت الروايات عن النبي الاَعظم على وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب وإليك النصوص أوّلاً، ثمّ تبيين مفادها ثانياً.

روى لفيف من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وجابر وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وجوب الخمس في الركاز والكنز والسيوب، وإليك قسماً ممّا روي في ذلك المجال:

1ـ في مسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للاَوّل: عن ابن عباس قال:

قضى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في الركاز ، الخمس (1).

2ـ وفي صحيحي مسلم والبخاري واللفظ للاَوّل: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :

«العجماء جرحها جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس»، وفي بعض الروايات عند أحمد: البهيمة عقلها جبار (2)

قال أبو يوسف في كتاب الخراج: كان أهل الجاهلية إذا عطبَ الرجل في قُلَيبٍ جعلوا القليب عَقَله، وإذا قتلته دابة جعلوها عقله، وإذا قتله معدن جعلوه عقله. فسأل سائل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن ذلك فقال: «العجماء جبار، والمعدن جبار ،


(1) أحمد : المسند: 1|314، وسنن ابن ماجة 2|839 ط 1373 هـ.
(2) مسلم : الصحيح: 5|127 باب جرح العجماء والمعدن والبئر جبار ، من كتاب الحدود، وصحيح البخاري 1|182 باب في الركازالخمس.


(96)

والبئر جبار، وفي الركاز الخمس» فقيل له: ما الركاز يا رسول اللّه؟ فقال: «الذهب والفضة الذي خلقه اللّه في الاَرض يوم خلقت» (1).

3ـ وفي مسند أحمد: عن الشعبي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «السائمة جبار، والجَبّ جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» قال الشعبي: الركاز: الكنز العادي (2).

4ـ وفيه أيضاً: عن عبادة بن الصامت قال:

من قضاء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّ المعدن جبار، والبئر جبّار، والعجماء جرحها جبار، والعجماء: البهيمة من الاَنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يُغرم ، وقضى في الركاز الخمس (3).

5ـ وفيه: عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى خيبر فدخل صاحب لنا إلى خربةٍ يقضي حاجته فتناول لبنة ليستطيب بها فانهارت عليه تبرا، فأخذها فأتى بها النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأخبره بذلك، قال: «زنها» فوزنها فإذا مائتا درهم فقال النبي: «هذا ركاز وفيه الخمس» (4).

6ـ وفيه: أنّ رجلاً من مزينة سأل رسول اللّه مسائل جاء فيها: فالكنز نجده في الخرب وفي الآرام؟ فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : « فيه وفي الركاز الخمس» (5).


(1)الخراج: 22.
(2) أحمد: المسند: 3|335.
(3)المصدر نفسه: 5|326.
(4)المصدر نفسه: 3|128.
(5)المصدر نفسه: 2|186.


(97)

7ـ وفي نهاية اللغة ولسان العرب وتاج العروس في مادة «سيب» واللفظ للاَوّل: وفي كتابه ـ أي كتاب رسول اللّه ـ لوائل بن حجر: «وفي السيوب الخمس» السيوب: الركاز.

قالوا:

«السيوب: عروق من الذهب والفضة تَسيب في المعدن، أي تتكوّن فيه وتظهر» والسيوب: جمع سيب، يريد به ـ أي يريد النبي بالسيب ـ المال المدفون في الجاهلية، أو المعدن لاَنّه من فضل اللّه تعالى وعطائه لمن أصابه» (1).

تفسير ألفاظ الاَحاديث:

العجماء: الدابة المنفلتة من صاحبها، فما أصابت في انفلاتها فلا غرم على صاحبها، والمعدن جبار يعني: إذا احتفر الرجل معدناً فوقع فيه انسان فلا غرم عليه، وكذلك البئر إذا احتفرها الرجل للسبيل فوقع فيها إنسان فلا غرم على صاحبها، وفي الركاز الخمس، والركاز: ما وجد من دفن أهل الجاهلية فمن وجد ركازاً أدّى منه الخمس إلى السلطان وما بقي له (2).

والآرام: الاَعلام وهي حجارة تجمع وتنصب في المفازة يُهتدى بها، واحدها إرَم كعنب. وكان من عادة الجاهلية أنّهم إذا وجدوا شيئاً في طريقهم لا يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها حتى إذا عادوا أخذوه (3).

وفي لسان العرب وغيره من معاجم اللغة،: ركَزَه يركُزُه رَكزاً: إذا دفنه.


(1)ابن الاَثير : النهاية ، مادة «سيب».
(2)الترمذي: السنن 6|145 باب ما جاء في العجماء.
(3)النهاية ، مادة «ارم».


(98)

والركاز: قطع ذهب وفضة تخرج من الاَرض أو المعدن، واحده الركزة كأنّه ركز في الاَرض.

وفي نهاية اللغة: والركزة: القطعة من جواهر الاَرض المركوزة فيها وجمع الركزة الركاز.

إنّ هذه الروايات تعرب عن كون وجوب الخمس في الكنز والمعادن، ضريبة غير الزكاة، وقد استند إليها أُستاذ الفقهاء أبو يوسف في كتابه «الخراج» وإليك نصّه:

كلام أبي يوسف في المعدن والركاز :

قال أبو يوسف: في كل ما أُصيب من المعادن من قليل أو كثير، الخمس، ولو أنّ رجلاً أصاب في معدن أقل من وزن مائتي درهم فضّة أو أقل من وزن عشرين مثقالاً ذهباً فإنّ فيه الخمس، وليس هذا على موضع الزكاة إنّما هو على موضع الغنائم (1)، وليس في تراب ذلك شيء إنّما الخمس في الذهب الخالص والفضة الخالصة والحديد والنحاس والرصاص، ولا يحسب لمن استخرج ذلك من نفقته عليه شيء، وقد تكون النفقة تستغرق ذلك كلّه فلا يجب إذن فيه خمس عليه، وفيه الخمس حين يفرغ من تصفيته قليلاً كان أو كثيراً، ولا يحسب له من نفقته شيء من ذلك وما استخرج من المعادن سوى ذلك من الحجارة ـ مثل الياقوت والفيروزج والكحل والزئبق والكبريت والمغرّة ـ فلا خمس في (2) من ذلك، إنّما


(1)ترى أنّ أبا يوسف يعد الخمس الوارد في هذا الموضع من مصاديق الغنيمة الواردة في آية الخمس وهو شاهد على كونها عامة مفهوماً.
(2)هذا رأي أبي يوسف، واطلاق الآية يخالفه مضافاً إلى مخالفته مع روايات أئمّة أهل البيت فإنّها تفرض الخمس في الجميع.


(99)

ذلك كلّه بمنزلة الطين والتراب.

قال: ولو أنّ الذي أصاب شيئاً من الذهب أو الفضة أو الحديد أو الرصاص أو النحاس، كان عليه دين فادح لم يُبطل ذلك الخمس عنه، ألا ترى لو أنّ جنداً من الاَجناد أصابوا غنيمة من أهل الحرب خُـمِّسَت ولم ينظر أعليهم دين أم لا، ولو كان عليهم دين لم يمنع ذلك من الخمس.

قال: وأمّا الركاز فهو الذهب والفضة الذي خلقه اللّه عزّ وجلّ في الاَرض يوم خلقت، فيه أيضاً الخمس، فمـن أصاب كنزاً عاديّاً في غير ملك أحـد ـ فيه ذهب أو فضة أو جوهر أو ثياب ـ فإنّ في ذلك الخمس وأربعة أخماسه للذي أصابه وهو بمنزلة الغنيمة يغنمها القوم فتخمَّس وما بقي فلهم.

قال: ولو أنّ حربياً وجد في دار الاِسلام ركازاً و كان قد دخل بأمان، نزع ذلك كلّه منه ولا يكون له منه شيء، وإن كان ذمّياً أُخذ منه الخمس كما يوَخذ من المسلم، وسلِّم له أربعة أخماسه. وكذلك المكاتب يجد ركازاً في دار الاِسلام فهو له بعد الخمس ... (1).

2ـ الخمس في أرباح المكاسب:

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ النبيّ الاَكرم أمر باخراج الخمس من مطلق ما يغنمه الانسان من أرباح المكاسب وغيرها وإليك بعض ما ورد في المقام:

1ـ لمّا وفد عبد القيس لرسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقالوا: «إنّ بيننا وبينك المشركين


(1)الخراج: 22.


(100)

وإنّا لا نصل إليك إلاّ في الاَشهر الحرم فمرنا بجمل الاَمر، إن عملنا به دخلنا الجنة وندعوا إليه من وراءنا» فقال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالاِيمان باللّه، وهل تدرون ما الاِيمان، شهادة أن لا إله إلاّ اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعطوا الخمس من المغنم» (1).

ومن المعلوم أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يطلب من بني عبد القيس أن يدفعوا غنائم الحرب كيف وهم لا يستطيعون الخروج من حيّهم في غير الاَشهر الحرم، خوفاً من المشركين. فيكون قد قصد المغنم بمعناه الحقيقي في لغة العرب وهو ما يفوزون به فعليهم أن يعطوا خمس ما يربحون.

وهناك كتب ومواثيق، كتبها النبيّ وفرض فيها الخمس على أصحابها وستتبيّن بعد الفراغ من نقلها، دلالتها على الخمس في الاَرباح وإن لم تكن غنيمة حربية فانتظر.

2ـ كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم ... هذا ... عهد من النبي رسول اللّه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى اللّه في أمره كلّه، وأن يأخذ من المغانم خمس اللّه، وما كتب على الموَمنين من الصدقة من العقار عُشر ما سقى البعل وسقت السماء، ونصف العُشر ممّا سقى الغرب» (2).


(1)البخاري: الصحيح: 4|250 باب «واللّه خلقكم وما تعملون» من كتاب التوحيد، وج1 ص 13 و 19 ، وج3 ص 53، و مسلم: الصحيح 1|35 ـ 36 باب الاَمر بالاِيمان، النسائي: السنن: 1|333، وأحمد: المسند 1|318، الاَموال: ص 12 وغيرها.
(2)البلاذري: فتوح البلدان : 1| 81 باب اليمن، وسيرة ابن هشام: 4| 265. و تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك: 1| 157.


(101)

والبعل ما سُقِيَ بعروقه، والغرب: الدلو العظيمة.

3ـ كتب إلى شرحبيل بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان:

«أمّا بعد، فقد رجع رسولكم وأُعطيتم من المغانم خمس اللّه» (1).

4ـ كتب إلى سعد هُذيم من قضاعة، وإلى جذام كتاباً واحداً يعلّمهم فرائض الصدقة، ويأمرهم أن يدفعوا الصدقة والخمس إلى رسوليه أُبيّ وعنبسة أو من أرسلاه» (2)..

5ـ كتب للفُجَيع ومن تبعه:

«من محمد النبيّ للفجيع، ومن تبعه وأسلمَ وأقام الصلاةَ وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من المغانم خمس اللّه ...» (3).

6ـ كتب لجنادة الاَزدي وقومه ومن تبعه:

«ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطاعوا اللّه ورسوله وأعطوا من المغانم خمس اللّه وسهم النبي وفارقوا المشركين فإنّ لهم ذمّة اللّه وذمّة محمد بن عبد اللّه» (4).

7ـ كتب لجهينة بن زيد فيما كتب:

«إنّ لكم بطون الاَرض وسهولها وتلاع الاَودية وظهورها، على أن ترعوا نباتها


(1)الوثائق السياسية: 227 برقم 110. (ط 4 بيروت).
(2)ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1|270.
(3)المصدر نفسه: ص 304 ـ 305.
(4)المصدر نفسه: ص 270.


(102)

وتشربوا ماءها، على أن توَدّوا الخمس» (1).

8ـ كتب لملوك حمير فيما كتب:

«وآتيتم الزكاة ، وأعطيتم من المغانم: خمس اللّه، وسهم النبي وصفيّه وما كتب اللّه على الموَمنين من الصدقة» (2).

9ـ كتب لبني ثعلبة بن عامر:

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأعطى خمس المغنم وسهم النبي والصفي» (3).

10ـ كتب إلى بعض أفخاذ جهينة:

«من أسلم منهم وأقام الصلاة وآتى الزكاة وأطاع اللّه ورسوله وأعطى من الغنائم الخمس» (4).

ايضاح الاستدلال بهذه المكاتيب:

يتبيّن ـ بجلاء ـ من هذه الرسائل أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكن يطلب منهم أن يدفعوا خمس غنائم الحرب التي اشتركوا فيها، بل كان يطلب ما استحقّ في أموالهم من خمس وصدقة.

ثم إنّه كان يطلب منهم الخمس دون أن يشترط ـ في ذلك ـ خوض الحرب واكتساب الغنائم.


(1)الوثائق السياسية: ص 265 برقم 157.
(2)فتوح البلدان: 1| 82 وسيرة ابن هشام: 4| 258.
(3)الاصابة: 2| 189 وأُسد الغابة: 3|34.
(4) ابن سعد: الطبقات الكبرى: 1|271.


(103)

هذا مضافاً إلى أنّ الحاكم الاِسلامي أو نائبه هما اللّذان يليان بعد الفتح قبض جميع غنائم الحرب وتقسيمها بعد استخراج الخمس منها، ولا يَملِك أحد من الغزاة عدا سلب القتيل شيئاً ممّا سلب وإلاّ كان سارقاً مغلاّ ً.

فإذا كان اعلان الحرب وإخراج خمس الغنائم على عهد النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من شوَون النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فماذا يعني طلبه الخمس من الناس وتأكيده في كتاب بعد كتاب، وفي عهد بعد عهد؟

فيتبيّن أنّ ما كان يطلبه لم يكن مرتبطاً بغنائم الحرب. هذا مضافاً إلى أنّه لا يمكن أن يقال: إنّ المراد بالغنيمة في هذه الرسائل هو ما كان يحصل الناس عليه في الجاهلية عن طريق النهب، كيف وقد نهى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن النهب والنهبى بشدّة، ففي كتاب الفتن باب النهي عن النُّهبة عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :

«من انتهب نهبة فليس منّا» (1)، وقال: «إنّ النهبة لا تَحِلّ» (2) وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن عبادة بن الصامت: بايعنا النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على أن لا ننهب(3).

وفي سنن أبي داود، باب النهي عن النهبى، عن رجل من الاَنصار قال: خرجنا مع رسول اللّهفأصاب الناس حاجة شديدة وجهدٌ، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فإنّ قدورنا لتغلي، إذ جاء رسول اللّه يمشي متّكئاً على قوسه فأكفا قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يُرمِّل اللحم بالتراب ثمّ قال: «إنّ النهبة ليست بأحلَّ من الميتة» (4).


(1) ابن ماجة: السنن: كتاب الفتن ص 1298 برقم 3937 و 3938.
(2) ابن ماجة: السنن: كتاب الفتن ص 1298 برقم 3937 و 3938.
(3) البخاري: الصحيح : 2| 48 باب النهب بغير اذن صاحبه.
(4) أبو داود: السنن: 2|12.


(104)

وعن عبد اللّه بن زيد: نهى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن النهبى والمثلة (1).

إلى غير ذلك من الاَحاديث التي وردت في كتاب الجهاد.

وقد كانت النهيبة والنهبى عند العرب تساوق الغنيمة والمغنم ـ في مصطلح يومنا هذا ـ الذي يستعمل في أخذ مال العدو.

فإذا لم يكن النهب مسموحاً به في الدين، وإذا لم تكن الحروب التي يقوم بها أحد بغير اذن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ جائزة، لم تكن الغنيمة في هذه الوثائق تعني دائماً ما يوَخذ في القتال، بل كان معنى الغنيمة الواردة فيها هو ما يفوز به الناس من غير طريق القتال بل من طريق الكسب وما شابهه، ولا محيص حينئذ من أن يقال: إنّ المراد بالخمس الذي كان يطلبه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو خمس أرباح الكسب والفوائد الحاصلة للانسان من غير طريق القتال أو النهب الممنوع في الدين.

وعلى الجملة: أنّ الغنائم المطلوب في هذه الرسائل النبويّة أداء خمسها إمّا أن يراد ما يستولي عليه أحد من طريق النهب والاغارة، أو ما يستولى عليه من طريق محاربة بصورة الجهاد، أو ما يستولى من طريق الكسب والكد.

والاَوّل ممنوع، بنصّ الاَحاديث السابقة فلا معنى أن يطلب النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خمس النهيبة.

والثاني يكون أمر الغنائم فيه بيد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مباشرة، فهو الذي يأخذ كل الغنائم ويضرب لكلّ من الفارس والراجل ما له من الاَسهم بعد أن يستخرج الخمس بنفسه من تلك الغنائم، فلا معنى لاَن يطلبه النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من الغزاة، فيكون الثالث هو المتعيّـن.


(1)رواه البخاري في الصيد، راجع التاج : 4| 334.


(105)

وورد عنأئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ ما يدلّ على ذلك، فقد كتب أحد الشيعة إلى الاِمام الجواد _ عليه السلام _ قائلاً: أخبرني عن الخمس أعَلـى جميع ما يستفيد الرجل من قليل وكثير من جميع الضروب وعلى الصنّاع وكيف ذلك؟ فكتب _ عليه السلام _ بخطّه: الخمس بعد الموَنة (1).

وفي هذه الاِجابة القصيرة يظهر تأييد الاِمام _ عليه السلام _ لما ذهب إليه السائل، ويتضمّن ذكر الكيفية التي يجب أن تراعى في أداء الخمس:

وعن سماعة قال: سألت أبا الحسن (الكاظم) _ عليه السلام _ عن الخمس؟ فقال: في كل ما أفاد الناس من قليل أو كثير (2).

وعن أبي علي بن راشد (وهو من وكلاء الاِمام الجواد والاِمام الهادي ـ عليهما السلام ـ ) قال: قلت له (أي الاِمام _ عليه السلام _ ): أمرتني بالقيام بأمرك، وأخذ حقّك، فأعلمت مواليك بذلك فقال لي بعضهم: وأي شيء حقّه؟ فلم أدر ما أُجيبه؟ فقال: يجب عليهم الخمس، فقلت: وفي أي شيء؟ فقال: في أمتعتهم وصنائعهم ، قلت: والتاجر عليه، والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد موَنتهم (3).

إلى غير ذلك من الاَحاديث والاَخبار المرويّة عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأهل بيته الطاهرين _ عليهم السلام _ التي تدلّ على شمول الخمس لكلّ مكسب.

* * *


(1)الوسائل : ج6 الباب 8 من أبواب الخمس، الحديث 1.
(2)المصدر نفسه، الحديث 6.
(3)المصدر نفسه، الحديث 3.


(106)

مواضع الخمس في الكتاب:

يقسم الخمس حسب تنصيص الآية على ستة أسهم، فيفرق على مواضعها الواردة في الآية، قال سبحانه: «واعلَموا أنَّما غنِمتُمْ مِن شيءٍ فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذي القُربى واليَتامى والمَساكينِ وابنِ السَّبيل» (الاَنفال|41) غير أنّه يطيب لي تعيين المراد من ذي القربى.

إنّ «ذي القربى» بمعنى صاحب القرابة والوشيجة النسبية، ويتعيّن فرده، بتعيين المنسوب إليه. وهو يختلف حسب اختلاف مورد الاستعمال، ويستعان في تعيينه بالقرائن الموجودة في الكلام ـ إن وجدت ـ ومنها السياق، وإلاّ فيستعان بالسنّة.

قال سبحانه: «ما كَانَ للنَّبيِّ والَّذينَ آمَنُوا أَن يَستَغفِروا لِلمُشْـرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُوْلِـي قُرْبى» (التوبة|113) والمراد أقرباء المذكورين في الآية أي النبيّ والموَمنين.

وقال سبحانه: «وإذا قُلتُمْ فَاعدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُربى» (الاَنعام|152)، والمراد أقرباء المخاطبين في الآية بقوله : «قلتم» و «فاعدلوا» .

وقال سبحانه: «وإذا حضرَ القسمةَ أُولوا القُربى» (النساء|8) والمراد أقرباء من يقسم ماله أعني الميّت.

و قوله سبحانه: «ما أفاءَ اللّهُ على رَسُولِهِ مِنْ أهلِ القرى فللّهِ وللرّسولِ ولذي القربى» (الحشر|7) .

وقوله سبحانه: «قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودَّةَ في القربى» (الشورى|23) المراد في الآيتين قرابة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لتقدم ذكره وعدم صلاحية


(107)

السياق إلاّ لذلك.

وأمّا آية الخمس من سورة الاَنفال المتقدم ذكرها فقد اتفق المفسرون على أنّ المراد من ذي القربى قرابة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ واختلفوا في اليتامى والمساكين وابن السبيل أنّهم مطلق اليتامى والمساكين وأبناء السبيل أو من ذوي القربى على الخصوص. والسياق هنا وإن لم يقتض الالتزام بأحدهما إلاّ أنّ السنّة الشريفة الواردة عن الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأهل بيته اقتضت الاَخير كما يأتي في البحث التالي.

مواضع الخمس في السنّة:

وأمّا السنّة فهي أيضاً تدعم ما هو مفاد الآية:

روي عن ابن عباس: «كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقسم الخمس على ستة: للّه وللرسول سهمان وسهم لاَقاربه حتى قبض» (1).

و روي عن أبي العالية الرياحي(2) كان رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، يوَتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة فتكون أربعة أخماس لمن شهدها، ثمّ يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه الذي قبض كفّه، فيجعله للكعبة و هو سهم اللّه، ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم فيكون سهم للرسول وسهم لذي القربى وسهم لليتامى وسهم للمساكين و سهم لابن السبيل. قال: والذي جعله للكعبة فهو سهم اللّه (3).


(1)النيسابوري: ط بهامش الطبري: 10|4.
(2)أبو العالية الرياحي: هو رفيع بن مهران مات سنة 90، لاحظ تهذيب التهذيب: 3|246.
(3)أبو عبيد القاسم بن سلام : الاَموال : 325، الطبري: التفسير : 10|4، والجصاص: أحكام القرآن: 3|60.


(108)

ولعلّ جعله للكعبة كان لتجسيد السهام وتفكيكها وربّما خالفه كما روى عطاء بن أبي رباح(1)قال: «خمس اللّه، وخمس رسوله واحد، وكان رسول اللّهيحمل منه ويعطي منه و يضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء» (2).

والمراد من كون سهمهما واحداً، كون أمره بيده _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بخلاف الاَسهم الاُخر، فإنّ مواضعها معيّنة.

وبذلك يظهر المراد ممّا رواه الطبري: «كان نبيّ اللّه إذا اغتنم غنيمة جعلت أخماساً، فكان خمس للّه ولرسوله. ويقسم المسلمون ما بقي (الاَخماس الاَربعة) وكان الخمس الذي جعل للّه ولرسوله، لرسوله، ولذوي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل، فكان هذا الخمس خمسة أخماس خمس للّه ولرسوله»(3).

فالظاهر أنّ المراد كان أمر السهمين بيد الرسول ولذا جعلهما سهماً واحداً، بخلاف السهام الاُخر، وإلاّ فالخبر مخالف لتنصيص القرآن الكريم.

وأمّا تخصيص بعض سهام الخمس بذي القربى ومن جاء بعدهم من اليتامى والمساكين وابن السبيل، فلاَجل الروايات الدالة على أنّه لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس. روى الطبري: كان آل محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لا تحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس، وقال: قد علم اللّه أنّ في بني هاشم الفقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة (4) كما تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت


(1)عطاء بن أبي رباح مات سنة 114، أخرج حديثه أصحاب الصحاح.
(2)الطبري: التفسير : 10|4.
(3) المصدر نفسه. والاَصح أن يقول ستة أسداس وعرفت وجه العدول عنه.
(4)المصدر نفسه | 5، فجعل خمس الخمس، بلحاظ المواضع الخمسة ما سوى للّه، وجعله كله لهم باعتبار أنّ أمره أيضاً بيده، فلا منافاةبين الجعلين.


(109)

أنّ السهام الاَربعة من الخمس، لآل محمد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (1).

هذا ما يستفاد من الكتاب و السنّة غير أنّ الاجتهاد لعب دوراً كبيراً في تحويل الخمس عن أصحابه وإليك ما ذهبت إليه المذاهب الاَربعة:

«قالت الشافعية والحنابلة: تقسم الغنيمة، و هي الخمس، إلى خمسة أسهم، واحد منها سهم الرسول، ويصرف على مصالح المسلمين، و واحد يعطى لذوي القربى، وهم من انتسب إلى هاشم بالابوّة من غير فرق بين الاَغنياء والفقراء، والثلاثة الباقية تنفق على اليتامى والمساكين وأبناء السبيل سواء أ كانوا من بني هاشم أو من غيرهم.

وقالت الحنفية: إنّ سهم الرسول سقط بموته، أمّا ذوو القربى فهم كغيرهم من الفقراء يعطون لفقرهم لا لقرابتهم من الرسول.

وقالت المالكية: يرجع أمر الخمس إلى الاِمام يصرفه حسبما يراه من المصلحة.

وقالت الاِمامية: إنّ سهم اللّه وسهم الرسول وسهم ذوي القربى يفوّض أمرها إلى الاِمام أو نائبه، يضعها في مصالح المسلمين. والاَسهُم الثلاثة الباقية تعطى لاَيتام بني هاشم ومساكينهم وأبناء سبيلهم، ولايشاركهم فيها غيرهم».(2) وقال ابن قدامة في المغني، بعد ما روى أنّ أبابكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ قسّما الخمس على ثلاثة أسهم: «و هو قول أصحاب الرأي ـ أبي حنيفة وجماعته ـ


(1)الوسائل: ج6 الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، ولاحظ أيضاً صحيح البخاري 1|181، باب تحريم الزكاة على رسول اللّه.
(2)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة : 188.


(110)

قالوا: يقسّم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول اللّه بموته، وسهم قرابته أيضاً.

وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال.

وقال الثوري: والخمس يضعه الاِمام حيث أراه اللّه عزّ وجلّ.

وما قاله أبو حنيفة مخالف لظاهر الآية، فإنّ اللّه تعالى سمّى لرسوله وقرابته شيئاً وجعل لهما في الخمس حقّاً كما سمّى الثلاثة الاَصناف الباقية، فمن خالف ذلك فقد خالف نصّ الكتاب، وأمّا جعل أبي بكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ سهم ذي القربى في سبيل اللّه، فقد ذكر لاَحمد فسكت وحرّك رأسه ولم يذهب إليه، ورأى أنّ قول ابن عباس و من وافقه أولى، لموافقته كتاب اللّه وسنّة رسوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ...» (1).

الاجتهاد مقابل النص:

ثمّ إنّ الخلفاء بعد النبيّ الاَكرم اجتهدوا مقابل النص في موارد منها: إسقاط سهم ذي القربى من الخمس، وذلك أنّ اللّه سبحانه وتعالى جعل لهم سهماً، افترض أداءه نصاً في الذكر الحكيم والفرقان العظيم يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، وهو قوله عزّ من قائل: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَلِذِى القُرْبِى وَاليَتَامَى وَالمساكينِ وَابنِ السبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَ مَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَانِ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَان وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ»(2).


(1) أبو فرج عبد الرحمان بن قدامة المقدسي: الشرح الكبير ـ على هامش المغني ـ: 10|493ـ 494.
(2)الاَنفال: الآية 41.


(111)

وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يختصّ بسهم من الخمس ويخص أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يَعْهَد بتغيير ذلك إلى أحد حتى دعاه اللّه إليه، واختار اللّه له الرفيق الاَعلى.

فلمّا ولى أبو بكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبيّ وسهم ذي القربى بموت النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم و أبناء السبيل منهم.

قال الزمخشري: وعن ابن عباس: الخمس على ستّة أسهم: للّه ولرسوله، سهمان، وسهم لاَقاربه حتى قبض فأجرى أبوبكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر و من بعده من الخلفاء قال: و روي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس(1).

وقد أرسلت فاطمة _ عليها السلام _ تسأله ميراثها من رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبوبكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ستّة أشهر فلمّـا توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يوَذن بها أبابكر، وصلّى عليها. الحديث(2).

وفي صحيح مسلم عن يزيد بن هرمز. قال: كتب نجدة بن عامر الحروري الخارجي إلى ابن عباس قال ابن هرمز: فشهدت ابن عباس حين قرأ الكتاب وحين كتب جوابه وقال ابن عباس: واللّه لولا أن أردّه عن نتن يقع فيه ما كتبت إليه، ولا


(1)الكشاف: 2|126.
(2)البخاري: الصحيح : 3|36 باب غزوة خيبر. وفي صحيح مسلم: 5|154: «... وصلّـى عليها علي».


(112)

نعمة عين. قال: فكتب إليه: إنّك سألتني عن سهم ذي القربى الذين ذكرهم اللّه من هم؟ وإنّا كنّا نرى أنّ قرابة رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هم نحن فأبى ذلك علينا قومُنا، الحديث(1).

وأخرجه الاِمام أحمد من حديث ابن عباس في أواخر ص294 من الجزء الاَوّل من مسنده.

و رواه كثير من أصحاب المسانيد بطرق كلها صحيحة، وهذا هو مذهب أهل البيت المتواتر عن أئمّتهم _ عليهم السلام _.

لكن الكثير من أئمّة الجمهور أخذوا برأي الخليفتين ـ رضى اللّه عنهما ـ فلم يجعلوا لذي القربى نصيباً من الخمس خاصّاً بهم.

فأمّا مالك بن أنس فقد جعله بأجمعه مفوّضاً إلى رأي الاِمام يجعله حيث يشاء في مصالح المسلمين، لا حقّ فيه لذي قربى ولا ليتيم ولا لمسكين ولا لابن سبيل مطلقاً.

وأمّا أبو حنيفة وأصحابه فقد أسقطوا بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ سهمه وسهم ذي قرباه، وقسموه بين مطلق اليتامى والمساكين وابن السبيل على السواء، لا فرق عندهم بين الهاشميين وغيرهم من المسلمين.

والشافعي جعله خمسة أسهم: سهماً لرسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يصرف إلى ما كان يصرف إليه من مصالح المسلمين كعُدَّة الغزاة من الخيل والسلاح والكراع و نحو ذلك، وسهماً لذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس


(1) مسلم: الصحيح: 2|105 ، كتاب الجهاد والسير.


(113)

وبني نوفل يقسم بينهم «للذَّكر مثل حظّ الاُنثيين»، والباقي للفرق الثلاث: اليتامى والمساكين وابن السبيل مطلقاً (1).

إلى هنا خرجنا بنتيجتين:

1ـ وجوب الخمس في كل ما يفوز به الانسان. وأنّه لا يختصّ بالغنائم الحربيّة.

2ـ إنّ الخمس يقسـم على ستـة أسهم، الثلاثة الاُولى، أمرها بيد الاِمام يتولاّها حسب ما رأى من المصلحة، والثلاثة الاُخرى، للاَيتام والمساكين وأبناء السبيل من آل النبيّ الاَكرم لا مطلقهم.



(1)لشرف الدين: النص والاجتهاد : 25 ـ 27.


(114)


(115)

المسألة السادسة :

الزواج الموَقت

اتفقت المذاهب الفقهية على أنّ المتعة كانت نكاحاً حلالاً أحلها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بوحي منه سبحانه في برهة من الزمن، وإنّما اختلفوا في استمرار حليتها، والشيعة الاِمامية على بقاء حليتها وعدم ورود أي نسخ عليها خلافاً للمذاهب الاَربعة فهي على التحريم البات قائلة بالنسخ.

ولما كانت الحلية من مختصات فقه الشيعة، آثرنا أن نبحث عنها في إطار الكتاب والسنّة، على وجه الاجمال، حتى يقف القارىَ على أنّ القول بأصل تشريعها وعدم نسخها ممّا يثبته الكتاب والسنّة، وانّ قول بعضهم بعدم تشريعها بتاتاً أو ادّعاء نسخها يضادّهما. وسيوافيك أنّ لفيفاً من الصحابة والتابعين كانوا يفتون بجوازها وعدم نسخها، وإنّما منع عنها عمر بن الخطاب لحافز نفسي أو اجتهاد شخصي لا دليل عليه وليس حجّة على الآخرين. وقد قال بنظيره في متعة الحج التي كانت في زمن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ .

فأمّا زواج المتعة: فهو عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة نفسها إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو احصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق، فإذا


(116)

انتهى الاَجل تبين منه من غير طلاق. ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً (1).

وولد المتعة ـ ذكراً كان أو أُنثى يلحق بالاَب ولا يدعى إلاّ به، وله من الارث ما أوصانا اللّه سبحانه به في كتابه العزيز. كما يرث من الا َُم، وتشمله جميع العمومات الواردة في الآباء والاَبناء والا َُمّهات، وكذا العمومات الواردة في الاخوة والاَخوات والاَعمام والعمّـات.

وبالجملة: المتمتّع بها زوجة حقيقة، وولدها ولد حقيقة. ولا فرق بين الزواجين: الدائم والمنقطع إلاّ أنّه لا توارث هنا ما بين الزوجين، ولا قسمة ولا نفقة لها إلاّ أن تشترط ذلك في العقد. كما أنّ له العزل عنها. وهذه الفوارق الجزئية فوارق في الاَحكام لا في الماهية، لاَنّ الماهية واحدة غير أنّ أحدهما موَقت والآخر دائم، وانّ الاَوّل ينتهي بانتهاء الوقت والآخر ينتهي بالطلاق أو الفسخ.

وقد أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الاِسلام، ولا يشك أحد في أصل مشروعيّته، وانّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته.

والاَصل في مشروعيته قوله سبحانه: «وحلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ وأنْ تَجْمَعُوا بينَ الا َُختَينِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحيماً * والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحصِنِينَ غَيرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَريضةً ولا جُناحَ عَلَيكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعدِ الفَريضَةِ إنَّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيماً» (2).


(1)لاحظ الكتب الفقهية للشيعة الاِمامية في ذلك المجال.
(2)النساء: الآية 23ـ24.


(117)

والآية ناظرة إلى نكاح المتعة وذلك لوجوه:

1ـ الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه:

إنّ هذه السورة، أي سورة النساء، تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الاَحكام والحقوق، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله: «وإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ ورُباعَ فإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعدِلُوا فَواحِدَةً...» (1).

وأمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية: «وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَـيءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَريئا» (2).

وقال سبحانه: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يحلُّ لَكُم أن تَرِثُوا النِّساءَ كرهاً ولا تَعضِلوهنَّ لِتذهَبوا بِبعضِ ما آتَيتموهُنَّ... » (3).

وقال سبحانه: «وإنْ أردتُمُ استبدالَ زَوجٍ مَكان زوجٍ وآتَيتُم إحداهُنَّ قِنطاراً فَلا تَأخذوا منهُ شَيئاً أتأْخُذونَهُ بُـهتاناً وإثماً مُبيناً» (4).

وأمّا نكاح الاِماء فقد جاء في قوله سبحانه: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ»


(1)النساء: الآية 3.
(2)النساء: الآية 4.
(3)النساء: الآية 19.
(4)النساء: الآية 20.


(118)

«يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُوَْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُوَْمِناتِ واللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتّخِذاتِ أخْدانٍ...» (1).

فقوله سبحانه: «مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ» إشارة إلى نكاح السيّد لاَمته، الذي جاء في قوله سبحانه أيضاً: «إلاّ علَى أَزْواجِهِمْ أوْ مَا مَلكَتْ أيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ...» (2).

وقوله سبحانه: «فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ» إشارة إلى تزويج أمة الغير.

فإلى هنا تم بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلاّ نكاح المتعة، وهو الذي جاء في الآية السابقة، وحمل قوله سبحانه: «فما استمتعتم» على الزواج الدائم.

وحمل قوله: «فآتوهنّ أُجورهُنّ» على المهور والصدقات مستلزم للتكرار . وسيوافيك وجود نكاح المتعة في صدر الاِسلام، ولا يصح للشارع السكوت عن حكمها.

فالناظر في السورة يرى أنّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاص ولا يتحقّق ذلك إلاّ بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً.

2ـ تصريح جماعة من الصحابة بشأن نزولها:

ذكرت أُمّة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها، وينتهي نقل هوَلاء إلى أمثال ابن عباس، وأُبي بن كعب، وعبد اللّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللّه الاَنصاري، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير، إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتهامهم بالوضع والجعل.


(1)النساء: الآية 25.
(2)الموَمنون : الآية 6.


(119)

وقد ذكر نزولها من المفسّـرين والمحدّثين:

إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده (1).

وأبو جعفر الطبري في تفسيره (2).

وأبو بكر الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن (3).

وأبو بكر البيهقي في السنن الكبرى (4).

ومحمود بن عمر الزمخشري في الكشاف (5).

وأبو بكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن (6).

وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب (7).

إلى غير ذلك من المحدّثين والمفسّـرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا، ولا نطيل الكلام بذكرهم.

وليس لاَحد أن يتّهم هوَلاء الاَعلام بذكر ما لا يفتون به. وبملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة.

ومعنى الآية: انّ اللّه تبارك وتعالى شرّع لكم نكاح ما وراء المحرّمات لاَجل


(1)أحمد: المسند: 4|436.
(2)الطبري: التفسير : 5|9.
(3)أحكام القرآن : 2|178.
(4)السنن الكبرى: 7|205.
(5)الكشاف: 1|360.
(6)جامع أحكام القرآن: 5|13.
(7)مفاتيح الغيب: 3|267.


(120)

أن تبتغوا بأموالكم ما يحصنكم ويصون عفّتكم ويصدّكم عن الزنا، فإذا تزوجتم استمتاعاً فآتوهنّ أُجورهنّ.

والغاية من النكاح مطلقاً هو صيانة النفس، وهي موجودة في جميع الاَقسام، النكاح الدائم، والموَقت والزواج بأمة الغير المذكورة في هذه السورة من أوّلها إلى الآية 25.

هذا هو الذي يفهمه كلّ انسان من ظواهر الآيات غير أنّ من لا يروقه الاَخذ بظاهر الآية: «فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أُجورهنّ» لرواسب نفسية أو بيئية حاول أن يطبق معنى الآية على العقد الدائم، وذكر في المورد شبهات ضعيفة لا تصمد أمام النقاش نجملها بما يلي:

الشبهة الا َُولى: إنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكوين الا َُسرة وإيجاد النسل، وهو يختصّ بالنكاح الدائم دون المنقطع الذي لا يترتّب عليه إلاّ إرضاء القوّة الشهوية وصبّ الماء وسفحه (1).

ويجاب عنها: بأنّه خلط بين الموضوع والفائدة المترتّبة عليه، وما ذكر إنّما هو من قبيل الحكمة، وليس الحكم دائراً مدارها، لضرورة أنّ النكاح صحيح وإن لم يكن هناك ذلك الغرض، كزواج العقيم واليائسة والصغيرة. بل أغلب المتزوجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع، ولا يخطر ببالهم طلب النسل أصلاً وإن حصل لهم قهراً، ولا يقدح ذلك في صحّة زواجهم.


(1)وسنعود إلى هذه الشبهة في نقد كلام «الدرينيّ» أيضاً.


(121)

ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر، مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الاَولاد والارضاع والحضانة وإن كانت قليلة.

ونسأل المانعين الذين يعتبرون نكاح المتعة، مخالفاً للحكمة، التي من أجلها شرّع النكاح، نسألهم عن الزوجين اللذين يتزوّجان نكاح دوام، ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين، فهل هذا نكاح صحيح أو لا ؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الاِسلام يمنع ذلك إلاّ إذا أفتى بغير دليل ولا برهان، وبهذا الشكل يتعين الجزم بأصحّية هذا النكاح، فأي فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى أنّ المدّة مذكورة في الاَوّل دون الثاني؟

يقول صاحب المنار: إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنيّة الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون إنّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً وغشّاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت (1).

أقول: نحن نفترض أنّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً، حتى لا يكون هناك خداع وغشّ، فهو صحيح بلا اشكال.

الشبهة الثانية: إنّ تسويغ النكاح الموَقت ينافي ما تقرّر في القرآن كقوله عزّ وجلّ في صفة الموَمنين: «والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلاّ عَلَى أزواجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومينَ*فَمَنِ ابْتَغْى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ »


(1)المنار : 5|17.


(122)

« العادُون» (1).

والمراد من قوله: «من ابتغى» هم المتجاوزون ما أحلّه اللّه لهم إلى ما حرّمه عليهم. والمرأة المتمتّع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف.

إلاّ أنّه يرد عليها: انّها دعوى بلا دليل. فإنّها زوجة ولها أحكام، وعدم وجود النفقة والقسمة لا يخرجانها عن الزوجيّة، فإنّ الناشزة زوجة ليست لها النفقة وحقّ القسمة، ومثلها الصغيرة . والعجب أن يستدل بعدم وجود الاَحكام على نفي الماهية، فإنّ الزوجيّة رابطة بين الزوجين تترتّب عليها جملة من الاَحكام وربّما تختص بعض الاَحكام ببعض الاَقسام.

الشبهة الثالثة: إنّ المتمتّع في النكاح الموَقت لا يقصد الاحصان، بل يكون قصده المسافحة، وإن كان هناك نوع ما من الاحصان بالنسبة إليه حيث يمنعها من التنقّل في دِمنِ الزنا، فإنّه لا يكون فيه شيء من الاِحصان بالنسبة إلى المرأة التي توَجر نفسها كل مدة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حُذِفْت بصوالجة فتلقّفها رجل رجـل (2).

ويرد على هذه الشبهة: انّه من أين وقف على أنّ الاحصان في النكاح الموَقّت يختص بالرجل دون المرأة، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً، فكل واحد من الطرفين يُحصن نفسه من هذا الطريق، وإلاّ فلا محيص عن التنقل في دمن


(1)الموَمنون: الآية: 5ـ7.
(2)المنار : 5|13.


(123)

الزنا. والذي يصون الفتى والفتاة عن البغي أحد الا َُمور الثلاثة:

1ـ النكاح الدائم.

2ـ النكاح الموَقّت بالشروط الماضية.

3ـ كبت الشهوة الجنسية.

فالاَوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب والطالبة اللذين يعيشان بمنح ورواتب مختصرة يجريها عليهما الوالدان أو الحكومة، وكبت الشهوة الجنسية أمر شاق لا يتحمّله إلاّ الاَمثل فالاَمثل من الشباب والمثلى من النساء، وهم قليلون، فلم يبق إلاّ الطريق الثاني، فيحصنان نفسهما عن التنقّل في بيوت الدعارة.

إنّ الدين الاِسلامي هو الدين الخاتم، ونبيّه خاتم الاَنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وشريعته خاتمة الشرائع، فلا بد أن يضع لكل مشكلة اجتماعية حلولاً شرعية، يصون بها كرامة الموَمن والموَمنة، وما المشكلة الجنسية عند الرجل والمرأة إلاّ إحدى هذه النواحي التي لا يمكن للدين الاِسلامي أن يهملها، وعندئذ يطرح هذا السوَال نفسه:

ماذا يفعل هوَلاء الطلبة والطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم، وتمنعهم كرامتهم ودينهم عن التنقّل في بيوت الدعارة والفساد، والحياة المادية بجمالها توَجّج نار الشهوة في نفوسهم؟ فمن المستحيل عادة أن يصون نفسه أحد إلاّ من عصمه اللّه، فلم يبق طريق إلاّ زواج المتعة، الذي يشكّل الحل الاَنجح لتلافي الوقوع في الزنا، وتبقى كلمة الاِمام علي بن أبي طالب ترن في الآذان محذّرة


(124)

من تفاقم هذا الاَمر عند إهمال العلاج الذي وصفه المشرّع الحكيم له، حيث قال ـ عليه السّلام ـ: «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقي أو شقيّة».

وأمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الرجل بحقيقة نكاح المتعة وحدودها، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية التي ينسبها الرجل (1) وغيره إلى الشيعة، وهم براء من هذا الاِفك، إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة الاعتداد على ما ذكرنا، فكيف يمكن أن توَجّر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل؟! سبحان اللّه ما أجرأهم على الكذب على الشيعة والفرية عليهم، وما مضمون الشعر إلاّ جسارة على الوحي والتشريع الاِلهي، وقد اتّفقت كلمة المحدّثين والمفسّـرين على التشريع، وأنّه لو كان هناك نهي أو نسخ فإنّما هو بعد التشريع والعمل.

الشبهة الرابعة: إنّ الآية منسوخة بالسنّة، واختلفوا في زمن نسخها على أقوال شتّى:

1ـ أُبيحت ثمّ نهي عنها عام خيبر.

2ـ ما أُحلّت إلاّ في عمرة القضاء.

3ـ كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح .

4ـ أُبيحت عام أوطاس ثمّ نهي عنها (2).


(1)لاحظ كتابه: السنّة والشيعة: 65ـ 66.
(2)لاحـظ للوقـوف على مصـادر هذه الاَقـوال مسائـل فقهـية : لشـرف الدين: 63ـ64، الغدير : 6|225، أصل الشيعة وأُصولها: 171،والاَقوال في النسخ أكثر مما جاء في المتن.


(125)

وهذه الاَقوال تنفي الثقة بوقوع النسخ، كما أنّ نسخ القرآن بأخبار الآحاد ممنوع جدّاً، وقد صحّ عن عمران بن الحصين انّه قال: «إنّ اللّه أنزل المتعة وما نسخها بآية أُخرى، وأمرنا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالمتعة وما نهانا عنها، ثمّ قال رجل برأيه»، يريد به عمر بن الخطاب. وسيوافيك مصدره.

إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ وإنّما أسند التحريم إلى نفسه، ولو كان هناك ناسخ من اللّه عزّ وجلّ أو من رسوله، لاَسند التحريم إليهما، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء.

بل نقل متكلّم الاَشاعرة في شرحه على شرح التجريد انّه قال: أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وأنا أنهى عنهنّ، وأُحرمهنّ، وأُعاقب عليهنّ، متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل (1).

وقد روي عن ابن عباس ـ وهو من المصرحين بحلّية المتعة وإباحتها ـ في رده على من حاجّه بنهي أبي بكر وعمر لها، حيث قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

حتى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها، أفتى بالاِباحة، فعارضوه بقول أبيه، فقال لهم: أمر رسول اللّهأحقّ أن يتّبع أم أمر عمر؟

كلّ ذلك يعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبوي وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة، وهو في حدّ ذاته يعتبر اجتهاداً قبالة النص الواضح، وأنّه ما انفك يعلن جملة من الصحابة رفضهم له وعدم اذعانهم لاَمره، وإذا كان


(1)مفاتيح الغيب: 10|52ـ53، القوشجي: شرح التجريد : 484 طبع إيران.


(126)

الخليفة قد اجتهد لاَسباب رآها وأفتى على أساسها فكان الاَولى بمن لحقوه أن يتنبّهوا لهذا الاَمر لا أن يسرفوا في تسويغه دون حجة ولا دليل.

المنكرون للتحريم:

ذكرنا أنّ لفيفاً من وجوه الصحابة والتابعين أنكروا هذا التحريم ولم يقروا به، ومنهم:

1ـ علي أمير الموَمنين، في ما أخرجه الطبري بالاسناد إليه أنّه قال: «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ» (1).

2ـ عبد اللّه بن عمر، أخرج الاِمام أحمد من حديث عبد اللّه بن عمر، قال ـ وقد سئل عن متعة النساء ـ: واللّه ما كنّا على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ زانين ولا مسافحين، ثمّ قال: واللّه لقد سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «ليكوننّ قبل يوم القيامة المسيح الدجّال وكذّابون ثلاثون وأكثر» (2).

3ـ عبد اللّه بن مسعود، روى البخاري عن عبد اللّه بن مسعود، قال: كنّا نغزو مع رسول اللّهوليس لنا شيء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل معيّن، ثمّ قرأ علينا: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ» (3). (4)


(1)الطبري: التفسير : 5|9.
(2)أحمد: مسند : 2|95.
(3)المائدة : الآية 87.
(4) البخاري: الصحيح : 7|4، كتاب النكاح ، الباب 8، الحديث 3.


(127)

4ـ عمران بن حصين، أخرج البخاري في صحيحه عنه، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ففعلناها مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ولم ينزل قرآن يحرّمها ولم ينه عنها حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء (1).

أخرج أحمد في مسنده عن أبي رجاء عن عمران بن حصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه وعملنا بها مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلم تنزل آية تمنعها، ولم ينه عنها النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حتى مات (2).

5ـ كما أنّ الخليفة العباسي المأمون أوشك أن ينادي في أيام حكمه، بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقّف خوفاً من الفتنة وتفرّق المسلمين. قال ابن خلّكان، نقلاً عن محمّد بن منصور: قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولاَبي العيناء: بكّرا غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل، قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعلى عهد أبي بكر ـ رضي اللّه عنه ـ وأنا أنهى عنهما، ومن أنت يا جعل حتى تنهى عمّـا فعله رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبو بكر ـ رضي اللّه عنه ـ ؟! فأومأ أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلّمه نحن؟ فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غم يا أمير الموَمنين لما حدث في الاِسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب اللّه عزّ وجلّ، وحديث رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ،


(1)البخاري: الصحيح: 6|27، كتاب التفسير، تفسير قوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) من سورة البقرة.
(2)أحمد: المسند : لاحظ مسائل فقهية للسيد شرف الدين: 70.


(128)

قال اللّه تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ المُوَْمِنُونَ» إلى قوله: «والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون * إلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ ملومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذَلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ العادُونَ» (1)يا أمير الموَمنين زوج المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند اللّه ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، قال: فقد صار متجاوز هذين، من العادين (2).

أقول: هل عزب عن ابن أكثم ـ وقد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت ـ أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه: «إلاّ على أزواجهم» وانّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم، وهو لا ينافي ثبوتها، وكم لها من نظير، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم، وبالعكس، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس، وأمّا الولد فيلحق قطعاً، ونفي اللحوق ناشىَ امّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به.

وما أقبح كلامه حيث فسّـر المتعة بالزنا وقد أصفقت الا َُمّة على تحليلها في عصر الرسولوالخليفة الاَوّل، أفيحسب ابن أكثم أنّ الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حلّل الزنا ولو مدَّة قصيرة.

وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه، تعرب عن أنّ التحريم كان صميم رأيه، من دون استناد إلى آية أو رواية.

فقد روى مسلم في صحيحه: عن ابن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فذكر ذلك لجابر، فقال: على يدي دار الحديث: تمتّعنا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّه كان يحل لرسوله ما شاء


(1)الموَمنون : الآية 1ـ7.
(2)ابن خلكان: وفيات الاَعيان: 6|149ـ 150.


(129)

بما شاء، فأتمّوا الحجّ والعمرة وأبتّوا نكاح هذه النساء، فلئِن أُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة (1).

وروى الاِمام أحمد في مسنده عن أبي نضرة قال: قلت لجابر: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة، وانّ ابن عباس يأمر بها، فقال لي: على يدي جرى الحديث: تمتّعنا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومع أبي بكر، فلمّا ولّي عمر خطب الناس فقال: إنّ القرآن هو القرآن، وإنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو الرسول، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إحداهما متعة الحج والا َُخرى متعة النساء (2).

وهذه المأثورات تعرب جملة من الملاحـظات نجملها بملاحظتين اثنتين:

أوّلاً: إنّ المتعة كانت باقية على الحلّ إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وبقيت لوقت في أيامه حتى نهى عنها ومنع.

وثانياً: إنّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنّة، ومن المعلوم انّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالاِجتهاد ـ حجّة على نفسه لا على غيره.

وفي الختام نقول:

إنّ الجهل بفقه الشيعة أدّى بكثير من الكتّاب إلى التقوّل على الشيعة، وخصوصاً في مسألة المتعة التي نحن بصدد الحديث عنها، برميهم بآراء وأحكام، يدلّ على جهل مطبق أو خبث سريرة لا يدمغ، ومن هذه الاَقوال: إنّ من أحكام المتعة عند الشيعة أنّه لا نصيب للولد من ميراث أبيه، وأنّ المتمتَّع بها لا عدّة لها،


(1)مسلم: الصحيح: 4|130، باب نكاح المتعة الحديث 8، طبع محمد علي صبيح.
(2)أحمد: المسند : 1|52.


(130)

وأنّها تستطيع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت. ومن أجل هذا استقبحوا المتعة واستنكروها وشنَّعوا على من أباحها.

وقد خفي الواقع على هوَلاء. وانّ المتعة عند الشيعة كالزواج الدائم لا تتم إلاّ بالعقد الدال على قصد الزواج صراحة، وانّ المتمتَّع بها يجب أن تكون خالية من جميع الموانع، وانّ ولدها كالولد من الدائمة من وجوب التوارث، والانفاق وسائر الحقوق المادية، وانّ عليها أن تعتدّ بعد انتهاء الاَجل مع الدخول بها، وإذا مات زوجها وهي في عصمته اعتدّت كالدائمة من غير تفاوت، إلى غير ذلك من الآثار(1).

على أنّ الاَمر الذي ينبغي الالتفات إليه وإدراكه بوضوح، انّ الشيعة رغم إدراكهم وإيمانهم بحلّية زواج المتعة وعدم تحريمه ـ وهو ما يعلنون عنه صراحة ودون تردد ـ إلاّ أنّهم لا يلجأون إلى هذا الزواج إلاّ في حدود ضيّقة وخاصة، وليس كما يصوّره ويتصوّره البعض من كونه ظاهرة متفشية في مجتمعهم وبشكل مستهجن ممجوج.


(1)الاثنا عشرية وأهل البيت تأليف مغنية 46.


(131)

نحن والدكتور محمد فتحي الدريني:

قد وقفت ـ أخيراً ـ على كتاب حول المتعة بقلم: السائح علي حسين، أسماه بهذا النحو: «الاَصل في الاَشياء ..؟ ولكن المتعة حرام !!» نشرته دار قتيبة، وقدّم له الدكتور محمد فتحي الدريني، عميد كلّية الشريعة بدمشق.

والذي دعاني إلى التعليق عليه أمران:

1ـ اسم الكتاب، حيث أسماه بما عرفت، وحاول أن يقرّر أنّ الاَصل الاَوّلي في الاَشياء الحلّية، والمتعة داخلة في هذا الاَصل، ولكن خرج عنه بالدليل ولولاه لكانت محكومة بالحلّية. وبعبارة أُخرى: حاول أن يتظاهر لصالح الخصم (القائل بحلّية المتعة) موَقَّتاً وأنّ الاَصل معه، ولكنّه خرج عن الاَصل بدليل حاسم.

2ـ تقديم الدكتور الدريني المحرّر بقلم نزيه من دون همز ولمز للمخالف الذي يرى كون المتعة حلالاً، وموقفه من رعاية أدب المناظرة مشكور ، والحق انّ مثله قليل فيما كتب حول عقائد الشيعة بقلم أهل السنّة فإنّ الغالب ـ إلاّ ما شذّ وندر ـ لا يفارق اللذع واللدغ أو الطعن والسبّ، وأحياناً التكفير أعاذنا اللّه من شرور أنفسنا.

ومع ذلك كلّه لنا تأمّلات فيما كتب يظهر بعضها من الامعان فيما سبق، ولكن لاَجل إيقاف القارىَ على النقاط الخاطئة في كلامه، نذكر أهم ما أفاده مع التعليق. وإن مرّ بعضها عند مناقشة الشبهات.

أمّا حول الاِسم فنقول: إنّ قول الفقهاء والا َُصوليين الاَصل في الاَشياء الحلّية، لا يعمُّ الدماء والاَعراض والاَموال فإنّ الاَصل فيها هو الحرمة، يعرف ذلك


(132)

من له أدنى إلمام بالفقه، فلاَجل ذلك نرى أنّ اللّه سبحانه يجعل الاَصل في الدماء الحرمة، ويستثني مورداً واحداً وذلك إذا كان القتل عن حق فيقول: «ولا يقتلُونَ النفسَ التي حرّمَ اللّهُ إلاّ بالحقِّ» (الفرقان |68) كما أنّه سبحانه يأتي بذلك البيان في الاَعراض واستباحة الفروج، فيقول: «والذينَ هم لفروجِهِمْ حافظونَ * إلاّ على أزواجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أيمانُهم فإنّهم غيرُ ملومينَ» (الموَمنين |5ـ6).

ويكفي في كون الاَصل في الاَموال، الحرمة قوله سبحانه: «لا تأكلُوا أموالكُم بينكُم بالباطلِ إلاّ أَن تكونَ تجارةً عن تراضٍ مِنكُم» (النساء|29) وقول النبي الاَكرم: لا يحلّ مال امرىَ مسلم إلاّ بطيب نفسه (1)فالاَصل في التصرّف في مال الغير هو الحرمة إلاّ إذا طابت نفسه.

وعلى ضوء ذلك فالاَصل في المتعة بما أنّها استباحة للفروج هو الحرمة والخروج عن الاَصل يحتاج إلى دليل، وما ذكره الا َُصوليون من كون الاَصل في الاَشياء هو الحلّية راجع إلى غير هذه الموارد ممّا يرجع إلى استفادة الانسان من مظاهر الطبيعة ومعطياتها.

وعلى ضوء ذلك فما حاوله موَلّف الكتاب من التظاهر بالمرونة في البحث وأنّه يوافق أخاه الشيعي في حلّية المتعة ـ حسب الاَصل الاَوّلي ـ ولكن الاَدلّة القطعية دفعته إلى القول بالتحريم، محاولة خاطئة واقعة في غير محلّها، وأظنُّ أنّ الكاتب قصير الباع في هذه المسائل.

والكتاب ـ بلا إنكار وبخس لحقوق المـوَلّف ـ أشبه بكـتاب قصصي، لا فقهي، وإنّـي استغربتُ من قيام الدكتور الدريني بالتقديم لهذا الكتاب، ولذلك


(1)حديث رواه الفريقان.


(133)

أعرضنا عن مناقشة محتوياته واكتفينا بما جاء في التقديم.

وأمّا التقديم فقد ذكرنا وصفه ولكن لنا فيما ذكره تأمّلات وتعليقات نذكرها بعد نقل كلامه موجزاً. فإنّ نقل كل كلامه يوجب الاِطناب.

ولاَجل أن يسهل للقارىَ الوقوف على الفكرتين، نفصِّـل كلَّ موضوع بعنوان معه رقم رياضي.

1ـ الاَحكام الشرعية تابعة للمصالح:

يقول الا َُستاذ: من المتفق عليه بين الا َُصوليين والفقهاء ممّن يُعتدّ برأيهم في ميزان العلم والاجتهاد أنّ أحكام التشريع الاِسلامي ذات مقاصد وغايات قد توخّى الشارع تحقيقها قطعاً من خلال تشريعه للاَحكام، وقد أشار المحققون إلى هذا الاَصل: أنّ الاَحكام معلّلة بمصالح العباد. ثمّ قال: وقد ألّف الاِمام الشاطبي كتاب الموافقات في أُصول الشريعة ومقاصدها وأثبت أنّ أحكام الشريعة ما عدا التعبُّديات ذات مقاصد معتبرة من قِبَل الشارع في تشريعه للحكم، وأنّه لا عبرة بالوسيلة إذا تخلّفت عنها غايتها، أو أفضتْ إلى النقيض منها.

يلاحظ على هذا الكلام بأُمور:

1ـ إنّ كون الاَحكام معلّلة بمصالح، أمر يُصدّقه الذكر الحكيم، وأحاديث العترة الطاهرة، يقول سبحانه: «إِنَّما الخمرُ والميسِـرُ والاَنصابُ والاَزلامُ رجسٌ من عملِ الشيطانِ فاجتنبوهُ لعلّكُمْ تفلحونَ * إِنّما يريدُ الشيطانُ أنْ يوقِعَ بينكُمُ العداوةَ والبغضاءَ في الخمرِ والميسرِ ويصُدّكم عن ذِِكرِ اللّهِ وعنِ الصلوةِ فهلْ أنتُم


(134)

منتهُونَ» (المائدة|90ـ91) إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول تشريع الاَحكام ففيها إلماع إلى المصالح التي صارت سبباً لتشريعها.

وأمّا أحاديث أئمّة أهل البيت فقد جمعها الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه (306 ـ 381) في كتاب أسماه بـ «علل الشرائع» وهو نسخة من علوم أئمّة أهل البيت يليق بكل مسلم واع الرجوع إليها والصدور عنها، وذلك قبل أن يولد الشاطبي أو يكون أثر من أُستاذه أو أُستاذ أُستاذه، والشيعة الاِمامية معروفة بالقول بتبعية الاَحكام للمصالح تبعاً لاَئمّتهم كما هو ظاهر لِمَنْ راجع كتبهم الفقهية والا َُصولية. فكان التركيز على هذا الاَصل أشبه بنقل التمر إلى هَجَر.

2ـ إنّ الشيخ الاَشعري الاِمام الشهير لاَكثر أهل السنّة ممّن يخالف هذا الاَصل ويراه تحديداً لاِرادة اللّه تعالى، ومزاحماً لاِطلاقها. وهذا ظاهر لمن راجع كتب الاَشاعرة (1)في الا َُصول والفروع، وهوَلاء هم المندّدون بالقائلين بتبعية الاَحكام للمصالح، ومع ذلك فكيف يجعله الا َُستاذ قولاً متّفقاً عليه بين الا َُصوليين والفقهاء، نعم قيّد القائلين بالتبعية بمن يعتد برأيهم في ميزان العلم والاجتهاد.

ولا أظن أن لا يكون الاِمام الاَشعري والجماهير التابعة له ممّن لا يعتدّ برأيهم في ذلك المجال.

3ـ إنّ الا َُستـاذ تبعاً للاِمـام الشاطبي خصّ تبعية الاَحكام للمقاصد والمصالح بما عدا التعبّديات، ولم يظهر لي وجه الاستثناء، مع أنّ الدليل على


(1)لاحظ أُصول الدين للاِمام أبي منصور البغدادي:150 طبع بيروت، ونهاية الاِقدام للشهرستاني: 397 ، تحقيق «الفرد جيوم» والمواقفللايجي: 321 وغيرها.


(135)

التبعية في الجميع واحد وهو صون فعل الحكيم عن اللغو، وهذا يشارك فيه التعبّدي وغير التعبّدي.

نعم ربّما لا نصل إلى المقاصد الموجودة في التعبّديات ولكنّه غير كونها خالية عنها، قال سبحانه: «وأقِمِ الصَّلاةَ لذِكْرِي» (طه|14) وقال سبحانه: «إنَّ الصلاةَ تنهَى عن الفحشاءِ والمنكرِ» (العنكبوت| 45) وقال سبحانه في حق الصيام: «كُتِبَ عليكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ على الَّذينَ مِنْ قبلِكُمْ لَعلَّكم تتَّقونَ» (البقرة |183).

فاخراج التعبّديات عن تحت الضابطة أشبه بتخصيص القاعدة العقلية ومن المعلوم أنّ القاعدة العقلية لا تخصّص فلا يصح أن يقال: إنّ حاصل ضرب 2 × 2 = 4 إلاّ في مورد خاص.

إنّ القائلين بلزوم تبعية الاَحكام للمناطات والملاكات هم القائلون بحجّية العقل في مجال استنباط الاَحكام الشرعية في باب الملازمات العقلية ونظائرها، والعقل الحاكم بتبعية الاَحكام للمصالح، لا يفرّق بين العبادات وغيرها، بين التعبّديات والتوصليات قائلاً بأنّ الشارع حكيم، والحكيم مصون فعله عن اللغو والعبث فلاَحكامه وتشريعاته سبحانه، غايات ترجع إلى العباد، ومصالح تتم لصالح العاملين بها.

2ـ المقصد الاَساسي للنكاح هو تكوين الا َُسرة:

قال الدكتور: شُـرِّع النكاح في الاِسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة، ترجع كلّها إلى تكوين الا َُسرة الفاضلة التي تشكّل النواة


(136)

الا َُولى للمجتمع الاِسلامي، بخصائصه الذاتية من العفّة، والطهر، والولاية، والنصرة والتكافل الاجتماعي ـ ثمّ استشهد بآيات على ذلك الاَصل ـ ثمّ يقول: إنّ اللّه إذ يربط الزواج بغريزة الجنس، لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قَصد أن يكون على النحو الذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الا َُسرة التي شرّع أحكامها التفصيلية القرآن الكريم.

وعلى هذا فإنّ الاستمتاع مجرداً عن الاِنجاب وبناء الا َُسرة، يحبط مقصد الشارع من كل أصل تشريع النكاح (1).

يلاحظ عليه أمران:

الاَوّل: أنّ الا َُستاذ خلط علّة التشريع ومناطه، بحكمته، فإنّ العلّة عبارة عمّـا يدور الحكم مدارها، يحدث الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، وهذا بخلاف الحكمة، فربّما يكون الحكم أوسع منها، وإليك توضيح الاَمرين:

إذا قال الشارع اجتنب المسكر، فالسكر علّة وجوب الاجتناب بحجّة تعليقه على ذلك العنوان، فما دام المائع مسكراً، له حكمه، فإذا انقلب إلى الخلّ يرتفع.

وأمّا إذا قال: « والمطلّقاتُ يتربَّصنَ بأنفسهِنَّ ثلاثةَ قروءٍ ولا يحِلُّ لهنَّ أن يَكتُمْنَ ما خلقَ اللّهُ في أرحامِهِنَّ إِن كُنَّ يُوَمِنَّ بِاللّهِ واليومِ »


(1)المقدمة: وقد أخذه من تفسير «المنار» قال: «إنّ مصلحة البشر أن تكون هذه الداعية الفطرية سائقة لكل فرد من أفراد أحد الجنسين لاَنيعيش مع فرد من الجنس الآخر عيشة الاختصاص، لتتكون بذلك البيوتات ويتعاون الزوجان على تربية أولادهما، فإذا انتفى قصد هذا الاحصان، انحصرت طاعة الداعية الفطرية في قصد سفح الماء ...» (المنار : 5|8) ط عام 1367.


(137)

« الآخِرِ... » (البقرة|228).

فإنّ الامعان في الآية يكشف عن أنّ وجه التربّص لاَجل تبيّن وضع الرحم، وإنّها هل تحمل ولداً أو لا ؟ ومن المعلوم أنّ هذا حكمة الحكم، لا علّته ولاَجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منها بشهادة أنّ الفقهاء يحكمون بوجوب التربّص على من نعلم بعدم وجود حمل في رحمها.

1ـ كما إذا كانت عقيماً لا تلد أبداً.

2ـ إذا كان الرجل عقيماً.

3ـ إذا غاب عنها الزوج مدة طويلة كستة أشهر فما فوق، ونعلم بعدم وجود حمل في رحمها.

4ـ إذا تبيّنت عن طريق إجراء الفحوصات الطبّية خلو رحمها عنه.

فالآية محكمة وإن لم تكن حكمة الحكم موجودة، وهذا لا ينافي ما توافقنا عليه من تبعية الاَحكام للمصالح، فانّ المقصود منه هو وجود الملاكات في أغلب الموارد لا في جميعها.

إذا عرفت الفرق بين الحكمة والعلّة تقف على أنّ الا َُستاذ خلط بين العلة والحكمة، فتكوين الا َُسرة والانجاب والتكافل الاجتماعي كلها من قبيل الحكم بشهادة أنّ الشارع حكم بصحّة الزواج في موارد فاقدة لهذه الغايات.

1ـ يجوز زواج العقيم بالمرأة الولود.

2ـ يجوز زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.

3ـ يجوز نكاح اليائسة.


(138)

4ـ يجوز نكاح الصغيرة.

5ـ يجوز نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الانجاب إلى آخر العمر.

أفيصح للا َُستاذ أن يشطب على هذه الاَنكحة بقلم عريض بحجّة افتقادها لتكوين الا َُسرة؟!

على أنّ من الا َُمور الواضحة، أنّ أغلب المتزوّجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر، واستيفاء اللذة من طريقها المشروع، ولا يخطر ببالهم طلب النسل، وإن كان يحصل لهم قهراً.

الثاني: يجب على الا َُستاذ التفصيل بين من يتزوّج متعة لغاية الاِنجاب وتشكيل الا َُسرة بخصائصها الذاتية من العفّة، والطهر، والولاية، والنصرة، والتكافل الاجتماعي، وبين من يتزوّج لقضاء الوطر، ودفع الشهوة بهذا الطريق، وأمّا إنّه لماذا يتزوّج زواجاً موَقتاً فلاَجل وجود بعض التسهيلات في الموَقت دون الدائم.

إنّ الا َُستاذ كأكثر من كتب عن المتعة من أهل السنّة، يتعامل مع المتمتع بها معاملة الغانيات المفتوحة أبوابهنّ، يدخل عليهنّ في كل يوم رجل ويجتمع معها ذلك اليوم ثم يفارق ويأتي رجل آخر بهذه الخصوصية. فلو كان هذا معنى التمتّع بالمرأة والزواج الموَقت، فالشيعة الاِمامية وأئمّتها ورسولها وكتابها بريئون من هذا التشريع الذي يرادف الزنا إلاّ في التسمية. ولكن المتعة يفارق ذلك مائة بالمائة، فربّما يكون هناك نساء توفّـي عنهنّ أزواجهنّ ولهنّ جمالهنّ وكمالهنّ، وربّما لا يتمكّن الرجل من الزواج الدائم لمشاكل اجتماعية، ومع ذلك يرغب إلى هذه الطبقة


(139)

من النساء فيتزوّجها طالباً بها رفع العنت أوّلاً وتشكيل الا َُسرة بمالها من الخصوصيات ثانياً.

والحق أنّ ما اختمر في ذهن الكاتب وغيره من المتعة أشبه بالنساء المبذولات في بيوت خاصة، ومحلاّت معيّنة فمثل ذلك لا يمكن أن تضفى عليه المشروعية، غير أنّ المتعة الشرعية غير ذلك، وربّما يتوقّف التزوّج بهنّ على طي عقبات، فيشترط فيها ما يشترط في الدائم، ويفارق الدائم بأمرين: الطلاق والنفقة. وأمّا التوارث فيتوارثان بالاشتراط ومثل ذلك يلازم الغايات المطلوبة للنكاح غالباً. وقد أوضحنا حقيقة زواج المتعة في صدر البحث.

والحق أنّ الغاية القصوى في كل مورد رخّص فيه الشارع العلاقة الجنسية بعامّة أقسامها حتى ملك اليمين وتحليل الاِماء ... هو صيانة النفس عن الوقوع في الزنا والسفاح. وأمّا سائر الغايات من تشكيل الا َُسرة، و التكافل الاجتماعي، فإنّما هي غايات ثانوية تحصل بالنتيجة سواء توخّاها الزوجان أم لا.

والغاية القصوى موجودة في الزواج الموَقت، وأنّ الهدف من تشريعه هو صيانة النفس عن الحرام لمن لا يتمكّن من الزواج الدائم، ولاَجل ذلك استفاض عن ابن عباس قال: «يرحم اللّه عمر ما كانت المتعة إلاّ رحمة من اللّه رحم بها أُمّة محمد ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقيّ» (1).

إنّ قوله سبحانه: «و ليستعفِفِ الَّذِينَ لا يجدونَ نِكاحاً حتى يُغنيهمُ اللّهُ من فضلِهِ ...» (النور|33) دليل على أنّ الغاية من تجويز النكاح، والنهي عن


(1)السيوطي: الدر المنثور: 2|141 وروى النص عن عليّ _ عليه السلام _ أيضاً لاحظ تفسير الاِمام الرازي: 3|200 المسألة الثالثة في بياننكاح المتعة.


(140)

الرهبانية هو صيانة النفس عن الفحشاء ودفعها إلى التعفّف، وهذه الغاية كما عرفت موجودة في جميع الاَنكحة والعلاقات الجنسية من الزواج الدائم إلى الزواج الموَقّت إلى ملك اليمين إلى تحليل الاِماء بشروطها المقرّرة في الفقه.

3ـ المتعة داخلة تحت السفح المنهى عنه في الآية:

ذكر الا َُستاذ أنّ مجرّد قضاء الشهوة والاستمتاع، هو ما أطلق عليه القرآن «السفاح» ولذا حذّر الاِسلام من اتّباع هذا السبيل بقوله: «وأُحلَّ لَكُمْ ما وراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبتَغُوا بأموالِكُمْ مُحصنينَ غَيرَ مسافِحِين» (النساء|24) إذ موَداه أن تتزوّجوا النساء بالمهور، قاصدين ما شرع اللّه النكاح لاَجله من الاحصان، وتحصيل النسل دون مجرّد سفح الماء وقضاء الشهوة كما يفعل الزناة، وفي هذا اشعار بتحريم أن تبتغى المرأة من أجل مجرد الاستمتاع بها وسفح الماء في رحمها. (1).

يلاحظ عليه بأمرين:

الاَوّل: أنّ السفح في الآية إنّما هو بمعنى الزنا لا بمعنى صبَّ الماء حتى ولو كان الطرف زوجة شرعية، وبعبارة أُخرى أُريد من قوله: «محصنين غير مسافحين» كونهم متزوّجين غير زانين، ويظهر ذلك بتوضيح معنى الاحصان، وبالتالي معنى السفح الواردين في الآية. وإليك نصَّ الآية وما بعدها.

«والمحصَناتُ منَ النِّساءِ إلاّ ما مَلكَتْ أيمانُكُمْ كتابُ اللّهِ عَلَيكُمْ وأُحِلَّ لَكُمْ ما وراءَ ذلكم أن تَبتغُوا بأموالِكُم محصِنيِنَ غيرَ مسافِحيِنَ فما استَمْتَعتُمْ بهِ منهُنَّ فآتوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... » (النساء|24).


(1)المقدمة : 15 اقرأ مضمون كلامه في تفسير المنار 5 / 6 .


(141)

«ومَن لم يَسْتَطِعْ مِنكُم طَوْلاً أنْ ينكِحَ المُحْصَنَاتِ المُوَْمناتِ فَمِنْ ما مَلَكتْ أيمانُكُمْ مِن فتياتِكُمُ المُوَمِناتِ واللّهُ أعْلَمُ بإيمانِكُمْ بَعضُكُم مِن بعضٍٍ فانكِحُوهُنَّ بإذنِ أهلِهِنَّ وآتوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمعرُوفِ مُحصناتٍ غيرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدَانٍ فإذا أُحْصِنَّ فإنْ أتينَ بفاحِشَةٍ فعليهِنَّ نِصفُ ما على المحصَناتِ منَ العذابِ ذلِكَ لمن خَشِىَ العَنَتَ مِنكُم ...» (النساء|25).

ترى أنّ مادة الاِحصان وردت بصورها المختلفة في الآيتين ست مرات وأمّا معناه لغة فليس له إلاّ معنىً واحداً وهو المنع، غير أنّ أسباب المنع أو متعلقاته يختلف، فالمرأة تكون محصنة بأُمور:

1ـ الاِسلام 2ـ العفاف 3ـ الحرية 4ـ الزواج.

فالاِسلام يمنعها عن التزوّج بالمشرك مثلاً، والعفاف يصدّها عن الزنا، والحرية تمنعها عن التبذّل الجنسي أكثر من الاَمة، أو التزوّج بغير الكفوء، والزواج يصد المرأة عن الفحشاء أو الزواج مع الغير .(1).

روى السيوطي في الدر المنثور عن النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: الاحصان احصانان: احصان نكاح، واحصان عفاف (2)وعلى ضوئه يتبيّن المقصود من الاحصان الوارد في الآيتين، فقد أُريد:

من قوله: «والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت» . وقوله: «محصنين غير مسافحين» . وقوله: «فإذا أُحصنَّ» . الاحصان بالتزويج.


(1)ابن الاَثير : الهناية ، مادة «الحصن» بنوضيح منّا .
(2)السيوطي: الدر المنثور: 2|139.


(142)

كما أُريد من قوله: «محصنات غير مسافحات». هو الاحصان بالعفة.

وأُريد: من قوله: «أن ينكح المحصنات الموَمنات» . وقوله: «نصف ما على المحصنات من العذاب» . الاحصان بالحرية.

إلى هنا تبيّن المقصود من الاحصان واتّضح أنّ المراد من قوله «محصنين غير مسافحين» هو كونهم متزوّجين، كما أنّ المراد من قوله «محصنات غير مسافحات» أي كونهنَّ عفائف (1).

هذا حول الاحصان، وأمّا السفح فهو في اللغة بمعنى صبّ الماء، يقال: سفحتُ الماء: إذا صببتَه. ودم مسفوح أي مراق، والسفاح: الزنا مأخوذ من سفحت الماء إذا صببته. وفي الحديث أوّله سفاح وآخره نكاح، والمراد أنّ المرأة تسافح رجلاً مدّة ثم يتزوّجها بعد ذلك.

إذا تبيّن ذلك تقف على أنّ المراد من قوله: «غير مسافحين» هو غير زانين كما هو الحال في قوله : «غير مسافحات» وذلك بحكم كونهما قرينين لـ «محصنين» أو «محصنات».

فقوله سبحانه في الآية: «محصنين غير مسافحين» يدعو إلى أنّ مباشرة الرجل للمرأة يجب أن يكون بالتزويج، لا بالزنا، كما أنّ قوله سبحانه في الآية الثانية: «محصنات غير مسافحات» يدعو إلى أنّ الاَمة التي يباشرها الرجل يجب أن تكون عفيفة لا زانية، والهدف هو الدعوة إلى التزوّج والنهي عن الزنا، لا الدعوة إلى تكوين النسل والنهي عن مطلق صبّ الماء.


(1)نظيره قوله سبحانه (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها) (التحريم: الآية 12) أي منعت فرجها من دنس المعصية وعفّت عنالحرام.


(143)

وأظنّ أنّ من حمل قوله سبحانه: «غير مسافحين» على المعنى اللغوي، لاَجل أنّه اتّخذ موقفاً خاصاً من المتعة وهو موقف التحريم فحاول البرهنة على مدعاه فتمسّك بهذه الكلمة حاملاً إيّاه على المعنى اللغوي، أي تحريم صبّ الماء سواء كانت المرأة زوجة أو غيرها.

ثمّ إنّه كيف يمكن القول بحرمة صبّ الماء فيما إذا كان الطرف للرجل زوجته الشرعية فيجامعها التذاذاً و دفعاً للعنت والشبق، ولا يطلب الولد أفيمكن لفقيه الافتاء بالحرمة؟

فإذا كان المتمتّع بها زوجة شرعية كما هو المفترض، فمباشرتها للالتذاذ بلا طلب للولد نفس المباشرة للزوجة الدائمة بهذه الكيفية، فكما أنّ الثاني مباح، فهكذا الاَوّل.

فلو كان القائل بالتحريم يريد البرهنة على مدّعاه فليركّز على نفي كونها زوجة وإلاّ مع التسليم بكونها زوجة لا دليل على حرمة صبّ الماء بلا طلب للولد، وقد وقع الكاتب في هذا الاشتباه تبعاً لما ذكره الاِمام عبده في تفسيره (1)وأنا ـ شخصياً ـ أجلُّ الاِمام عن هذا التفسير، إنّما هو من منشىَ المنار السيد محمد رشيد رضا وقد أدخل أفكاره في ثنايا نظريات الاِمام عبده.

الثاني: لو كان سبب الحرمة كون التزوّج متعة لغاية صبّ الماء لا لتكوين الولد وتشكيل الا َُسرة، يلزم التفصيل بين كون الغاية منه هو صبّ


(1)الاِمام عبده: المنار : 5|9: ليكنّ عفيفات طاهرات ولا يكون التزوّج لمجرد التمتع وسفح الماء وإراقته وهو يدل على بطلان النكاحالموَقّت وهو نكاح المتعة الذي يشترط فيه الاَجل.


(144)

الماء وما إذا كانت الغاية تشكيل الا َُسرة أو طلب الولد . فهل الا َُستاذ يُفتي به أو لا ؟

4ـ الآية تهدف إلى تأكيد المهر بعد الاستمتاع:

إنّ القائلين بحلّية المتعة تبعاً للنصوص الواردة في السنّة (وإن أغفل الكاتب ذكرها، وذكر القائلين بنزول الآية فيها من أهل السنّة) يستدلّون على حلّية المتعة بقوله سبحانه: «فما استمتعتم بِهِ منهنّ فآتوهنَّ أُجورهنَّ فريضة...» وسيوافيك كيفية الاستدلال بها ولاَجل إخلاء الآية عن الدلالة على حكم المتعة حملها الا َُستاذ على معنى آخر وقال: إنّما أوردها تعالى هنا للدلالة على تأكيد المهر بعد الاستمتاع وعدم قابليته للسقوط بعد هذا الاستمتاع إذ من المعلوم أنّ «عقد الزواج» وإن كان يثبت به المهر كاملاً إثر إبرامه، وتستحقّه الزوجة بنفس العقد، غير أنّه يثبت ثبوتاً قابلاً لسقوط بعضه، كالطلاق قبل الدخول مثلاً، حيث يثبت نصفه فقط، أمّا بعد «الاستمتاع» بالزوجة فيتأكد «المهر» كملاً ويصبح العقد غير قابل لاَن يسقط شيء منه.

فالآية الكريمة «فما استمتعتم به منهنّ» تفيد أنّ المهر ـ كما ذكرنا ـ يتأكّد وجوبه كاملاً بالاستمتاع ، لا بعقد الزواج وحده، لاَنّه عرضة لاَن يسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، فيتأكد حقّ المرأة في تمام المهر بالدخول. فالاستمتاع هنا، أثر لعقد النكاح الصحيح الدائم الذي يثبت به المهر كملاً غير قابل للسقوط. وليس انشاءً لعقد المتعة (1).


(1)مقدمة الدريني على كتاب « الاَصل في الاَشياء ... » ص 16ـ 17.


(145)

يلاحظ عليه بأمرين:

الاَوّل: أنّ الاستمتاع ورد في الآية على وجه الاطلاق، وهو كما يشمل الدخول، يشمل سائر الوجوه من الاستمتاعات من التقبيل إلى سائر ألوانها، فلو حملنا الآية على أنّها بصدد بيان استقرار جميع المهر على الزوج يلزم القول بوجوبه عليه بمجرّد التمتع وهذا باطل بضرورة الفقه، لاَنّ استقراره كاملاً يتوقّف على الدخول وإلاّ فلا يجب إلاّ النصف، قال سبحانه: «وإن طَلَّقتُمُوهُنََّّ مِن قَبل أَن تَمسُّوهُنَّ وقَدْ فرضتُمْ لهُنَّ فريضةً فنِصفُ ما فَرَضتُمْ» (البقرة|237).

فعلى ما فسّـر به الآية يجب دفع جميع المهر لمطلق التمتّع وهو أمر باطل، والقول بتخصيص الآية باخراج جميع ألوان التمتع، يستلزم الاستهجان في الكلام لاَنّه يكون من قبيل تخصيص الاَكثر.

الثاني: أنّ القرآن الكريم تكفّل ببيان حكم المهر في الآية السابقة حيث فرّق بين المس وعدمه فلا حاجة إلى اعادة مضمونه بلا ملزم.

أضف إليه أنّه سبحانه ذكر حكم المهور قبل هذه الآية في نفس السورة فقال: «وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتهنَِّ نحلةً فإِن طِبنَ لكُمْ عن شىْءٍ منهُ نفساً فكُلُوهُ هنيئاً مريئاً» (النساء|4).

وقال سبحانه: «وإنْ أردتم استبدالَ زوجٍ مكانَ زوجٍ وَآتَيتُمْ إِحداهُنَّ قِنطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شيئاً أتأخذونَهُ بُهتاناً وإِثماً مُبينا» (النساء|20).

وعلى ذلك فلا حاجة للاعادة مع هذه الآيات الصريحة.


(146)

5ـ حمل الآية على المتعة يوجب انقطاعها عن قبلها:

إنّ حمل الآية على المتعة يستلزم كونها كلاماً جديداً منقطعاً عمّـا قبلها وعمّـا بعدها لاَنّه ـ من وجهة نظرهم ـ يتناول موضوعاً جديداً وهو «عقد المتعة» خلافاً لما قبله، وهو النكاح الصحيح الدائم، وهذا غير صحيح لغة، لاَنّ المعلوم أنّ «الفاء» في قوله تعالى: «فما استمتعتم» تربط ما بعدها بما قبلها، وإلاّ تفكّك النظم القرآني، فالعطف بالفاء مانع من قطع المعنى بعدها، عمّـا قبلها، فيتعيّن أن يكون قوله تعالى: «فما استمتعتم به منهنّ» منصرفاً إلى الاستمتاع بالنكاح الدائم الصحيح ، لا بالمتعة، لاَنّ العطف يمنع هذا الانقطاع .

يدلّك على هذا، آخر الآية الكريمة من قوله تعالى: «ومَنْ لَم يَستطعْ مِنكُمْ طَولاً أنْ يَنكِحَ المُحصناتِ الموَمناتِ فَمِن ما مَلكتْ أيْمانُكم» ويتبع ذلك قوله تعالى معلّلاً السبب: «ذلكَ لِمَن خَشِىَ العَنَتَ مِنكم وان تَصبروا خير لكم» .

ولا جرم، أنّ هذا السياق من أوّل الآية إلى آخرها خاص بالنكاح المشروع الدائم، فكان هذا مانعاً من أن يقحم نكاح المتعة في وسطها، ومانعاً أيضاً من الدلالة على ذلك، لوحدة السياق الذي ينتظم وحدة الموضوع التي تتناولها الآيات بأحكامها، إذ لو كانت «المتعة» جائزة لما نصّت الآية صراحة على التزوّج من الاماء، ولما اضطر الناس إلى ذلك، ولما جعل الشارع خشية العنت، ثم جعل الصبر على ترك نكاح الاَمة خيراً من نكاحهنّ، ولكان في نكاح المتعة مندوحة عن ذلك كلّه، لو كان جائزاً !! (1).


(1)المصدر السابق : ص 17 ـ 18.


(147)

يلاحظ عليه بأُمور:

ألف: أنّ حاصل كلامه في المقام يرجع إلى أمرين:

أحدهما: أنّ حمل قوله سبحانه: «فما استمتعتم ...» على المتعة يوجب تفكيك النظم القرآني.

الثاني: أنّه لو كانت المتعة جائزة لما نصّت الآية صراحة على التزوّج بالاماء ولما اضطرّ الناس إلى ذلك مع أنّه سبحانه يقول: «ومن لم يستطع منكم طولاً...».

و الاَوّل مأخوذ من كتاب «الوشيعة في نقض عقائد الشيعة» لموسى جار اللّه قال فيها: «وأرى أنّ أدب البيان يأبى، وعربية هذه الجملة الكريمة تأبى أن تكون هذه الجملة الجليلة الكريمة قد نزلت في المتعة لاَنّ تركيب هذه الجملة يفسد، ونظم هذه الآية الكريمة يختل لو قلنا بأنّها نزلت فيها» (1)وأدب المناظرة تقتضي بيان مصادر الفكرة وأداء حق كلّ ذي حق حقّه، ولكن الا َُستاذ شطب على هذا الاَصل الاَخلاقي بقلم عريض، وقد تكرّر منه ذلك كما عرفت.

ب: أنّ دراسة الظروف السائدة للبيئـة التي نزلت فيها الآية تُعين على دراسة الآية وتحديد مفهومها. فيجب على المفسّـر الواعي النظر إلى الشرائط الموجودة في زمان نزولها بذهن خالٍ عن كل رأي مسبَّق وإلاّ فدراسة الآية، بالذهن المكتظّ بالمفاهيم السلبيّة، تعرقل خطى المفسّـر وتصدّه عن الوصول إلى الحقيقة فنقول:

إنّ الظاهر من السنّة، أنّ المتعة شرّعت بسنّة النبي الاَكرم وتحليله، أو


(1)موسى جار اللّه: الوشيعة في نقض عقائد الشيعة | 32.


(148)

بامضائه ما هو الموجود في صدر الاِسلام والآية نزلت تأكيداً لما شرّعه النبيّ الاَكرم بأمر منه سبحانه ويدل على ذلك:

1ـ ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت متعة النساء في أوّل الاِسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه فيزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته...

2ـ ورواه الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أوّل الاِسلام ... فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوّج بقدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه ...

3ـ أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وليس معنا نساوَنا فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخّص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد اللّه: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحرّموا طيّباتِ ما أحلَّ اللّه لَكُمْ» .

4ـ وأخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني قال: أذن لنا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عام فتح مكة في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي ولي عليه فضل في الجمال وهو قريب من الدمامة ...

5ـ وأخرج ابن شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال: رأيت رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» قائماً بين الركن والباب وهو يقول: يا أيُّها الناس إنّي كنت أذنت في الاستمتاع ألا وأنّ اللّه حرّمها إلى يوم القيامة ... (1).


(1)السيوطي: الدر المنثور: 2|140.


(149)

6ـ روى البخـاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد اللّه وسلمة بن الاَكوع قال: كنّا في جيش فأتانا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: إنّه قد أُذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا (1).

7ـ روى مسلم في صحيحه بسنده: خرج علينا منادي رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» فقال: إنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد أذن لكم أن تستمتعوا، يعني متعة النساء (2).

8 ـ روى مسلم في صحيحه أيضاً بسنده عن سلمة بن الاَكوع، وجابر بن عبد اللّه: أنّ رسول اللّهأتانا فأذن لنا في المتعة (3).

إلى غير ذلك من الروايات التي دعت الفخر الرازي وغيره في تفسيره إلى القول بأنّها كانت مباحة في ابتداء الاِسلام (4).

وبما أنّ الآية مدنية فقد نزلت في أجواء كان هنا وراء النكاح الدائم الذي هو الاَصل في النكاح، نكاح المتعة، وتزويج الاماء، والآية واردة في سورة النساء التي تكفّلت لبيان أحكام النساء وما يرجع إليهم في مختلف الاَحوال، وعلى ذلك فلا يكون هنا اقتضاب ولا ارتجال في أن تبيّن حكم المتعة أوّلاً وتزويج الاِماء ثانياً، بعد الفراغ من حكم النكاح الدائم.

إنّ الناظر في آيات السورة من أوّلها إلى الآية الخامسة والعشرين التي تكفّلت ببيان تزويج الاِماء، يقف على أنّ المحور للاَحكام الواردة فيها هو النكاح الدائم فأصدرت فيها أحكاماً بالشكل التالي:


(1)البخاري: الصحيح: 7|13 كتاب النكاح.
(2)مسلم: الصحيح: 4|130 باب نكاح المتعة.
(3)مسلم: الصحيح: 4|130 باب نكاح المتعة.
(4)الفخر الرازي: مفاتيح الغيب: 10| 49.


(150)

1ـ يجـوز نكاح ما طاب من النسـاء إلى أربع بشرط رعاية العدالة وإلاّ فواحدة (الآية 3).

2ـ يجـب ايتاء صدقات النسـاء ومهورهنّ ولا يجوز أخذ شيء، منها إلاّ بإذنهنّ (الآية 4).

3ـ حكم من يأتي الفاحشة من النساء (الآية 7).

4ـ ميراث الاَزواج زوجاً وزوجة، ذات ولد أو غير ذات ولد (الآية 12).

5ـ ردع السنّة الجاهلية من ارث النساء حيث كانت نساء الموتى معدودة من التركة (الآية 19).

6ـ النهي عن امساك الزوجة التي لا رغبة له فيها، اضراراً ليأخذ بعض ما آتاها من المهر.

7ـ الاَمر بالمعاشرة معها بالمعروف في القول والنفقة والمبيت (الآية 19).

8ـ إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، وأعطى لواحدة من زوجاته مالاً كثيراً صداقاً فليس له الاَخذ، فلو أخذ، فقد أخذ ظلماً وزوراً. (الآية 20).

ثمّ بيّن المحرّمات اللاتي، لا يجوز نكاحهنّ ضمن آيات ثلاث (21 و 22 وصدر الآية 23).

فبقوله سبحانه: «والمحصنات من النساء إلاّ ما ملكت أيمانكم كتاب اللّه عليكم» تمّ بيان ما يرجع إلى أحكام النكاح الدائم وما حوله من وظائف للزوجين.

غير أنّ التشريع لمّـا كان بصدد بيان حكم ما هو الرائج يوم ذاك، ذكر


(151)

حكم أمرين:

1ـ النكاح الموَقت فأشار إليه بقوله: «فما استمتعتم به منهنّ فآتوهنّ أُجورهنّ فريضة» .

2ـ تزويج الاِماء فأشار إليه بقوله: «ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات الموَمنات فمن ما ملكت أيمانكم» .

ولا يعد مثل ذلك الانتقال من الدائم، إلى الموَقّت، ثمّ إلى نكاح الاِماء، اقتضاباً في الكلام أو ارتجالاً في البيان، لما عرفت أنّ الآية نزلت، والمتعة كانت أمراً رسمياً، مثل نكاح الاِماء فالاكتفاء ببيان حكم النكاح الدائم والسكوت عن الآخرين مخالف لاِكمال التشريع.

ومن هنا يعلم: أنّ قوله: «استمتعتم» ليس بمعناه اللغوي أي التمتع والالتذاذ، بل بمعنى عقد المتعة، يظهر ذلك بملاحظة ما سبق من الروايات، حيث جاءت فيها المتعة، بمعنى العقد على المرأة متعة. والذي أوقع الا َُستاذ وغيره فيما أوقع، هو تصوّر أنّ اللفظ بمعناه اللغوي، غافلاً عمّـا هو المصطلح في ذلك اليوم، وحمله على المعنى اللغوي، أشبه بحمل ألفاظ الصلاة والصوم والحج على معانيها اللغوية.

فلو رجع الا َُستاذ ومن لفَّ لفَّه إلى النصوص الواردة حول المتعة جوازاً ومنعاً في التفاسير بالاَثر، نظير تفسير الطبري والدر المنثور لاَذعن بأنّ اللفظة، كانت في ذلك اليوم حقيقة في النكاح الموَقت، بحيث لا يراد منها سوى هذا. وأمّا العدول عن لفظ النكاح والزواج إلى هذا اللفظ فللاشعار إلى ما هو الغاية من هذا العقد، ولاَجل ذلك أتى بلفظ الاَجر مكان المهر، للايماء إلى لزوم ادائه وعدم


(152)

التهاون في دفعه.

فاتّضح أنّ السورة من أوّلها إلى نهاية الآية الخامسة والعشرين عالجت الموضوعات المطروحة في ذلك اليوم، وبيّن أحكامها وأوضح معالمها وحدودها وكان ذلك مقتضى اكمال الشريعة.

وجه تصدير الجملة بـ «فاء» التفريع:

بقي الكلام في أنّه لماذا صُدّر بيان الزواج الموَقت بلفظة «فاء» التفريع حيث قال: «فما استمتعتم به منهنَّ فآتوهنَّ أُجورهنَّ» مع أنّه لم يسبق منه في الظاهر شيء في الآيات المتقدمة: ولكن الاجابة عنه واضحة لاَنّ المصحّح لدخولها، تقدّم جملتين في كل واحدة ايماء إلى هذا النوع من النكاح:

أحدهما: «أن تبتغوا بأموالكم».

ثانيهما: «محصنين غير مسافحين».

وفي كل من هذين القيدين اشارة إلى الزواج الموَقّت.

قال سبحانه: «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم...».

توضيحه: ماذا يريد سبحانه من قوله: «وأحلّ لكم ما وراء ذلكم» هل يريد حل ما وراءه بالنكاح الدائم فقط أو يريد شيئاً وراء ذلك؟ والاحتمال الاَوّل يوجب خروج الكلام مخرج توضيح الواضح للعلم الضروري، بحلّية نكاح ما وراء المحرمات بالنكاح الدائم، فما هو الدافع على توضيح الواضح خصوصاً


(153)

أنّه تقدم في صدر السورة قوله: «فانكِحوا ما طابَ لكُم مِن النساءِ مثنَى وثُلاثَ ورُباع» (النساء|3).

فلا مناص عن احتمال آخر، وهو: أنّه يهدف إلى بيان حلّية النكاح الذي يُبتغى بالاَموال بحيث يكون للمال (الصداق) هناك دور واسع. بحيث لولاه لبطل، أو لما تحقق. فيوضح قوله: «ما وراء ذلكم» بقوله: «أن تبتغوا بأموالكم» وليس ذلك إلاّ نكاح المتعة، لا النكاح الدائم، فانّ الصداق في الثاني ليس بركن، بل يجوز تركه قال سبحانه: «لا جُناحَ عليكُمْ إِن طلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفرِضُوا لَهُنَّ فَريضَـةً» (البقرة|236) قال ابن قدامة: ويستحب أن لا يعرى النكاح عن تسمية الصداق، لاَنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يزوّج بناته وغيرهنّ ويتزوّج، فلم يكن يخلي ذلك من صداق (1).

وهذا بخلاف المتعة، فانّ الاَجل والصداق فيها ركن، تبطل بترك واحد منهما، قال الاِمام الصادق: «لا تكون متعة إلاّ بأمرين: أجل مسمّى، وأجر مسمّى» (2) ولاَجل ذلك صحّ الاتيان بفاء التفريع.

ثمّ وصف الزوج بأن يكون محصناً لا زانياً وقال: «محصنين غير مسافحين» بأن يكون اللقاء بنيّة الزواج لا الزنا، وبما أنّ عقد المتعة ربّما ينحرف عن مجراه ومسيره الصحيح فيتخذ لنفسه لون السفاح لا الزواج، أمر سبحانه بأن يكون الهدف هو الزواج لا السفاح. فصار ذلك أيضاً مصححاً لدخول الفاء في الجملة لما فيها من الاِيماء إلى ما ربّما يكون الرجل فيه زانياً لا متزوّجاً.


(1)المغني: 7|136 وكلامه صريح في عدم الوجوب وعدم الخلاف فيه بين المذاهب.
(2)الحر العاملي: الوسائل: 14 الباب 17 من أبواب المتعة الحديث 1 والسند صحيح.


(154)

وبما أنّ نكاح الاِماء أيضاً، مظنّة لذلك الاَمر إذ الغالب على الاِماء هو روح الابتذال قيّد سبحانه العفة في نكاحين بقوله: «محصنات غير مسافحات ولا متّخذات أخدان» (النساء|25).

وبالجملة: إنّ افتتاح الكلام، بجملتين، حاملتين مفهوم المتعة، هو المسوّغ لدخول الفاء.

وبذلك تقف على أنّ النظم القرآني بعد لم يتفكك، وأنّ أدب البيان يقتضي حمله على ما فهمه السلف الصالح من هذه الجملة وإن اختلفوا في نسخها وعدمها.

ومن رجع إلى كتب الحديث والتفسير والفقه، يرى أنّ المحدّثين والمفسّـرين والفقهاء، تسلّموا نزول الآية في عقد المتعة وانّما اختلفوا في بقاء حلّيتها، فقد رووا عن النبي الاَكرم أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حرّمها ، كما رووا عن غيره. ولم يخطر ببال أحد منهم أنّ حملها على الزواج الموَقت يهدم نظم الآية، أو يوجد خللاً في بيانها.

هذا كلّه حول الاَمر الاَوّل وأمّا الاَمر الثاني وهو لو كانت المتعة جائزة لما وصلت النوبة إلى نكاح الاِماء، مع أنّه سبحانه قيّد نكاحهنّ بعدم الاستطاعة على نكاح الحرائر دائماً أو منقطعاً حسب الفرض.

يلاحظ عليه: أنّ الاِماء بطبيعة الحال تكون مبتذلة ولاَجل ذلك لا يجوز نكاحهنّ إلاّ عند الضرورة وعدم الطول لنكاح المحصنات، ولاَجل ذلك اشترط فيهنّ الاحصان، قال سبحانه: «محصنات غير مسافحات ولا متّخذات أخدان» ولا ترى هذا الشرط في جانب الحرائر وما هذا إلاّ للابتذال


(155)

السائد عليهن.

وأمّا اغناء نكاح المتعة عن نكاح الاِماء فهو رجم بالغيب إذ ليست بالوفرة التي يتخيّلها الكاتب حتى يستغنى بها عن نكاح الاِماء، فانّ كثيراً من النساء الثيّب تأبى نفسها عن العقد المنقطع، فضلاً عن الابكار ، فليس للشارع إلاّ فتح طريق ثالث وهو نكاح الاِماء عند عدم الطول.

إنّ المرأة المتمتع بها عند الكاتب لا تختلف عن النساء المبتذلات اللاتي يعرضن أنفسهنّ في النوادي والفنادق وبيوت الدعارة والالتذاذ بهن يغني عن نكاح الاِماء، لكن المتمتع بهنّ متعة مشروعة بالكتاب والسنّة حرائر عفاف لا صلة بينهنّ وبين المتواجدات في دمن الفحشاء أعاذنا اللّه وإيّاكم من شرور أنفسنا.

إلى هنا تبيّن أنّ دلالة الذكر الحكيم على جواز الزواج الموَقت ممّا لا غبار عليها، بشرط أن يتجرّد الناظر عن كل رأي مسبق وعمّـا يقوله هذا الاِمام، أو ذاك، فلا محيص عن الاَخذ بمفاد الذكر الحكيم إلاّ إذا ثبت النسخ بالدليل القاطع وأنّى للقائل بالتحريم اثباته فقد اختلفوا في زمان النسخ إلى أقوال مختلفة تسلب الركون إلى الجميع، كما عرفت.

وأمّا قراءة الآية بزيادة «إلى أجل مسمّى» فلا تعني كونها جزءاً من الآية سقطت منها، بل تعني إلى تبيين المراد، وقد قرأ بها ابن مسعود، وأُبي بن كعب وابن عباس وليست خاصّة بابن مسعود كما زعمه الكاتب فلاحظ (1).


(1)لاحظ التفاسير بالاَثر: الدر المنثور : 2|140.


(156)

6ـ نقد استدلال المجيزين بالسنّة:

إنّ الكاتب عطف عنان البيان إلى نقد استدلال المجيزين وقال: «قالوا إنّ الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد أباح المتعة لاَصحابه. ويرد عليهم أنّ هذه الاباحة إنّما كانت عارضة لاَمر عارض يوم فتح مكّة، وهذا استثناء من أصل التحريم، وقد ثبت قطعاً نسخها بالاَحاديث الصحيحة فتعود إلى الاَصل وهو التحريم» (1).

كان المترقّب من كاتب موضوعي، أن ينقل دليل المخالف برحابة صدر والاَسف أنّه تخلّف عن ذلك الطريق فنقل دليل المجوّز بصورة ناقصة جداً، إنّ المجيز يستدل بروايات صحيحة في الصحاح والمسانيد تدلّ بوضوح على أنّ النبيّ الاَكرم شرّع المتعة بوحي منه سبحانه ولم يحرّمها إلى رحيله، وقد نصّت على أنّ التحريم انّما جاء بعد رحيله وإليك بعض ما روي فانّ الاستيعاب لا يناسب المقام:

1ـ روى مسلم بسنده: عن أبي نضر قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آت فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما (2).

2ـ روى البيهقي عن أبي نضرة عن جابر ـ رضي اللّه عنه ـ قال: قلت: إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة وانّ ابن عباس يأمر، قال: على يدي جرى الحديث تمتّعنا مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومع أبي بكر ـ رضى اللّه عنه ـ فلمّـا ولي عمر خطب


(1)المقدمة: 22.
(2)مسلم: الصحيح ، الجزء 4 باب نكاح المتعة، ص 131 الحديث 8، البيهقي: السنن: 7|206.


(157)

الناس : إنّ رسول اللّه هذا الرسول، وإنّ القرآن هذا القرآن، وإنّهما كانتا متعتان على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: إحداهما متعة النساء ولا أقدر على رجل تزوّج امرأة إلى أجل إلاّ عيبته بالحجارة ، والا َُخرى متعة الحج ... (1).

3ـ روى الاِمام أحمد باسناد رجال كلّهم ثقات، عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب اللّه تبارك وتعالى وعملنا بها مع رسول اللّه فلم تنزل آية تنسخها ولم ينه عنها النبي حتى مات (2).

4ـ روى أبو جعفر الطبري في تفسيره باسناد صحيح، عن شعبة، عن الحكم قال، قال: سألته عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال: لا . قال الحكم: وقال علي ـ رضي اللّه عنه ـ لولا أنّ عمر ـ رضى اللّه عنه ـ نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي (3).

إلى غير ذلك من المرويات في السنن والمسانيد، الدالّة على جوازها شرعاً في عصر الرسول وأنّها بقيت على ما كانت عليه، غير أنّه قال فيها رجل برأيه، وصارت السنّة بدعة.

وأوضح دليل على أنّ مبدأ التحريم هو منع الخليفة عنها، ما جاء في بعض خطبه: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء.

وقد اشتهر هذا الكلام منه، اشتهار الشمس في رابعة النهار رواه عنه نظراء


(1)البيهقي: السنن: 7|206، ومسلم: الصحيح الجزء 4 باب في المتعة بالحج الحديث 1.
(2)الاِمام أحمد: المسند : 4|436.
(3)الطبري: التفسير: 5|9.


(158)

الجاحظ في البيان والتبيين 2|223، الجصاص في أحكام القرآن 1|342 و345، القرطبي: جامع الاَحكام 2|370، التفسير الكبير : الرازي 2|167، ابن قيم: زاد المعاد 1|444 إلى غيرها من المصادر التي جاءت فيها هذه الجملة.

قال الراغب في المحاضرات: قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة: بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قـال: بعمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ قال: كيف وعمر كان أشد الناس فيها؟ فقال: لاَنّ الخبر الصحيح أنّه صعد المنبر فقال: إنّ اللّه ورسوله قد أحلاّ لكم متعتين وإنّي محرّمهما عليكم وأُعاقب عليهما. فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه (1).

7ـ أدلّة جماهير الا َُمّة القائلين بتحريم نكاح المتعة:

ذكر الا َُستاذ في هذا الفصل أدلّة القائلين بتحريم نكاح المتعة، وجعل القول بالحرمة رأياً لجماهير الا َُمّة كما عرفت، وكأنّ الشيعة وهم ربع المسلمين أو ثلثهم ليسوا من جماهير الا َُمة، وكأنّهم شذّاد الآفاق، كما أنّ أئمّة أهل البيت الذين هم أعدال الكتاب وقرناوَه ليسوا منهم. ولو أنصف كان عليه أن يقول: أدلّة القائلين بالتحريم، بحذف كلمة «جماهير الا َُمة».

وعلى كلّ تقدير فقد نقل استدلالهم بقوله تعالى : «والَّذِينَ هُمْ لفروجِهِمْ حافِـظونَ * إلاّ على أزواجِهِمْ أو مَا مَلَكَتْ أيمانُهم فإنَّهُم غيرُ ملومينَ * فمَنِ ابتَغَى وراءَ ذلكَ فأُولئكَ هُمُ العَادُون» (الموَمنون|5 ـ7).

وجه الاستدلال: أنّ المرأة المتمتّع بها ليست أمة كما هو واضح، ولا زوجة،


(1)الراغب: المحاضرات: 2|94.


(159)

لعدم ترتّب آثار عقد النكاح الصحيح كالنفقة والارث والطلاق (1).

يلاحظ عليه: بأنّه خلط آثار الشيء بمقوّماته، فالذي يضر هو فقدان المقوّمات لا الآثار، فانّ النكاح رابطة وعلقة بين الزوجين، كما أنّ البيع رابطة بين المالين، فالذي يجب وجوده هو ما جاء في التعريف من وجود الزوجين، أو وجود المالين، وأمّا ما وراء ذلك فإنّما هي آثار ربّما تترتّب ، وربّما تتخلّف، فقد ذكر من آثار النكاح: النفقة، والارث، والطلاق. وزعم أنّ فقدان واحد منها يوجب فقدان حقيقة النكاح، ولكنّ الاَمر ليس كذلك، بشهادة الموارد التالية التي تفقد الآثار ولا تفقد حقيقة النكاح:

1ـ الزوجة الناشزة لا تجب نفقتها مع أنّها زوجة.

2ـ الزوجة الصغيرة زوجة ولا تجب نفقتها.

3ـ الزوجة القاتلة لا ترث الزوج مع أنّها زوجة.

4ـ الزوجة الكافرة لا ترث زوجها المسلم مع أنّها زوجة، وكذا الزوجة المسلمة زوجة ولا ترث زوجها الكافر عند أهل السنّة.

5ـ الزوجة المجنونة وغيرها من ذوي العاهات (2)تبين بلا طلاق.

إلى غير ذلك من الموارد التي يبين فيها الزوجان بلا طلاق ممّا ذكره الفقهاء في مجوّزات الفسخ.

6ـ الزوجة التي باهلها الزوج تبين بلا طلاق.


(1)مقدمة كتاب « الاَصل في الاَشياء ... » ص26.
(2)قال الخرقي في متن المغني: «وأي الزوجين وجد بصاحبه جنوناً أو جذاماً أو برصاً أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء أو فتقاء أوالرجل مجنوناً فلمن وجد ذلك منهما يصاحبه الخيار في فسخ النكاح» المغني: 7| 109 تصحيح محمد خليل، ولاحظ الخلاف للطوسي: 2|396 فصل في العيوب المجوّزة للفسخ المسألة 124.


(160)

و كان على الا َُستاذ أن يدرس مقوّمات الموضوع ويميّزها عن آثاره، وعلى ذلك فالمتمتّع بها داخلة في قوله: «إلاّ على أزواجهم» بلا إشكال.

ثمّ نقل استدلالاً آخر للقائلين بالمنع، وهو قوله تعالى: «وَلْيَستَعفِفِ الذينَ لا يجِدُونَ نِكَاحاً حتّى يُغْنِيَهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ» (النور| 33) قائلين بأنّ المتعة لو كانت جائزة لما أمر اللّه تعالى بالاستعفاف، لاَنّ أعباء الاستمتاع وتكاليفه سهلة ميسورة، فلا حاجة إذن إلى الاَمر بالاستعفاف (1).

يلاحظ عليه: أنّ الكاتب خلط بين النساء المتعفّفات، والمبتذلات في النوادي والفنادق وبيوت الدعارة، وقد عرفت أنّ كثيراً من النساء لعلوّ طبعهنّ لا يخضعن للمتعة وإن كانت حلالاً، إذ ليس كل حلالٍ مرغوباً عند الكل، ولاَجل ذلك تصل النوبة إلى الاستعفاف ولا يجد الشاب نكاحاً موَقتاً ولا دائماً.

والعجب أنّه استدلّ على التحريم بالسنّة بروايتين، وأغفل عمّـا تدلّ على الاباحة من السنّة (ما هكذا تورد يا سعد الاِبل) وقد سمعت أُذن العالم أنّ السلطة أيام خلافة عمر بن الخطاب حالت بين الا َُمة وحلالها، ولولاه لما كان للمنع صخب وهياج.

ولاَجل ذلك أخرج ابن أبي شيبة النافع: أنّ ابن عمر سئل عن المتعة فقال: حرام، فقيل له: إنّ ابن عباس يفتي بها، قال: فهلاّ تزمزم بها في زمان عمر .

نعم، لو تزمزم بها في أيامه لعلتـه الدرّة التي كانت أهيب من سيف الحجاج.

وأخيراً نذكر كلام السدّي أحد التابعين، قال في تعريفه نكاح المتعة: الرجل


(1)المقدّمة: 28.


(161)

ينكح المرأة بشرطٍ إلى أجلٍ مسمّى ويشهد شاهدان، وينكح باذن وليّها، وإذا انقضت المدّة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة وعليها أن تستبرىَ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث (1).

8 ـ هل المتعة من أقسام السفاح؟

إنّ في كلام الكاتب ايماء إلى أنّ المتعة من أقسام الزنا، يقول: «ولطالما نهى القرآن عن السفاح، وحرّمه تحريماً قاطعاً وحاسماً بالنسبة إلى الرجال والنساء على السواء، ودعا إلى النكاح المشروع الدائم ورغّب فيه ...» (2).

يلاحظ عليه: أنّ المسلمين عامّة أصفقوا على أنّ الاِسلام أحلَّ المتعة، أياماً قلائل في فتح مكة ـ على قول الكاتب ـ أو قبله في خيبر وغيره على قول الاَخيرين، ومعنى كون المتعة داخلة تحت السفاح، أنّ الوحي السماوي أمر به في أيام أو شهور أو سنوات، والسفاح من أقسام الفحشاء واللّه سبحانه لا يأمر به وإن بلغ الاَمر ما بلغ «قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأمُرُ بِالفَحشَـاءِ أَتَقُولُونَ على اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون» (الاَعراف|28).

والمسلم الموَمن بكتاب اللّه وسنّة رسوله، لا يخطر بباله أنّ التشريع، الاِسلامي جوّز الزنا للمسلمين فترة من الزمن، وأمر بالقبيح، مكان الاَمر بالحسن ولا محيص إلاّ بتفكيك المتعة عن السفاح، موضوعاً وحدّاً وخصوصيّة، وقد عرفت تعريف السدّي لها.

وأظنّ ـ وظن الاَلمعي يقين ـ أنّ العناية بحفظ كرامة الخليفة وتبرئته من


(1)الطبري: التفسير : 5|9.
(2)المقدّمة: 31.


(162)

تحريم ما أحلّ اللّه سبحانه، جرّ القوم إلى هذه التسويلات. مع أنّ المتتبّع لسيرة الخلفاء يقف على أنّها ليست أوّل قارورة كسرت في الاِسلام، وليست أوّل مرّة، صارت السنّة بدعة، ولعبت يد الهوى في التشريع فغيّرت الكلم عن مواضعها، وسيوافيك أنّ الخليفة حكم على الطلاق ثلاثاً ـ في مجلس واحد ـ بلا تخلّل العدّة والرجوع، بأنّها تحسب تطليقات ثلاث، مع أنّها على خلاف نص الكتاب والسنّة، وقد وقف عليه الخليفة بعد أن بلغ السيل الزبى.

زلّة لا تستقال:

إنّ الدكتور الدريني يصرّ على أنّ المتعة أُبيحت يوم فتح مكة ثلاثة أيام فقط (أي أباح نبي العظمة والعصمة الفروج ثلاثة أيام لجنوده يوم فتح مكة سفاحاً) ولمّا رأى أنّ هناك أحاديث تدلّ على أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نهى يوم خيبر وهي تدل التزاماً على وجود اباحة لها قبل هذا اليوم وكانت غزوة خيبر في العام السابع من الهجرة وفتح مكة في الثامن منها، حاول أن يجمع بينها بوجه يمس كرامة الصحابة العدول، وقال: «إنّ نهي الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن المتعة يوم خيبر ، لا يدلّ على أنّه أذن لاَصحابه بها أوّلاً ثم نهاهم عنها، فَلِمَ لا يكون من بعضهم استمرار العادات الجاهلية وكانوا حديثي عهد بها ، فيكون النهي عنها كغيرها من العادات الجاهلية التي حرّمها الاِسلام دون أن تكون مسبوقة باذن أو ترخيص (1).

يلاحظ عليه: أنّ بين المستمتعين، عبد اللّه بن مسعود، وجابر بن عبد اللّه الاَنصاري، ولا يمكن رميهما بالجهل بحكم اللّه، ومعنى ما ذكره الكاتب أنّهم كانوا


(1)المقدّمة: 23.


(163)

يقترفون الزنا، مدة طويلة إلى أن وصل إليهم نهي النبي في خيبر وهذا ممّا لا يلتزم به أحد في أمثال ذينك الصحابيين الجليلين، قال ابن مسعود: كنّا نغزوا مع رسول اللّه وليس معنا نساوَنا فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ورخّص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل ثم قرأ عبد اللّه «يا أيّها الذينَ آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللّهُ لكم» (1).

وفي ذيل كلامه ايماء إلى التحريم البدعي الذي قامت به السلطة. وليست استباحة فروج النساء أمراً نادراً يعذر فيه المقترف، خصوصاً إذا كان نظير عبد اللّه ابن مسعود وجابر بن عبد اللّه. وكان الاَوّل كثير الولوج على النبي وقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إذنك عليَّ أن ترفع الحجاب». أسلم بمكة قديماً، وتوفّي عام 32 هـ (2) وهل يصحّ أن يجهل مثله حكم اللّه وينجرف في سنن الجاهلية.

ولو رمى شيعي أحد الصحابة بهذا الاَمر لثارت ثورة القائلين بعدالة كل صحابي ولكن ...

هذا بعض الكلام حول هذه السنّة التي اتخذت لنفسها في هذه الاَيام عند إخواننا أهل السنّة لون البدعة، وكثير منهم غير واقفين على منطق القائلين بالجواز، ولو أنّهم رجعوا إلى الكتاب والسنّة من غير رأي مسبّق لعادوا إلى الحقّ.

وأقصى ما يمكن أن يقال تبريراً لعمل الخليفة هو أنّ النهي كان نهياً حكومياً لا إلهياً، ومثله يتبع المصالح والمفاسد، فلو فقد الملاك ارتفع النهي.


(1)السيوطي: الدر المنثور : 2|140. والآية في سورة المائدة|87.
(2)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 16|123.


(164)


(165)

المسألة السابعة :

الاشهاد على الطلاق

وممّا انفردت به الاِماميّة، القول: بأنّ شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق، ومتى فقد لم يقع الطلاق وخالف باقي الفقهاء في ذلك (1).

وقال الشيخ الطوسي: كلّ طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان وإن تكاملت سائر الشروط، فإنّه لا يقع. وخالف جميع الفقهاء ولم يعتبر أحد منهم الشهادة (2).

ولاتجد عنواناً للبحث في الكتب الفقهية لاَهل السنّة وانّما تقف على آرائهم في كتب التفسير عند تفسير قوله سبحانه: «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ» (الطلاق|2). وهم بين من يجعلونه قيداً للطلاق والرجعة، ومن يخصّه قيداً للرجعة المستفادة من قوله: «فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف».

روى الطبري عن السدّي أنّه فسّـر قوله سبحانه: «وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ »


(1)المرتضى: الانتصار : 127 ـ 128.
(2)الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الطلاق المسألة 5.


(166)

«مِنْكُمْ» تارة بالرجعة وقال: أشهدوا على الامساك إن أمسكتموهنّ وذلك هو الرجعة، واُخرى بها وبالطلاق وقال: عند الطلاق وعند المراجعة.

ونقل عن ابن عباس: أنّه فسّـرها بالطلاق والرجعة(1).

وقال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.

وسئل عمران بن حصين عن رجل طلّق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ قال: بئس ما صنع طلّق في بدعة وارتجع في غير سنّة فليشهد على طلاقه ومراجعته وليستغفر اللّه (2).

قال القرطبي: قوله تعالى: «وأشهدوا» أمرنا بالاشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثمّ الاشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: «وَأشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ» وعند الشافعي واجب في الرجعة (3).

وقال الآلوسي «وأشهدوا ذوى عدل منكم» عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبرّياً عن الريبة (4).

إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية.

وممّن أصحر بالحقيقة عالمان جليلان: أحمد محمد شاكر القاضي المصري، والشيخ أبو زهرة. قال الاَوّل بعد ما نقل الآيتين من أوّل سورة الطلاق: والظاهر


(1)الطبري: جامع البيان: 28 | 88.
(2)السيوطي: الدر المنثور : 6|232، وعمران بن حصين من كبار أصحاب الاِمام عليّ ـ عليه السلام ـ .
(3)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 18|157.
(4)الآلوسي: روح المعاني: 28|134.


(167)

من سياق الآيتين أنّ قوله: «وأشهدوا» راجع إلى الطلاق و إلى الرجعة معاً والاَمر للوجوب، لاَنّه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب ـ كالندب ـ إلاّ بقرينة ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا توَيّد حمله على الوجوب ـ إلى أن قال: ـ فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدّى حدود اللّه الذي حدّه له فوقع عمله باطلاً، لا يترتّب عليه أي أثر من آثاره ـ إلى أن قال: ـ وذهب الشيعة إلى وجوب الاشهاد في الطلاق وأنّه ركن من أركانه، ولم يوجبوه في الرجعة والتفريق بينهما غريب لا دليل عليه (1).

وقال أبو زهرة: قال فقهاء الشيعة الاِمامية الاثني عشرية والاِسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير اشهاد عدلين، لقوله تعالى «في أحكام الطلاق وانشائه في سورة الطلاق» : «وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بهِ مَنْ كَانَ يُوَمِنُ بِاللّهِ واليومِ الآخرِ ومَن يَتَّقِ اللّهَ يَجعل لَهُ مَخرجاً * ويرزقه مِنْ حيثُ لا يحتَسبْ» فهذا الاَمر بالشهادة جاء بعد ذكر انشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وإنّ تعليل الاشهاد بأنّه يوعظ به من كان يوَمن باللّه واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقويه، لاَنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى اللّه سبحانه وتعالى.

وأنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين (2).


(1)أحمد محمد شاكر: نظام الطلاق في الاِسلام: 118ـ 119.
(2)أبو زهرة: الاَحوال الشخصية: 365 كما في الفقه على المذاهب الخمسة: 131(والآية: 2ـ3 من سورة الطلاق).


(168)

وهذه النصوص تعرب عن كون القوم بين من يقول برجوع الاشهاد إلى الرجعة وحدها، وبين من يقول برجوعه إليها وإلى الطلاق ، ولم يقل أحد برجوعه إلى الطلاق وحده إلاّ ما عرفته من كلام أبي زهرة. وعلى ذلك فاللازم علينا بعد نقل النص، التدبّر والاهتداء بكتاب اللّه إلى حكمه.

قال سبحانه: «يا أيُّها النبيُّ إذا طلَّقتُمُ النِّساءَ فَطلِّقوهُنَّ لعدَّتهنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقوا اللّهَ ربَّكم لا تُخرِجُوهنَّ مِن بيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلاَّ أن يأتِينَ بِفحِشَةٍ مُبيِّنةٍ وَتِلكَ حدود اللّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمراً * فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهدَةَ للّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُوَْمِنُ بِاللّهِ واليومِ الآخِر وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لهُ مَخْرَجاً» (الطلاق|1ـ2).

إنّ المراد من بلوغهنّ أجلهنّ: اقترابهنّ من آخر زمان العدة واشرافهنّ عليه. والمراد بامساكهنّ: الرجوع على سبيل الاستعارة، كما أنّ المراد بمفارقتهنّ: تركهنّ ليخرجن من العدّة ويبنّ.

لا شك أنّ قوله: «وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ » ظاهر في الوجوب كسائر الاَوامر الواردة في الشرع ولا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل ، إنّما الكلام في متعلّقه. فهناك احتمالات ثلاثة:

1ـ أن يكون قيداً لقوله: «فطلّقوهنَّ لعدّتهنَّ» .

2ـ أن يكون قيداً لقوله: «فأمسكوهنّ بمعروف».

3ـ أن يكون قيداً لقوله: «أو فارقوهنّ بمعروف» .


(169)

لم يقل أحد برجوع القيد إلى الاَخير فالاَمر يدور بين رجوعه إلى الاَوّل أو الثاني، فالظاهر رجوعه إلى الاَوّل وذلك لاَنّ السورة بصدد بيان أحكام الطلاق وقد افتتحت بقوله سبحانه: «يا أيُّها النبيُّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ» فذكرت للطلاق عدّة أحكام:

1ـ أن يكون الطلاق لعدّتهنّ.

2ـ احصاء العدّة.

3ـ عدم خروجهنّ من بيوتهنّ.

4ـ خيار الزوج بين الامساك والمفارقة عند اقتراب عدّتهنّ من الانتهاء.

5ـ اشهاد ذوَي عدل منكم.

6ـ عدّة المسترابة.

7ـ عدّة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.

8ـ عدّة أُولات الاَحمال.

وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابعة تجد أنّها بصدد بيان أحكام الطلاق لاَنّه المقصود الاَصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: «فأمسكوهنّ» وقد ذكر تبعا.

وهذا هو المروى عن أئمتنا _ عليهم السلام _ . روى محمد بن مسلم قال: قدم رجل إلى أمير الموَمنين _ عليه السلام _ بالكوفة فقال : إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها، فقال أمير الموَمنين _ عليه السلام _ :أشهدت رجلين ذوَي عدل


(170)

كما أمرك اللّه؟ فقال:لا، فقال: اذهب فانّ طلاقك ليس بشيء (1).

وروى بكير بن أعين عن الصادقين ـ عليهما السلام ـ أنّهما قالا: وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع، ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين، فليس طلاقه إيّاها بطلاق (2).

وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن _ عليه السلام _ أنّه قال لاَبي يوسف: إنّ الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إنّ اللّه أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلاّ عدلين، وأمر في كتابه التزويج وأهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل اللّه، وأبطلتم شاهدين فيما أكّد اللّه عزّ وجلّ، وأجزتم طلاق المجنون والسكران، ثم ذكر حكم تظليل المحرم (3).

قال الطبرسي: قال المفسرون: أُمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجحد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدّة ولا الرجل الطلاق. وقيل: معناه وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، وهو المروى عن أئمتنا ـ عليهم السلام ـ وهذا أليق بالظاهر، لاَنّا إذا حملناه على الطلاق كان أمراً يقتضي الوجوب وهو من شرائط الطلاق، ومن قال: إنّ ذلك راجع إلى المراجعة، حمله على الندب(4).

ثمّ إنّ الشيخ أحمد محمد شاكر، القاضي الشرعي بمصر كتب كتاباً حول «نظـام الطلاق في الاِسلام» وأهدى نسخة منه مشفوعة بكتاب إلى العلامة الكبير


(1)الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و3 و 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
(2)الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و3 و 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
(3)الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و3 و 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
(4)مجمع البيان : 5|306.


(171)

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وكتب إليه: إنّني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وإنّه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به، وهذا القول وإن كان مخالفاً للمذاهب الاَربعة المعروفة إلاّ أنّه يوَيّده الدليل ويوافق مذهب الاَئمّة أهل البيت والشيعة الاِمامية.

وذهبت أيضاً إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للاِمام الشافعي ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت (1)من قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل له: «وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ منكُم» واحد فيها.

وأجاب العلاّمة كاشف الغطاء في رسالة إليه بيّن وجه التفريق بينهما وإليك نص ما يهمنا من الرسالة:

قال بعد كلام: «وكأنّك ـ أنار اللّه برهانك ـ لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما هي عادتك من الامعان في غير هذا المقام، وإلاّ لما كان يخفى عليك أنّ السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى أنّها قد سمّيت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: «إذا طلّقتم النساء» ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدّة أي لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم احصاء العدّة، وعدم اخراجهنّ من البيوت، ثمّ استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق حيث قال عزّ شأنه: «فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف» أي إذا أشرفن على الخروج من العدّة، فلكم امساكهنّ بالرجعة أو تركهنّ على المفارقة. ثمّ عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: «وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ منكُم» أي في الطلاق الذي سيق الكلام كلّه لبيان أحكامه ويستهجن


(1)مرّ نصّ كلامه حيث قال: والتفريق بينهما غريب.


(172)

عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلاّ تبعاً واستطراداً، ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه واكرامه وأن تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فانّك لا تفهم من هذا الكلام إلاّ وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخّرا عنه، وهذا لعمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريت العربية لولا الغفلة (وللغفلات تعرض للاريب)، هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة.

وهنالك ما هو أدقّ وأحقّ بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الاِسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها. وهو أنّ من المعلوم أنّه ما من حلال أبغض إلى اللّه سبحانه من الطلاق، ودين الاِسلام كما تعلمون ـ جمعي اجتماعي ـ لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة لاسيما في العائلة والا َُسرة، وعلى الاَخص في الزيجة بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى.

فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثّر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أنّ الشيء إذا كثرت قيوده، عزّ أو قلّ وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أوّلاً وللتأخير والاَناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الالفة كما أُشير إليه بقوله تعالى: «لا تدري لعلَّ اللّه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمراً» وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شكّ أنّها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الا َُخر، وهذا كلّه بعكس قضية الرجوع فإنّ الشارع يريد التعجيل به ولعلّ للتأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أيّ شرط من الشروط.


(173)

وتصح عندنا معشر الاِمامية ـ بكلّ ما دلّ عليها من قول أو فعل أو إشارة ـ ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق؛ كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الاَمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الاَكيدة في الفتهم وعدم تفرّقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الاشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي ـ أي المطلّقة الرجعية ـ عندنا معشر الاِمامية لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدّة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسله ويغسلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوّج بأُختها، وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية» .(1)


(1)أصل الشيعة وأُصولها: 163ـ 165 ، الطبعة الثانية.


(174)


(175)

المسألة الثامنة :

الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات
في مجلس واحد

من المسائل التي أوجبت انغلاقاً وعنفاً في الحياة وانتهت إلى تمزيق الا َُسرة وتقطيع صلات الاَرحام في كثير من البلاد، مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة، بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق. فتحسب ثلاث تطليقات حقيقة وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.

إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط عائقة عن التسرّع في إيقاعه، ككونها غير حائض، أو في غير طهر المواقعة، أو لزوم حضور العدلين. فربّما يتغلّب الغيظ على الزوج ويأخذه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة تضيق عليه الاَرض بما رحبت فيطلب المَخلَص عن أثره السيّىَ، ولا يجد عند أئمّة المذاهب الاَربعة و الدعاة إليها مخلصاً فيقعد ملوماً محسوراً ولا يزيده السوَال والفحص إلاّ نفوراً عن الفقه والفتوى.

نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الاِسلام دين سهل وسمح، وليس فيه حرج وهذا


(176)

يدفع الدعاة المخلصين إلى دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن أبحاث الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الاَحكام الشرعية على وجوههم، وعن أبحاث أصحاب الهوى الهدّامين الذين يريدون تجريد الا َُمم عن الاِسلام، وأن ينظروا إلى المسألة ويطلبوا حكمها من الكتاب والسنّة، متجرّدين عن كلّ رأي مسبق فلعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، وربّما تفك العقدة ويجد المفتي مَخلصاً من هذا المضيق الذي أوجده تقليد المذاهب.

وإليك نقل الاَقوال:

قال ابن رشد: جمهور فقهاء الاَمصار على أنّ الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك (1).

قال الشيخ الطوسي: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً وبه قال علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأهل الظاهر ، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه، وروي أنّ ابن عباس وطاوساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الاِمامية.

وقال الشافعي: فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه، دفعة أو متفرّقة كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع. وبه قال في الصحابة عبد الرحمان بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي ـ عليهما الصلاة والسلام ـ ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور.


(1)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|62 ، ط بيروت.


(177)

وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة، أو متفرقة، فعل محرّماً وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، وعمر ، وابن عمر ، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع (1).

قال أبو القاسم الخرقي في مختصره: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، لزمه تطليقتان إلاّ أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الا َُولى فتلزمه واحدة، وإن كانت غير مدخول بها بانت بالا َُولى ولم يلزمها ما بعدها لاَنّه ابتداء كلام.

وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي: إنّه إذا قال لامرأته المدخول بها : أنت طالق مرّتين ونوى بالثانية ايقاع طلقة ثانية، وقعت لها طلقتان بلا خلاف، وإن نوى بها إفهامها أنّ الا َُولى قد وقعت بها أو التأكّد لم تُطلّق إلاّ مرّة واحدة، وإن لم تكن له نيّة وقع طلقتان وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو الصحيح من قولي الشافعي وقال في الآخر: تطلّق واحدة.

وقال الخرقي أيضاً في مختصره: «ويقع بالمدخول بها ثلاثاً إذا أوقعها مثل قوله : أنت طالق، فطالق فطالق، أو أنت طالق ثمّ طالق، ثم طالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق وطالق أو فطالق.

وقال ابن قدامة في شرحه: إذا أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهنّ


(1)الشيخ الطوسي: الخلاف: 2 كتاب الطلاق ، المسألة 3. وعلى ما ذكره، نقل عن الاِمام عليّ رأيان متناقضان، عدم الوقوع والوقوع معالاثم.


(178)

معاً، فوقعن كلّهنّ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً (1).

وقال عبد الرحمان الجزيري: يملك الرجل الحر ثلاث طلقات، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الاَربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين: كطاوس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عباس ـ رضي اللّه عنهم ـ (2).

إلى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات التي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق محتجّين بما، تسمع، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالاَخذ به متعيّن.

دراسة الآيات الواردة في المقام:

قال سبحانه:

«والمُطلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروءٍ ولا يَحلُّ لَهُنَّ أن يكتُمنَ ما خلَقَ اللّهُ في أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُوَمِنَّ باللّهِ واليومِ الآخرِ وبُعولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلكَ إنْ أَرادُوا إصلاحاً ولَهُنَّ مثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروفِ وللرجال عليهنَّ درجةٌ واللّهُ عزيز حكيم» (البقرة|228).

«الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسانٍ ولا يحلُّ لكُمْ أنْ »


(1)ابن قدامة: المغني: 7|416.
(2)عبد الرحمان الجزيري: الفقه على المذاهب الاَربعة: 4|341.


(179)

«تأخذُوا مِمّا آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإن خِفتُمْ ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فلا جُناحَ عَليهِما فيما افتدَتْ بهِ تِلكَ حُدودُ اللّهِ فَلا تَعتَدُوها وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَ اللّهِ فَأُولئكَ هُمُ الظّالِمونَ» (البقرة|229).

«فَإن طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتى تَنكحَ زوجاً غيرَهُ فإن طلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهما أن يَتَراجَعا إن ظنّا أن يُقيما حُدودَ اللّهِ وَتِلكَ حُدودُ اللّهِ يُبَيِّنُها لِقَومٍ يَعلَمونَ» (البقرة|230).

«وإذا طَلَّقتُمُ النِساءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ بَمَعرُوفٍ أَو سَـرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ ولا تُمسِكوهنَّ ضِراراً لِتَعتَدوا وَمَن يَفعل ذلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسهُ ...» (البقرة|231).

جئنا بمجموع الآيات الاَربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات:

1ـ قوله سبحانه: «وَلَهُنّ مِثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروف» كلمة جامعة لا يوَدّى حقّها إلاّ بمقال مسهب، وهي تعطي أنّ الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وعلى الرجل عمل يقابله، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان في الحقوق والاَعمال، فلا تسعد الحياة إلاّ باحترام كل من الزوجين الآخر، وقيام كلّ بوظيفته تجاه الآخر ، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل والقيام بالاَعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، هذا هو الاَصل الاَصيل في حياة الزوجين الذي توَيدها الفطرة، وقد قسم النبيّ الا َُمور بين ابنته فاطمة وزوجها علي فجعل أُمور داخل البيت على ابنته وأُمور خارجه على زوجها ـ صلوات اللّه عليهما ـ .


(180)

2ـ «المرّة» بمعنى الدفعـة للدلالـة على الواحـد في الفعل، و «الامساك» خلاف الاطلاق، و «التسريح» مأخوذ من السرح وهو الاطلاق يقال: سرح الماشية في المرعى: إذا أطلقها لترعى. والمراد من الامساك هو ارجاعها إلى عصمة الزوجية. كما أنّ المقصود من «التسريح» عدم التعرّض لها لتنقضي عدتها في كل طلاق أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح. على اختلاف في معنى الجملة. وإن كان الاَقوى هو الاَوّل لاَنّ الظاهر أنّ تصريح عدم إرجاعها بعد الطلاق لاَنّها قبل انقضاء العدة لا زالت في قيده فتركها وعدم إرجاعها يخرجها من القيد.

3ـ قيّد الاِمساك بالمعروف، والتسريح باحسان ، مشعراً بأنّه يكفي في الامساك قصد عدم الاضرار بالرجوع، وأمّا الاضرار فكما إذا طلّقها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلّق كذلك، يريد بها الاضرار والايذاء، وعلى ذلك يجب أن يكون الامساك مقروناً بالمعروف، وعندئذ لو طلب بعد الرجوع ما آتاها من قبل، لا يعد أمراً منكراً غير معروف، إذ ليس اضراراً.

وهذا بخلاف التسريح فلا يكفي ذلك بل يلزم أن يكون مقروناً بالاحسان إليها فلا يطلب منها ما آتاها من الاَموال. ولاَجل ذلك يقول تعالى: «ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً» أي لا يحلّ في مطلق الطلاق استرداد ما آتيتموهنّ من المهر، إلاّ إذا كان الطلاق خلعاً فعندئذ لا جناح عليها فيما افتدت به نفسها من زوجها.

وقوله سبحانه: «فيما افتدت به» دليل على وجود النفرة من الزوجة فتخاف أن لا تقيم حدود اللّه فتفتدي بالمهر وغيره لتخلّص نفسها.

4ـ لم يكن في الجاهلية للطلاق ولا للمراجعة في العدة، حدّ ولا عدّ، فكان


(181)

الاَزواج يتلاعبون بزوجاتهم يضارّوهنّ بالطلاق والرجوع ما شاءوا، فجاء الاِسلام بنظام دقيق وحدّد الطلاق بمرّتين، فإذا تجاوز عنه وبلغ الثالث تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

روى الترمذي: كان الناس، والرجل يُطلِّق امرأته ما شاء أن يطلّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر ، حتى قال رجل لامرأته: واللّه لا أُطلقك فتبيني منّي، ولا آويك أبداً قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك فكلّما همَّت عدّتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي فسكت حتى نزل القرآن: «الطلاق مرّتان ...» (1).

5ـ اختلفوا في تفسير قوله سبحانه: «الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» إلى قولين:

ألف: إنّ الطلاق يكون مرّتين، وفي كلّ مرّة إمّا إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، والرجل مخيّـر بعد يقاع الطلقة الا َُولى بين أن يرجع فيما اختار من الفراق فيمسك زوجته ويعاشرها باحسان، وبين أن يدع زوجته في عدّتها من غير رجعة حتى تبلغ أجلها وتنقضي عدّتها.

وهذا القول هو الذي نقله الطبري عن السدي والضحاك فذهبا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان فامساك في كلّ واحدة منهما لهنّ بمعروف أو تسريح لهنّ باحسان، وقال: هذا مذهب ممّا يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي رواه إسماعيل بن سميع عن أبي رزين (2).


(1)الترمذي: الصحيح : 3 كتاب الطلاق، الباب 16، الحديث 1192.
(2)الطبري: التفسير : 2|278 وسيوافيك خبر أبي رزين.


(182)

يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير ينافيه تخلّل الفاء بين قوله: «مرّتان» وقوله «فامساك بمعروف» فهو يفيد أنّ القيام بأحد الاَمرين بعد تحقّق المرّتين، لا في أثنائهما. وعليه لابدّ أن يكون كل من الامساك والتسريح أمراً متحقّقاً بعد المرّتين، ومشيراً إلى أمر وراء التطليقتين.

نعم يستفاد لزوم القيام بأحد الاَمرين بعد كلّ تطليقة، من آية أُخرى أعني قوله سبحانه: «وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو سرّحوهنّ بمعروف ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا» (1).

ولاَجل الحذر عن تكرار المعنى الواحد في المقام يفسّـر قوله: «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» بوجه آخر سيوافيك.

ب ـ أنّ الزوج بعد ما طلّق زوجته مرّتين، يجب أن يتفكّر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى، فيقف أن ليس له بعد التطليقتين إلاّ أحد الاَمرين: إمّا الامساك بمعروف وادامة العيش معها، أو التسريح باحسان بالتطليق الثالث الذي لا رجوع بعده أبداً، إلاّ في ظرف خاص.

فيكون قوله تعالى: «أو تسريح باحسان» اشارة إلى التطليق الثالث الذي لا رجوع فيه ويكون التسريح متحقّقاً به. وهنا سوَالان أثارهما الجصاص في تفسيره:

1ـ كيف يفسّـر قوله: «أو تسريح باحسان» بالتطليق الثالث. مع أنّ المراد من قوله في الآية المتأخّرة «أو سرِّحوهُنَّ بأحسان» هو ترك الرجعة وهكذا المراد من قوله «فإذا بلَغنَ أجَلَهُنَّ فأمسكوهنَّ بِمعَروفٍ أو فارقوهنَّ بمعروف»


(1)البقرة: الآية 231 وأيضاً في سورة الطلاق: (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنَّ بمعروف أو فارقوهنَّ بمعروف) (الطلاق|2).


(183)

(الطلاق|2) هو تركها حتى ينتهي أجلها، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله: «أو سرِّحوهنَّ بمعروف» أو قوله: «أو فارقوهنَّ بمعروف» : طلّقوهنّ واحدة أُخرى (1).

يلاحـظ عليه: أنّ السوَال أو الاشكال ناشىَ من خلط المفهوم بالمصداق، فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في السرح والاطلاق، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق، وفي آخر بترك الرجعة ، وهذا لا يعد تفكيكاً في معنى لفظ واحد في موردين، ومصداقه في الآية 229، هو الطلاق، وفي الآية 231، هو ترك الرجعة، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم.

2ـ إنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى: «فإنْ طلَّقها فلا تحلُّ لهُ من بَعد حتّى تنكحَ زوجاً غيره» وعندئذ يجب حمل قوله تعالى: «أو تسريحٌ باحسان» المتقدم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين (2) بعد انقضاء العدّة.

وأيضاً لو كان التسريح باحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى: «فإن طلّقها» عقيب ذلك هي الرابعة، لاَنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقاً مستقلاّ ً بعد ما تقدم ذكره (3).

والاجابة عنه واضحة، لاَنّه لا مانع من الاجمال أولاً ثمّ التفصيل ثانياً، فقوله تعالى: «فإن طلّقها» بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الاجمالي، والتفصيل مشتمل على ما لم يشتمل عليه الاجمال من تحريمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره.


(1)الجصاص: التفسير : 1|389.
(2)الاَولى أن يقول: بكل طلاق.
(3)الجصاص: التفسير : 1|389.


(184)

فلو طلّقها الزوج الثاني عن اختياره فلا جناح عليهما أن يتراجعا بالعقد الجديد إن ظنّا أن يُقيما حدود اللّه فأين هذه التفاصيل من قوله: «أو تسريح باحسان» .

وبذلك يعلم أنّه لا يلزم أن يكون قوله: «فإن طلّقها» طلاقاً رابعاً.

وقد روى الطبري عن أبي رزين أنّه قال: أتى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» رجل فقال: يا رسول اللّه أرأيت قوله: ( الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» فأين الثالثة؟ قال رسول اللّه: «امساك بمعروف أو تسريح باحسان» هي الثالثة (1).

نعم الخبر مرسل وليس أبو رزين الاَسدي صحابياً بل تابعي.

لكن تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ المراد من قوله: «أو تسريح باحسان» هي التطليقة الثالثة (2).

إلى هنا تمّ تفسير الآية وظهر أنّ المعنى الثاني لتخلّل لفظ «الفاء» أظهر بل هو المتعيّن بالنظـر إلى روايات أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ .

بقي الكلام في دلالة الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً بمعنى عدم وقوعه بقيد الثلاث، وأمّا وقوع واحدة منها فهو أمر آخر، فنقول:

الاستدلال على بطلان الطلاق ثلاثاً :

إذا تعرّفت على مفاد الآية، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الا َُخرى، يتخلّل بينهما رجوع


(1)الطبري: التفسير : 2|278.
(2)البحراني: البرهان: 1|221، وقد نقل روايات ست في ذيل الآية.


(185)

أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة. أو كرّر الصيغة فلا يقع الثلاث. وأمّا احتسابها طلاقاً واحداً ، فهو وإن كان حقّاً، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا، وإليك الاستدلال عن طريق الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً:

أوّلاً: الاستدلال عن طريق الكتاب:

1ـ قوله سبحانه: (فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) .

تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين، والمفسّـرون بين من يجعلونها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة أعني قوله : «الطلاق مرّتان... » ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الذي جاء في الآية التالية، وقد عرفت ما هو الحق، فتلك الفقرة تدل على بطلان الطلاق ثلاثاً على كلا التقديرين.

أمّا على التقدير الاَوّل، فواضح لاَنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح باحسان.

قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الاصلاح والاحسان وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها (1)وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل واحد من الاَمرين ـ الامساك أو تركها حتى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً، أو: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.


(1)ابن كثير: التفسير : 1|53.


(186)

وأمّا على التقدير الثاني، فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، وساكتة عن حال الطلاقين الاَولين، لكن قلنا إنّ بعض الآيات، تدل على أنّ مضمونها من خصيصة مطلق الطلاق، من غير فرق بين الاَولين والثالث فالمطلق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين:

1ـ الامساك بمعررف.

2ـ التسريح باحسان.

فعدم دلالة الآية الا َُولى على خصيصة الطلاقين الاَولين، لا ينافي استفادتها من الآيتين الماضيتين (1) ولعلّهما تصلحان قرينة لالقاء الخصوصية من ظاهر الفقرة «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» وإرجاع مضمونها إلى مطلق الطلاق ولاَجل ذلك قلنا بدلالة الفقرة على لزوم اتباع الطلاق بأحد الاَمرين على كلا التقديرين، وعلى أي حال فسواء كان عنصر الدلالة نفس الفقرة أو غيرها ـ كما ذكرنا ـ فالمحصّل من المجموع هو كون اتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الذي يصلح للرجوع.

ويظـهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله: «فبلغن أجلهنّ» من القيود الغالبية، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته، هو القيام بأحد الاَمرين، لكن تخصيصه بزمن خاص وهو بلوغ آجالهن، هو لاَجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه، لا تنظفىَ سورة غضبه فوراً حتى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح فيها، لاَن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطب بأحد الاَمرين، وإلاّ فطبيعة الحكم الشرعي «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» تقتضي أن يكون حكماً سائداً


(1)الآية 231 من سورة البقرة والآية 2 من سورة الطلاق.


(187)

على جميع الاَزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة.

وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان الطلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق، غير أنّ دلالتها على القول الاَوّل بنفسها، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الا َُخر.

2ـ قوله سبحانه: «الطلاق مرّتان» .

إنّ قوله سبحانه: «الطلاق مرّتان» : ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولاَجل ذلك عبّـر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وانّه الواحد منه، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة، مثل المرّة، وزناً ومعنىً واعتباراً.

وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلِّق: أنت طالق ثلاثاً، لم يطلِّق زوجته مرة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، بل هو طلاق واحد، وأمّا قوله «ثلاثاً» فلا يصير سبباً لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضم عدد فوق الواحد. مثلاً اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله «أربعا». وفصول الاَذان المأخذوة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة واردافها بقوله «مرتين» ولو حلف في القسامة وقال: «أُقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً. ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان اقراراً واحداً، ويحتاج إلى اقرارات، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار.


(188)

قال الجصاص: «الطلاق مرّتان» ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لاَنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لاَدّى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر المرّتين، إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكر المرتين إنّما هو أمر بايقاعه مرتين، ونهى عن الجمع بينهما في مرّة واحدة . (1).

هذا كلّه إذا عبّـر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، أمّا إذا كرّر الصيغة كما عرفت، فربّما يغتر به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي:

أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجية، فلا زوجية بعد الصيغة الا َُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونية حتى تصرم، وبعبارة واضحة: إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين امرأته ويطلق سراحها من قيدها، وهو لا يتحقّق بدون وجود تلك العلقة الاعتبارية الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلق، والمسرَّحة لا تسرح.

وربّما يقال: إنّ المطلقة ما زالت في حبالة الرجل وحكمها حكم الزوجة، فعندئذ يكون للصيغة الثانية والثالثة تأثير بحكم هذه الضابطة. ولكن الاِجابة عنه واضحة وذلك لاَنّ صيغة الثانية لغوٌ جداً، وذلك لاَنّ الزوجة بعدها أيضاً بحكم الزوجة. وإنّما تخرج عنه إذا صار الطلاق بائناً وهو يتحقق بالطلاق ثلاثاً.


(1)الجصاص: أحكام القرآن : 1|378.


(189)

والحاصل: أنّه لا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث، العدد الخاص الذي هو الموضوع للآية التالية أعني قوله سبحانه: «فإن طلَّقها فلا تحلُّ له حتّى تنكح زوجاً غيره» وكيف لا يكون كذلك، وقد قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : لا طلاق إلاّ بعد نكاح، وقال: ولا طلاق قبل نكاح (1).

فتعدّد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين، ولو بالرجوع، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو.

قال السماك: إنّما النكاح عقدة تعقد، والطلاق يحلّها، وكيف تُحل عقدة قبل أن تعقد؟! (2).

3ـ قوله سبحانه: «فطلّقوهنّ لعدّتهنّ» .

»إنّ قوله سبحانه: « الطلاق مرّتان» وارد في الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع (3)، ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه: «وإذا طلّقتم النِّساءَ فطلِّقوهنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ» (الطلاق|1). على أنّ الواجب في حقّ هوَلاء هو الاعتداد واحصاء العدّة، من غير فرق بين أن نقول أنّ «اللام» في «عدّتهنّ» للظرفية بمعنى «في عدّتهنّ» أو بمعنى الغاية، والمراد لغاية أن يعتددن، إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع، هو الاعتداد واحصاء العدّة، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الاَوّل عن الثاني، وإلاّ يكون الطلاق الاَوّل بلا عدّة واحصاء لو طلّق اثنتين مرّة. ولو طلّق ثلاثاً يكون الاَوّل والثاني كذلك.


(1)البيهقي: السنن الكبرى: 7|318 ـ 321، الحاكم: المستدرك: 2|24.
(2)المصدر نفسه: 7|321.
(3)فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما.


(190)

وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً.
روى صفوان الجمّـال عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : أنّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس واحد؟ قال: ليس بشيء، ثمّ قال: أما تقرأ كتاب اللّه : « يا أيُّها النبيّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ فَطَلّقوهنّ لعدّتهنَّ ـ إلى قوله سبحانه: ـ لعلَّ اللّه يُحدثُ بعدَ ذلكَ أمراً» ثمّ قال: كلّ ما خالف كتاب اللّه والسنّة فهو يرد إلى كتاب اللّه والسنّة (1).

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه: «لعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً» فائدة لاَنّه يكون بائناً ويبلغ الاَمر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تحل العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ المشكل من طريق الرجوع أو العقد في العدّة.

ثانياً: الاستدلال عن طريق السنّة:

قد تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة، وأمّا حكم السنّة، فهي تعرب عن أنّ الرسول كان يعد مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب.

1ـ أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول اللّه عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضباناً ثم قال: أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول اللّه ألا أقتله؟ (2). إنّ محمود بن لبيد صحابي صغير وله سماع، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال: أتانا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _


(1)عبد اللّه بن جعفر الحميري: قرب الاسناد : 30، ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة ج15 الباب 22، الحديث 25.
(2)النسائي: السنن: 6|142، السيوطي: الدر المنثور : 1|283.


(191)

فصلّـى بنا المغرب في مسجدنا فلمّـا سلّم منها ... (1).

ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري (2)فهو صحابي ومراسيل الصحابة حجة بلا كلام عند الفقهاء، أخذاً بعدالتهم أجمعين.

2ـ روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد. قال: إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها (3).

والسائل هو ركانة بن عبد يزيد، روى الاِمام أحمد باسناد صحيح عن ابن عباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال: فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلّقتها ثلاثاً. قال، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فأرجعها إن شئت. قال: فأرجعها فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر (4).


(1)أحمد بن حنبل: المسند : 5|427.
(2)ابن حجر: فتح الباري: 9|315، ومع ذلك قال: رجاله ثقات، وقال في كتابه الآخر بلوغ المرام 224 : رواته موثّقون، ونقل الشوكاني فينيل الاَوطار : 7|11، عن ابن كثير أنّه قال: اسناده جيد، أُنظر «نظام الطلاق في الاِسلام» للقاضي أحمد محمد شاكر: 37.
(3)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|61، ورواه آخرون كابن قيم في اغاثة اللهفان: 156 والسيوطي في الدر المنثور : 1|279 وغيرهم.
(4)أحمد بن حنبل: المسند: 1|265.


(192)

الاجتهاد مقابل النص:

التحق النبيّ الاَكرم بالرفيق الاَعلى وقد حدث بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وصراعان فكريان، فعليّ ومن تبعه من أئمّة أهل البيت، كانوا يحاولون التعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية ورواية، ولا يعملون برأيهم أصلاً، وفي مقابلهم لفيف من الصحابة يستخدمون رأيهم للتعرّف على الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.

يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لاَجلها نزلت الآية أو ورد الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته (1).

إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانوا ينبذون النص ويعملون


(1)أحمد أمين: فجر الاِسلام : 238، نشر دار الكتاب.


(193)

بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنت في ريب من ذلك فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:

1ـ روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (1).

2ـ وروى عن ابـن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم (2).

3ـ وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم (3).

4ـ روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السوَال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبي بكر ـ رضى اللّه عنه ـ وصدراً من امارة عمر ـ رضى اللّه عنه ـ فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم(4).

5ـ أخـرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل


(1)مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(2)مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(3)مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(4)البيهقي: السنن: 7|339، السيوطي: الدر المنثور: 1|279.


(194)

أناة اللّه في الطلاق ألزمناه إياه (1).

6ـ عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك (2).

7ـ عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الاَشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِم كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه. من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث (3).

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط واسراء الحكم الشرعي إلى المواضع التي تتشارك المنصوص في المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكرٍ أخذاً بروح القانون وهو أنّ علّة التحريم هي الاسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا:

تبريرات لحكم الخليفة:

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد مقابل النص بل يكون صادراً عن دليل شرعي، بيانها:


(1)العيني: عمدة القارىَ: 9|537، وقال: اسناده صحيح.
(2)المتقي الهندي: كنز العمال: 9|676، برقم 27943.
(3)المتقي الهندي: كنز العمال: 9|676، برقم 27943.


(195)

1ـ نسخ الكتاب بالاجماع الكاشف عن النص:

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر ـ رضى اللّه عنه ـ لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟ قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع انكار، صار اجماعاً ، والنسخ بالاجماع جوّزه بعض مشايخنا، بطريق أنّ الاجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والاجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.

فان قلت: هذا اجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقهم، قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا (1).

يلاحظ عليه أولاً: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الاجماع على قول واحد، وقد عرفت الاَقوال في صدر المسألة. ولاَجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الاجماع البتة ويقول: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الاجماع بخلافه، بل لا يزال في الا َُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا» (2).

وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ، ولو كان هناك نص عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّن.


(1)العيني: عمدة القارىَ: 9|537.
(2)تيسير الوصول: 3|162.


(196)

وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفى 1298) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب اللّه تعالى أو سنّة رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسية، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين (1).

2ـ تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود اللّه:

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود اللّه، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الاَمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّـا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة اللّه ألزمناه إيّاه (2).

لم أجد نصّاً فيما فحصت في مشاورة عمر أُولي الرأي والاَمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الاَشعري بقوله: «لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في


(1)العمري: ايقاظ همم أُولي الاَبصار : 9.
(2)أحمد بن حنبل: المسند : 1|314، برقم 2877، وقد مرّ تخريج الحديث أيضاً، لاحظ نظام الطلاق في الاِسلام لاَحمد محمد شاكر: 79.


(197)

مجلس أن أجعلها واحدة ...» (1)وهو يخبر عن عزمه وهمّه ولا يستشيره، ولو كانت هنا استشارة كان عليه أن يستشير الصحابة من المهاجرين والاَنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة ويقتفي رأيه.

ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّىَ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ موَاخذتهم بما أسماه رسول اللّه لعباً بكتاب اللّه (2).

يقول ابن قيم: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والاجماع القديم، ولم يأت بعده اجماع يبطله ولكن رأى أمير الموَمنين عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم ايقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بامضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرّمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرَّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الاَليق بهم، لاَنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللّه في الطلاق، وقد جعل اللّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّـا تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه


(1)المتقي الهندي: كنز العمال : 9|676، برقم 27943.
(2)السيوطي: الدر المنثور : 1|283.


(198)

كلّه مرّة واحدة (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح، إذ لو كانت المصالح الموَقتة مبررة لتغيّر الحكم فما معنى «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّر إلى أركان الشريعة، فيصبح الاِسلام ألعوبة بيد الساسة، فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على العمال لتقوية القوة العاملة في المعامل.

وفي الختام نذكر تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور لما في تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولاَجل ذلك تغيّر قانون محاكم مصر الشرعية وخالف مذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية.

ويا للاَسف أنّ كثيراً من مفتي أهل السنّة على تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولاَجل ذلك يقول موَلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: «ليس المراد مجادلة المقلّدين أو ارجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها لاَنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله (2).


(1)ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين : 3|36.
(2)السيد محمد رشيد رضا: المنار: 2|386، الطبعة الثالثة 1376.


(199)

تغيّر الاَحكام بالمصالح:

ولابن قيم كلام مسهب في تحليل امضاء عمر الطلاق ثلاثاً نأتي بملخّصه، وهو يعتمد على تغيّر الاَحكام بالمصالح ويخلط الصحيح بالسقيم وإليك كلامه قال: الاَحكام نوعان: نوع لا يتغيّر عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الاَزمنة ولا الاَمكنة ولا اجتهاد الاَئمّة، كوجوب الواجبات وتحريم المحرّمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم.

والنوع الثاني: ما يتغيّر بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها ـ ثمّ أتى بأمثلة كثيرة عن باب التعزيرات ـ وقال: ومن ذلك أنّه ـ رضى اللّه عنه ـ ، ـ يريد عمر بن الخطاب ـ لما رأى الناس قد أكثروا في الطلاق، رأى أنّهم لا ينتهون عنه إلاّ بعقوبة فرأى الزامهم بها عقوبة لهم ليكفّوا عنها وذلك:

إمّا من التعزير العارض الذي يفعل عند الحاجة كما كان يضرب في الخمر ثمانين ويحلق فيها الرأس.

وإمّا ظنّاً أنّ جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال.

وإمّا لقيام مانع قام في زمنه منع من جعل الثلاث واحدة.

ـ إلى أن قال: ـ فلمّـا رأى أمير الموَمنين أنّ اللّه سبحانه عاقب المطلِّق ثلاثاً، بأن حال بينه وبين زوجه وحرّمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره، علم أنّ ذلك لكراهة الطلاق المحرّم، وبغضه له، فوافقه أمير الموَمنين في عقوبته لمن طلّق ثلاثاً


(200)

بأن ألزمه بها وأمضاها عليه. وقال:

فإن قيل: كان أسهل من ذلك أن يمنع الناس من ايقاع الثلاث، ويحرمه عليهم ويعاقب بالضرب والتأديب من فعله لئلاّ يقع المحذور الذي يترتّب عليه.

قيل: نعم ، لعمر اللّه كان يمكنه ذلك ولذا ندم في آخر أيامه وودَّ أنّه كان فعله، قال الحافظ أبو بكر الاسماعيلي في مسند عمر: أخبرنا أبو يعلى، حدثنا صالح بن مالك، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ: ما ندمت على شيء مثل ندامتي على ثلاث: أن لا أكون حرّمت الطلاق، وعلى أن لا أكون أنكحت الموالي، وعلى أن لا أكون قتلت النوائح.

وليس مراده من الطلاق الذي حرّمه، الطلاق الرجعيّ الذي أباحه اللّه تعالى وعلم من دين رسول اللّه جوازه، ولا الطلاق المحرّم الذي أجمع المسلمون على تحريمه كالطلاق في الحيض والطهر المجامع فيه، ولا الطلاق قبل الدخول، فتبيّن قطعاً أنّه أراد تحريم الطلاق الثلاث ـ إلى أن قال: ـ ورأى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّ المفسدة تندفع بالزامهم به فلمّـا تبيّن أنّ المفسدة لم تندفع بذلك وما زاد الاَمر إلاّ شدّة، أخبر أن الاَولى كان عدوله إلى تحريم الثلاث الذي يدفع المفسدة من أصلها، واندفاع هذه المفسدة بما كان عليه الاَمر في زمن رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» وأبي بكر وأوّل خلافة عمر ـ رضى اللّه عنه ـ (1).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من تقسيم الاَحكام إلى نوعين، صحيح. لكن من أين علم أنّ حكم الطلاق الثلاث من النوع الثاني، فأيّ فرق بين حكم الواجبات والمحرّمات وقوله سبحانه: «الطلاق مرتان» وكيف يتغيّر حكم وصفَ رسول اللّه خلافه لعباً بالدين؟

وما ذكره من الاحتمالات الثلاثة فالاحتمال الاَوّل هو المتعيّن وهو الموافق لكلام الخليفة نفسه، وأمّا الاحتمالان الاَخيران من أنّ جعل الثلاث واحدة كان مشروعاً بشرط وقد زال، أو قام مانع عن امضائه، فلا يعتمد عليهما والدافع إلى تصوير الاحتمالين هو الخضوع للعاطفة وتبرير عمل الخليفة بأي نحو كان.


(1)ابن قيم الجوزيّة: إعلام الموقعين : 3|36، وأشار إليه أيضاً في كتابه «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان»: 1|336.


(201)

تغيّر الاَحكام حسب مقتضيات الزمان :

إنّ الاَحكام التي تتغيّر بتغيّر الزمان وتبدّل الظروف، عبارة عن الاَحكام التي حُدّد جوهرها برعاية المصالح، وتركت خصوصياتها واشكالها إلى رأي الحاكم الاِسلامي، فهذا النوع من الاَحكام يتعرّض للتغيّر دون ما قام الشارع بتحديد جوهره وشكله وكيفيته، ولم يترك للحاكم الاِسلامي أيّ تدخّل فيه والاَحكام الواردة في الاَحوال الشخصية من هذا القبيل، فليس للحاكم التدخل في أحكام النسب والمصاهرة والرضاع والعدد، فليس له أن يحرّم ما أحلّ اللّه عقوبة للخاطىَ. وبالعكس وإنّما هي أحكام ثابتة لا تخضع لرأي حاكم وغيره.

وأمّا ما يجوز للحاكم التدخل فيه فهو عبارة عن الاَحكام التي تركت خصوصياتها وأشكالها إلى الحاكم، ليصون مصالح الاِسلام والمسلمين، بما تقتضيه الظروف السائدة وإليك نزراً يسيراً منها، لئلاّ يخلط أحدهما بالآخر:


(202)

1ـ في مجال العلاقات الدولية الدبلوماسية: يجب على الدولة الاِسلامية أن تراعي مصالح الاِسلام والمسلمين، فهذا أصل ثابت وقاعدة عامة، وأمّا كيفية تلك الرعاية، فتختلف باختلاف الظروف الزمانية والمكانية، فتارة تقتضي المصلحة ، السلام، والمهادنة والصلح مع العدو، وأُخرى تقتضي ضد ذلك.

وهكذا تختلف المقررات والاَحكام الخاصّة في هذا المجال، باختلاف الظروف ولكنّها لا تخرج عن نطاق القانون العام الذي، هو رعاية مصالح المسلمين، كقوله سبحانه:

«ولَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلكافِرينَ على الموَمِنينَ سبيلا» (النساء|141).

وقوله سبحانه: «لا ينهاكُمُ اللّهُ عن الَّذِين لم يقاتِلوكُمْ في الدِّينِ ولَمْ يُخرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أن تَبرُّوهُمْ وتُقْسِطوا إليهمْ إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطين» .

«إنَّما ينهاكُمُ اللّهُ عنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُم فِي الدِّينِ وأخرَجُوكُم من ديارِكُمْ وظاهرُوا على إخراجِكُمْ أن تَولَّوهُمْ وَمَن يَتَولَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمون» (الممتحنة|8ـ9).

2ـ العلاقات الدولية التجارية: فقد تقضي المصلحة عقد اتّفاقيات اقتصادية وانشاء شركات تجارية أو موَسّسات صناعية، مشتركة بين المسلمين وغيرهم، وقد تقتضي المصلحة غير ذلك. ومن هذا الباب حكم الاِمام المغفور له، الفقيد المجدّد السيد الشيرازي بتحريم التدخين ليمنع من تنفيذ الاتّفاقية الاقتصادية التي عقدت في زمانه بين إيران وانكلترا، إذ كانت مجحفة بحقوق الا َُمّة المسلمة الاِيرانية لاَنّها خوّلت لانكلترا حقّ احتكار التنباك الاِيراني.

3ـ الدفاع عن بيضة الاِسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده من الاَعداء،


(203)

قانون ثابت لا يتغيّر، فالمقصد الاَسنى لمشرّع الاِسلام، إنّما هو صيانة سيادته من خطر أعدائه واضرارهم ولاَجل ذلك أوجب عليهم تحصيل قوة ضاربة ضدّ الاَعداء، واعداد جيش عارم جرّار، تجاه الاَعداء كما يقول سبحانه: «وَأَعدُّوا لَهُمْ ما استطعتُمْ مِنْ قوَّة» (الاَنفال|60) فهذا هو الاَصل الثابت في الاِسلام الذي يوَيده العقل والفطرة، أمّا كيفيّة الدفاع وتكتيكه ونوع السلاح، أو لزوم الخدمة العسكرية وعدمه، فكلّها موكولة إلى مقتضيات الزمان، تتغيّر بتغيّره، ولكن في اطار القوانين العامة فليس هناك في الاِسلام أصل ثابت، حتى مسألة لزوم التجنيد الاِجباري، الذي أصبح من الا َُمور الاَصلية في غالب البلاد.

وما نرى في الكتب الفقهية من تبويب باب أو وضع كتاب خاص، لاَحكام السبق والرماية، وغيرها من أنواع الفروسية التي كانت متعارفة في الاَزمنة الغابرة، ونقل أحاديث في ذلك الباب، عن الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأئمّة الاِسلام فليست أحكامها أصلية ثابتة في الاِسلام، دعا إليها الشارع بصورة أساسية ثابتة، بل كانت هي نوع تطبيق لذلك الحكم، والغرض منه، تحصيل القوّة الكافية تجاه العدو في تلك العصور ، وأمّا الاَحكام التي ينبغي أن تطبّق في العصر الحاضر ، فإنّه تفرضها مقتضيات العصر نفسه (1).


(1)قال المحقق في الشرائع: 152: وفائدة السبق والرماية: بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال وهي معاملة صحيحة. وقال الشهيد الثاني: في المسالك في شرح عبارة المحقق: لا خلاف بين المسلمين في شرعية هذا العقد، بل أمر به النبي في عدّة مواطن لما فيه من الفائدة المذكورة وهي من أهم الفوائد الدينية لما يحصل بها من غلبة العدو في الجهاد لاَعداء اللّه تعالى. الذي هو أعظم أركان الاِسلام ولهذه الفائدة يخرج عن اللهو واللعب المنهى عن المعاملة عليهما.
فإذا كانت الغاية من تشريعها الاستعداد للقتال والتدرّب للجهاد، فلا يفرق عندئد بين الدارج في زمن النبيّوغيره أخذاً بالملاك المتيقّن.


(204)

فعلى الحاكم الاِسلامي تقوية جيشه وقواته المسلحة بالطرق التي يقدر معها على صيانة الاِسلام و معتنقيه من الخطر، ويصدّ كلّ موَامرة عليه من جانب الاَعداء حسب امكانيات الوقت.

والمقنّن الذي يتوخّى ثبات قانونه ودوامه وسيادة نظامه الذي جاء به، لا يجب عليه التعرّض إلى تفاصيل الا َُمور وجزئياتها، بل الذي يجب عليه هو وضع الكليات والا َُصول ليساير قانونه جميع الاَزمنة بأشكالها وصورها المختلفة، ولو سلك غير هذا السبيل لصار حظّه من البقاء قليلاً جدّاً.

4ـ نشر العلم والثقافة واستكمال المعارف التي تضمن سيادة المجتمع مادياً ومعنوياً يعتبر من الفرائض الاِسلامية، أمّا تحقيق ذلك وتعيين نوعه ونوع وسائله فلا يتحدّد بحدّ خاص، بل يوكل إلى نظر الحاكم الاِسلامي، واللّجان المقررة لذلك من جانبه حسب الاِمكانيات الراهنة في ضوء القوانين الثابتة.

وبالجملة: فقد ألزم الاِسلام، رعاة المسلمين، وولاة الاَمر نشر العلم بين أبناء الانسان واجتثاث مادة الجهل من بينهم ومكافحة أيّ لون من الا َُميّة، وأمّا نوع العلم وخصوصياته، فكل ذلك موكول إلى نظر الحاكم الاِسلامي وهو أعلم بحوائج عصره.

فربّ علم، لم يكن لازماً، لعدم الحاجة إليه، في العصور السابقة، ولكنّه أصبح اليوم في الرعيل الاَوّل من العلوم اللازمة التي، فيها صلاح المجتمع، كالاقتصاد والسياسة.

5ـ حفظ النظام وتأمين السبل والطرق، وتنظيم الا َُمور الداخلية ورفع مستوى الاقتصاد وغيرها من الضروريات، فيتبع فيه وأمثاله، مقتضيات الظروف


(205)

وليس فيه للاِسلام حكم خاص يتبع، بل الذي يتوخّاه الاِسلام، هو الوصول إلى هذه الغايات، وتحقيقها بالوسائل الممكنة، دون تحديد وتعيين لنوع هذه الوسائل وإنّما ذلك متروك إلى امكانيات الزمان الذي يعيش فيه البشر، وكلّها في ضوء القوانين العامة.

6ـ قد جاء الاِسلام بأصل ثابت في مجال الاَموال وهو قوله سبحانه: «ولا تَأكُلوا أَموالَكُمْ بَينَكُمْ بِالباطِلِ» وقد فرع الفقهاء على هذا الاَصل شرطاً في صحّة عقد البيع أو المعاملة فقالوا: يشترط في صحّة المعاملة وجود فائدة مشروعة وإلاّ فلا تصح المعاملة ومن هنا حرّموا بيع (الدم) وشراءه.

إلاّ أنّ تحريم بيع الدم وشرائه ليس حكماً ثابتاً في الاِسلام بل التحريم كان في الزمان السابق صورة اجرائية لما أفادته الآية من حرمة أكل المال بالباطل وكان بيع الدم في ذلك الزمان مصداقاً له، فالحكم يدور مدار وجود الفائدة (التي تخرج المعاملة عن كونها أكل المال بالباطل) وعدم تحقّق الفائدة (التي تخرج المعاملة عن كونها أكل المال بالباطل) فلو ترتّبت فائدة معقولة على بيع الدم أو شرائه فسوف يتبدّل حكم الحرمة إلى الحلّية، والحكم الثابت هنا هو قوله تعالى: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» .

وفي هذا المضمار ورد أنّ علياً _ عليه السلام _ سئل عن قول الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : غيّروا الشيب ولا تشبّهوا باليهود؟ فقال ـ عليه السلام ـ : إنّما قال _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ذلك والدين قُلٌّ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامْروٌَ وما اختار (1).

هذا ولما كان الحكم بصحة الطلاق ثلاثاً، مثيراً للفساد، عبر التاريخ، قام ابن


(1)نهج البلاغة، الحكمة رقم 16. لاحظ كتابنا مفاهيم القرآن : 3|265 ـ 275.


(206)

قيم ـ مع تبريره عمل الخليفة بما ذكر ـ ببيان ما ترتّب عليه من شماتة أعداء الدين عليه، وها نحن ننقل نصّ كلامه:

جزاء الانحراف عن الطريق المهيع:

إنّ ابن قيم ـ كما عرفت ـ كان من المدافعين المتحمّسين عن فتيا الخليفة، وقد برّر حكمه بأنّ المصلحة يومذاك كانت تقتضي الاَخذ بما التزم به المطلّق على نفسه، وقد عرفت ضعف دفاعه ووهن كلامه، ولكنّه ذكر في آخر كلامه بأنّ المصلحة في زماننا هذا على عكس ما كان عليه زمن الخليفة، وأنّ تصحيح التطليق ثلاثاً، جرّ الويلات على المسلمين في أجوائنا وبيئاتنا وصار سبباً لاستهزاء الاَعداء، بالدين وأهله، وأنّه يجب في زماننا هذا الاَخذ بمُرّ الكتاب والسنّة، وهو أنّه لا يقع منه إلاّ واحد.

ولكنّه غفل عمّـا هو الحق في المقام وأنّ المصلحة في جميع الاَزمنة كانت على وتيرة واحدة، وأنّ ما حدّه سبحانه من الحدود، هو المطابق لمصالح العباد ومصائرهم، وأنّ الشناعة والاستهزاء اللَّتين يذكرهما ابن قيم إنّما نجمتا من الانحراف عن الطريق المهيَع والاجتهاد مقابل النص بلا ضرورة مفضية إلى العدول ومن دون أن يكون هناك حرج أو كلفة، ولاَجل ذلك نأتي بكلامه حتى يكون عبرة لمن يريد في زماننا هذا أن يتلاعب بالاَحكام الشرعية بهذه المصالح المزعومة، وإليك نصّ كلامه:

هذه المسألة ممّا تغيّرت الفتوى بها بحسب الاَزمنة وأمّا في هذه الاَزمان التي قد شكت الفروج فيها إلى ربّها من مفسدة التحليل، وقبح ما يرتكبه المحلّلون ممّا


(207)

هو رمد بل عمىً في عين الدين، وشجىً في حلوق الموَمنين، من قبائح تشمّت أعداء الدين بها، وتمنع كثيراً ممّن يريد الدخول فيه بسببه، بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب، يراها الموَمنون كلّهم من أقبح القبائح ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه، وغيّرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلّقةَ بنجاسة التحليل، وقد زعم أنّه قد طيّبها للحليل، فيا للّه العجب ! أيّ طيب أعارها هذا التيس الملعون؟ وأيّ مصلحة حصلت لها ولمطلِّقها بهذا الفعل الدون؟

أترى وقوف الزوج المطلِّق أو الولي على الباب، والتيس الملعون قد حلّ ازارها وكشف النقاب، وأخذ في ذلك المرتع، والزوج أو الولي يناديه: لم يُقدَّم إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون، وربّ العالمين، أنّك لست معدوداً من الاَزواج، ولا للمرأة أو أوليائها بك رضاً ولا فرح ولا ابتهاج، وإنّما أنت بمنزلة التيس المستعار للضراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفك على الباب، فالناس يُظهرون النكاح ويُعلنونه فرحاً وسروراً ، ونحن نتواصى بكتمان هذا الداء العضال، ونجعله أمراً مستوراً بلا نثار ولا دف ، ولا خوان ولا اعلان، بل التواصي بهس ومس والاخفاء والكتمان، فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها.

والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك، فانّه لا يُمسك بعصمتها، بل قد دخل على زوالها، واللّه تعالى قد جعل كل واحد من الزوجين سكناً لصاحبه، وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم بذلك المصلحة التي شرّعه لاَجلها العزيز الحكيم.


(208)

فسل التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب؟ وسله: هل اتّخذ هذه المصابة حليلة وفراشاً يأوى إليه؟ هل رضيت به قط زوجاًوبعلاً تعول في نوائبها عليه؟ وسل أُولي التمييز والعقول: هل تزوّجت فلانة بفلان؟ وهل يعد هذا نكاحاً في شرع أو عقل أو فطرة انسان؟ وكيف يلعن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجلاً من أُمّته نكح نكاحاً شرعياً صحيحاً، ولم يرتكب في عقده محرماً ولا قبيحاً؟ وكيف يشبهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الاَبرار؟ وكيف تعيّر به المرأة طول دهرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك التيس بين النسوان؟ وسل التيس المستعار: هل حدّث نفسه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق، بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو حدّثت نفسها به هنالك؟ وهل طلب منها ولداً نجيباً واتّخذته عشيراً وحبيباً؟

وسل عقول العالمين وفطرهم: هل كان خير هذه الا َُمّة أكثرهم تحليلاً، وكان المحلّل الذي لعنه اللّه ورسوله أهداهم سبيلاً؟ وسل التيس المستعار ومن ابتليت به: هل تجمّل أحد منهما بصاحبه كما يتجمّل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لاَحدهما رغبة في صاحبه بحسب أو مال أو جمال؟ وسل المرأة: هل تكره أن يتزوّج عليها هذا التيس المستعار أو يتسرّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أُخرى، أو تسأله عن ماله وصنعته أو حسن عشيرته وسعة نفقته؟ وسل التيس المستعار: هل سأل قط عمّـا يسأله عنه مَن قصد حقيقة النكاح، أو يتوسل إلى بيت أحمائه بالهدية والحمولة، والنقد الذي يتوسّل به خاطب الملاح؟ وسله: هل هو «أبو يأخذ» أو «أبو يعطي»؟ وهل قوله عند قراءة أبي جاد هذا العقد: خذي


(209)

نفقة هذا العرس أو حطي؟ وسله: هل تحمّل من كلفة هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو حطي؟

وسله عن وليمة عرسه: هل أولم ولو بشاة؟ وهل دعا إليها أحداً من أصحابه فقضى حقّه وأتاه؟ وسله: هل تحمّل من كلفه هذا العقد ما يتحمّله المتزوّجون، أم جاءه ـ كما جرت به عادة الناس ـ الاَصحاب والمهنئون؟ وهل قيل له بارك اللّه لكما وعليكما وجمع بينكما في خير وعافية، أم لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له لعنة تامة وافية؟ (1).

يلاحظ عليه: أنّ العار الذي ـ على زعمه ـ دخل الاِسلام رهن تصحيح الطلاق ثلاثاً، وأنّ الطلاق الواحد حقيقة يعد ثلاثاً، وأمّا ما شرّعه الذكر الحكيم من توقّف صحّة النكاح بعد التطليقات الثلاث على المحلّل فهو من أفضل قوانيه المشرقة، وأرسخها وأتقنها فلا يدخل العار من جانبه على الاِسلام أبداً، وذلك:

أوّلاً: أنّه يصد الزوج عن الطلاق الثالث لما يعلم أنّ النكاح بعده يتوقّف على التحليل الذي لا يتحمّله أكثر الرجال.

وثانياً: أنّه لا يقوم به إلاّ إذا يئس من التزويج المجدّد، لاَنّ التجارب المتكرّرة، أثبتت أنّ الزوجين ليسا على شاكلة واحدة من جانب الاَخلاق والروحيات فلا يُقدِم على الطلاق إلاّ إذا كان آيساً من الزواج المجدّد وقلّما يتّفق تجدد الجنوح إلى بناء البيت بالزوجة التي طلّقها ثلاثاً لو لم نقل إنّه يندر جداً ـ فعند ذاك تقل الحاجة إلى المحلّل جداً، وهذا بخلاف تصحيح الطلاق الواحد،


(1)ابن قيم (المتوفى 751): اعلام الموقّعين. 3|41ـ43، ولاحظ اغاثة اللهفان له أيضاً: 1|312.


(210)

ثلاثاً، فكثيراً ما يندم الزوج من الطلاق ويريد اعادة بناء البيت الذي هدمه بالطلاق ـ وهو حسب الفرض يتوقّف على المحلّل الذي يلصق العار بهما ويترتّب عليه ما ذكره ابن قيم في كلامه المسهب.

وفي كلامه ملاحظات أُخرى تركناها خصوصاً في تصويره المحلّل كأنّه الاَجير للتحليل، ويتزوّج لتلك الغاية وهو تصوير خاطىَ جداً بل يتزوج بنفس الغاية التي يتزوّج لاَجلها، سائر النساء ،غير أنّه لو طلّق الزوجة عن اختيار يصير حلالاً للزوج السابق وأين ذلك مما جاء في كلامه.


(211)

المسألة التاسعة :

الحلف بالطلاق

اعلم أنّ الطلاق غير المنجز ينقسم إلى قسمين:

1ـ الطلاق المعلّق.

2ـ الحلف بالطلاق.

وكلاهما من أقسام غير المنجّز، والفرق بينهما أنّه لو قصد من التعليق الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، يسمّى حلفاً بالطلاق كقوله: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، أو إن لم تدخلي الدار فأنت طالق، أو قصد منه تصديق المخبر، كقوله: أنتِ طالق إن لم يقدم زيد، أو زوجتي طالق لو كان في حقيبتي بضاعة ممنوعة.

وأمّا إذا علّق ولم يكن منه لا الحث على الفعل ولا المنع منه، ولا التنبيه على تصديق المخبر، يسمّى طلاقاً معلّقاً، كقوله: أنتِ طالق إن طلعت الشمس، أو أنتِ طالق إن قدم الحاج، أو أنتِ طالق إن لم يقدم السلطان، فهو شرط محض ليس بحلف، لاَنّ حقيقة الحلف القسم.

وإنّما سمي تعليق الطلاق على شرط حلفاً تجوزاً، لمشاركته الحلف في المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر نحو قوله: واللّه لاَفعلنّ، أو لا واللّه لا


(212)

أفعل، أو واللّه لقد فعلت أو واللّه لم أفعل، وما لم يوجد فيه هذا المعنى لا يصحّ تسميته حلفاً (1).

وقال السبكي: إنّ الطلاق المعلّق، منه ما يعلّق على وجه اليمين، ومنه ما يعلّق على غير وجه اليمين، فالطلاق المعلَّق على غير وجه اليمين كقوله: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ طالق، أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق.

والذي على وجه اليمين كقوله: إن كلّمتِ فلاناً فأنت طالق، أو إن دخلت الدار فأنتِ طالق، وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علّق الطلاق على هذا الوجه، ثمّ وجد المعلّق عليه وقع الطلاق (2).

هذا هو مذهب أكثر أهل السنّة إلاّ من شذّ وسنشير إليه، فقد أجازت هذه المذاهب الطلاق بغير الحلف، بكل ما دلّ عليه لفظاً وكتابة وصراحة وكناية، مثل: أنتِ عليّ حرام، أو أنتِ بريّة، أو اذهبي فتزوّجي، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، إلى غير ذلك من الصيغ.

والجدير بالذكر أنّهم سوّدوا الصفحات الطوال العراض حول أقسام الطلاق المعلّق خصوصاً النوع الخاص به، أعني: الحلف به، وجاءوا بآراء وفتاوى لم يبرهنوا عليها بشيء من الكتاب والسنّة، والراجع إليها يقطع بأنّ الطلاق عند هوَلاء أُلعوبة، يتلاعب به الرجل بصور شتّى.

وإن كنت في شكّ ممّا ذكرت فلاحظ الكتابين المعروفين:

1ـ المغني: تأليف محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة (المتوفّـى


(1)ابن قدامة: المغني: 7| 365.
(2)السبكي: تقي الدين علي بن عبد الكافي (المتوفى 756) : الدرّة المضيئة: 155.


(213)

عام 620) وهو أوسع فقه ظهر عند الحنابلة مع الترجيح بين الاَقوال بالدليل المقنع لهم. فقد خصّ (45) صفحة من كتابه بهذا النوع من الصيغ (1).

2ـ الفقه على المذاهب الاَربعة: تأليف الشيخ عبد الرحمان الجزيري، فقد ألّفه ليعرض الفقه بثوبه الجديد على الناشىَ ، ومع ذلك فقد خصّ من كتابه لهذا النوع من صور الطلاق صفحات كثيرة (2)وإليك نماذج من هذه الصور حتى تقف على صدق ما قلناه؛ ننقله من الكتاب الاَوّل:

1ـ إن قال لامرأتيه: كلّما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمّ أعاد ذلك ثلاثاً، طلّقت كل واحدة منهما ثلاثاً.

2ـ إن قال لاِحداهما: إن حلفت بطلاقك فضرّتك طالق، ثمّ قال للا َُخرى مثل ذلك ...

3ـ وإن كان له ثلاث نسوة فقال: إن حلفت بطلاق زينب، فعمرة طالق، ثم قال: وإن حلفت بطلاق عمرة، فحفصة طالق، ثمّ قال: إن حلفت بطلاق حفصة، فزينب طالق، طلقت عمرة، وإن جعل مكان زينب عمرة طلّقت حفصة، ثمّ متى أعاده بعد ذلك طلّقت منهنّ واحدة ...

4ـ ومتى علّق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد وقع بكلّ صفة ما علّق عليها كما لو وجدت متفرّقة وكذلك العتاق، فلو قال لامرأته: إن كلّمت رجلاً فأنت طالق، وإن كلّمت طويلاً فأنت طالق، وإن كلّمت أسود فأنت


(1)لاحظ الجزء السابع 369ـ 414 بتصحيح الدكتور محمد خليل هراس.
(2)الفقه على المذاهب الاَربعة الجزء الرابع.


(214)

طالق، فكلّمت رجلاً أسود طويلاً، طلّقت ثلاثاً (1).

إلى غير ذلك من الصور التي لا يترتب على نقلها سوى اضاعة الوقت والورق.

وفي مقابل هوَلاء، أئمّة أهل البيت، لا يذكرون للطلاق إلاّ صيغة واحدة، روى بكير بن أعين عن أحدهما: الباقر والصادق ـ عليهما السلام ـ قال: ليس الطلاق إلاّ أن يقول الرجل لها ـ وهي طاهر في غير جماع ـ: أنت طالق ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهي ملغى (2).

ومع أنّ المشهور عند أهل السنّة وقوع الطلاق بالحلف به، فنجد بين الصحابة والتابعين من ينكر ذلك ويراه باطلاً ، ووافقه بعض المتأخّرين من الظاهريين كابن حزم، وابن تيمية من الحنابلة.

قال ابن حزم: وصحّ خلاف ذلك (وقوع الطلاق باليمين) عن السلف.

1ـ روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: انّ رجلاً تزوّج امرأة وأراد سفراً فأخذها أهل امرأته فجعلها طالقاً إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الاَجل ولم يبعث بشيء، فلمّـا قدم خاصموه إلى عليّ، فقال عليّ ـ عليه السلام ـ : اضطهدتموه حتى جعلها طالقاً، فردّها عليه (3).

2ـ روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: في رجل قال


(1)المغني: 7|369ـ 376.
(2)وسائل الشيعة 15، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1.
(3)ظاهر الحديث: أنّ الاِمام ردّ المرأة لوقوع الطلاق مكرهاً، وبما أنّه لم تكن هناك كراهة ولم يطلب أهل المرأة سوى النفقة، يحمل علىخلاف ظاهره، من بطلان الطلاق لاَجل الحلف به.


(215)

لامرأته: أنتِ طالق إن لم أتزوّج عليك. قال: إن لم يتزوّج عليها حتى تموت أو يموت، توارثا. والحكم بالتوارث آية بقاء العلقة.

3ـ ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن غيلان بن جامع عن الحكم بن عتيبة قال: في الرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق إن لم أفعل كذا ثمّ مات أحدهما قبل أن يفعل، فإنّهما يتوارثان.

إنّ في عدم اعتداد الاِمام عليّ بالطلاق ـ بلا اكراه ـ والحكم بالتوارث في الروايتين الاَخيرتين دلالة على عدم الاعتداد باليمين بالطلاق.

4ـ ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني ابن طاووس عن أبيه أنّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قلت: أكان يراه يميناً؟ قال: لا أدري.

قال ابن حزم بعد نقل هذه الروايات: فهوَلاء علي بن أبي طالب وشريح (1) وطاووس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ثم يقول: من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة، والرجعة بصفة كمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتي المطلّقة، أو قال: فقد تزوّجتك وقالت هي مثل ذلك، وقال الولي مثل ذلك ولا سبيل إلى فرق (2).

فقد سئل ابن تيميّة عن مسألة الحلف بالطلاق، فأفتى بعدم وقوع الطلاق بنفس الحلف ولكن قال: تجب الكفّارة إذا لم يطلّق بعد، فقال: إنّ في المسألة بين السلف والخلف أقوالاً ثلاثة:


(1)نقل رواية عن شريح تركنا نقلها لعدم دلالتها. وكان عليه عطف عطاء عليه أيضاً.
(2)ابن حزم الاَندلسي: المحلّـى: 10|212ـ213.


(216)

1ـ إنّه يقع به الطلاق إذا حنث في يمينه، وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخّرين حتى اعتقد طائفة منهم أنّ ذلك اجماع، ولهذا لم يذكر عامتهم عليه حجة، وحجتهم عليه ضعيفة، وهي أنّه التزم أمراً عند وجوب شيء فلزمه ما التزمه(1).

2ـ إنّه لا يقع به طلاق ولا تلزمه كفّارة، وهذا مذهب داود وأصحابه، وطوائف من الشيعة، ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف (2) بل هو مأثور عن طائفة صريحاً كأبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ رواية جعفر بن محمد، وأصل هوَلاء أنّ الحلف بالطلاق والعتاق والظهار لغو كالحلف بالمخلوقات.

3ـ وهو أصح الاَقوال، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنّة، والاعتبار أنّ هذا يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفّارة عند الحنث إلاّ أن يختار الحالف ايقاع الطلاق، فله أن يوقعه، ولا كفّارة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف كطاووس وغيره، وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في هذا الباب، وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم، حتى يقال: إنّ في كثير من بلاد المغرب من يفتي بذلك من أئمّة المالكية، وهو مقتضى نصوص أحمد ابن حنبل، وأُصول في غير هذا الموضع (3).

إنّ هنا أُموراً:

الاَوّل: في وقوع الطلاق بنفس هذا الانشاء.


(1)سيوافيك ضعف هذا الدليل بعد الفراغ من نقل كلامه.
(2)قد تعرفت على القائلين بعدم كفاية الحلف في تحقّق الطلاق في كلام ابن حزم الظاهري.
(3)ابن تيمية، الفتاوى الكبرى: 3|12 و13.


(217)

الثاني: لزوم الكفّارة عند الحنث أي عدم ايقاع الطلاق.

الثالث: ما هو حكم الزوجة في الفترة التي لم يقع المعلّق عليه.

أمّا الاَوّل: فالدليل الذي نقله ابن تيمية عن القائل كان عبارة أنّه التزم أمراً عند وجوب شرط فلزمه ما التزمه، مثلاً التزم بأنّه إذا كلّمت الزوجة فلاناً فهي طالق.

يلاحظ عليه: أنّه ليس لنا دليل مطلق يعم نفوذ كل ما التزم به الانسان حتى فيما يحتمل أنّ الشارع جعل له سبباً خاصّاً كالطلاق والنكاح، إذ عند الشكّ يكون المرجع هو بقاء العلقة الزوجية إلى أن يدل دليل على خروجها عن عصمته، أخذاً بالقاعدة المأثورة عن أئمّة أهل البيت بأنّه لا ينقض اليقين بالشك، المعبّـر عنه في مصطلح الا َُصوليين بالاستصحاب.

قال السبكي: «قد أجمعت الا َُمّة على وقوع المعلّق كوقوع المنجز، فإنّ الطلاق ممّا يقبل التعليق، ولا يظهر الخلاف في ذلك إلاّ عن طوائف من الروافض، ولمّـا حدث مذهب الظاهريين، المخالفين لاجماع الا َُمّة ، المنكرين للقياس، خالفوا في ذلك ـ إلى أن قال ـ: ولكنّهم قد سبقهم الاجماع (1).

ثمّ قال: وقد لبَّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الاِسلام، وقد نقل اجماع الا َُمّة على ذلك أئمّة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقّف في صحّة نقلهم.

كيف يحكم بسبق الاجماع مع خلاف الاِمام علي ولفيف من التابعين وأئمّة أهل البيت، وليس ابن تيميّة ناقلاً للخلاف بل نقله ابن حزم الاَندلسي ونقله هو


(1)السبكي: الدرّة المضيئة : 155ـ 156.


(218)

عنه كما صرّح في رسائله.

وهناك كلمة لبعض مشايخ الاِمامية نأتي بنصّها وفيها بيان وبلاغ، قال: إنّ الاِمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، ويفرضون القيود الصارمة على المطلِّق والمطلَّقة، وصيغة الطلاق وشهوده. كلّ ذلك لاَنّ الزواج عصمة ومودة ورحمة وميثاق من اللّه. قال تعالى: «وَقَدْ أَفْضَـى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غليظاً» (النساء|21) وقال سبحانه: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً» (الروم|21) اذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة، وهذا العهد والميثاق إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكل شكّ بأنّ الشرع قد حلّ الزواج ونقضه بعد أن أثبته وأبرمه (1).

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على بطلان هذا الطلاق، بل وعدم الاعتداد بهذا اليمين مطلقاً، ومن أخذ دينه عن أئمّة أهل البيت، فقد أخذ عن عين صافية. نكتفي ببعض ما ورد عنهم:

1ـ روى الحلبي عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: كل يمين لا يراد به وجه اللّه في طلاق أو عتق فليس بشيء (2).

2ـ جاء رجل باسم «طارق» إلى أبي جعفر الباقر وهو يقول: يا أبا جعفر إنّي هالك إنّي حلفت بالطلاق والعتاق والنذر، فقال: يا طارق إنّ هذا من خطوات الشيطان (3).


(1)الفقه على المذاهب الخمسة: 414.
(2)وسائل الشيعة: الجزء 16، الباب 14 من أبواب كتاب الايمان، الحديث 1و 4، ولاحظ سائر أحاديث الباب.
(3)وسائل الشيعة: الجزء 16، الباب 14 من أبواب كتاب الايمان، الحديث 1و 4، ولاحظ سائر أحاديث الباب.


(219)

3ـ عن أبي أُسامة الشحام، قال: قلت لاَبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : إنّ لي قريباً لي أو صهراً لي حلف إن خرجت امرأته من الباب فهي طالق ثلاثاً، فخرجت وقد دخل صاحبها منها ما شاء اللّه من المشقة فأمرني أن أسألك فأصغى إليّ، فقال: مره فليُمسكها فليس بشيء، ثمّ التفت إلى القوم فقال: سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوّج ولها زوج (1).

وقد عرفت الشيعة بانكارها الا َُمور الثلاثة في باب الطلاق:

1ـ طلاق المرأة وهي حائض.

2ـ الطلاق بلا اشهاد عدلين.

3ـ الحلف على الطلاق.

هذا كلّه حول وقوع الطلاق وإليك الكلام في المقامين الثاني والثالث:

وأمّا الثاني وهو ترتّب الكفّارة أو لا ، فيحتاج إلى تنقيح ما هو الموضوع للكفّارة، فلو دلّ الدليل على أنّ الكفّارة من آثار الحلف بلفظ الجلالة أو ما يعادله أو يقاربه، كالربّ وغيره فلا تترتب على الحلف بالطلاق والعتاق، وبما أنّ المسألة خارجة عن موضوع البحث لذا نحيل تحقيقها إلى محلّه.

وأمّا الثالث: فقد نقل ابن حزم عن الشافعي: الطلاق يقع عليه والحنث في آخر أوقات الحياة فلو قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أضرب زيداً، فإنّما يتحقّق الحنث ـ إذا لم يضرب ـ عند موته، ومعنى هذا أنّها زوجته إلى ذلك الآن، ونقل عن مالك: يوقف عن امرأته وهو على حنث حتى يبر، ثمّ استشكل على الاِمامين (2).


(1)الوسائل: الجزء 15، الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3.
(2)ابن حزم الاَندلسي: المحلّـى: 10|213.


(220)

وجملة الكلام فيه ـ على القول بانعقاد الطلاق به ـ أنّ المعلّق عليه تارة يكون أمراً وجودياً ـ كالخروج عن الدار ـ وأُخرى عدمّياً ـ مثل إن لم أفعل ـ وعلى التقديرين تارة يكون محدّداً موَقتاً بزمان وأُخرى مطلقاً مرسلاً عنه، فلو كان أمراً وجودياً فهي زوجته مالم يتحقق، فإذا تحقّق في ظرفه المعيّن، أو مطلقاً ـ حسب ما علّق ـ تكون مطلّقة. ولو كان أمراً عدمياً، فلو كان محدداً وموَقتاً بزمان، فلو لم يفعل في ذلك الزمان تكون مطلّقة، بخلاف ما لو لم يكن كذلك، فلا تكون مطلّقة إلاّ في آخر الوقت الذي لايستطيع القيام به.

ولكنّها فروض على أساس منهار.

الكلام في الطلاق المعلّق:

قد عرفت أنّ الطلاق المعلّق ينقسم إلى قسمين: منه ما يوصف بالحلف بالطلاق ومنه ما يوصف بالمعلّق فقط، وقد عرفت حكم الاَوّل وإليك الكلام في التالي:

فنقول: إنّ للشروط تقسيمات:

1ـ ما يتوقّف عليه صحّة الطلاق ككونها زوجة، وما لا يتوقف عليه كقدوم زيد.

2ـ ما يعلم المطلّق بوجوده عنـد الطلاق كتعليقه بكون هذا اليوم يوم الجمعة، وأُخرى ما يشك في وجوده.

3ـ ما يذكر في الصيغة تبرّكاً، لا شرطاً وتعليقاً كمشيئته سبحانه (إن شاء اللّه)، و ما يذكر تعليقاً حقيقة.


(221)

ومورد البحث هو القسم الاَوّل من الاَقسام الثلاثة وقد اتّفقت كلمة الاِمامية (1) على بطلان المعلّق والدليل المهم هو النص والاجماع وإليك البيان:

الطلاق المعلّق باطل نصّاً واجماعاً:

دلّ النصّ عن أئمّة أهل البيت على بطلان الطلاق المعلّق، ويكفي في ذلك ما رواه بكير بن أعين عنهم _ عليهم السلام _ أنّهم قالوا: ليس الطلاق إلاّ أن يقول الزوج لزوجته وهي طاهرة من غير جماع: أنتِ طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكل ما سوى ذلك فهي ملغى (2).

فأيّ تصريح أولى من قوله: «وكل ما سوى ذلك فهي ملغى» مع شيوع الطلاق المعلّق خصوصاً قسم الحلف في أعصارهم.

وإذا أُضيف إلى ذلك ما روي عنهم _ عليهم السلام _ في بطلان الحلف بالطلاق لاتّضح الحكم بأجلى وضوح لاَنّ الحلف به قسم من أقسام المعلّق، فليس بطلانه إلاّ لبطلان المعلّق غاية الاَمر يتضمّن حلفاً ويميناً، وقد عرفت أنّ الاِمام قال: سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوج ولها زوج (3).

وأمّا الاجماع فقد قال المرتضى: وممّاانفردت به الاِمامية أنّ تعليق الطلاق بجزء من أجزاء المرأة أيّ جزء كان لا يقع فيه الطلاق (4).


(1)الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الطلاق ، المسألة 40.
(2)الوسائل: الجزء 15، الباب 16 ، الحديث 1.
(3)المصدر نفسه: الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 4.
(4)السيد المرتضى: الانتصار : 14.


(222)

وقال الشيخ في الخلاف: إذا قال لها: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم فلان. لا يقع طلاقه (1).

وقال ابن ادريس: اشترطنا اطلاق اللفظ احترازاً من مقارنة الشرط (2).

ومن تفحّص فقه الاِمامية يجد كون البطلان أمراً متّفقاً عليه.

ويوَيّد ذلك: أنّ عناية الاِسلام بنظام الا َُسرة الذي أُسّها النكاح والطلاق، يقتضي أن يكون الاَمر فيها منجزاً لا معلّقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى ما لا تحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إما أن يقدم على النكاح والطلاق أو لا ، فعلى الاَوّل فينكح أو يطلّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتى يحدث بعد ذلك أمراً، فالتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الاَمر الهام، فقد قال سبحانه: «ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلو حَرَصْتُمْ فَلاَ تَـمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فإِنَّ اللّهَ كان غَفُوراً رَحيماً» (النساء|129).

واللّه سبحانه يشبّه المرأة التي يترك الزوج اداء الواجب لها بالمعلّقة التي هي لا ذات زوج ولا أيّم، فالمنكوحة معلّقةً، أو المطلّقة كذلك، أشبه شيء بالمعلّقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.

نعم ربّما استدلّ ببعض الوجوه العقلية على البطلان وهي ليست تامّة عندنا نظير:

أ ـ أنّ الطلاق المعلّق من قبيل تفكيك المنشـأ عن الانشاء، لاَنّ المفروض


(1)الطوسي: الخلاف، كتاب الطلاق، المسألة 13.
(2)ابن ادريس الحلي: السرائر، كتاب الطلاق : 322. ولاحظ الطبعة الحديثة 2: 665.


(223)

عدم وقوعه قبل الشرط، فيلزم تفكيك المنشأ عن الانشاء.

وأنت خبير بعدم استقامة الدليل، فإنّ المنشأ بعد الانشاء محقّق من غير فرق بين المنجّز والمعلّق، غير أنّ المنشأ تارة يكون منجزاً وأُخرى معلّقاً، وفائدة الانشاء أنّه لو وقع المعلّق عليه لا يحتاج إلى انشاء جديد.

ب ـ ظاهر الاَدلّة ترتّب الاَثر على السبب فوراً، فاشتراط تأخّره إلى حصول المعلّق عليه، خلاف ظاهر الاَدلّة.

يلاحظ عليه: أنّه ليس في الاَدلّة ما يثبت ذلك، فالوارد في الاَدلّة هو لزوم الوفاء بالانشاء غير أنّ الوفاء يختلف حسب اختلاف مضمونه، فالاَولى الاستدلال بالنص والاجماع.



(224)


(225)

المسألة العاشرة :

الطلاق في الحيض والنفاس

اتّفقت كلمتهم على أنّه يجب أن تكون المطلّقة في حال الطلاق طاهرة عن الحيض والنفاس بلا خلاف، ولكن اختلفوا في أنّ الطهارة هل هي شرط الصحّة والاِجزاء، أو شرط الكمال والتمام، وبعبارة أُخرى هل هي حكم تكليفي متوجّه إلى المطلّق، وهو أنّه يجب أن يحلَّ العقدة في حال كونها طاهرة من الحيض والنفاس، فلو تخلّف أثم وصحَّ الطلاق، أو هو حكم وضعي قيد لصحّة الطلاق، ولولاه كان الطلاق باطلاً ؟ فالاِمامية وقليل من سائر المذاهب الفقهية على الثاني وأكثر المذاهب على الاَوّل وإليك بعض كلماتهم:

قال الشيخ الطوسي في الخلاف: الطلاق المحرّم، هو أن يطلّق مدخولاً بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة، في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا حكمه فانّه لا يقع عندنا، والعقد ثابت بحاله، وبه قال ابن عليَّة، وقال جميع الفقهاء: انّه يقع وإن كان محظوراً.

ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ومالك والاوزاعي والثوري والشافعي ـ دليلنا ـ اجماع الفرقة، وأيضاً الاَصل بقاء العقد، ووقوع الطلاق يحتاج إلى دليل


(226)

شرعي، وأيضاً قوله تعالى: «فطلِّقوهنَّ لعدَّتهنَّ» وقد روي لقبل عدّتهنّ، ولا خلاف انّه أراد ذلك، وإن لم تصحّ القراءة به، فإذا ثبت ذلك دل على أنّ الطلاق إذا كان ما غير الطهر محرّماً منهياً عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه (1).

وستوافيك دلالة الآية على اشتراط الطهارة من الحيض والنفاس.

وقال ابن رشد في حكم من طلّق في وقت الحيض: فانّ الناس اختلفوا من ذلك في مواضع منها أنّ الجمهور قالوا: يُمضى طلاقه، وقالت فرقة: لا ينفذ ولا يقع، والذين قالوا: ينفذ، قالوا: يوَمر بالرجعة، وهوَلاء افترقوا فرقتين، فقوم رأوا أنّ ذلك واجب، وأنّه يجبر على ذلك، وبه قال مالك، وأصحابه، وقالت فرقة: بل يندب إلى ذلك ولا يجبر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد (2).

وقد فصل الجزيري وبيّن آراء الفقهاء في كتابه (3).

هذه هي الاَقوال، غير أنّ البحث الحرّ يقتضي نبذ التقليد والنهج على الطريقة المألوفة بين السلف حيث كانوا يصدعون بالحق ولا يخافون لومة المخالف، وكانوا لا يخشون إلاّ اللّه، فلو وجدنا في الكتاب والسنّة ما يرفض آراءهم فهما أولى بالاتباع.


(1) الشيخ الطوسي: الخلاف : 2، كتاب الطلاق المسألة 2.
وما ذكره من تقدير «قبل» إنّما يتم على القول بكون العبرة في العدَّة بالحيضفيكون قبلهما بين طهرها من الحيض والنفاس فتتم الدلالة.
(2)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|65ـ66.
(3)الجزيري: الفقه على المذاهب الاَربعة: 4|297ـ302.


(227)

الاستدلال بالكتاب:

قال اللّه تعالى: «يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعدَّتِهنَّ وأحْصوا العِدَّةَ واتَّقوا اللّهَ رَبَّكُم» (1).

توضيح دلالة الآية يتوقّف على تبيين معنى العدَّة في الآية، فهل المراد منها، الاَطهار الثلاثة أو الحيضات الثلاث؟ وهذا الخلاف يتفرّع على خلاف آخر هو تفسير «قروء» بالاَطهار أو الحيضات.

توضيحه: أنّ الفقهاء اختلفوا في معنى قوله سبحانه: «والمُطلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثلثةَ قُروء» (2)فذهبت الشيعة الاِمامية إلى أنّ المراد من القروء هو الاَطهار الثلاثة، وقد تبعوا في ذلك ما روي عن علي _ عليه السلام _ : روى زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: فقلت: أصلحك اللّه أكان عليّ يقول: إنّ الاَقراء التي سمّى اللّه في القرآن إنّما هي الطهر فيما بين الحيضتين وليست بالحيض؟ قال: نعم، كان يقول: إنّما القرء الطهر، تقرأ فيها الدم فتجمعه فإذا جاء الحيض، قذفته (3).

وذهب أصحاب سائر المذاهب إلاّ قليل كربيعة الرأي إلى أنّ المراد منها هي الحيضات. ولسنا في مقام تحقيق ذلك إنّما الكلام في بيان دلالة الآية ـ على كلا المذهبين ـ على اشتراط الطهارة في حال الطلاق، بعد الوقوف على أنّ من جوّز الطلاق في الحيض قال بعدم احتساب تلك الحيضة من «القروء» فنقول:

أمّا إذا قلنا بأنّ المراد من العِدّة في قوله سبحانه: «لعدّتهنّ» هي الاَطهار الثلاثة، فاللام متعيّنة ظاهرة في الغاية والتعليل، والمعنى: فطلّقوهنّ لغاية أن


(1)الطلاق: الآية 2.
(2)النساء: الآية 228.
(3)الحر العاملي: الوسائل : 15، الباب 15 من أبواب العدد، الحديث 4.


(228)

يعتددن، والاَصل هو ترتّب الغاية على ذيها بلا فصل ولا تريّث (ما لم يدل دليل على الخلاف)، مثل قوله سبحانه: «وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّـنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (1) وقوله تعالى: «وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَـبَ إِلاّ لِتُبَيِّـنَ لَـهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ» (2)، واحتمال كون اللام للعاقبة التي ربّما يكون هناك فيها فصل بين الغاية وذيها، مثل قوله سبحانه: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَـهُمْ عَدُوَّاً وَحزَناً»(3) غير صحيح، لاَنّ موردها فيما إذا كانت النتيجة مرتبة على ذيها ترتّباً قهرياً غير إرادي كما في الآية، ومثل قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب.

وأمّا إذا قلنا بأنّ العدّة في الآية هي الحيضات الثلاث، فبما أنّ الحيضة التي تُطلّق فيها لا تحسب من العدّة باتفاق القائلين بجواز الطلاق في الحيض، يكون الاَمر به فيها لغواً، والتعجيل بلا غاية، فلا محيص لم يجد المفسرون حلاّ ً إلاّ بتقدير جملة مثل «مستقبلاتٍ لعدّتهنّ» نظير قولهم: لقيته لثلاث بقين من الشهر، يريد مستقبلاً لثلاث، وعندئذ يدل على وقوع الطلاق في حالة الطهر، وذلك لاَنّها إذا كانت العدّة هي الحيضة فيكون قُبيلها ضِدَّها، وهي الطهارة.

ونخرج بهذه النتيجة أنّ الآية ظاهرة في شرطية الطهارة من الحيض في صحة الطلاق.

ثمّ إنّ بعض الباحثين ذكر الحكمة في المنع من الطلاق في الحيض: أنّ ذلك يطيل على المرأة العدة، فانّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدّتها، فتنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مدّة طهرها ثمّ تبدأ العدة من الحيضة التالية(4).


(1)النحل: الآية 44.
(2)النحل: الآية 64.
(3)القصص: الآية 8.
(4)أحمد محمد شاكر: نظام الطلاق في الاِسلام: 27.


(229)

هذا على مذاهب أهل السنّة من تفسير «القروء» وبالتالي العدّة بالحيضات، وأمّا على مذهب الاِمامية من تفسيرها بالاَطهار، فيجب أن يقال: ... فإنّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدتها فتنتظر حتى تطهر من حيضها وتبدأ العدّة من يوم طهرت.

وعلى كل تقدير ، فبما أنّهم اتّفقوا على أنّ الحيضة التي وقع الطلاق فيها لا تحسب من العدّة إمّا لاشتراط الطهارة أو لعدم الاعتداد بتلك الحيضة، تطيل على المرأة العدّة سواء كان مبدوَها هو الطهر أو الحيضة التالية.

الاستدلال بالسنّة:

إنّ الروايات تضافرت عن أئمّة أهل البيت على اشتراط الطهارة. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ قال: كلّ طلاق لغير العدّة (السنّة) فليس بطلاق: أن يطلّقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض فليس طلاقها بطلاق (1).

هذا ما لدى الشيعة وأمّا ما لدى السنّة فالمهم لديهم في تصحيح طلاق الحائض هو رواية عبد اللّه بن عمر، حيث طلّق زوجته وهي حائض، وقد نقلت بصور مختلفة نأتي بها (2).

الا َُولى: ما دلّ على عدم الاعتداد بتلك التطليقة وإليك البيان:

1ـ سئل أبو الزبير عن رجل طلّق امرأته حائضاً؟ قال: طلّق عبد اللّه بن عمر ـ رضى اللّه عنهما ـ امرأته وهي حائض على عهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فسأل


(1)الحر العاملي: الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 9، وغيره.
(2)راجع في الوقوف على تلك الصور، السنن الكبري للبيهقي: 7| 324ـ 325.


(230)

عمر _ رضي الله عنه _ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال النبي: ليراجعها، فردّها عليّ وقال: إذا طهرت فليطلّق أو ليمسك، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» : «يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعدَّتِهنَّ» أي في قبل عدّتهنّ.

2ـ روى أبو الزبير قـال: سألت جابـراً عن الرجـل يطلّق امرأتـه وهي حائض؟ فقال: طلّق عبد اللّه بن عمر امرأته وهي حائض، فأتى عمر رسول اللّه فأخبره بذلك فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : ليراجعها فانّها امرأته.

3ـ روى نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه قال في الرجل يطلّق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر : لا يعتد بها.

الثانية: ما يتضمّن التصريح باحتساب تلك التطليقة طلاقاً صحيحاً وإن لزمت إعادة الطلاق وإليك ما نقل بهذا المضمون:

1ـ يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال: تعرف عبد اللّه بن عمر؟ قلت: نعم ، قال: فانّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فسأله، فأمره أن يراجعها ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها. قال، قلت: فيعتدّ بها؟ قال: نعم، قال: أرأيت إن عجز واستحمق.

2ـ يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته، وهي حائض؟ قال: تعرف ابن عمر؟ إنّه طلّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأمره أن يراجعها، قلت: فيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.


(231)

3ـ يونس بن جبير قال: سمعـت ابن عمر قـال: طلّقـت امرأتي وهي حائض. فأتى عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فذكر ذلك له، فقال النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _: ليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها، قال: فقلت لابن عمر: فاحتسبت بها؟ قال: فما يمنعه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.

4ـ أنس بن سيرين قـال: سمعـت ابن عمر يقول: طلَّقت امرأتي وهي حائض، قال: فذكر ذلك عمر للنبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال، فقال: ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها. قال: فقلت له ـ يعني لابن عمر ـ: يحتسب بها؟ قال: فمه؟

5ـ أنس بن سيرين: ذكر نحوه غير أنّه قال: فليطلّقها إن شاء. قال: قال عمر ـ رضى اللّه عنه ـ: يا رسول اللّه أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم.

6ـ أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق؟ فقال: طلّقتها وهي حائض. فذكر ذلك لعمر ـ رضى اللّه عنه ـ فذكره للنبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» فقال: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلّقها لطهرها. قال: فراجعتها ثمّ طلّقتها لطهرها. قلت: واعتدّت بتلك التطليقة التي طلّقت وهي حائض؟ قال: مالي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت واستحمقت.

7ـ عامر قال: طلّق ابن عمر امرأته وهي حائض واحدة، فانطلق عمر إلى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأخبره، فأمره إذا طهرت أن يراجعها ثمّ يستقبل الطلاق في عدّتها ثمّ تحتسب بالتطليقة التي طلّق أوّل مرّة.

8 ـ نافع عن ابن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّه طلّق امرأته، وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنه ـ النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فذكر ذلك له فجعلها واحدة.

9ـ سعيد بن جبير عن ابن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة.


(232)

الثالثة: ما ليس فيه تصريح بأحد الاَمرين:

1ـ ابن طاووس عن أبيه : أنّه سمع ابن عمر سئل عن رجل طلق امرأته حائضاً؟ فقال: أتعرف عبد اللّه بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنّه طلّق امرأته حائضاً، فذهب عمر ـ رضى اللّه عنه ـ إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فأخبره الخبر، فأمره أن يراجعها. قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لاَبيه.

2ـ منصور بن أبي وائل: إنّ ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائـض، فأمره النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يراجعها حتى تطهر، فإذا طهرت طلّقها.

3ـ ميمون بن مهران عن ابن عمر أنّه طلّق امرأتـه في حيضها، قـال: فأمره رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يرتجعها حتى تطهر فإذا طهرت فإن شاء طلّق وإن شاء أمسك قبل أن يجامع.

وهناك رواية واحدة تتميّز بمضمون خاص بها، وهي رواية نافع قال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض ، على عهد رسول اللّه، فسأل عمر بن الخطاب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن ذلك؟ فقال رسول اللّه: فليراجعها، فليمسك حتى تطهر ثم تحيض ثمّ تطهر، إن شاء أمسكها بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر اللّه أن يطلّق لها النساء.

وبعدتصنيف هذه الروايات نبحث عن الفئة الراجحة منها بعد معرفة طبيعة الاشكالات التي تواجه كلاً منها ومعالجتها.


(233)

معالجة الصور المتعارضة:

لا شك أنّ الروايات كانت تدور حول قصة واحدة، لكن بصور مختلفة، فالحجة بينها مردّدة بين تلك الصور والترجيح مع الا َُولى لموافقتها الكتاب وهي الحجّة القطعية، وما خالف الكتاب لا يحتج به، فالعمل على الا َُولى.

وأمّا الصورة الثالثة، فيمكن ارجاعها إلى الا َُولى لعدم ظهورها في الاعتداد والصحّة، نعم ورد فيه الرجوع الذي ربّما يتوهّم منه، الرجوع بعد الطلاق الملازم لصحّته، لكن ليس بشيء.

فانّ المراد من المراجعة فيها هو المعنى اللغوي لا مراجعة المطلّقة الرجعية، ويوَيّد ذلك أنّ القرآن يستعمل كلمة الرد أو الامساك، فيقول: «وبعُولتهنَّ أحقُّ بِردِّهنَّ» (1).

وقال سبحانه: «الطلاقُ مرَّتانِ فإمساكٌ بِمَعروف» (2). وقال سبحانه: «فأمسكوهنَّ بِمعرُوفٍ» (3)وقال تعالى: «ولاتمسكُوهنَّ ضِراراً لِتعتَدوا» (4).

نعم استعمل كلمة الرجعة في المطلقة ثلاثاً إذا تزوّجت رجلاً آخر فطلّقها، قال سبحانه: «فإنْ طَلَّقَها فَلا تَحلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتى تَنكحَ زَوجاً غيرَه فَإنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهِما أنْ يَتَراجَعا» (5).


(1)البقرة: الآية 228.
(2)البقرة: الآية 229.
(3)البقرة: الآية 231.
(4)البقرة: الآية 231.
(5)البقرة: الآية 230.


(234)

بقي الكلام في النصوص الدالة على الاحتساب أعني الصورة الثانية، فيلاحظ عليها بأُمور:

1ـ مخالفتها للكتاب، وما دلّ على عدم الاحتساب .

2ـ أنّ غالب روايات الاحتساب لا تنسبه إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» وإنّما إلى رأي ابن عمر وقناعته، فلو كان النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قد أمر باحتسابها، لكان المفروض أن يستند ابن عمر إلى ذلك في جواب السائل، فعدم استناده إلى حكم النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ دليل على عدم صدور ما يدل على الاحتساب من النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نفسه، فتكون هذه النصوص موافقة للنصوص التي لم تتعرّض للاحتساب، لاَنّها كلّها تتّفق في عدم حكم النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ باحتساب التطليقة، غايته اشتمل بعضها على نسبة الاحتساب إلى ابن عمر نفسه، وهو ليس حجّة لاثبات الحكم الشرعي.

نعم روايتا نافع رويتا بصيغتين، نسب الحكم بالاحتساب في احدى الصيغتين إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ نفسه (الرواية 8 من القسم الثاني) ، بينما رويت الثانية بصيغة أُخرى تضمّنت النسبة إلى ابن عمر بعدم الاحتساب (الرواية 3 من القسم الاَوّل).

وأمّا رواية أنس فرويت بصيغتين تدلاّن أنّ الحكم بالاحتساب هو قناعة ابن عمر نفسه لا قول النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ (الرواية 4 و 6 من القسم الثاني) وبصيغة ثالثة نسبت الاحتساب إلى النبيّ (الرواية 5 من القسم الثاني) ومع هذا الاضطراب لا تصلح الرواية لاثبات نسبة الحكم بالاحتساب إلى النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» نفسه.

3ـ أنّ فرض صحّة التطليقة المذكورة لا يجتمع مع أمر النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بارجاعها وتطليقها في الطهر هذه، لاَنّ القائلين بصحّة الطلاق في الحيض لا يصحّحون


(235)

اجراء الطلاق الثاني في الطهر الذي بعده، بل يشترطون بتوسّط الحيض بين الطهرين واجراء الطلاق في الطهر الثاني. فالاَمر من النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بارجاعها وتطليقها في الطهر الثاني ينافي احتساب تلك تطليقة صحيحة.

4ـ اشتهر في كتب التاريخ أنّ عمر كان يعيّر ولده بالعجز عن الطلاق، وظاهره يوحي بأنّ ما فعله لم يكن طلاقاً شرعاً.

وبعد ملاحظة كل ما قدّمناه يتّضح عدم ثبوت نسبة الاحتساب إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والذي يبـدو أنّ النـص ـ على فرض صـدوره ـ لم يتضمّن احتســـاب التطليقة من قبل النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وانّما هي اضافات أو توهّمات بسبب قناعة ابن عمر أو بعض من هم في سلسلة الحديث، ولذلك اضطربت الصيغ في نقل الحادثة.

وأمّا رواية نافع المذكورة فيلاحظ عليها أنّها لا تدلّ على صحّة التطليقة الا َُولى إلاّ بادّعاء ظهور «الرجوع» في صحّة الطلاق وقد علمت ما فيه، وأمّا أمره بالطلاق في الطهر الثاني بعد توسّط الحيض بين الطهرين حيث قال: «مره فليراجعها، فليمسك حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. إن شاء أمسكها وإن شاء طلّق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمره أن يطلّق لها النساء» فلعلّ أمره بمضي طهرٍ وحيض، لاَجل موَاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق وجعله في غير موضعه فأُرغم عليه أن يصبر طهراً وحيضاً، فإذا استقبل طهراً ثانياً فليطلّق أو يمسك.

وبعد كل هذا يمكننا ترجيح الحكم ببطلان الطلاق في الحيض، لاضطراب النقل عن ابن عمر، خصوصاً مع ملاحظة الكتاب العزيز الدال على وقوع الطلاق في العدة .


(236)


(237)

المسألة الحادية عشرة :

الوصية للوارث إذا لم تتجاوز الثلث

اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث سواء صدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى اجازة الورثة. وإن كان الاَفضل في بعض المذاهب أن لا يستوعب الثلث بالوصية (1).

وأمّا في مقدار الثلث فتنفّذ وصيته عند الاِمامية في الاَقرب والاَجنبي، ومن غير فرق في الاَقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الاَربعة فأجازت الوصية للاَقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له سواء كان بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة.

قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الاِمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث (غير الموصى له) ردّها. وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء (2)وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه (3).


(1)ابن قدامة: المغني: 6|78.
(2)سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
(3)السيد المرتضى: الانتصار: 308.


(238)

وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والاَبوين. وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث (1).

وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الاِنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الاَخبار عن رسول اللّهبذلك فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث» رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي، ولاَنّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» منع من عطية بعض ولده وتفضيل بعضهم على بعض في حال الصحّة وقوّة الملك وامكان تلافي العدل بينهم باعطاء الذي لم يعطه فيما بعد ذلك، لما فيه من ايقاع العداوة والحسد بينهم، ففي حال موته أو مرضه وضعف ملكه وتعلّق الحقوق به وتعذّر تلافي العدل بينهم أولى وأحرى، وإن أجازها جازت في قول الجمهور من العلماء (2).

ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الاَربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ أن يعطوه عطية مبتدأة (3)ـ ومع هذا التصريح ـ ينقل الشيخ محمد جواد مغنية: كان عمل المحاكم في مصر على المذاهب الاَربعة، ثمّ عدلت عنها إلى مذهب الاِمامية، وما زال عمل المحاكم الشرعية السنّية في لبنان على عدم صحّة


(1)الطوسي: الخلاف: 2 كتاب الوصية 1.
(2)المغني: 6|79ـ80.
(3)المصدر نفسه.


(239)

الوصية للوارث، ومنذ سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث ورغبوا إليها في تبنّيه (1).

يلاحظ على ما ذكره ابن قدامة من الحكمة: أنّها لا تقاوم الذكر الحكيم، واتّفاق أئمّة أهل البيت، ولو صحّت لزم تحريم تفضيل بعضهم على بعض في الحياة في البر والاحسان، لاَنّ ذلك يدعو إلى الحسد والبغضاء مع أنّه لا خلاف في جوازه، وما نقل عن النبي من النهي، فهو محمول على التنزيه لا التحريم إذ لم يقل أحد بحرمة التفضيل في الحياة. والعجب استدلال من ينكر التحسين والتقبيح العقليين، بهذه الحكم والمصالح التي لا يدركها إلاّ العقل، مع أنّه بمعزلٍ عندهم عن إدراكهما عند أصحاب المذاهب الاَربعة، وسيوافيك الكلام فيما تصور من الحكمة.

والاَولى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في جواز الوصية قوله سبحانه: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والاَقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ» (البقرة|180).

المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لاَنّ تلك الحالة تشغل الاِنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الايصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فانّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.

والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للاِنسان من والديه، وقد


(1)الفقه على المذاهب الخمسة: 465.


(240)

خصّهما بالذكر لاَولويتهما بالوصية ثم عمّم الموضوع وقال: «والاَقربين» ليعمّ كل قريب، وارثاً كان أم لا.

وهذا صريح الكتاب ولا يصح رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله، وقد أجاب القائلون بعدم الجواز عن الاستدلال بالآية بوجهين:

1ـ آية الوصية منسوخة بآية المواريث:

قالوا: إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نسخت الوصية للوالدين بالفرض في سورة النساء (1) وتثبت للاَقربين الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين، وجماعة من أهل العلم.

ومنهم من يأبى عن كونها منسوخة، وقال: بأنّها محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللَّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة (2).

ومرجع الوجه الاَوّل: إلى النسخ في الوالدين وأنّه لا يوصى لهما وارثين كانا أو ممنوعين، والتخصيص في الاَقربين فيصح الايصاء لهم إذا لم يكونوا وارثين.

ومرجع الوجه الثاني: إلى التخصيص في كلا الموردين.

وقال الجصاص في تفسير الآية: نسختها آية الفرائض.

1ـ قال ابن جريج عن مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والاَقربين. فهي منسوخة (3).


(1)(ولاَبويه لكل واحد منهما السدس ممّا ترك إن كان له ولد ...) النساء: الآية 12.
(2)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 2|262ـ 263.
(3)رواه الدارمي في سننه، مرسلاً عن قتادة: السنن: 2|419.


(241)

2ـ وقالت طائفة أُخرى: قد كانت الوصية واجبة للوالدين والاَقربين فنسخت عمّن يرث، وجعلت للوالدين والاَقربين الذين لا يرثون (1).

وعلى الوجه الاَوّل فآية الوصية منسوخة بالمعنى الحقيقي، وعلى الثاني مخصّصة حيث أخرج الوارث منهما وأبقى غير الوارث، لكن لازم كون الوصية واجبة وبقاء الاَقربين تحت العموم، وجوب الوصية لغير الوارث منهما. وهو كما ترى.

ترى نظير هذه الكلمات في كتب التفسير والفقه لاَهل السنّة ونحن نعلّق عليها بوجهين:

الاَوّل: إنّ السابر في كتب القوم يقف على أنّ الذي حملهم على ادّعاء النسخ والتخصيص في الآية هو رواية أبي أُمامة أو عمر بن خارجة وأنّه سمع رسول اللّه يقول في خطبته ـ عام حجة الوداع ـ: ألا أنّ اللّه قد أعطى كل ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث (2) ولولا هذه الرواية لما خطر في بال أحدٍ بأنّ آية المواريث ناسخة لآية الوصية، إذ لا تنافي بينهما قيد شعرة حتى تكون إحداهما ناسخة أو مخصّصة، حيث لا منافاة أن يكتب سبحانه على الاِنسان فرضاً أو ندباً أن يوصي للوالدين والاَقربين بشيء، لا يتجاوز الثلث، وفي الوقت نفسه يُورِّ ث الوالدين والاَقربين على النظام المعروف في الفقه.

والذي يوضح ذلك: هو أنّ الميراث، في طول الوصيّة، ولا يصح للمتأخّر أن يعارض المتقدّم، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين والوصية، قال سبحانه:«مِنْ »


(1)الجصاص: أحكام القرآن: 1|164.
(2)سيوافيك نصّه وسنده.


(242)

«بعَدِ وصيّةٍ يُوصِى بها أو دَين» (1)وفي موردين آخرين : «من بعد وَصيّة يوصى بها أو دين»(2) فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.

وقد تفطّن القرطبي لبعض ما ذكرنا وقال: ولولا هذا الحديث لاَمكن الجمع بين الآيتين بأن يأخذوا المال عن المورِّث بالوصية، وبالميراث إن لم يوص، أو ما بقى بعد الوصية، لكن منع من ذلك هذا الحديث والاجماع (3).

أقول: أمّا الاجماع ، فغير متحقّق، وكيف يكون كذلك مع أنّ أئمة أهل البيت ـ كما سيوافيك ـ اتّفقوا على جوازه وكذلك فقهاء الاِمامية طوال القرون وهم ثلث المسلمين، وبعض السلف كما يحدّث عنه صاحب المنار، وأمّا الحديث فسيوافيك ضعفه، وأنّه على فرض الصحّة سنداً، قابل للتأويل والحمل على ما زاد الايصاء عن الثلث.

الثاني: إنّ ادّعاء النسخ أو التخصيص في الآية، بآية المواريث، متوقّف على تأخّر الثانية عن الا َُولى وأنّى للقائل بهما اثباته، بل لسان آية الوصية بما فيها من التأكيد لاَجل الاِتيان بلفظ «كُتِبَ» وتوصيفه بكونه حقّاً على الموَمنين يأبى عن كونه حكماً موَقتاً لا يدوم إلاّ شهراً أو شهور.

قال الاِمام عبده: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا فانّ السياق ينافي النسخ، فانّ اللّه تعالى إذا شرّع للناس حكماً وعلم أنّه موَقت وأنّه سينسخه بعد زمن قريب فانّه لا يوَكّده ولا يوثقه بمثل ما أكّد به أمر الوصية هنا


(1)النساء: الآية 11.
(2)النساء: الآية 12.
(3)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 1|263.


(243)

من كونه حقّاً على المتّقين ومن وعيدٍ لمن بدّله.

ثم قال: «وبامكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا أنّ الوصيّة في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث بأن يخصّ القريب هنا بالممنوع من الارث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران، فله أن يوصي لهما بما يوَلّف به قلوبهما» (1).

ولا يخفى ما في صدر كلامه من الاتقان لولا ما تنازل في آخره وحاول الجمع بين الآيتين بتخصيص جواز الوصية لمن لا يرثان من الوالدين لسبب كالقتل والكفر والسرقة، إذ لقائل أن يسأل الاِمام أنّه إذا كان المراد من الوالدين والاَقربين في آية الوصية هم الممنوعين من الوراثة، فما معنى هذا التأكيد والعناية البارزة في الآية مع ندرة المصداق أو قلته بالنسبة إلى غير الممنوعين، أوَ ليس هذا أشبه بالتخصيص المستهجن فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكل والد ووالدة وأقرب، ممنوعين كانوا أم غيره.

وأمّا ما يثيرون حول الايصاء للوالدين من كونه سبباً لظهور العداء، فقد مرّ جوابه في صدر البحث وهنا نزيد ما ذكره ذلك الاِمام بقوله:

وجوّز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخصّ بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنياً والبعض الآخر فقيراً. مثال ذلك أن يطلّق أبوه أُمّه وهو غنيّ، ولا عائل لها إلاّ ولدها، ويرى أنّ ما يصيبها من التركة لا يكفيها، ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته ـ إن لم يكن له ولد ـ عاجزاً عن الكسب فنحن نرى أنّ الحكيم الخبير اللطيف بعباده ، الذي وضع الشريعة والاَحكام لمصلحة خلقه،


(1)المنار: 2|136ـ 137.


(244)

لا يحكم أن يساوي الغني الفقير . والقادر على الكسب من يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنّهم سواسية في الحاجة كما أنّهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصيّة مقدّماً على أمر الارث ... ويجعل الوالدين والاَقربين في آية أُخرى أولى بالوصيّة لهم من غيرهم لعلمه سبحانه وتعالى بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحياناً، فقد قال في آيات الارث في سورة النساء: «مِنْ بعَدِ وَصيَّةٍ يُوصِى بِها أو دَين» فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك .

لقد بان الحق ممّا ذكرنا وانّ الذكر الحكيم أعطى للانسان حقّ الايصاء للوالدين لمصالح هو أعرف بها، على حدّ لا يتجاوز الثلث، وليكون ايصاوَه أيضاً على حدّ المعروف.

ويوَيده اطلاق قوله سبحانه في ذيل آية المواريث قال سبحانه: « وأُولُوا الاَرحام بَعضُهم أوْلى بِبَعضٍ في كِتابِ اللّهِ منَ الموَمنينَ والمهاجرينَ إلاّ أن تَفعلوا إلى أوليائِكُمْ مَعروفاً كانَ ذلكَ في الكتابِ مَسطُورا» (الاَحزاب | 7). ويريد من الذيل الاحسان في الحياة والوصية عند الموت فانّه جائز (1)واطلاقه يعم الوارث وغيره.

واللّه سبحانه هو العالم بمصالح العباد، فتارة يخصّ بعض الورّاث ببعض التركة عن طريق تنفيذ الوصية ما لم تتجاوز الثلث، وأُخرى يوصي لغير الوارث


(1)الجامع لاَحكام القرآن: 14|126.


(245)

بشيء منها، يقول سبحانه: «وإذا حَضَـرَ القِسمَةَ أُوْلُوا القُرْبَـى وَاليَتمَى والمَسكينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً» (النساء|8).

والمراد من ذوي القربى الاَخ للميت الشقيق وهو لايرث، وكذلك العم والخال والعمّة والخالة ويعدّون من ذوي القربى للوارث، الذي لا يرثون معه وقد يسري إلى نفوسهم الحسد فينبغي التودّد إليهم، واستمالتهم باعطائهم شيئاً من ذلك الموروث، بحسب ما يليق بهم ولو بصفة الهبة أو الهدية... (1).

2ـ آية الوصية منسوخة بالسنّة:

قد عرفت مدى صحّة نسخ الآية بآية المواريث فهلمّ معي ندرس منسوخية الآية بالسنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإليك ما نقل سنداً أو متناً.

روى الترمذي في باب ما جاء لا وصية لوارث:

1ـ حدثنا علي بن حجر وهنّاد قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي قال : سمعت رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» يقول في خطبته عام حجة الوداع: إنّ اللّه قد أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر ...

2ـ حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خطب على ناقته وأنا تحت


(1)المنار: 4|396.


(246)

جِرانها وهي تقصع بجرّتها (1)وإنّ لعابها يسيل بين كتفي فسمتعه يقول: إنّ اللّه أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث والولد للفراش وللعاهر الحجر ... (2).

وفي الاسناد: من لا يحتجّ به.

1ـ إسماعيل بن عياش:

قال الخطيب: عن يحيى بن معين يقول: أمّا روايته عن أهل الحجاز فإنّ كتابه ضاع، فخلط في حفظه عنهم.

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن علي بن المديني: كان يوثق فيما روى عن أصحابه أهل الشام فأمّا ما روى عن غير أهل الشام ففيه ضعف.

وقال عمر بن علي: كان عبد الرحمان بن المهدي: لا يحدّث عن إسماعيل بن عياش (3).

وقال ابن منظور : وقال مضر بن محمد الاَسدي، عن يحيى: إذا حدّث عن الشاميين وذكر الخبر فحديثه مستقيم، فإذا حدّث عن الحجازيين والعراقيين خلط ما شاء (4).

وقال الحافظ جمال الدين المزّي: قال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سئل أبي عن إسماعيل بن عياش فقال: نظرت في كتابه عن يحيى بن سعيد أحاديث


(1)« الجران»: هو من العنق ما بين المذبح إلى المنحر. و «تقصع بجرّتها» : أراد شدة المضغ وضمّ بعض الاَسنان على بعض، وقيل: قصعالجرّة: خروجها من الجوف إلى الشدق. النهاية.
(2) الترمذي: السنن: 4| 433، باب ما جاء لا وصية لوارث، الحديث 2120ـ2121.
(3)الخطيب: تاريخ بغداد: 6|226ـ227.
(4)ابن منظور: مختصر تاريخ دمشق:4|376.


(247)

صحاح، وفي «المصنف» أحاديث مضطربة.

وقال عثمان بن سعيد الدارمي عن دحيم: إسماعيل بن عياش في الشاميين غاية، وخلط عن المدنيين.

وقال أحمد بن أبي الحواري: سمعت وكيعاً يقول: قدم علينا إسماعيل بن عياش فأخذ من أطراف لاسماعيل بن أبي خالد، فرأيته يخلط في أخذه.

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: ما أشبه حديثه بثياب سابور يُرقّم على الثوب المائة، وأقل شرائه دون عشرة. قال: كان من أروى الناس عن الكذابين. وقال أبو إسحاق الفزاري في حقّه: ذاك رجل لا يدري ما يخرج من رأسه (1).

ونقل الترمذي بعد ذكر الحديث عن أبي إسحاق الفزاري: ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدّث عن الثقات ولا عن غير الثقات.

2ـ شرحبيل بن مسلم الخولاني الشامي:

قال ابن معين: ضعيف واختُتِنَ في ولاية عبد الملك بن مروان (2)ووثّقه الآخرون.

3ـ شهر بن حوشب:

تابعي توفّي حدود عام 100.

قال النسائي: ليس بالقوي (3).


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 3|175ـ178.
(2)الترمذي: السنن: 4|433، الحديث 220.
(3)النسائي: الضعفاء والمتروكين: 134 برقم 310.


(248)

وقال يحيى بن أبي بكر الكرماني عن أبيه: كان شهر بن حوشب على بيت المال فأخذ خريطة فيها دراهم فقال القائل:

لقد باع شهر دينه بخريطة * فمن يأمن القرّاء بعدك يا شهرُ(1)

وقال جمال الدين المزّي: قال شبابة بن سوّار عن شعبة: ولقد لقيت شهراً فلم أعتد به. وقال عمرو بن علي: كان يحيى لا يُحدِّث عن شهر بن حوشب. وقال أيضاً: سألت ابن عون عن حديث هلال بن أبي زينب عن شهر ... فقال: ما يُصنع بشهر إنَّ شعبة نزك شهراً. فقال النضر: نزكوه. أي طعنوا فيه.

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: أحاديثه لا تشبه حديث الناس. وقال موسى بن هارون: ضعيف . وقال علي بن المديني: كان يحيى بن سعيد لا يحدّث عن شهر ، وقال يعقوب بن شيبة: ... على أنّ بعضهم قد طعن فيه (2).

3ـ روى أبو داود: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم: سمعت أبا أُمامة: سمعت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث» (3).

والاسناد مشتمل على إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم وقد عرفت حالهما. فلاحظ.

4ـ روى النسائي: أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا أبو عوانة عن قتادة


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 4|286، برقم 570.
(2) جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 12|581.
(3)أبو داود: السنن:3 | 114، باب ما جاء في الوصية للوارث، برقم 2870.


(249)

عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة قال: خطب رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقال: إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث.

5ـ أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، قال: حدثنا شعبة، قال: حدّثنا قتادة عن شهر بن حوشب، أنّ ابن غنم ذكر أنّ ابن خارجة ذكر له أنّه شهد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يخطب الناس على راحلته، وإنّها لتقصع بجرّتها وإنّ لعابها ليسيل. فقال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في خطبته: إنّ اللّه قد قسّم لكل إنسان قسمة من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية.

فالاِسنادان اشتملا على شهر بن حوشب، وقد تعرّفت عليه.

6ـ أخبرنا عتبة بن عبد اللّه المروزي قال: أنبأنا عبد اللّه بن المبارك، قال: أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قتادة عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «إنّ اللّه عزّ اسمه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصيّة لوارث» (1).

وقد اشتمل الاِسناد على قتادة بن دعامة بن قتادة: أبو الخطاب البصري (61ـ117هـ) الذي ورد في حقّه عن حنظلة بن أبي سفيان: كنت أرى طاووساً إذ أتاه قتادة يسأله يفرّ منه، قال: وكان قتادة يتهم بالقَدَر.

وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: إنّ عبد الرحمان يقول: اترك كلّ من كان رأساً في بدعة يدعو إليها. قال: كيف تصنع بقتادة...؟ ثم قال يحيى: إن ترك هذا الضرب ترك ناساً كثيراً.

وقال الحاكم في علوم الحديث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس.


(1)النسائي: السنن: 6|207، كتاب الوصايا باب ابطال الوصية للوارث، الحديث بأسناده الثلاثة ينتهي إلى عمرو بن خارجة الذي قال البزارفي حقّه: إنّه لا نعلم له عن النبي إلاّ هذا الحديث.


(250)

وقال أبو داود: حدّث قتادة عن ثلاثين رجلاً لم يسمع منهم (1).

7ـ روى ابن ماجة: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون: أنبأنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبيّ خطبهم وهو على راحلته، وإنّ راحلته لتقصع بجرّتها، وإنّ لُغامَها ليسيل بين كتفيَّ، قال: إنّ اللّه قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارث وصية، والولد للفراش ...

كذلك فالاِسناد مشتمل على شهر بن حوشب.

8 ـ حدثنا هشام بن عمّـار ، ثنا إسماعيل بن عياش، ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني: سمعت أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» يقول في خطبته، عام حجّة الوداع : إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث.

وفي الاسناد إسماعيل بن عياش، وقد عرفت حاله.

9ـ حدثنا هشام بن عمّـار، ثنا محمد بن شعيب بن شابور، ثنا عبد الرحمن ابن يزيد بن جابر، عن سعيد بن أبي سعيد، أنّه حدّثه عن أنس بن مالك قال: إنّي لتحت ناقة رسول اللّه، يسيل عليَّ لعابها فسمعته يقول: إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ألا لا وصية لوارث (2).

وفي السند، من لا يحتج به:

1ـ عبد الرحمان بن يزيد بن جابر الاَزدي أبو عتبة الشامي (المتوفى


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 8|319، جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 23|509.
(2)سنن ابن ماجة: 2| 905، كتاب الوصايا باب لا وصية لوارث، الاَحاديث2712ـ 2714.


(251)

عام 153).

قال الفلاس: ضعيف الحديث ... روى عن أهل الكوفة أحاديث مناكير (1).

2ـ سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري أبو سعد المدني (المتوفى عام 125).

قال يعقوب بن شيبة: قد كان تغيّر واختلط قبل موته يقال بأربع سنين، وقال الواقدي: اختلط قبل موته بأربع سنين، وقال ابن حبّان في الثقات: اختلط قبل موته بأربع سنين (2).

10ـ روى الدارقطني: نا أبو بكر النيسابوري، نا يوسف بن سعيد، نا حجاج، عن جريج، عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : لا تجوز الوصية لوارث إلاّ أن يشاء الورثة.

وفي الاسناد عطاء بن أبي مسلم الخراساني (50 هـ ـ 135 هـ).

قال الدارقطني: لم يلق ابن عباس.

وقال أبو داود: ولم يدرك ابن عباس ولم يره.

البخاري قد ذكر عطاء الخراساني في الضعفاء ...والبخاري لم يخرج له شيئاً.

وقال ابن حبّان: كان رديء الحفظ يخطىَ ولا يعلم فبطل الاحتجاج به (3).

وقال البيهقي: عطاء هذا هو الخراساني لم يدرك ابن عباس ولم يره. قاله أبو


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 6|266 برقم 581.
(2)المصدر نفسه: 4|34 برقم 61.
(3)المصدر نفسه: 7|190 برقم 395.


(252)

داود السجستاني وغيره وقد روى من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس (1).

11ـ نا علي بن إبراهيم بن عيسى، نا أحمد بن محمد الماسرجسي، نا عمرو ابن زرارة، نا زياد بن عبد اللّه ، نا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن عمرو بن خارجة قال: قال رسول اللّه: لا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة.

ولو صحّ الاسناد، فهو محمول على ما إذا زاد عن الثلث كما سيأتي نقله.

12ـ نا عبيد اللّه بن عبد الصمد بن المهتدي، نا محمد بن عمرو بن خالد، نا أبي ، عن يونس بن راشد، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه: «لا يجوز لوارث وصية إلاّ أن يشاء الورثة» (2).

ولا أظنّ أن فقيهاً يحتجّ بحديث في سنده:

عكرمة البربري: أبو عبد اللّه المدني مولى ابن عباس: وقد عرّفه أهل الرجال بما يلي:

قال ابن لهيعة: عن أبي الاَسود: كان عكرمة قليل العقل خفيفاً، كان قد سمع الحديث من رجلين، وكان إذا سئل حدّث به عن رجل يسأل عنه بعد ذلك، فيحدّث به عن الآخر، فكانوا يقولون: ما أكذبه.

وقال يحيى بن معين: إنّما لم يذكر مالك بن أنس عكرمة لاَنّ عكرمة كان ينتحل رأي الصفرية (طائفة من الخوارج) وقال عطاء: كان أباضياً.

وقال أبو خلف الخزاز، عن يحيى البكاء: سمعت ابن عمر يقول لنافع: اتّق


(1)البيهقي: السنن الكبرى: 6|264.
(2)الدار قطني: السنن: 4|152 «الوصايا» الحديث 10 و11.


(253)

اللّه ويحك يا نافع ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس.

وعن سعيد بن المسيب أنّه كان يقول لغلامه: لا تكذب عليّ كما يكذب عكرمة على ابن عباس.

وعن عطاء الخراساني: قلت لسعيد بن المسيب: إنّ عكرمة يزعم أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ تزوّج ميمونة وهو محرم، فقال: كذب مخبثان.

وقال سعيد بن جبير : كذب عكرمة.

وقال وهيب بن خالد عن يحيى بن سعيد الاَنصاري: كان كذّاباً.

وكان مالك لا يرى عكرمة ثقة ويأمر أن لا يوَخذ عنه.

وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد بن حنبل : ... وعكرمة مضطرب الحديث يختلف عنه.

وقال ابن عليه: ذكره أيوب فقال: قليل العقل.

وقال الحاكم: أبو أحمد احتجّ بحديثه الاَئمّة القدماء لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من حيز الصحاح (1).

13ـ نا أحمد بن كامل، نا عبيد بن كثير ، نا عباد بن يعقوب، نا نوح بن دراج، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول اللّه: لا وصية لوارث ولا إقرار بدين.

وفي الاسناد من لا يحتجّ به أهل السنّة وهونوح بن دراج (المتوفى عام 182)


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 7|234 رقم 476.


(254)

والحديث نقل محرّفاً.

فقد تضافر عن جعفر بن محمد، صحّة الوصية للوارث إلاّ إذا تجاوز عن الثلث، فانّه اضرار بالورثة ويوَيده ذيل الحديث «ولا إقرار بدين» والاِقرار بالدين، والايصاء فوق الثلث مظنّة الاضرار بالورثة.

14ـ نا أحمد بن زياد، نا عبد الرحمان بن مرزوق، نا عبد الوهاب، نا سعيد، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم عن عمرو بن خارجة قال: خطبنا رسول اللّه بمنى فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث، فلا يجوز لوارثٍ وصية إلاّ من الثلث، قال: ونا سعيد بن مطر عن شهر، عن عمرو بن خارجة عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مثله (1).

والسند مشتمل على شهر بن حوشب، والمتن يوَيد مقالة الاِمامية حيث قال: فلا يجوز له ارث إلاّ من الثلث.

15ـ روى الدارمي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا هشام الدستوائي، ثنا قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن عمرو بن خارجة، قال: كنت تحت ناقة النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وهي تقصع بجرّتها ولعابها وينوص بين كتفي، سمعته يقول: ألا إنّ اللّه قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا يجوز وصية لوارث (2).

وفي الاسناد شهر بن حوشب وكفى به ضعفاً.

16ـ روى البيهقي بأسانيد مختلفة، لا تخلو من ضعف.


(1)الدارقطني: السنن: 4|152 «الوصايا» الحديث 12 و 13.
(2)الدارمي: السنن: 2|419، باب الوصية للوارث.


(255)

فالاَوّل مقطوع برواية عطاء عن ابن عباس وقد عرفت عدم ادراكه له وعطاء هذا هو عطاء الخراساني.

والثاني مشتمل على رواية: عطاء عن عكرمة عن ابن عباس، وقد عرفت حال الرجلين.

والثالث أيضاً مثل الثاني.

والرابع مشتمل على الربيع بن سليمان، الذي كان يوصف بغفلة شديدة، وعن الشافعي أنّه ليس بثبت وإنّما أخذ أكثر الكتب من آل البويطي بعد موت البويطي (1).

وعلى سفيان بن عيينة (المتوفّى عام 198) قال محمد بن عبد اللّه بن عمّـار : سمعت يحيى بن سعيد يقول: اشهدوا أنّ سفيان بن عيينة اختلط سنة 97، فمن سمع في هذه السنة وبعدها، سماعه لا شيء (2).

وعلى مجاهد بن جبر المكّي المولود في خلافة عمر (المتوفى عام 100) فمضافاً إلى أنّ الرواية مقطوعة فقد ورد في حقّه: مجاهد معلوم التدليس فعنعنته لا تفيد الوصل (3).

والخامس مشتمل على ابن عياش وشرحبيل بن مسلم وقد تعرّفت عليهما.

والسادس مشتمل على شهر بن حوشب.


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب : 3 | 213 برقم 473.
(2)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 11|196.
(3)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 10|40 برقم 68.


(256)

والسابع مشتمل على حماد بن سلمة عن قتادة، والسند إمّا مقطوع أو موصول بواسطة شهر بن حوشب بقرينة الرواية السابقة.

والثامن مشتمل على إسماعيل بن مسلم وهو مردّد بين العبدي (أبو محمد (البصري) والمكي (أبو إسحاق البصري) الذي ضعّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال: عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمان لا يحدّثان عن إسماعيل المكي.

وقال أبو طالب: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن مسلم المكي منكر الحديث.

وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: إسماعيل بن مسلم المكي ليس بشيء. وكذلك قال عثمان بن سعيد الدارمي وأبو يعلى الموصلي عن يحيى.

وعن علي بن المديني: إسماعيل بن مسلم المكي لا يكتب حديثه ... وكان ضعيفاً في الحديث ... يكثر الخلط.

وقال أبو زرعة: هو بصري سكن مكة، ضعيف الحديث.

وقال النسائي:... متروك الحديث. وقال في موضع آخر: ليس بثقة (1).

والتاسع مشتمل على عبد الرحمان بن يزيد بن جابر الاَزدي، وسعيد بن أبي سعيد وقد تعرّفت عليهما.

والعاشر مشتمل على سفيان بن عيينة وقد تعرّفت عليه وعلى طاووس بن كيسان اليماني وهو تابعي لم يدرك النبيّ و إنّما ينقل ما ينقل عن ابن عباس (2).


(1)جمال الدين المزّي: تهذيب الكمال: 3| 198 برقم 483.
(2)البيهقي: السنن: 6|264ـ265.


(257)

17ـ روى الحافظ سعيد بن منصـور المكي (المتوفى 227) في سننـه هذا الحديث بأسنايد مختلفة.

فالاَوّل ـ مضافاً إلى أنّه مقطوع بمجاهد ـ: مشتمل على سفيان بن عيينة.

والثاني: مقطوع بعمرو بن دينار (المتوفى حدود عام 125) ومشتمل على سفيان بن عيينة.

والثالث: مشتمل على إسماعيل بن عياش وشرحبيل بن مسلم.

والرابع: مشتمل على شهر بن حوشب.

والخامس: مشتمل على سفيان بن عيينة وهشام بن حجر المكي الذي ضعّفه يحيى بن معين، وعن غيره أنّه يضرب على حديثه، وعن أبي داود أنّه ضرب الحدّ بمكة (1).

18ـ روى الصنعـاني بسنـد ينتهي إلى شهـر بن حوشـب عن عمرو بن خارجة، قال: سمعت رسول اللّه يقول:لا وصية لوارث (2)وقد تعرفت على حال «شهر».

ملاحظات على نسخ الآية بالسنّة :

ويلاحظ على هذه الاجابة، أي نسخ الكتاب بهذه الروايات، بوجوه:

1ـ الكتاب العزيز، قطعي السند، وصريح الدلالة في المقام. وظاهر الآية


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 11|32 برقم 74.
(2)الصنعاني: عبد الرزاق بن همام (176 ـ 211) : المصنف: 9|70 برقم 16376.


(258)

كون الحكم أمراً أبدياً وأنّه مكتوب على الموَمنين، وهو حقّ على المتّقين، أفيصح نسخه أو تخصيصه برواية لم يسلم سند منها عن خلل ونقاش فرواتها مخلّط، من أروى الناس عن الكذابين، لا يرى ما يخرج من رأسه، إلى ضعيف أُختُتِنَ في كبر سنِّه، إلى بائع دينه بخريطة، إلى مسنِد ولم ير المسند إليه، إلى محدود أُجري عليه الحد في مكة، إلى خارجيّ يُضرب به المثل، إلى، إلى، إلى (1)

ولو قلنا بجواز نسخ الكتاب فانّما نقول به إذا كان الناسخ، دلالة قرآنية أو سنّة قاطعة.

2ـ كيف يمكن الاعتماد على رواية، تدّعي أنّ النبي الاَكرم خطب في محتشد كبير لم ينقل لنا التاريخ له مثيلاً في حياة النبي إلاّ في وقعة الغدير، وقال: إنّه لا وصية لوارث، ولم يسمعه أحد من الصحابة إلاّ أعرابي مثل عمرو بن خارجة الذي ليس له رواية عن رسول اللّه سوى هذه (2)أو شخص آخر كأبي أُمامة الباهلي وهذا ما يورث الاطمئنان على وجود الخلل فيها سنداً أو دلالة.

3ـ لو سلم أنّ الحديث قابل للاحتجاج، لكنّه لا يعادل ولا يقاوم ما تواتر عن أئمّة أهل البيت من جواز الوصية للوارث. فهذا هو محمد بن مسلم أحد فقهاء القرن الثاني، من تلاميذ أبي جعفر الباقر _ عليه السلام _ يقول: سألت أبا جعفر عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز، ثم تلا هذه الآية : «إنْ تَركَ خَيراً الوصية للوالدين والاَقربين» .

وهذا أبو بصير المرادي شيخ الشيعة في عصر الصادق _ عليه السلام _ يروي عنه


(1)لاحظ ما نقلناه عن أئمة الرجال في حق رواة الحديث ونقلته.
(2)ابن حجر : الاصابة: 2|527 و المزّي: تهذيب الكمال: 21|599 وابن حبّان: الثقات: 3|271.


(259)

أنّه سأله عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز (1).

4ـ أنّ التعارض فرع عدم وجود الجمع الدلالي بين نصّ الكتاب والحديث، إذ من المحتمل جداً أنّ الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ذكر قيداً لكلامه، ولم يسمعه الراوي أو سمعه، وغفل عن نقله، أو نقله ولم يصل إلينا وهو أنّه مثلاً قال: «ولا تجوز وصية للوارث» إذا زاد عن الثلث أو بأكثر منه، كما ورد كذلك من طرقنا، وطرق أهل السنّة. وقد عرفت: أنّ الدارقطني نقله عن الرسول الاَكرم بهذا القيد (2) وقد ورد من طرقنا عن النبي الاَكرم أنّه قال في خطبة الوداع: «أيّها الناس إنّ اللّه قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز وصية لوارث بأكثر من الثلث» (3).

وبعد هذه الملاحظات لا يبقى أيّ وثوق للرواية بالصورة الموجودة في كتب السنن.

أضف إلى ذلك: أنّ الاِسلام دين الفطرة، ورسالته خاتمة الرسالات فكيف يصحّ أن يسد باب الاِيصاء للوارث، مع أنّه ربّما تمسّ الحاجة إلى الايصاء للوارث، بعيداً عن الجور والحيف، من دون أن يثير عداء الباقين وحسد الآخرين كما إذا كان طفلاً، أو مريضاً، أو معوّقاً أو طالب علم، لا يتسنّى له التحصيل إلاّ بعون آخرين.

كل ذلك يدعو فقهاء المذاهب في الاَمصار، إلى دراسة المسألة من الاَصل عسى أن يتبدّل المختلف إلى الموَتلف والخلاف إلى الوفاق بفضله وكرمه سبحانه.


(1)وسائل الشيعة: 13، الباب 15 من أبواب أحكام الوصايا الحديث، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح على جواز الوصية للوارث.
(2)لاحظ الرقم 14 ممّا سلف وفيه: فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث.
(3)الحسن بن علي بن شعبة ( من محدّثي القرن الرابع) تحف العقول: 34.


(260)


(261)

المسألة الثانية عشرة :

ارث المسلم من الكافر

لا خلاف بين المسلمين أنّ الكافر لا يرث المسلم، وإنّما الخلاف في أنّ المسلم يرث الكافر أو لا، فأئمّة أهل البيت على الاَوّل، قائلين بأنّ الاِسلام لا يزيد إلاّ عزّاً، لا بوَساً وشقاء، فلا وجه معقول لمنع المسلم عن ارث ما ترك آباوَه أو أبناوَه، نعم الكفر يزيد بوَساً وشقاءً وحرماناً، فلا يرث الكافر المسلم لكرامة المورّث ودناءة الوارث إلاّ إذا أسلم.

وقد تضافرت رواياتهم على الارث، إذا كان الوارث مسلماً سواء كان المورّث مسلماً أو كافراً.

وأمّا الصحابة فقد ذهب كثير منهم إلى هذا القول وهو مروي عن علي ـ عليه السلام ـ ومعاذ بن جبل و معاوية بن أبي سفيان ومن التابعين مسروق وسعيد وعبد اللّه بن معقل، ومحمد بن الحنفية، ومحمد بن علي الباقر _ عليهم السلام _ وإسحاق ابن راهويه.

وقال الشافعي: لا يرث المسلم الكافر، وحكوا ذلك عن علي ـ عليه السلام ـ وعمر، وعبد اللّه بن مسعود، وعبد اللّه بن عباس، وزيد بن ثابت والفقهاء


(262)

كلّهم(1).

وقال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أنّ الكافر لا يرث المسلم. وقال جمهور الصحابة والفقهاء لا يرث المسلم الكافر يُروَى هذا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأُسامة بن زيد وجابر بن عبد اللّه، وبه قال عمرو بن عثمان وعروة، والزهري وعطاء وطاووس والحسن، وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار، والثوري وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامة الفقهاء وعليه العمل.

وروي عن عمر ومعاذ ومعاوية، أنّهم ورّثوا المسلم من الكافر ، ولم يورّثوا الكافر من المسلم، وحكي ذلك عن محمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين، وسعيد ابن المسيب، ومسروق، وعبد اللّه بن معقل، والشعبي، والنخعي، ويحيى بن يعمر، وإسحاق وليس بموثوق به عنهم، فإنّ أحمد قال: ليس بين الناس اختلاف في أنّ المسلم لا يرث الكافر (2).

دليلنا: اطلاقات الكتاب وعموماته مثل قوله سبحانه : «يُوصيكُمُ اللّهُ في أولادكُمْ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الا َُنثيين» وقوله سبحانه: «ولَكُمْ نِصف ما تركَ أزواجكم» وقوله تعالى: «للرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَركَ الوالِدانِ والاَقرَبون» فإنّها تعمّ ما إذا كان المورِّث كافراً والوارث مسلماً وأمّا عكس المسألة فقد خرج بالدليل.

أضف إلى ذلك، ما تضافر من الروايات عن أئمّة أهل البيت الصريحة في التوريث.

منها: صحيحة أبي ولاّد قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: المسلم يرث امرأته


(1)الطوسي: الخلاف 2| كتاب الفرائض المسألة 16.
(2)ابن قدامة: المغني: 6|340.


(263)

الذميّة، وهي لا ترثه (1).

منها موثقة سماعة: عن أبي عبد اللّه قال: سألته عن المسلم هل يرث المشرك؟ قال: نعم فأمّا المشرك فلا يرث المسلم (2).

وقد علّل في بعض الروايات حكم التوريث بقولهم «نحن نرثهم ولا يرثونا إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يزدنا بالاِسلام إلاّ عزّا (3) وفي رواية أُخرى قال أبو عبد اللّه: نرثهم ولا يرثونا إنّ الاِسلام لم يزده في ميراثه إلاّ شدّة (4).

وقد فهم معاذ بن جبل من قول النبي: «الاِسلام يزيد ولا ينقص» حكم المسألة فورث المسلم ، من أخيه اليهودي (5).

نعم استدلّ المخالف بأُمور:

1ـ رواية أُسامة بن زيد عن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال: لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر . وقال ابن قدامة: متّفق عليه (6).

يلاحظ عليه: أنّها رواية واحدة لا تقابل اطلاق الكتاب وعمومه، وقد قلنا في البحوث الا َُصولية أنّه لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وإنّ منزلة الكتاب أرقى من أن يخصّص بالظن وقد قال به أيضاً المحقّق الحلّـي في المعارج.

2ـ روي عن عمر أنّه قال: لا نرث أهل الملل ولا يرثوننا (7) لكنّه خبر موقوف لم يسنده إلى النبي فهو كسائر موقوفات الصحابة ليس حجّة كما حقّقناه


(1)الوسائل: 17 الباب 1 من أبواب موانع الاِرث ح 1 و 5، ولاحظ ح6 و 7 و 8 و 14 و17 و 19 من ذلك الباب.
(2)الوسائل: 17 الباب 1 من أبواب موانع الاِرث ح 1 و 5، ولاحظ ح6 و 7 و 8 و 14 و17 و 19 من ذلك الباب.
(3)لاحظ الرواية 6 و17 و 8 من ذلك الباب.
(4)لاحظ الرواية 6 و17 و 8 من ذلك الباب.
(5)لاحظ الرواية 6 و17 و 8 من ذلك الباب.
(6)ابن قدامة: المغني: 6|341.
(7)ابن قدامة: المغني: 6|341.


(264)

في «أُصول الحديث وأحكامه».

3ـ ما رواه الفريقان عن النبي الاَكرم أنّه قال: «لا يتوارث أهل ملّتين» لكنّه غير دال على المدّعى إذ الحديث بصدد نفي التوارث، حتى يتوارث كل من الآخر، بل لا يرث الكافر من المسلم، ويرث المسلم من الكافر.

وقد تضافرت الروايات عن أهل البيت _ عليهم السلام _ على هذا التفسير، روى عبد الرحمان بن أعين عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: لا يتوارث أهل ملّتين نحن نرثهم ولا يرثونا إنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ لم يزدنا بالاِسلام إلاّ عزّا (1).

وفي صحيحة جميل وهشام، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ أنّه قال: فيما روى الناس عن النبيأنّه قال: «لا يتوارث أهل ملّتين»، قال: نرثهم ولا يرثونا إنّ الاِسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة (2).

وروى أبو العباس، قال: سمعت أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ يقول: لا يتوارث أهل ملّتين يرث هذا هذا، ويرث هذا هذا إلاّ أنّ المسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم (3) إلى غير ذلك من الروايات المفسّـرة للنبوي والرادّة على فتوى الفقهاء المشهورة في عصرهم _ عليهم السلام _ .

وبذلك تظهر حال مسائل أُخرى مذكورة في الفرائض.


(1)الوسائل: 17 الباب 1 من أبواب موانع الاِرث ح 6و 14 و 15.
(2)الوسائل: 17 الباب 1 من أبواب موانع الاِرث ح 6و 14 و 15.
(3)الوسائل: 17 الباب 1 من أبواب موانع الاِرث ح 6و 14 و 15.


(265)

المسألة الثالثة عشرة :

التوريث بالعصبة

اتّفقت الاِمامية على أنّ ما فضُلَ عن السهام يردُّ على أصحاب السهام بخلاف سائر الفقهاء. ولاَجل ايضاح محل الخلاف بين الاِمامية وسائر الفقهاء نذكر أُموراً:

الاَوّل: إذا بقي من سهام التركة شيء ـ بعد اخراج الفريضة ـ فله صور:

الصورة الا َُولى: إنّ الميّتَ إذا لم يخلُف وارثاً إلاّ ذوي فروض ولا يستوعب المال كالبنات وليس معهنّ أحد، أو الاَخوات كذلك، فإنّ الفاضل عن ذوي الفروض يرد عليهم على قدر فروضهم إلاّ الزوج والزوجة (1).

الصورة الثانية: أن يكون بين أصحاب الفروض مساوٍ لا فرض له، وبعبارة أُخرى أن يجتمع من لا فرض له مع أصحاب الفرض، ففيها يرد الفاضل، على المساوي الذي ليس له سهم خاص في الكتاب وإليك بعض الاَمثلة:

1ـ إذا ماتت عن أبوين وزوج.

2ـ إذا مات عن أبوين وزوجة.


(1)المغني: 6|256 ونقل عن ابن سراقة أنّه قال: أنّ عليه العمل اليوم في الاَمصار.


(266)

فالزوج في الاَوّل، والزوجة في الثاني، والا َُم في كليهما من أصحاب الفروض دون الاَب فما فضل بعد أخذهم، فهو لمن لا فرض له، أي الاَب، فللزوج والزوجة نصيبهما الاَعلى وللا َُم الثلث، والباقي للاَب لاَنّه لا فرض له، نعم الاَب من أصحاب الفروض إذا كان للميّت ولد قال سبحانه: «ولاَبَويهِ لِكُلِّ واحِدٍ منهُما السُّدسُ إنْ كانَ لَهُ وَلَد» (النساء|11) بخلاف الا َُمّ فهي مطلقاً من ذوات الفروض.

قال الخرقي في متن المغني: «وإذا كان زوج وأبوان، أُعطي الزوج النصف والا َُم ثلث ما بقي، وما بقي فللاَب، وإذا كانت زوجة أُعطيت الزوجة الربع، والا َُمّ ثلث ما بقي، وما بقي للاَب.

قال ابن قدامة: هاتان المسألتان تسمّيان العمريتين لاَنّ عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قضى فيهما بهذا القضاء، فتبعه على ذلك عثمان وزيد بن ثابت وابن مسعود، وروي ذلك عن علي، وبه قال الحسن والثوري ومالك والشافعي ـ رضي اللّه عنهم ـ وأصحاب الرأي، وجعل ابن عباس ثلث المال كلّه للا َُمّ في المسألتين، ويروى ذلك عن علي» (1).

3ـ ذلك الفرض ولكن كان للا َُمّ حاجب، فللزوج والزوجة نصيبهما الاَعلى وللا َُمّ السدس، والكل من أصحاب الفرض، والباقي للاَب الذي لا فرض له.


(1)المغني : 6|236 ـ 237. وهذا ونظائره الكثيرة في الفرائض يعرب عن عدم وجود نظام محدّد في الفرائض في متناول الصحابة، ومعأنّهم يروون عن النبي أنّ أعلم الصحابة بالفرائض هو زيد بن ثابت وانّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال: «أفرضهم زيد، وأقرأهم أُبيّ». لكنّه تبع قضاء عمر ولم يكن عنده شيء في المسألة التي يكثر الابتلاء بها.


(267)

4ـ إذا مات عن أبوين وابن وزوج أو زوجة، فلهما نصيبهما الاَدنى ـ لاَجل الولد ـ وللوالدين السدسان والباقي للابن الذي لا فرض له.

5ـ إذا مات عن زوج أو زوجة وإخوة من الا َُمّ، وإخوة من الاَبوين أو من الاَب، فللزوج النصف أو للزوجة الربع، وللاِخوة من الا َُم الثلث، والباقي لمن لا فرض له أي الاِخوة من الاَبوين أو الذين يتقرّبون بالاَب.

ففي هذه الصورة فالزائد بعد اخراج الفرائض للمساوي في الطبقة الذي لا فرض له. ولعلّ هذه الصورة موضع اتّفاق بين الفقهاء: السنّة والشيعة.

الصورة الثالثة: إذا لم يكن هناك قريب مساوٍ لا فرض له وزادت سهام التركة عن الفروض فهناك رأيان مختلفان بين الفقهاء: الشيعة والسنّة.

1ـ الشيعـة كلّهم على أنّ الزائـد يرد إلى أصحاب الفرائض عدا الزوج والزوجة (1) بنسبة سهامهم، فإذا مات عن أبوين وبنت وليس في طبقتهم من ينتمي إلى الميّت بلا واسطة سواهم، يرد الفاضل ـ أي السدس ـ عليهم بنسبة سهامهم، فيرد السدس عليهم أخماساً فللاَبوين: الخمسان من السدس، وللبنت ثلاثة أخماس منه، ولا تخرج التركة عن هذه الطبقة أبداً.

2ـ أهل السنّة يرون أنّه يرد إلى أقرباء الميّت من جانب الاَب والابن وهم العصبة.


(1)اتّفقت عليه المذاهب كلّها قال ابن قدامة: «فأمّا الزوجان فلا يرد عليهما، باتّفاق أهل العلم» المغني: 6|257.


(268)

الاَمر الثاني: ما هو المراد من العصبة لغة واصطلاحاً؟

قال ابن منظور: العصبة والعصابة: جماعة ما بين العشرة إلى الاَربعين. وفي التنزيل: «وَنَحنُ عُصْبة» (1).

قال الاَخفش: والعصبة والعصابة: جماعة ليس لها واحد.

وقال الراغب: العصَب: اطناب المفاصل، ثم يقال: لكل شدٍّ عصب، والعصبة: جماعة متعصّبة متعاضدة. قال تعالى: «لَتَنُوأُ بِالعُصْـبَةِ» (2) والعصابة: ما يعصب بها الرأس والعمامة.

وقال في النهاية: العصبة: الاَقارب من جهة الاَب لاَنّهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم.

وقال الطريحي: عَصَبة الرجل، جمع «عاصب» ككفرة جمع كافر، وهم بنوه وقرابته، والجمع: العصاب، قال الجوهري: وانّما سمُّوا عصبة، لاَنّهم عصبوا به أي: أحاطوا به فالاَب طرف، والابن طرف، والاَخ طرف، والعم طرف... وكلامه توضيح لما أجمله ابن الاَثير.

وقد سبق الطريحي، ابن فارس في مقاييسه فقال: له أصل واحد يدل على ربط شيء بشيء ثم يفرع ذلك فروعاً وتطلق على أطناب المفاصل التي تلائم بينها، وعلى العشرة من الرجال لاَنّها قد عصبت كأنّها ربط بعضها ببعض.

وعلى كل تقدير فهو في الاَصل بمعنى الربط والاحاطة وكأنّ الانسان يحاط


(1)يوسف : الآية 8.
(2)القصص: الآية 76.


(269)

بالعصبة ويرتبط بها مع غيرهم.

وأمّا في اصطلاح الفقهاء فهو لا يتجاوز عمّـا ذكره الطريحي في كلامه، وأحسن التعاريف ما ذكره صاحب الجواهر حيث قال: العصبة: الابن والاَب ومن تدلّى بهما، وهو يشمل الاَخ والعم وغيرهما.

وقال ابن قدامة: هو الوارث بغير تقدير، وإذا كان معه ذو فرض أخذ ما فضل عنه قلّ، أو كثر، وإن انفرد أخذ الكل، وإن استغرقت الفروض المال سقط (1).

وما ذكره أشبه ببيان حكم العصبة من حيث الحكم الشرعي وليس تفسيراً لمادة العصبة.

ثمّ إنّ العصبة عندهم تنقسم إلى العصبة بالنفس، وإلى العصبة بالغير والاَوّل أقرب العصبات، كالابن ، ابن الابن، الاَب، الجد لاَب وإن علا ، الاَخ لاَبوين، ابن الاَخ لاَبوين، أو أب، العم لاَبوين أو لاَب، ابن العم لاَبوين أو لاَب.

وأمّا الثاني فينحصر في الاناث كالبنت، وبنت ابن وأُخت لاَبوين، أو لاَب.

لاَنّ العصبة من تدلّى إلى الميّت من جانب الاَب وهو يعم الجميع ولا يختص بالذكور، نعم توارثهم بالعصبة على نظام خاص مذكور في كتبهم (2).

قال الخرقي: «وابن الاَخ للاَب والاَم، أولى من ابن الاَخ للاَب. وابن الاَخ


(1)المغني: 6|226.
(2)لاحظ المغني: 6|236 عند قول الماتن: وابن الاَخ للاَب أولى من ابن ابن الاَخ للاَب.


(270)

للاَب، أولى من ابن ابن الاَخ للاَب والا َُم. وابن الاَخ وإن سفل إذا كان للاَب (1) أولى من العم. وابن العم للاَب، أولى من ابن ابن العم للاَب والا َُم. وابن العم وإن سفل، أولى من عم الاَب» (2).

الاَمر الثالث: في تبيين ملاك الوراثة عند الطائفتين:

إنّ الضابط لتقديم بعض الاَقرباء السببيين على البعض الآخر عندنا أحد الاَمرين:

1ـ كونه صاحب فريضة في الكتاب قال سبحانه: «آباوَكُمْ وأبناوَكُمْ لا تَدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفْعاً فَريضةً مِنَ اللّهِ إنّ اللّهَ كانَ عَليماً حَكيماً» (النساء|11).

2ـ القربى إذا لم يكن صاحب فريضة فالاَقرب إلى الميّت، هو الوارث للكلّ أو لما فضل عن التركة قال سبحانه: «وأُولُوا الاَرحامِ بَعضهُم أوْلى بِبَعضٍ في كِتابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلِّ شيءٍ عليم» .

وأمّا عند أهل السنّة فالملاك بعد الفرض، هو التعصيب ـ بالمعنى الذي عرفت بعد أصحاب الفرض ـ وإن بعد عنهم، كالاَخ عندما مات، عن أُخت أو أُختين فيرث الاَخ، أو العم، الفاضل من التركة، بما أنّهما عصبة ويرد عندنا إلى أصحاب الفروض وربّما لا يترتّب على الخلاف ثمرة كما في الموردين التاليين:

كما لو اجتمع الاَب مع الابن، فالاَب يأخذ فرضه وهو السدس، وما بقي يأخذه الابن بالاتّفاق لكن عندنا بالقرابة وعند أهل السنّة بالعصبة.


(1)في المصدر: «الاَب» والصحيح ما أثبتناه.
(2)المغني: 6|236.


(271)

ومثله لو اجتمع الاَب مع ابن الابن فبما أنّ الاَولاد تنزل منزلة الآباء فللاَب السدس والباقي لابن الابن عندنا بالقرابة وعندهم بالتعصيب. لكن تظهر الثمرة في موارد أُخر. كما إذا كانت العصبة بعيداً عن ذي فرض كالاَخ فيما إذا ترك بنتاً أو بنات، ولم يكن له ولد ذكر، أو العم فيما إذا ترك أُختاً أو أخوات ولم يكن له أخ، فعلى مذهب الاِمامية لا يرد إلى البعيد أبداً، سواء كان أخاً أو عمّـاً، لاَنّ الضابط في التقديم والتأخير هو الفرض والقرابة والاَخ والعم بعيدان عن الميّت مع وجود البنت أو الا َُخت، فيرد عليهما الفاضل، فالبنت ترث النصف فرضاً والنصف الآخر قرابة، وهكذا الصور الا َُخرى.

وأمّا على مذاهب أهل السنّة، فبما أنّه حكموا بتوريث العصبة مع ذي فرض قريب يردون الفاضل إلى الاَخ في الاَوّل، والعم في الثاني.

قال الشيخ الطوسي: القول بالعصبة باطل عندنا ولا يورث بها في موضع من المواضع، وإنّما يورث بالفرض المسمّى أو القربى، أو الاَسباب التي يورث بها من الزوجية والولاء. وروي ذلك عن ابن عباس لاَنّه قال فيمن خلف بنتاً وأُختاً: إنّ المال كلّه للبنت دون الا َُخت، ووافقه جابر بن عبد اللّه في ذلك.

وروى موافقة ابن عباس عن إبراهيم النخعي، روى عنه الاَعمش ولم يجعل داود الاَخوات مع البنات عصبة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأثبتوا العصبات من جهة الاَب والابن (1).


(1)الطوسي: الخلاف: 2|كتاب الفرائض المسألة 80.


(272)

إذا عرفت ذلك فلنأخذ بدراسة أدلّة نفاة العصبة فنقول:

دراسة أدلّة نفاة العصبة:

احتجّت الاِماميّة على نفي التعصيب وأنّه مع وجود الاَقرب وإن كان ذا فرض لا يرد الباقي إلى البعيد وإن كان ذكراً، بوجوه:

الاَوّل: قوله سبحانه: «للرِّجالِ نَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالدانِ والاَقربونَ وللنساءِ نَصيبٌ مِمّا تَركَ الوالدانِ والاَقربونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أو كَثُرَ نَصيباً مَفْروضاً»(النساء|6).

وجه الاستدلال: أنّه أوجب توريث جميع النساء والاَقربين ودلّت على المساواة بين الذكور والاِناث في استحقاق الارث، لاَنّها حكمت بأنّ للنساء نصيباً كما حكمت بأنّ للرجال نصيباً، مع أنّ القائل بالتعصيب عليه توريث البعض دون البعض مع كونهما في رتبة واحدة وذلك في الصور التالية:

1ـ لو مات وترك بنتاً، وأخاً وأُختاً، فالفاضل عن فريضة البنت يرد إلى الاَخ، ويحكم على الا َُخت بالحرمان.

2ـ لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وابن أُخت، فالقائل بالتعصيب يعطي النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الاَخ، ولا شيء لابن أُخته مع أنّهما في درجة واحدة.

3ـ لو مات وترك أُختاً، وعمّـاً، وعمّة، فالفاضل عن فريضة الا َُخت يرد إلى


(273)

العم، لا العمّة.

4ـ لو مات وترك بنتاً، وابن أخ، وبنت أخ، فإنّهم يعطون النصف للبنت، والنصف الآخر لابن الاَخ، ولا يعطون شيئاً لبنت الاَخ مع كونهما في درجة واحدة.

فالآية تحكم على وراثة الرجال والنساء معاً وبوراثة الجميع، والقائل بالتعصيب يورّث الرجال دون النساء والحكم به أشبه بحكم الجاهلية المبنية على هضم حقوق النساء كما سيوافيك بيانه.

وحمل الآية في مشاركة الرجال والنساء، على خصوص الميراث المفروض، لا الميراث لاَجل التعصيب كما ترى، والحاصل أنّ نتيجة القول بالتعصيب هو توريث الرجال واهمال النساء على ما كانت الجاهلية عليه.

قال السيد المرتضى: توريث الرجال دون النساء مع المساواة في القربى والدرجة، من أحكام الجاهلية، وقد نسخ اللّه بشريعة نبيّنا محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» أحكام الجاهلية، وذمّ من أقام عليها واستمرّ على العمل بها بقوله: «أَفَحُكْمَ الجاهليّة يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكماً» وليس لهم أن يقولوا إنّنا نخصّص الآية التي ذكرتموها بالسنّة، وذلك أنّ السنّة التي لا تقتضي العلم القاطع لا يُخصَّص بها القرآن، كما لم ينسخه بها، وإنّما يجوز بالسنّة أن يخصّص وينسخ إذا كانت تقتضي العلم واليقين، ولا خلاف في أنّ الاَخبار المروية في توريث العصبة أخبار آحاد لا توجب علماً، وأكثر ما يقتضيه غلبة الظن، على أنّ أخبار التعصيب معارضة بأخبار كثيرة ترويها الشيعة من طرق مختلفة في إبطال أن يكون الميراث بالعصبة، وأنّه بالقربى والرحم، وإذا تعارضت الاَخبار رجعنا إلى


(274)

ظاهر الكتاب (1).

الثاني: قوله سبحانه: «وأولوا الاَرحام بعضهم أولى بِبعضٍ في كِتابِ اللّهِ إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شيءٍ عليم» (الاَنفال|75).

وجه الاستدلال: أنّ المراد من الاَولويّة هو الاَقربية أي الاَقرب فالاَقرب، وعلى ذلك فكيف يرث الاَخ أو العم مع وجود الاَقرب أعني البنت أو الا َُخت، وهما أقرب إلى الميّت من الاَخ والعم،لاَنّ البنت تتقرّب إلى الميّت بنفسها، والاَخ يتقرّب إليه بالاَب، والا َُخت تتقرّب إلى الميّت بالاَب، والعمّ يتقرّب إليه بواسطة الجد، والا َُخت تتقرّب بواسطة، والعم يتقرّب بواسطتين، وأولاده بوسائط.

والعجب أنّهم يراعون هذا الملاك في ميراث العصبة حيث يقدّمون الاَخ لاَبوين، على الاَخ لاَب.وابن الاَخ لاَبوين، على ابن الاَخ لاَب، كما أنّ العم لاَبوين يقدّمونه على العم لاَب، وابن العم لاَبوين على ابن العم لاَب. هذا في العصبة بالنفس ومثلها العصبة بالغير .

وممّا يدل على أنّ الآية في بيان تقديم الاَقرب فالاَقرب ـ مضافاً إلى ما ورد من أنّها وردت ناسخة للتوارث بمعاقدة الاِيمان والتوارث بالمهاجرة اللَّذين كانا ثابتين في صدر الاِسلام (2).

إنّ عليّاً كان لا يعطي الموالي شيئاً مع ذي رحم، سمّيت له فريضة أم لم تسم له فريضة وكان يقول:


(1)الانتصار: 278.
(2)مجمع البيان: 2|563 طبع صيدا.


(275)

«وأولوا الاَرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب اللّهِ إنّ اللّهَ بكلِّ شيءٍ عليم» قد علم مكانهم فلم يجعل لهم مع أُولي الاَرحام (1).

وروى زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ في قول اللّه: «وأولوا الاَرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب اللّهِ» : إنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض لاَنّ أقربهم إليه رحماً أولى به، ثمّ قال أبو جعفر: أيّهم أولى بالميت وأقربهم إليه؟ أُمّه؟ أو أخوه؟ أليس الا َُمّ أقرب إلى الميّت من إخوته وأخواته؟ (2).

وروي عن زيد بن ثابت أنّه قال : من قضاء الجاهلية أن يورث الرجال دون النساء (3).

قال العلاّمة الصافي في تفسير قوله سبحانه: «للرِّجالِ نصيبٌ مِمّا تَركَ الوالِدانِ والاَقربونَ...» قد أبطل اللّه بهذه الآية النظام الجاهلي المبنيّ على توريث الرجال دون النساء، مثل توريث الابن دون البنت، وتوريث الاَخ دون الا َُخت، وتوريث العم دون العمّة، وابن العم دون بنته، فقرّر بها مشاركة النساء مع الرجال في الارث، إذا كنّ معهم في القرابة في مرتبة واحدة، كالابن والبنت، والاَخ والا َُخت، وابن الابن وبنته، والعم والعمّة وغيرهم، فلا يوجد في الشرع مورد تكون المرأة مع المرء في درجة واحدة إلاّ وهي ترث من الميت بحكم الآية ... فكما أنّ القول بحرمان الرجال الذين هم من طبقة واحدة نقض لهذه الضابطة المحكمة الشريفة، كذلك القول بحرمان النساء أيضاً ... ومثل هذا النظام ـ الذي تجلّى فيه اعتناء الاِسلام بشأن المرأة ورفع مستواها في الحقوق المالية كسائر حقوقها ـ يقتضي أن يكون عامّاً لا يقبل التخصيص والاستثناء (4).


(1)الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الاِرث الحديث 10 و 11 و2.
(2)الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الاِرث الحديث 10 و 11 و2.
(3)الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الاِرث الحديث 10 و 11 و2.
(4)مع الشيخ جاد الحق، شيخ الاَزهر: 15ـ 16.


(276)

ويظهر من السيد في الانتصار أنّ القائلين بالتعصيب ربّما يعترضون على الاِمامية بأنّ الحرمان موجود في فقههم، كما إذا مات الرجل عن بنت وعم أو ابن عم، فإنّ التركة كلّها للبنت عندهم ولا حظّ لهما. وهو حرمان الرجال دون النساء عكس القول بالتعصيب، ويشتركان في الحرمان ومخالفة الذكر الحكيم.

والجواب: أنّ الحرمان في المثال لاَجل عدم الاستواء في القرابة ألاّ ترى أنّ ولد الولد (ذكوراً كانوا أو إناثاً) لا يرث مع الولد، لعدم التساوي في الدرجة والقرابة، وإن كانوا يدخلون تحت التسمية بالرجال والنساء، وإذا كانت القرابة والدرجة مراعاة بين العم وابنه، فلا يساوي ـ العم ـ البنت في القربى والدرجة وهو أبعد منها كثيراً.

وليس كذلك العمومة والعمّـات وبنات العم وبنو العم، لاَنّ درجة هوَلاء واحدة وقرباهم متساوية والمخالف يورث الرجال منهم دون النساء، فظاهر الآية حجّة عليه وفعله مخالف لها، وليس كذلك قولنا في المسائل التي وقعت الاِشارة إليها وهذا واضح فليتأمّل (1).

الثالث: قوله سبحانه: «إنِ امْروٌَاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...» (النساء|176) والآية ظاهرة في أنّ توريث الا َُخت من الاَخ مشروط بعدم وجود الولد له. مع أنّه يلزم في بعض صور التعصيب توريث الا َُخت مع وجود الولد (البنت) للميّت وذلك فيما إذا كان التعصيب بالغير كأُخت أو أخوات لاَبوين، أو أُخت وأخوات لاَب، فإنّهنّ عصبة بالغير من جانب الاَب فلو مات عن بنت وأُخت لاَبوين أو لاَب، فالنصف للبنت، والنصف الآخر للعصبة


(1)الانتصار : 283.


(277)

وهي الاَُخت أو الاَخوات مع أنّ وراثة الا َُخت مشروطة بعدم الولد في صريح الآية. قال الخرقي: والاَخوات مع البنات عصبة، لهنّ ما فضل، وليس لهنّ معهنّ فريضة مسمّـاة.

وقال ابن قدامة في شرحه: والمراد بالاَخوات هاهنا، الاَخوات من الاَبوين، أو من الاَب وإليه ذهب عامّة الفقهاء إلاّ ابن عباس ومن تابعه، فإنّه يروى عنه أنّه كان لا يجعل الاَخوات مع البنات عصبة فقال في بنت وأخت: للبنت النصف ولا شيء للاَخت. فقال ابن عباس: أنتم أعلم أم اللّه، يريد قول اللّه سبحانه: «إنِ امْروَاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ ...» فإنّما جعل لها الميراث بشرط عدم الولد.

ثمّ إنّ ابن قدامة ردّ على الاستدلال بقوله: إنّ الآية تدل على أنّ الا َُخت لا يفرض لها النصف مع الولد، ونحن نقول به، فإنّ ما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنّما هو بالتعصيب كميراث الاَخ، وقد وافق ابن عباس على ثبوت ميراث الاَخ مع الولد مع قول اللّه تعالى: «وهو يرثها إنْ لم يَكُنْ لَها ولَد» وعلى قياس قوله «ينبغي أن يسقط الاَخ لاشتراطه في توريثه منها عدم ولدها» (1).

حاصل كلامه: أنّ الا َُخت ترث من الاَخ النصف في حالتي وجود الولد وعدمه، غاية الاَمر عند عدم الولد ترث فرضاً، وعند وجوده ترثه عصبة.

يلاحظ عليه: أنّ المهم عند المخاطبين هو أصل الوراثة، لا التسمية فإذا كان الولد وعدمه غير موَثّر فيها، كان التقييد لغواً، وما ذكره من أنّها ترث النصف عند الولد تعصيباً لا فرضاً أشبه بالتلاعب بالاَلفاظ، والمخاطب بالآية هو العرف


(1)ابن قدامة: المغني: 6|227.


(278)

العام وهو لا يفهم من الآية سوى حرمان الاَخت عند الولد وتوريثها معه باسم آخر، يراه مناقضاً.

وما نسبه إلى ابن عباس من أنّه كان يرى ميراث الاَخ مع الولد، غير ثابت وعلى فرض تسليمه فهو ليس بحجة.

الرابع: الروايات المروية في الصحاح والمسانيد وفي جوامعنا، ننقل منها ما يلي:

1ـ روى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص أنّه قال: مرضت بمكّة مرضاً فأشفيت (1) منه على الموت فأتاني النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يعودني فقلت: يا رسول اللّه: إنّ لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: لا ، قلت: فالشَّطرُ؟ قال: لا، قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنّك إن تركت ولدك أغنياء خيرٌ من أن تتركهم عالةً يتكفّفون الناس (2).

وفي لفظ مسلم في باب الوصية بالثلث : «ولا يرثني إلاّ ابنة لي واحدة». والرواية صريحة في أنّه كان يدور في خلد سعد، أنّها الوارثة المتفرّدة والنبيّ سمع كلامه وأقرّه عليه ولم يرد عليه بشيء وقد كان السوَال والجواب بعد نزول آيات الفرائض.

2ـ روى البيهقي عن سويد بن غفلة في ابنة وامرأة ومولى قال: كان علي ـ عليه السلام ـ يعطي الابنة النصف والمرأة الثمن ويرد ما بقي على الابنة (3).


(1)أي فأشرفت وقاربت.
(2)صحيح البخاري: 8|150، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات.
(3)السنن الكبرى: 6|242 باب الميراث بالولاء.


(279)

3ـ روى: من ترك مالاً فلاَهله (1).

4ـ وربّما يستدل بما روي عن واثلة بن الاَسقع، قال: قال رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» : والمرأة تحوز ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي تلاعن عليه (2).

وجه الاستدلال: أنّ سهم الا َُم هو السدس أو الثلث وقد حكم على الفاضل عن التركة بالرد عليها دون العصبة. إلاّ أن يقال: إنّ عدم الرد لعدم وجود العصبة (بحكم اللعان) فلا يصحّ الاستدلال به على ما إذا كانت هناك عصبة.

الخامس: إنّ القول بالتعصيب يقتضي كون توريث الوارث مشروطاً بوجود وارث آخر وهو مخالف لما علم الاتّفاق عليه لاَنّه إمّا أن يتساوى الوارث الآخر فيرثان، وإلاّ فيمنع وذلك في المثال الآتي:

إذا خلف الميّت بنتين، وابنة ابن، وعم. فبما أنّ العمّ من العصبة بالنفس والابنة عصبة بالغير يرد الفاضل إلى العم. ولا شيء لبنت الابن. ولكنّه لو كان معها أخ أي ابن الابن، فهي تتعصّب به، وبما أنّه أولى ذكر بالميّت يكون مقدماً على العم ويكون الفاضل بينهما أثلاثاً، للاجماع على المشاركة، لقوله سبحانه: «يُوصيكُم اللّهُ في أولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حظِّ الا َُنثيين» (النساء|11) وهذا هو ما قلناه من أنّه يلزم أن يكون توريث الابنة مشروطاً بالاَخ وإلاّ فيرث العم.


(1)صحيح البخاري: 8|150 كتاب الفرائض باب قول النبي: من ترك مالاً فلاَهله، وكنز العمال: 11|7 الحديث 30388، وجامع الا َُصول:9|631 قال: رواه الترمذي.
(2)المسند: 3|490، وسنن ابن ماجة: 2|916 باب ما تحوزه المرأة، ثلاث مواريث رقم 2742، وفي جامع الا َُصول: 9|614، برقم 7401... ولدها الذي لاعنت عنه. أخرجه أبو داود والترمذي.


(280)

قال الخرقي في متن المغني: «فإن كنّ بنات، وبنات ابن، فللبنات الثلثان وليس لبنات الابن شيء إلاّ أن يكون معهنّ ذكر فيعصبهن فيما بقي للذكر مثل حظّ الا َُنثيين».

وقال ابن قدامة: «فإن كان مع بنات الابن، ابن في درجتهنّ كأخيهنّ أو ابن عمّهنّ، أو أنزل منهنّ كابن أخيهنّ أو ابن ابن عمّهنّ أو ابن ابن ابن عمّهن، عصبهنّ في الباقي فجعل بينهم للذكر مثل حظّ الا َُنثيين» (1).

السادس: لقد تضافر عن أئمّة أهل البيت أنّ الفاضل عن الفروض للاَقرب، وهي متضافرة لو لم نقل أنّها متواترة ولعل الشهيد الثاني لم يتفحّص في أبواب الارث فقال: يرجع الاِمامية إلى خبر واحد (2)ويظـهر من الروايات أنّه كان مكتوباً في كتاب الفرائض لعليّ _ عليه السلام _ .

1ـ روى حماد بن عثمان قال: سألت أبا الحسن _ عليه السلام _ عن رجل ترك أُمّه وأخاه؟ قال: يا شيخ تريد على الكتاب؟ قال، قلت: نعم. قال: كان علي ـ عليه السلام ـ يعطي المال للاَقرب، فالاَقرب. قال: قلت: فالاَخ لا يرث شيئاً؟ قال: قد أخبرتك أنّ علياً _ عليه السلام _ كان يعطي المال الاَقرب فالاَقرب (3).

2ـ روى زرارة عن أبي جعفر _ عليه السلام _ في رجل مات وترك ابنته وأُخته لاَبيه وأُمّه؟ فقال: المال كلّه للابنة وليس للا َُخت من الاَب والا َُمّ شيء (4).


(1)المغني: 6|229.
(2)المسالك، كتاب الفرائض عند شرح قول المحقق: ولا يثبت الميراث عندنا بالتعصيب.
(3)الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الاَبوين الحديث: 6 و 1 .
(4)الوسائل: 17 ، الباب 5 من أبواب ميراث الاَبوين الحديث: 6 و 1 .


(281)

3ـ روى عبد اللّه بن خداش المنقري أنّه سأل أبا الحسن عن رجل مات وترك ابنته وأخاه؟ فقال: المال للابنة (1).

4ـ عن بريد العجلي عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: قلت له: رجل مات وترك ابنة وعمّه؟ فقال: المال للابنة وليس للعم شيء، أو قال: ليس للعم مع الابنة شيء (2).

ويظهر من مناظرة الرشيد مع الاِمام أبي الحسن الاَوّل، أنّ توريث العم مع الاَبناء كان موَامرة سرّية لاِقصاء عليّ عن حقّه، بتقديم العم على ابنة رسول اللّه (3).

5ـ ما رواه حسين الرزاز قال: امرت من يسأل أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ المال لمن هو؟ للاَقرب أو العصبة؟ فقال: المال للاَقرب والعصبة في فيه التراب (4).

6ـ ما رواه العياشي في تفسيره عن ابن سنان عن أبي عبد اللّه قال: اختلف علي بن أبي طالب وعثمان في الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه وله ذو قرابة لا يرثونه، ليس لهم سهم مفروض، فقال عليّ: ميراثه لذوي قرابته لاَنّ اللّه تعالى يقول: «وأُولوا الاَرحام بعضهم أولى ببعضٍ في كتاب اللّه» وقال عثمان: اجعل ماله في بيت مال المسلمين (5).


(1)الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الاَبوين الحديث: 3 و 14 ولاحظ الحديث 4 و 5 و 7 ـ 13. من ذلك الباب.
(2)الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الاَبوين الحديث: 3 و 14 ولاحظ الحديث 4 و 5 و 7 ـ 13. من ذلك الباب.
(3)الوسائل: 17، الباب 5 من أبواب ميراث الاَبوين الحديث: 3 و 14 ولاحظ الحديث 4 و 5 و 7 ـ 13. من ذلك الباب.
(4)وفي السند «صالح بن السعدي وهو ممدوح، والحسين الرزاز مجهول، وفي التهذيب: 9|267 رقم 972 «البزاز » وهو أيضاً مجهول.
(5)الوسائل: 17، الباب 8 من أبواب موجبات الاِرث الحديث 1 و 9.


(282)

دراسة أدلّة المخالف:

لقد اتّضح الحق وتجلّى بأجلى مظاهره، بقي الكلام في دراسة أدلّة المخالف فقد استدلّ بوجوه:

الاَوّل: لو أراد سبحانه توريث البنات ونحوهنّ أكثر ممّا فرض لهنّ لفعل ذلك والتالي باطل، فإنّه تعالى نصّ على توريثهنّ مفصّلاً ولم يذكر زيادة على النصيب.

بيان الملازمة أنّه تعالى لما ورّث الابن الجميع لم يفرض له فرضاً، وكذا الاَخ للاَب والعم وأشباههم، فلولا قصر ذوي الفروض على فرضهم لم يكن في التنصيص على المقدار فائدة.

وحاصله: أنّ كل من له فرض لا يزاد عنه وكل من لم يفرض له يعطى الجميع.

يلاحظ عليه: أوّلاً: بالنقض بورود النقيصة على ذوات الفروض عند أهل السنّة إذا عالت الفرائض على السهام، كما سيوافيك شرحه فإنّهم يدخلون النقص على الجميع مثل باب الديون، فربّما يكون سهم البنت والا َُخت أقل من النصف، فإذا جاز النقص فما المانع من الزيادة، بل الاَمر في النقصان أولى لاَنّ النقصان ينافي الفرض بخلاف الزيادة عليه بدليل آخر، فإنّ فيه أعمال الدليلين والاَخذ بمفادهما.

وثانياً: بالحلّ إنّ تحديد الفرض بالنصف إنّما يكون لغواً إذا لم تترتّب عليه فائدة مطلقاً، ، ولكنّه ليس كذلك لترتّب الثمرة عليه فيما إذا كان معه وارث ذو


(283)

فرض كالا َُم ، فإنّ كيفية الرد على الوارثين لا تعلم إلاّ بملاحظة فرضهما ثم الرد عليهما بحسب تلك النسبة فلو لم يكن سهم البنت و البنتين منصوصاً في الذكر الحكيم لما علمت كيفيّة الرد.

وبالجملة: أنّه وإن كان لا تظهر للقيد ثمرة إذا كان الوارث هو البنت أو الا َُخت وحدها ، ولكنّه ليس كذلك إذا كان معه وارث آخر وهو ذو فرض مثلها كالا َُمّ، فإنّ الرد عليهما يتوقّف على ملاحظة فرضهما ثمّ الرد بتلك النسبة.

وثالثاً: أنّ التصريح بالفرض لاَجل التنبيه على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف أو الثلثان، بخلاف الاَخ وإنّما تأخذ الزائد بعنوان آخر وهو أنّه ليس معه وارث مساوٍ بخلاف الابن أو الاَخ، فإنّ كلاّ ً يستحق المال كلّه بالذات.

ورابعاً: إنّ المفهوم في المقام أشبه بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة فيه.

الثاني: قوله سبحانه: «إنِ امْرُوٌَاْ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُختٌ فَلَها نِصفُ ما تَركَ وهوَ يَرِثُها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَد» (النساء|176).

وجه الاستدلال: أنّه سبحانه حكم بتوريث الا َُخت، نصف ميراث أخيها مع عدم الولد وحكم بتوريث الاَخ ميراثها أجمع بدليل قوله تعالى: «وهو يرثها» فلو ورثت الا َُخت الجميع كما هو مذهبكم لن تبقى للفرق بين الاَخ والا َُخت ثمرة أصلاً.

الجواب: أنّ التقييد بالنصف مع أنّها ربّما ترث الكلّ لاَجل التنبيه، على أنّها لا تستحق بالذات إلاّ النصف وأنّ الاَصل القرآني هو استحقاق الذكر ضعف سهم الا َُنثى وهو النصف، وأنّها إن ورثت المال كله فإنّما هو لاَجل طارئة خاصة،


(284)

على أنّ التصريح بالفرض لاَجل تبيين ما يتوقّف عليه تقسيم الفاضل، بينها وبين من يشاركه في الطبقة كالاِخوة أو الاَخوات من الا َُمّ، فإنّ الباقي يردّ عليهما بنسبة سهامهما فلو لم يكن هناك تحديد بالنصف فمن أين تعلم كيفيّة الرد.

الثالث: قوله تعالى: «وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا»(مريم 5ـ6).

وجه الاستدلال: أنّ زكريا _ عليه السلام _ لمّا خاف أن ترثه العصبة، سأل اللّه سبحانه أن يهبه وليّاً حتى يرث المال كلّه، لا وليّةً حتى ترث المال نصفه ويرث الموالي الفاضل، ولولا ذلك لما أكّد على كون الولد الموهوب من اللّه ذكراً، في قوله سبحانه: «وإنِّـي خِفْتُ المَوالِيَ مِنْ وَرائِي وكَانَتِ امْرَأَتِـي عاقِراً فَهَبْ لِـي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً * يَرثُنِـي وَيَرِثُ من آلِ يَعقوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا».

يلاحظ عليه: أنّ المقصود من «وليّاً» هو مطلق الاَولاد ذكراً كان أو أُنثى، وذلك على مساق اطلاق المذكّر وإرادة الجنس وهو شائع في القرآن الكريم.

مثل قوله سبحانه: «إلاّ الَّذِينَ آمَنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ» بشهادة قوله تعالى في آية أُخرى: «هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لي مِن لَدُنكَ ذُرِّيّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاء» (آل عمران|38).

بل يمكن أن يقال إنّه طلب ذرّية مثل مريم لقوله سبحانه قبل هذه الآية: «كُلَّما دََخَلَ عَلَيها زَكريّا المحرابَ وَجدَ عِندها رِزْقاً قالَ يا مَريمُ أنّى لَكِ هذا قالَت هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيرِ حِساب * هنالِكَ دَعا ... » أي في هذه الحال التي رأى فيها في مريم من الكرامة سأل اللّه سبحانه أن يرزقه ذريّة


(285)

طيّبة (مثل مريم) فلو لم نقل إنّه سأل انثى مثل مريم، ليس لنا أن نقول إنّه طلب الذكر.

ولو سلمنا أنّه طلب الذكر لكنّه لم يطلب لاَجل أنّه لو رزق الا َُنثى ترثه العصبة وإنّما سأله الذكر لمحبّة كثيرة له، أو لاَنّه أولى بالاِدارة من الا َُنثى كما لا يخفى.

الرابع: الروايات والآثار الواردة في هذا المجال ولعلّها أهم المدارك والمصادر لهذه الفتيا.

الرواية الا َُولى:

رواية عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 132) رواها الشيخان في غير مورد.

روى البخاري عن مسلم بن إبراهيم عن وهيب عن ابن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لاَولى رجل ذكر (1).


(1)صحيح البخاري: 8|151 باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن، وص 152، باب ميراث الجد مع الاَب والاِخوة، ورواها عن سليمان بنحرب (مكان مسلم بن إبراهيم) ورجال السند في غيرهما، واحد و باب ابني عم أحدهما أخ والآخر زوج ص 153، رواها عن أُمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع عن روح عن عبد اللّه بن طاووس.
وصحيح مسلم: 5|59 باب ألحقوا الفرائض بأهلها عن ابن طاووس عن ابن عباس رقم1615.
وصحيح الترمذي في الفرائض باب ميراث العصبة رقم 2099.
وسنن أبي داود في الفرائض باب ميراث العصبة رقم 2898.
ولاحظ السنن الكبرى: 6|238 باب العصبة، وجامع الا َُصول: 9|6104 رقم 7421.


(286)

يلاحظ عليه أوّلاً: الروايات تنتهي إلى عبد اللّه بن طاووس بن كيسان اليماني وقد وثّقه علماء الرجال (1)لكن يعارض توثيقهم مع ما ذكره أبو طالب الاَنباري (2) في حقّ هذه الرواية قال: حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميري، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن قاربة بن مضرب قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلاَوْلَى عصبة ذكر؟ قال: أمن أهل العراق أنت؟ قلت: نعم، قال: أبلغ من وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ: «آباوَكُم وأبناوَكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضة مِنَ اللّه » وقوله: «أُولُو الاَرحام بَعضُهم أولى بِبَعضٍ في كتابِ اللّه » وهل هذه إلاّ فريضتان وهل أبقتا شيئاً ، ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عليّ، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قط وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم، قال سفيان: أراه من قبل ابنه عبد اللّه بن طاووس فإنّه كان على خاتم سليمان بن عبد الملك(3)وكان يحمل على هوَلاء القوم


(1) تهذيب التهذيب: 5|268 رقم 458 سير أعلام النبلاء، حوادث عام 132 وغيرهما.
(2) هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الاَنباري: قال النجاشي: شيخ من أصحابنا «أبو طالب» ثقة في الحديث، عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّـي عام 356 (رجال النجاشي برقم 615 طبع بيروت).
وأمّا رجال السند ففي تعليقة الخلاف أنّه لم يتعرّف على البربريّ، وأمّا بشر بن هارون لعلّه تصحيف بشر بن موسى إذ هو الراوي عن الحميدي على ما في تاريخ البغدادي: 86. والحميدي هو عبد اللّه بن الزبير القرشي توفّي بمكة 219 كما في تذكرة الحفّاظ 2:413، وسفيان هو سفيان بن عيينة وأبو إسحاق هو: عمرو بن عبد اللّه بن عبيد السبيعي.
(3)سليمان بن عبد الملك بن مروان سابع خلفاء بني أُمية بويع سنة 96 وتوفّي سنة 98 وهو ابن خمس وأربعين سنة و كان خاتمه بيدهيختم رسائله بخاتمه صيانة عن التزوير.


(287)

حملاً شديداً ـ أي بني هاشم ـ (1).

إنّ سليمان بن عبد الملك الاَموي المرواني هو الذي قتل أبا هاشم عبد اللّه بن محمد بن علي الحنفية بالسم ظلماً وخداعاً، فكيف يكون حال من يواليهم.

وثانياً: أنّ نسبة الآيات المتقدمة إلى هذه الرواية وإن كان نسبة الاطلاق إلى التقييد، ولكن الاعتماد على هذه الرواية في تقييد الذكر الحكيم، ممّا لا يجترىَ عليه الفقيه الواعي.

إنّ وراثة العصبة ليست من المسائل التي يقل الابتلاء بها، بل هي ممّا تعمّ البلوى بها في عصر النبيّ وعصور الخلفاء، فلو كان هناك تشريع على مضمون هذه الرواية لما خفي على غيره ونقله الآخرون، وقد عرفت أنّ الاَسناد تنتهي إلى عبد اللّه بن طاووس.

وثالثاً: أنّ فقهاء المذاهب أفتوا في موارد على خلاف مضمون هذا الخبر، وقد أشار إليها فقيه الطائفة الطوسي، نذكر قسماً منها.

1ـ لو مات وخلّف بنتاً وأخاً وأُختاً، فقد ذهبوا إلى أنّ للبنت النصف والنصف الآخر للاَخ والا َُخت «للذَّكر مثل حظّ الا َُنثيين» مع أنّ مقتضى خبر ابن طاووس أنّ النصف للبنت أخذاً بقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «ألحقوا الفرائض بأهلها والنصف الآخر للاَخ لاَنّه أولى رجل ذكر ».

2ـ لو أنّ رجلاً مات وترك بنتاً، وابنة ابن، وعمّـاً ، فقد ذهبوا إلى أنّ النصف للبنت والنصف الآخر لابنة الابن والعم، مع أنّ مقتضى الخبر أن يكون النصف الآخر للعم وحده لاَنّه أولى ذكر (2).


(1)التهذيب: لشيخ الطائفة: 9|262. الخلاف:2، المسألة 80.
(2) الخلاف: 2|278، المسألة 80 والتهذيب للشيخ الطوسي: 9|262.


(288)

قال السيد المرتضى: وفيهم من يذهب فيها إلى أنّ المراد بها قرابة الميّت من الرجال الذين اتّصلت قرابتهم به من جهة الرجال كالاَخ والعم، دون الا َُخت والعمّة، ولا يجعل للرجال الذين اتّصلت قرابتهم من جهة النساء عصبة كإخوة الميّت لا َُمّه، وفيهم من جعل العصبة مأخوذة من التعصّب والرايات والديوان والنصرة. ومع هذا الاختلاف لا اجماع يستقرّ على معناها، على أنّهم يخالفون لفظ هذا الحديث الذي يروونه لاَنّهم يعطون الا َُخت مع البنت بالتعصيب وليست برجل ولا ذكر كما تضمّنه لفظ الحديث (1).

إلى غير ذلك من الاَحكام التي اتّفقوا عليها وهي على طرف النقيض من الخبر .

فإن قلت: فماذا تصنع بالخبر، مع أنّ الشيخين نقلاه بل نقله غيرهما على ما عرفت.

قلت: يمكن حمل الخبر على ما لا يخالف اطلاق الكتاب ولا ما أطبق المسلمون عليه وهو أنّه وارد في مجالات خاصّة: مثلاً:

1ـ رجل مات وخلّف أُختين من قبـل الا َُمّ، وابن أخ، وابنة أخ لاَب وأُمّ، وأخاً لاَب، فالا َُختان من أصحاب الفرائض، كلالة الا َُمّ، يعطى لهما الثلث والباقي لاَولى ذكر، وهو الاَخ لاَب.

2ـ رجل مات وخلّف زوجة وخالاً وخالة، وعمّـاً وعمّة، وابن أخ، فالزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي يدفع إلى أولى ذكر، وهو ابن الاَخ.


(1)الانتصار 279.


(289)

3ـ رجل مات وخلّف زوجة، وأُختاً لاَب، وأخاً لاَب وأُمّ، فإنّ الزوجة من أصحاب الفرائض تلحق بفريضتها وهي الربع والباقي للاَخ للاَب والا َُم، ولا ترث الا َُخت لاَب معه.

4ـ امرأة ماتت وخلّفت زوجاً، وعمّـاً من قبل الاَب والا َُم، وعمّة من قبل الاَب، فللزوج النصف سهمه المسمّى وما بقي للعم للاَب والا َُمّ، ولا يكون للعمّة من قبل الاَب شيء.

إلى غير ذلك من الصور التي يمكن أن ينطبق عليها الخبر.

قال السيد المرتضى، ولا عتب إذا قلنا إنّ الرواية وردت: في من خلّف أُختين لا َُمّ، وابن أخ، وبنت أخ لاَب وأُمّ، وأخاً لاَب فإنّ الا َُختين من الا َُمّ فرضهنّ الثلث وما بقي فلاَولى ذكر أقرب وهو الاَخ من الاَب وسقط ابن الاَخ وبنت الاَخ، لاَنّ الاَخ أقرب منهما. وفي موضع آخر وهو أن يخلف الميّت امرأة وعمّـاً وعمّةً، وخالاً وخالة، وابن أخ، فللمرأة الربع وما بقي فلاَولى ذكر وهو ابن الاَخ وسقط الباقون. والعجب أنّهم ورثوا الا َُخت مع البنت عصبة، فان قالوا: من حيث عصَّبها أخوها، قلنا: فألاّ جعلتم البنت عصبة عند عدم البنين ويكون أبوها هو الذي يعصِّبها.

وكذلك يلزمهم أن يجعلوا العمّة عند عدم العم عصبة في ما توجّه لاِنجازه وفعله، فإن قالوا: البنت لا تعقل عن أبيها، قلنا: والا َُخت أيضاً لا تعقل عن أخيها فلا تجعلوها عصبة مع البنات (1).


(1)الانتصار: 280.


(290)

الرواية الثانية:

ما أخرجه الترمذي، وابن ماجة، وأبو داود، وأحمد عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها من سعد إلى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فقالت : يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع لهما مالاً، ولا تُنكحان إلاّ ولهما مال، قال: يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية الميراث فبعث رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ إلى عمّهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أُمّهما الثمن وما بقي فهو لك (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ جابر بن عبد اللّه نقل نزول الآية في واقعة أُخرى قال السيوطي: أخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه، من طرق عن جابر بن عبد اللّه قال: عادني رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لا أعقل شيئاً فدعا بماء فتوضّأ منه ثم رشّ عليّ فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللّه؟ فنزلت : «يُوصيكُمُ اللّهُ فِـي أولادِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حظِّ الا َُنثيين(2) »واحتمال نزول الآية مرّتين، أو كون سبب النزول متعدّداً كما ترى.


(1)سنن الترمذي 4|باب ما جاء في ميراث البنات رقم 2092، سنن ابن ماجة: 2|908 باب فرائض الصلب رقم 272، سنن أبي داود:3|121، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2891.
(2)الدر المنثور: 2|124.


(291)

وثانياً: أنّ الرواية نقلت بصورة أُخرى وهي أنّ الوافدة إلى النبيّ كانت زوجة ثابت بن قيس بن شماس لا زوجة سعد بن الربيع (1).

وثالثاً: أنّ في سند الرواية من لا يصحّ الاحتجاج به وإليك البيان:

1ـ عبد اللّه بن محمد بن عقيل بن أبي طالب، والاَسانيد في سنن الترمذي وابن ماجة وابن داود، تنتهي إليه.

ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: كان منكر الحديث، لا يحتجّون بحديثه وكان كثير العلم، وقال بشر بن عمر: كان مالك لا يروي عنه، وقال يعقوب بن أبي شيبة عن ابن المديني: لم يدخله مالك في كتبه، قال يعقوب: وابن عقيل صدوق وفي حديثه ضعف شديد جداً، وكان ابن عيينه يقول: أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره فيهم، وقال ابن المديني عن ابن عيينة: رأيته يحدّث نفسه فحملته على أنّه قد تغيّر، إلى غير ذلك من الكلمات الجارحة التي تسلب ثقة الفقيه بحديثه (2).

2ـ الراوي عنه في سنن الترمذي هو عبيد بن عمرو البصري الذي ضعّفه الاَزدي وأورد له ابن عدي حديثين منكرين وضعّفه الدارقطني ووثّقه ابن حبَّان (3).

3ـ الراوي عنه في سنن أبي داود: بشر بن المفضّل، قال ابن سعد: كان ثقة


(1)البيهقي: السنن الكبرى ص 69 باب فرض الابنتين، وقد أخطأ البيهقي كون الابنتين لقيس وقال: إنّهما كانتا بنتي سعد، وقال أبو داود3|121 رقم 2891: أخطأ بشر فيه انّما هما ابنتا سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل يوم اليمامة.
(2)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 6|140 لاحظ بقيّة كلامه.
(3)المصدر نفسه: 4|121.


(292)

كثير الحديث عثمانياً (1).

إلى غير ذلك من رجال في الاَسانيد، مرميين بأُمور لا يحتج معها.

الرواية الثالثة:

روى الاَسود بن يزيد قال: «أتانا معاذ بن جبل باليمن معلّماً وأميراً، فسألناه عن رجل توفّي وترك ابنة وأُختاً؟ فقضى: أنّ للابنة النصف، وللا َُخت النصف . ورسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ حي (2).

وفي لفظ أبي داود : أنّ معاذ بن جبل ورث أُختاً وابنة، جعل لكلّ واحدة منهما النصف، وهو باليمن، ونبيّ اللّه يومئذ حي (3).

والاَثر يتضمّن عمل الصحابة وهو ليس بحجّة إلاّ إذا أُسند إلى المعصوم.

والرجوع إلى الآثار الواردة عن الصحابة في مجال الفرائض يعرب عن أنّه لم يكن عندهم احاطة بأحكام الفرائض، بل كل كان يفتي حسب معايير ومقاييس يتخيّلها صحيحة. ويكفي في ذلك اختلاف أبي موسى الاَشعري مع ابن مسعود في رجل ترك بنتاً وأُختاً وابنة ابن.

روى البخاري : سُئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن، وأُخت؟ فقال: للابنة النصف، وللا َُخت النصف وأْت ابن مسعود فسيتابعني، قال: سئل ابن مسعود


(1)ابن حجر: تهذيب التهذيب: 1|459.
(2)البخاري: الصحيح: 8|150 في الفرائض باب ميراث البنات، وباب ميراث الاَخوات مع البنات عصبة.
(3)صحيح أبي داود في الفرائض باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2893. ولاحظ جامع الا َُصول: 9|610 رقم 7394.


(293)

وأُُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، أقضي فيها بما قضى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : للابنة النصف، ولابنة ابنٍ السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللا َُخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم (1).

مضاعفات القول بالتعصيب:

ثمّ إنّه يلزم على القول بالتعصيب أُمور يأباها الطبع ولا تصدّقها روح الشريعة نأتي بنموذج واحد:

لو كان للميّت عشر بنات وابن، يأخذ الابن السدس، وتأخذ البنات خمسة أسداس، وذلك أخذاً بقوله سبحانه: «للذَّكر مثل حظّ الا َُنثيين» .

لو كان له مكان الابن، ابن عم للميّت، فللبنات فريضتها وهي الثلثان، والباقي أي الثلث لابن العم. فيكون الابن أسوأ من ابن العم.

قال السيد المرتضى: فإذا تبيّن بطلان القول بالتعصيب يظهر حكم كثير من المسائل، منها: فمن هذه المسائل أن يخلف الرجل بنتاً وعمّـاً فعند المخالف أنّ للبنت النصف والباقي للعم بالعصبة، وعندنا أنّه لا حظّ للعم والمال كلّه للبنت بالفرض والرد، وكذلك لو كان مكان العم ابن عم، وكذلك لو كان مكان البنت ابنتان، ولو خلف الميت عمومة وعمّـات أو بني عم وبنات عم فمخالفنا


(1)البخاري: الصحيح: 8|151 باب ميراث ابنة ابن مع ابنة، وسنن الترمذي: 4|415 باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب رقم2093، وسنن أبي داود: 3|120، باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2890.


(294)

يورّث الذكور من هوَلاء دون الاِناث لاَجل التعصيب، ونحن نورث الذكور والاناث. ومسائل التعصيب لا تحصى كثرة (1).

يقول المحقّق محمد جواد مغنية: إنّ الانسان أرأف بولده منه بإخوته، وهو يرى أنّ وجود ولده ذكراً أو أُنثى امتداد لوجوده، ومن هنا رأينا الكثير من أفراد الا َُسر اللبنانية الذين لهم بنات فقط يبدلون مذهبهم من التسنّن إلى التشيّع، لا لشيء إلاّ خوفاً أن يشترك مع أولادهم الاِخوان أو الاَعمام.

ويفكر الآن، الكثير من رجال السنّة بالعدول عن القول بالتعصيب، والاَخذ بقول الاِمامية من ميراث البنت تماماً كما عدلوا عن القول بعدم صحّة الوصيّة للوارث، وقالوا بصحّتها كما تقول الاِمامية، على الرغم من اتّفاق المذاهب على عدم الصحّة (2).


(1)الانتصار: 282.
(2)الفقه على المذاهب الخمسة: 517ـ 518.


(295)

المسألة الرابعة عشرة :

حكم الفرائض إذا عالت

إذا كانت الوراثة بالتعصيب، تجري عند نقص الفرائض عن استيعاب التركة، فالعول يعني زيادة الفرائض عليها وهو مأخوذ من «عال يعول عولاً»: إذا زادت، أو من العول بمعنى الميل، ومنه قوله سبحانه: «ذلكَ أنْ لا تَعُولُوا» (النساء|3). وكأنَّ الفريضة عايلة لميلها بالجور على أهل السهام بايراد النقص عليهم، أو من العول بمعنى الارتفاع يقال: عالت الناقة ذنبها: إذا رفعته، لارتفاع الفريضة بزيادة السهام. وعلى كل تقدير فمورد العول على طرف النقيض من مورد التعصيب.

إنّ مسألة العول أي زيادة الفرائض على سهام التركة، من المسائل المستحدثة التي لم يرد فيها نصّ عن رسول اللّه، وقد ابتلي بها عمر بن الخطاب عندما ماتت امرأة في عهده وكان لها زوج وأُختان فجمع الصحابة فقال لهم: فرض اللّه تعـالى للـزوج النصـف، وللا َُختين الثلثـين، فإن بـدأتُ للـــزوج لم يبق للا َُختين حقّهما، وإن بدأتُ للا َُختين لم يبق للزوج حقُّه فأشــيروا عليَّ، فاتّفق رأي أكثرهم (1) على العول أي إيراد النقص على الجميع من دون تقديم ذي فرض على


(1)وعلى ما نقله أبو طالب الاَنباري اتّفق عليه اثنان: عمر ، وعبد اللّه بن مسعود، وكانت الصحابة وفي مقدمهم الاِمام علي _ عليه السلام _على خلاف هذا القول ولكن القوّة التنفيذية حالت بينهم وبين رأيهم.


(296)

آخر، وخالف ابن عباس وقال: إنّ الزوجين يأخذان تمام حقّهما ويدخل النقص على البنات.

ومن ذلك العصر صار الفقهاء على فرقتين، فالمذاهب الاَربعة وما تقدّمها من سائر المذاهب الفقهية قالوا بالعول، والشيعة الاِمامية، تبعاً للاِمام علي وتلميذه ابن عباس على خلافه، فهم على ايراد النقص على البعض دون بعض من دون أن يكون عملهم ترجيحاً بلا مرجّح.

وخلاصة مذهب الشيعة الاِمامية: أنَّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قُدِّم ذوو السهام الموَكدة المذكورة من الاَبوين والزوجين على البنات، والاَخوات من الا َُم على الاَخوات من الاَب والا َُم أو من الاَب، وجعل الفاضل عن سهامهم لهنّ، وذهب ابن عباس ـ رحمة اللّه عليه ـ إلى مثل ذلك، وقال به أيضاً عطاء بن أبي رياح.

وحكى فقهاء السنّة هذا المذهب عن محمد بن علي بن الحسين الباقر ـ صلوات اللّه عليهم ـ ومحمد بن الحنفية ـ رضي اللّه عنه ـ وهو مذهب داود بن علي الاصبهاني، وقال باقي الفقهاء: إنّ المال إذا ضاق عن سهام الورثة قُسّم بينهم على قدر سهامهم، كما يفعل ذلك في الديون والوصايا إذا ضاقت التركة عنها، والذي يدل على صحّة ما نذهب إليه اجماع الطائفة عليه، فإنّهم لا يختلفون فيه، وقد بيّنا أنّ اجماعهم حجّة (1).

قال الشيخ الطوسي:

«العول عندنا باطل فكلّ مسألة تعول على مذهب المخالفين فالقول عندنا


(1)الانتصار: 284.


(297)

فيها بخلاف ما قالوه».

وبه قال ابن عباس وأُدخل النقص على البنات، وبنات الابن، والاَخوات للاَب والا َُم، أو للاَب.

وبه قال محمد بن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وداود بن علي. وأعالها جميع الفقهاء» (1).

ولاَجل إيضاح مذهب العول، لا بأس بالاِشارة إلى مسألة من مسائل العول المعروفة بأُمّ الفروخ (2)ونكتفي بعناوين الوارثين روماً للاختصار:

1ـ زوج وأُختان: للزوج النصف أي ثلاثة من ستة، وللا َُختين الثلثان أي أربعة منها. ومن المعلوم أنّ المال ليس فيه نصف وثلثان فلو أُخذ من الست، النصف، لا يفي الباقي بالثلثين وهكذا العكس فتعول السهام إلى السبعة (3+4=7).

فالقائل بالعول يقسّم التركة إلى سبعة سهام، مكان الستة فيعطي للزوج ثلاثة سهام، وللا َُختين أربعة سهام لكن من السبعة، وبذلك يُدخل النقص على الجميع، فلا الزوج ورث النصف الحقيقي ولا الا َُختان، الثلثين، بل أخذ كل أقل من سهمه المقرر.

2ـ تلك الصورة ومعهما أُخت واحدة من الا َُم فريضتها السدس، ومن المعلوم أنّ التركة لا تفي بالنصف والثلثين والسدس، فتعول التركة إلى ثمانية سهام


(1)الخلاف: 2، كتاب الفرائض: المسألة 81.
(2)وما ذكرناه قريب من أُم الفروخ المذكورة في الخلاف فلاحظ.


(298)

وذلك (3+4+1= 8).

فالقائل بالعول يورد النقص على الجميع، فيقسّم المال إلى ثمانية سهام، فيعطي للزوج ثلاثة. وللا َُختين أربعة، وللا َُخت من الا َُم واحداً، ولكن الكل من ثمانية أجزاء، فلا الزوج نال النصف، ولا الا َُختان الثلثين، ولا الا َُخت من الا َُم، السدس.

3ـ تلك الصورة ومعهم أخ من أُم وفريضته أيضاً السدس فتعول الفريض إلى تسعة وذلك (3+4+1+1= 9).

فيعطى للزوج ثلاثة، وللا َُختين أربعة، ولكلّ من الا َُخت والاَخ من الا َُم واحد لكن من تسعة أسهم، لا من ستة سهام، ولا يُمتَّع الزوج بالنصف، ولا الا َُختان بالثلثين، ولا الا َُخت والاَخ من الا َُم بالثلث إلاّ لفظاً.

وإنّما سمّيت أُمّ الفروخ لاَنّها تعول بوتر، وتعول بالشفع أيضاً.

وهناك مسألة أُخرى معروفة باسم المسألة المنبرية، وهي التي سُئل عنها الاِمام عليّ _ عليه السلام _ وهو على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير الموَمنين رجل مات وترك ابنتيه وأبويه وزوجة؟ فقال الاِمام _ عليه السلام _ : صار ثمن المرأة تسعاً، ومراده: أنّه على الرأي الرائج، صار سهمها تسعاً.

وذلك لاَنّ المخرج المشترك للثلثين والسدس والثمن هو عدد (24) فثلثاه (16) وسدساه (8) وثمنه (3) وعند ذلك تعول الفريضة إلى (27) سهماً، وذلك مثل (16+8+3= 27).

فالقائل بالعول، يورد النقص على جميع أصحاب الفروض، فيعطي


(299)

لاَصحاب الثلثين (16) سهماً وللاَبوين (8) سهام، وللزوجة (3) سهام، من (27)، بدل اعطائهم بهذا المقدار من (24) سهماً، والزوجة وإن أخذت (3) سهام، لكن لا من (24) سهماً حتى يكون ثمناً واقعياً، بل من (27) وهو تسع التركة التي هي(24) سهماً في الواقع (1).

هذه هي نظرية العول وبيانها بوجه سهل غير مبتن على المحاسبات الدقيقة وإن كان بيانه على ضوئها أتقن وأدق، فلنذكر أدلّة (2)القائلين به.

ويظهر من السيد المرتضى أنّ القائلين بالعول ربّما يوافقون الاِمامية في بعض الصور ، كامرأة ماتت وخلّفت بنتين وأبوين وزوجاً، والمال يضيق عن الثلثين والسدسين والربع فنحن بين أُمور: إمّا أن ندخل النقص على كل واحد من هذه السهام أو ندخله على بعضها، وقد أجمعت الا َُمّة على أنّ البنتين هاهنا منقوصتان بلا خلاف، فيجب أن نعطي الاَبوين السدس والزوج الربع، ويجعل ما بقي للابنتين، ونخصّهما بالنقص لاَنّهما منقوصتان بالاجماع (3).

أدلّة القائلين بالعول:

استدلّ القائلون بالعول بوجوه:

1ـ إنّ الدُّيّان يقتسمون المال على تقدير قصوره عن دينهم بالحصص، وكذلك الورّاث، والجامع الاستحقاق للمال.


(1)سهم الزوجة مجموع السهام 27 = 3 + 8 + 16.
(2)أخذنا الدلائل الثلاثة الا َُول من المغني: 6|242 مع تفصيل منّا.
(3)الانتصار: 284.


(300)

يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق فانّ الدين يتعلّق بالذمة، والتركة كالرهن عند الدائن، وبعبارة أُخرى: تعلّق الدين بعين المال تعلّق استحقاق لا تعلّق انحصار ، فلو لم يوَدّوا حقّ الغرماء فلهم مصادرة التركة واستيفاء طلبهم من باب التقاص، ولو قاموا بالتأدية من غير التركة فليس لهم أيّ اعتراض ولاَجل ذلك ليس بمحال أن يكون لرجل على رجل ألف، ولآخر ألفان، ولثالث عشرة آلاف وإن صار الدَّين أضعاف التركة، لاَنّ المديون أتلف مال الغير بالاستقراض والصرف، فصار مديوناً بما أتلف، كان بمقدار ماله أو أزيد أو أنقص فلا اشكال في تعلّق أضعاف التركة بالذمة لاَنّها تسع أكثر من ذلك.

وأمّا سهام الارث فانّها انّما تتعلّق بالتركة والاَعيان الموروثة، ومن المحال أن يكون للمال نصف، ونصف وثلث، فامتلاك الورثة من التركة بقدر هذه الفروض أمر غير معقول، فلابدّ أن يكون تعلّقها بشكل آخر تسعها التركة. بأن لا يكون لبعض أدلّة الفروض اطلاق يعمّ حالي الانفراد والاجتماع حتى لا يستلزم المحال، وسيوافيك بيان ماله اطلاق لحال الاجتماع مع سائر الفروض وما ليس له اطلاق.

وقد فصّل أصحابنا في نقد هذا الدليل وجوهاً وما ذكرناه أتقن.

قال المرتضى: ما يقولونه في العول أنّ الديون إذا كانت على الميّت ولم تف تركته بالوفاء بها، فإنّ الواجب القسمة للمال على أصحاب الديون بحسب ديونهم من غير ادخال النقص على بعضهم، وذلك أنّ أصحاب الديون مستوون في وجوب استيفاء أموالهم من تركة الميّت، وليس لاَحد مزية على الآخر في ذلك، فإن اتّسع المال لحقوقهم استوفوها، فإن ضاق تساهموه وليس كذلك مسائل العول، لاَنّا قد بيّنّا أنّ بعض الورثة أولى بالنقص من بعض، وأنّهم غير مستويين كاستواء


(301)

أصحاب الديون فافترق الاَمران (1).

2ـ إنّ التقسيط مع القصور واجب في الوصية للجماعة فالميراث كذلك، والجامع بينهما استحقاق الجميع التركة، فلو أوصى لزيد بألف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بعشرين ألفاً، وضاق ثلثه عن القيام بالجميع يُورد النقص على الجميع حسب سهامهم.

يلاحظ عليه: أنّ الحكم ليس بمسلّم في المقيس عليه حتى يستظهر حال المقيس منها. بل الحكم فيه أنّه يعطى الاَوّل فالاَوّل إلى أن يبقى من المال شيء ويسقط من لم يسعه الثلث، لاَنّه أوصى بشيء لم يملكه فتكون وصيّته باطلة.

نعم لو ذكر جماعة ثمّ سمّى، كما إذا قال: زيد وعمرو وبكر لكل واحد ألف، فعجز عنه مقدار ما ترك، فلا شك أنّه يدخل النقص على الجميع والفارق بينه وبين المقام هو تصريح الموصي بالعول،ولو ورد التصريح به في الشريعة ـ وأغضينا عمّـا سيوافيك ـ يجب اتباعه فكيف يقاس، مالم يرد فيه التصريح بما ورد.

3ـ إنّ النقص لابدّ من دخوله على الورثة على تقدير زيادة السهام أمّا عند العائل فعلى الجميع وأمّا عند غيره فعلى البعض لكن هذا ترجيح من دون مرجّح.

يلاحظ عليه: أنّ رفع الاَمر المحال بايراد النقص على الجميع فرع احراز صحّة أصل تشريعه، وأنّه يصحّ أن يتملّك شخص نصف المال، وآخر نصفه الآخر، وثالث ثلثه، وقد عرفت أنّه غير صحيح وأنّ المال لا يتحمّل تلك الفروض، ومع عدم صحّة تشريعه لا تصل النوبة إلى احتمال ورود النقص على


(1)الانتصار: 285.


(302)

الجميع، وتصويره بصورة العول، وايراد النقص على الجميع رجوع عن الفرض، واعتراف بأنّه ليس فيه نصفان وثلث. كما سيظهر عند بيان أدلّة القائلين ببطلانه.

أضف إلى ذلك وجود المرجّح الذي أشار إليه الاِمام أمير الموَمنين وتلميذه ابن عباس وسيأتي كلامهما. وكلام العترة الطاهرة.

4ـ ما رواه أبو طالب الاَنباري (1)باسناده عن سماك عن عبيدة السلماني، قال: كان علي _ عليه السلام _ على المنبر فقام إليه رجل فقال: يا أمير الموَمنين رجل مات وترك ابنتيه، وأبويه وزوجة؟ فقال علي _ عليه السلام _ : صار ثمن المرأة تسعاً. قالوا: إنّ هذا صريح في العول لاَنّكم قد قلتم إنّها لا تنقص عن الثمن وقد جعل _ عليه السلام _ ثمنها تسعاً (2).

وذيله دال على أنّ الاِمام ذكره مجاراةً للرأي السائد في ذلك العصر وإلاّ فمن يجهل بأنّ الاِمام وعترته الطاهرة وخريجي منهجهم ينكرون العول بحماس. وإليك الذيل:

قلت لعبيدة: وكيف ذلك؟ قال: إنّ عمر بن الخطاب وقعت في امارته هذه الفريضة فلم يدر ما يصنع وقال: للبنتين الثلثان، وللاَبوين السدسان، وللزوجة الثمن. قال: هذا الثمن باق بعد الاَبوين والبنتين، فقال له أصحاب محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» : اعط هوَلاء فريضتهم، للاَبوين السدس، وللزوجة الثمن، وللبنتين ما يبقى، فقال:


(1)هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الاَنباري شيخ من أصحابنا، ثقة في الحديث عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّي عام356، اقرأ ترجمته في رجال النجاشي: 2|41 رقم 615، وتنقيح المقال وغيره وهو الذي روى خبر تكذيب ابن عباس رواية التعصيب. وقد تقدمت الاشارة إليه أيضاً.
(2)سهم الزوجة مجموع السهام 27 = 3 + 8 + 16.


(303)

فأين فريضتهما الثلثان؟ فقال له علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ : لهما ما يبقى. فأبى ذلك عمر وابن مسعود فقال علي _ عليه السلام _ : على ما رأى عمر . قال عبيدة: وأخبرني جماعة من أصحاب علي _ عليه السلام _ بعد ذلك في مثلها أنّه أعطى للزوج الربع، مع الابنتين، وللاَبوين السدسين والباقي ردّ على البنتين وذلك هو الحق وإن أباه قومنا (1).

ويستفاد من الحديث أوّلاً: أنّ عليّاً وأصحاب النبيّ إلاّ شخصين كانوا يرون خلاف العول، وأنّ انتشاره لكون الخليفة يدعم ذلك آنذاك.

وثانياً: أنّ الاِمام عمل في واقعة برأيه وأورد النقص على البنتين فقط، وعلى ذلك يكون المراد من قوله ، فقال علي _ عليه السلام _ : على ما رأى عمر ، هو المجاراة والمماشاة، وإلاّ يصير ذيل الحديث مناقضاً له.

إلى هنا تمت دراسة أدلّة القائلين بالعول. فلنذكر أدلّة المنكرين.

أدلّة القائلين ببطلان العول:

1ـ يستحيل أن يجعل اللّه تعالى في المال نصفين وثلثاً، أو ثلثين ونصفاً ونحو ذلك ممّا لا يفي به وإلاّ كان جاهلاً أو عابثاً تعالى اللّه عن ذلك.

2ـ أنّ القول بالعول يوَدّي إلى التناقض والاغراء بالجهل، أمّا التناقض فقد بيّنا عند تفصيل القول بالعول أنّه إذا مات وترك أبوين وبنتين وزوجاً، وقلنا: إنّ فريضتهم من اثني عشر، فمعنى ذلك أنّ للاَوّلين أربعة من اثني عشر، وللثانيتين،


(1)الوسائل: 17، الباب 7، من أبواب موجبات الاِرث الحديث 14 ولاحظ التهذيب لشيخ الطائفة: 9|259 رقم 971.


(304)

ثمانية من اثني عشر ، وللزوج ثلاثة من اثني عشر ، فإذا أعلناها إلى خمسة عشر فأعطينا الاَبوين أربعة من خمسة عشر وللبنتين ثمانية من خمسة عشر، وللزوج ثلاثة من خمسة عشر ، فقد دفعنا للاَبوين (مكان الثلث) خمساً وثلُثه، وإلى الزوج (مكان الربع) خُمساً، وإلى الابنتين (مكان الثلثين) ثلثاً وخمساً وذلك نفس التناقض.

وأمّا الاغراء بالجهل، فقد سمّى اللّه سبحانه، الخمس وثلثه باسم الثلث، والخُمس باسم الربع، وثلثاً وخمساً باسم الثلثين (1).

والاَولى أن يقرّر الدليلان بصورة دليل واحد، موَلّف من قضية حقيقية بأن يقال: إذا جعل اللّه سبحانه في المال نصفين وثلثاً، فأمّا أن يجعلها بلا ضم حلولٍ ـ مثل العول ـ إليه، فيلزم كونه سبحانه جاهلاً أو عابثاً تعالى عن ذلك، وأمّا أن يجعل مع النظر إلى حلول مثل العول، فيلزم التناقض بين القول والعمل والاغراء مع كونه قبيحاً.

3ـ أنّه يلزم على القول بالعول تفضيل النساء على الرجال في موارد ومن المعلوم أنّه يخالف الشريعة الاِسلامية، منها ما يلي:

1ـ إذا خلّفت زوجاً وأبوين وابنا.

2ـ إذا خلّفت زوجاً وأُختين لا َُم، وأخاً لاَب.

بيان الملازمة: أنّه لو خلّفت المرأة زوجاً وأبوين، فعلى ظاهر النصوص،


(1)سهــام الاَبـوين مجموع السهـام 15 = 8 + 3 + 2 + 2 . للبنتين . سهم الزوج .


(305)

يدفع إلى الزوج النصف أي ثلاثة من ستة، وللا َُم اثنان من ستة، والباقي وهو الواحد للاَب، ولكن المذاهب لم تعمل بظاهر النصوص لاستلزامه تفضيل النساء على الرجال.

ولكنّه يلزمهم التفضيل في الموردين المتقدّمين على القول بالعول بالبيان التالي.

أنّهم التزموا في المورد الاَوّل بدفع الربع إلى الزوج والسدسين للاَبوين والباقي (وهو خمسة أسهم من اثني عشر ) للابن.

وفي المورد الثاني يدفع إلى الزوج النصف وإلى الا َُختين الثلث، والباقي وهو الواحد إلى الاَخ لاَب بلا عول.

ولكن: لو كان بدل الابن بنتاً وبدل الاَخ أُختاً لاَب فهما تأخذان أكثر من الذكر.

وذلك لاستلزامهما العول في كلتا الصورتين و ورود النقص على الجميع، وإن شئت التوضيح فلاحظ التعليقة (1).

ما هي الحلول لهذه المشكلة:

كان الاِمام عليّ يُندِّد القول بالعول ويقول: «إنّ الذي أحصى رمل عالج يعلم أنّ السهام لا تعول على ستة لو يبصرون وجهها لم تجز ستّة» (2) وقد تضافر


(1)لو كان ابناً 5 = 7 ـ 12 . 7 = 2 + 2 + 3 .
فلو كان مكان الابن بنتاً يلزم أن يكون نصيبها أكثر من الابن للبنت
لو كان الوارث أخاً لاَب 1 = 5 ـ 6 5 = 2 + 3
ولو كان مكان الاَخ أُختاً لاَب فسهمها وسهم الاَخ 8 = 3 + 2 + 3
(2)الوسائل: 17 الباب 6 من أبواب موجبات الارث، الحديث 7 و 9 و 14.


(306)

القول «السهام لا تعول» عن أئمّة أهل البيت (1).

وقد جاء تفصيل تاريخ العول في رواية ابن عباس وبيان الحلول التي لجأ إليها تلميذ الاِمام في رواية عبيد اللّه بن عبد اللّه وإليك نصَّها:

«جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض في المواريث فقال ابن عباس: سبحان اللّه العظيم أترون أنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً جعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟

فقال له زفر بن أوس البصري: فَمَن أوّل من أعال الفرائض؟

فقال: عمر بن الخطاب لما التفَّت الفرائض عنده ودفع بعضها بعضاً فقال: واللّه ما أدري أيّكم قدم اللّه وأيّكم أخّر وما أجد شيئاً هو أوسع من أن أُقسِّم عليكم هذا المال بالحصص، فأدخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عول الفرائض، و أيم اللّه لو قدّم مَن قدّم اللّه وأخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة.

فقال له زفر: وأيّها قدّم وأيّها أخّر؟

فقال: كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلاّ إلى فريضة فهذا ما قدّم اللّه. وأمّا ما أخّر: فلكلّ فريضة إذا زالت عن فرضها لم يبق لها إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر . فأمّا الذي قدَّم: فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء، والزوجة لها الربع، فإذا دخل عليها ما يزيلها عنه صارت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، والا َُم لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى


(1)الوسائل: 17 الباب 6 من أبواب موجبات الارث، الحديث:1 ، 2 ، 3 ، 5 ، 7 ، 8 ، 10 ، 11 ، 12 ، 15، 16.


(307)

السدس، ولا يزيلها عنه شيء، فهذه الفرائض التي قدّم اللّه. وأمّا التي أخّر: ففريضة البنات والاَخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهنّ الفرائض عن ذلك لم يكن لهنّ إلاّ ما بقى، فتلك التي أخّر، فإذا اجتمع ما قدّم اللّه وما أخّر بدىَ بما قدّم اللّه فأُعطي حقّه كاملاً ، فإن بقى شيء كان لمن أخّر، وإن لم يبق شيء فلا شيء له» (1).

فقد جاء في كلام ابن عباس ذكر الطوائف الذين لا يدخل بهم النقص وهم عبارة عن:

1ـ الـزوج. 2ـ الزوجـة. 3ـ الا َُم، وهـوَلاء يشاركون في أنّهم لا يهبطون عن فريضة إلاّ إلى فريضة أُخرى وهذا آية أنّ سهامهم محدودة لا تنقص.

وكان عليه أن يذكر الاَخ والا َُخت من أُمّ، لاَنّهم أيضاً لا يهبطون من سهم (الثلث) إلاّ إلى سهم آخر وقد جاء الجميع في كلام الاِمام أمير الموَمنين . روى أبو عمر العبدي عن علي بن أبي طالب أنّه كان يقول: الفرائض من ستة أسهم: الثلثان أربعة أسهم، والنصف ثلاثة أسهم، والثلث سهمان، والربع سهم ونصف، والثمن ثلاثة أرباع سهم، ولا يرث مع الولد إلاّ الاَبوان والزوج والمرأة، ولا يحجب الا َُم عن الثلث إلاّ الولد والاِخوة، ولا يزاد الزوج عن النصف ولا ينقص من الربع، ولا تزاد المرأة على الربع ولا تنقص عن الثمن، وإن كنّ أربعاً أو دون ذلك فهنّ فيه سواء، ولا تزاد الاِخوة من الا َُم على الثلث ولا ينقصون من السدس وهم فيه سواء الذكر والا َُنثى، ولا يحجبهم عن الثلث إلاّ الولد، والوالد، والدية تقسم


(1)الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الاِرث، الحديث: 6، لاحظ المستدرك للحاكم: 4|340 كتاب الفرائض والحديث صحيح علىشرط مسلم، وأورده الذهبي في تلخيصه اذعاناً بصحته.


(308)

على من أحرز الميراث (1).

نعم روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: أربعة لا يدخل عليهم ضرر في الميراث: الوالدان، والزوج، والمرأة (2) وبما أنّ المراد من المرأة هي الزوجة فلابدّ من تقييد الرواية بكلالة الا َُم. فإذا كان هوَلاء من قدّمهم اللّه ولا يزيد عليهم النقص، فيكون من أخّره اللّه عبارة عن البنت أو البنتين أو من يتقرّب بالاَب والا َُم أو بالاَب من الا َُخت أو الاَخوات.

روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: قلت له: ما تقول في امرأة تركت زوجها وإخوتها لا َُمّها وإخوة وأخوات لاَبيها؟ قال: للزوج النصف ثلاثة أسهم، ولاِخوتها من أُمّها الثلث سهمان الذكر والا َُنثى فيه سواء، وما بقي سهم للاِخوة والاَخوات من الاَب: «للذكر مثل حظ الا َُنثيين» لاَنّ السهام لا تعول ولاَنّ الزوج لا ينقص من النصف، ولا الاِخوة من الا َُم من ثلثهم فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث (3).

وورد تعبير لطيف في رواية الصدوق في عيون الاَخبار: عن الرضا ـ عليه السلام ـ في كتابه إلى المأمون وهو أنّه «وذو السهم أحقّ ممّن لا سهم له» (4).

ما الفرق بين البنت وكلالة الا َُم:

بقي الكلام في عدّ البنت والبنات والا َُخت والاَخوات، ممّن يدخل عليهم النقص دون الا َُخت والاَخ من الا َُم، مع أنّ الطوائف الثلاث على وتيرة واحدة.


(1)الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الاِرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.
(2)الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الاِرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.
(3)الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الاِرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.
(4)الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الاِرث، الحديث 12، 3 و 17 و 15.


(309)

فللبنت والبنات: النصف والثلثان، وللا َُخت والاَخوات: النصف والثلثان، ولكلالة الا َُم: الثلث والسدس. فما هو الفارق بين الطائفة الثالثة والا َُوليين؟

يتّضح الجواب ببيان أمر : وهو دخول الاَخ في كلالة الا َُم، لا يخرجها عن كونها وارثة بالفرض، فالواحد منها سواء كان ذكراً أم أُنثى له السدس، وغير الواحد، سواء كانوا ذكراً أم أُنثى، أو ذكراً وأُنثى لهم الثلث يقتسمون بالمناصفة.

وهذا بخلاف الطائفتين الا َُوليين فللبنت والا َُخت المنفردتين النصف، ولاَزيد من الواحدة الثلثان، ولو انضمّ إليهما الاَخ فللذكر مثل حظّ الا َُنثيين في الطائفتين، أي لا يرثن بالفرض بل بالقرابة.

وعلى ذلك وكلالة الا َُم مطلقاً وارثة بالفرض لا ترث إلاّ به، بخلاف البنت وأزيد، أو الا َُخت وأزيد، فربّما يرثن بالقرابة وذلك فيما إذا انضمّ إليهنّ الاَخ.

إذا عرفت ما ذكرنا فنقول:

إنّ كلالة الا َُم، ترث بالفرض مطلقاً كان معهم ذكر أو لا، تفرّدت من الطبقة بالارث أو لا، فلو لم يكن وارث سواها ترث الثلث فرضاً والباقي ردّاً. ولا ينقص حظّهم في صورة من الصور لو لم يزد عند الرد، وهذا آية عدم ورود النقص عند التزاحم.

وبالجملة: لا نرى فيهم أيّ ازالة من الفرض في حال من الحالات ولا ورود نقص عليهم عند تطوّر الاَحوال. وهذا بخلاف البنت والا َُخت فلو دخل فيهم: الاَخ، يتغيّر الفرض من النصف أو الثلثين، إلى مجموع ما ترك بعد دفع سهام الآخرين كالوالدين، أو كلالة الا َُم، ثم يقتسمون بالتثليث وتنقص حظوظ البنت


(310)

أو البنات أو الا َُخت والاَخوات عن النصف والثلثين بكثير، وهذا آية جواز دخول النقص عليهم عند التزاحم.

وبعبارة أُخرى: أنّ كلالة الا َُم ترث دائماً بالفرض حتى فيما إذا تفرّدت، وأمّا الطائفتان الا َُوليان فإنّما ترثان بالفرض تارة كما إذا لم يكن بينهم أخ، وأُخرى بالقرابة فقط كما إذا انضمّ الاَخ إليهنّ. وأيضاً: كلالة الا َُم لا يرد عليها النقص ولا ينقص حظهم عن الثلث والسدس، بخلاف الاَخيرتين فينقص حظّهما عن النصف والثلثين.

ولعلّه إلى ما ذكرنا من التوضيح يشير صاحب الجواهر بقوله: «دون من يتقرّب بالا َُم الذي لا يرث إلاّ بالفرض، بخلاف غيره فإنّه يرث به تارة وبالقرابة أُخرى كالبنت والبنتين، اللَّتين ينقصن إذا اجتمعن مع البنين عن النصف أو الثلثين بنصّ الآية لاَنّ للذكر حينئذ مثل حظّ الا َُنثيين» (1).

وقال العاملي: «ويدخل النقص على البنت والبنات لاَنّهنّ إذا اجتمعن مع البنين ربّما نقصن عن العشر أو نصفه لنصّ الآية «للذكر مثل حظّ الا َُنثيين» وكذا الحال في الاِخوة والاَخوات من قبل الاَب أو من قبلهما» (2).

قال المحقّق: يكون النقص داخلاً على الاَب أو البنت أو البنتين أو من يتقرّب بالاَب والا َُم أو بالاَب من الا َُخت والاَخوات دون من يتقرّب بالا َُم، ولم يذكر العلاّمة في القواعد (3)«الاَب» وهو الصحيح لاَنّ الكلام في المقام هو


(1)الجواهر 39: 110. وحاشية جمال الدين على الروضة البهية: 2|297 في هامش الكتاب.
(2)مفتاح الكرامة: 8|120.
(3) المصدر نفسه.


(311)

زيادة الفروض على التركة، فيقع الكلام في تقديم بعض أصحاب الفروض على بعض، وأمّا الوارث الذي ليس بصاحب فرض وإن كان في جنب ذيه فهو خارج عن محل البحث، والاَب كذلك لاَنّه مع الولد للميّت لا ينقص فرضه عن السدس (1) ومع عدمه ليس ذا فرض بخلاف الا َُم فإنّها من ذوات الفروض مطلقاً.

وليعلم أنّ عامل العول هو الزوج أو الزوجة إذا اجتمع أحدهما مع البنت أو البنات، أو مع الا َُخت أو الاَخوات من قبل الاَبوين أو لاَب، وإلاّ لما يلزم العول.

وعلى ذلك:

1ـ فلو خلفت زوجـاً وأبوين وبنتـاً، يختصّ النقص بالبنت بعد الربع والسدس.

2ـ لو خلفت زوجاً وأحد الاَبوين وبنتين، يختصّ النقص بهما بعد الربع والسدسين.

3ـ لو خلـف زوجـة وأبوين وبنتين، يختـصّ النقـص بهما بعد الثـمن والسدسين.

4ـ لو خلفـت زوجـاً مع كلالة الا َُم وأُختاً أو أخوات لاَب وأُم أو لاَب، يدخل النقص بالا َُخت أو الاَخوات بعد النصف والسدس إن كانت الكلالة واحدة أو الثلث إن كانت متعدّدة.


(1)الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الارث الحديث 2و 4 و 10.


(312)

بقيت هنا نكات نذكرها:

1ـ إنّ الآثار المروية عن ابن عباس تشهد على أنّ حبر الا َُمّة كان قاطعاً ببطلان العول على حد كان مستعدّاً للمباهلة. قال ابن قدامة: روي عن ابن عباس أنه قال في زوج وأُخت وأُم: من شاء باهلته أنّ المسائل لا تعول، إنّ الذي أحصى رمل عالج عدداً، أعدل من أن يجعل في مال نصفاً ونصفاً وثلثاً، هذان نصفان ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فسُمِّيت هذه المسألة، مسألة المباهلة لذلك (1).

2ـ إنّ فقيه المدينة: الزهري كان يستحسن فتوى ابن عباس ويقول: إنّها الحجّة لولا أنّه تقدّم عليه عمر بن الخطاب.

روى الشيخ في الخلاف عن عبيد اللّه بن عبد اللّه وزفر بن أوس البصري أنّهما سألا ابن عباس: من أوّل من أعال الفرائض؟ قال: عمر بن الخطاب، قيل له: هلا أشرت به عليه؟ قال: هبته وكان أمره مهيباً، قال الزهري: لولا أنّه تقدّم ابن عباس، امام عدل وحكم به وأمضاه وتابعه الناس على ذلك لما اختلف على ابن عباس اثنان (2).

3ـ إنّ موسى جار اللّه قد أطنب الكلام في مسألة «العول» إلى حدّ مملّ جداً وأخذ يجترّ كلاماً واحداً، وحصيلة كلامه: يغلب على ظنّي أنّ القول بأنّ لا عول عند الشيعة، قول ظاهري فإنّ العول هو النقص فإن كان النقص في جميع السهام


(1)المغني: 6|241 ونقله عن ابن عباس أكثر من تعرّض للمسألة.
(2)الخلاف: 2|282، المسألة 81 وغيره.


(313)

بنسبة متناسبة، فهو العول العادل أخذت به الا َُمة وقد حافظت على نصوص الكتاب، وإن كان النقص في سهم الموَخّر، فهو العول الجائر أخذت به الشيعة وخالفت به نصوص الكتاب (1).

يلاحظ عليه:

1ـ أنّ المعنى المنـاسب للعـول في المقام هـو الارتفـاع أو الميل إلى الجـور ، وتفسيره بالنقص ـ لو افترضنا صحّة استعماله فيه ـ غير مناسب جداً، لظهور ارتفاع الفرائض عن سهام التركة، وارتفاعها وإن كان ملازماً لنقص التركة عن الاجابة لجميع الفروض، لكن ينظر إلى المسألة من زاوية ارتفاع الفرائض دون نقصان سهام التركة ولاَجل ذلك يقول ابن عباس: «وأيم اللّه لو قدّموا من قدّم اللّه، وأخّروا من أخّر اللّه ما عالت فريضة» ومن المعلوم عدم صحّة تفسيره بـ «وما نقصت الفريضة».

2ـ سلّمنا أنّ العول بمعنى النقص لكن رمي الشيعة بأنّهم يقولون به حيث إنّهم يوردون النقص على الموَخّر، غفلة من نظرهم، فانّ النقص إنّما يتصوّر إذا كان الموَخّر ذا فرض، ولكنّه عندهم ليس بذي فرض بل يرث بالقرابة كسائر من يرثون بها وعندئذ لا يصدق النقص أبداً في هذه الحالة.

يشهد بذلك كلام ابن عباس حيث يفسّـر المقدّم بأنّه ممّن له فرضان، والموَخّر بأنّه ممّن ليس له إلاّ فرض واحد وهو في غير هذا المورد: حيث قال في جواب «زفر» الذي سأله عمّن قدّمه ومن أخّره؟ فقال: والذي أهبطه من فرض إلى


(1) الوشيعة في نقض عقائد الشيعة، وقد نقلنا كلامه مجرّداً عن الطعن بأئمّة أهل البيت.


(314)

فرض فذلك الذي قدّمه، والذي أهبطه من فرض إلى ما بقى فذلك الذي أخّره اللّه (1)، وبعبارة أُخرى: إنّ الذي أخّره اللّه لم يجعل له حقّا والاجتماع فيرث ما بقى، وليس هو بذي فرض في هذا الفرض لكونه وارثاً بالقرابة. وبذلك تبيّن أنّه لا عول عند الشيعة بالمعنى المصطلح عند الفقهاء.

3ـ ما ذكره من أنّ السنّـة حافظت على نصوص الكتـاب ولكن الشيعة بادخال النقص على الموَخّر خالفت نصوصه، من أعاجيب الكلام، فإذا كان في دخول النقص على الموَخّر (على وجه المسامحة) مخالفة لظاهر الكتاب ففي دخولها على الجميع مخالفة مضاعفة، فقد عرفت في ما سبق أنّ من فرض اللّه له النصف أعطوه أقلّ منه، ومن فرض له الثلثان أعطوه أقلّ منهما. فكيف لا يكون فيه مخالفة (2).


(1)لاحظ الوسائل: 17 الباب 7 من أبواب موجبات الارث، الحديث 6.
(2) وقد كفانا في نقد ما اختلقه من الشبهات أو أخذها ممّن تقدم عليه: العلمان الجليلان: السيد عبد الحسين العاملي في كتابه «أجوبة موسىجار اللّه». والسيد محسن العاملي في «نقض الوشيعة» ـ قدّس اللّه أسرارهما ـ.


(315)

المسألة الخامسة عشرة :

التقيّة

(*)

التقيّة من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، وفي تلك الآيات إشارات واضحة إلى الموارد التي يلجأ فيها الموَمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة، ليصون بها نفسه وعرضه وماله، أو نفس من يمتُّ إليه بصلة وعرضَه ومالَه، كما استعملها موَمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل (1)ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل (2)إلى غير ذلك من الموارد الواردة في الكتاب والسنّة، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها، مفهوماً وغايةً ودليلاً وحدّاً، حتى نتجنَّب الافراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق.


* جعل التقية من المسائل الفقهية لاَجل اتّصافها بالجواز والمنع عند الفقهاء، وهذا يكفي في كونها مسألة فقهية، مضافاً إلى البحث عن صحّة الاَعمال الموافقة للتقيّة وعدمها.
(1)القصص: الآية 20.
(2)النحل: الآية 106.


(316)

إنّ التقية، إسم لـ «إتّقى يتّقي» (1)والتـاء بدل من الواو، وأصله من الوقاية، ومن ذلك اطلاق التقوى على اطاعة اللّه، لاَنّ المطيع يتخذها وقاية من النار والعذاب. والمراد هو التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ.

مفهومها:

إذا كانت التقية هي اتخاذ الوقاية من الشرِّ، فمفهومها في الكتاب والسنّة هو: إظهار الكفر وإبطان الاِيمان، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق. وإذا كان هذا مفهومها، فهي تُقابل النفاق، تَقابُل الاِيمان والكفر، فإنّ النفاق ضدها وخلافها، فهو عبارة عن إظهار الاِيمان وابطان الكفر، والتظاهر بالحقّ واخفاء الباطل، ومع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدها من فروع النفاق.

نعم: من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن، وبه صوَّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه، فقد فسّـره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن، فإنّه يُعرِّف المنافقين بالمتظاهرين بالاِيمان والمبطنين للكفر بقوله تعالى: «إذَا جَاءَكَ المنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ» (2)فإذا كان هذا حدُّ المنافق فكيف يعمُ من يستعمل التقية تجاه الكفار والعصاة فيخفي إيمانه ويظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس،


(1)قال ابن الاَثير في النهاية: 5|217:وأصل اتقى: أوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثمّ أُبدلت تاء وأُدغمت. ومنه حديث علي ـ عليهالسّلام ـ : كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول اللّه، أي جعلناه وقاية من العدوّ. ولاحظ لسان العرب مادة «وقى».
(2)المنافقون: الآية 1.


(317)

والعرض والمال من التعرّض ؟!

ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الاِسلامي، ولو كانت من قسم النفاق، لكان ذلك أمراً بالقبيح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به: «قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ» (1).

غايتها:

الغاية من التقية: هي صيانة النفس والعرض والمال، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها الموَمن أن يعلن عن موقفه الحق صريحاً خوفاً من أن يترتّب على ذلك مضار وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة كممارسة الحكومات الظالمة الارهاب، والتشريد والنفي، والقتل والتنكيل، ومصادرة الاَموال، وسلب الحقوق الحقة، فلا يكون لصاحب العقيدة الذي يرى نفسه محقاً محيص عن إبطانها، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل، إلى أن يُحدِث اللّه أمراً.

إنّ التقية سلاح الضعيف في مقابل القوي الغاشم، سلاح من يبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله، لا لشيء إلاّ لاَنّه لا يتفق معه في بعض المبادىَ والاَفكار.

إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابد منها من أجل اغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوة، فيتظاهر


(1)الاَعراف: الآية 28.


(318)

بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولاً إلى ذلك كما كان عليه موَمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم.

إنّ أكثر من يَعيبُ التقية على مستعملها، يتصوّر أو يصوِّر أنّ الغاية منها هو تشكيل جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب، كما هو المعروف من الباطنيين والاَحزاب الاِلحادية السرية، وهو تصوّر خاطىَ ذهب إليه أُولئك جهلاً أو عمداً دون أن يركزّوا في رأيهم هذا على دليل ما أو حجة مقنعة، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يذكره، ولو لم تُلجىَ الظروف القاهرة والاَحكام المتعسفة هذه الجموع المستضعفة من الموَمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية، ولما تحمّلوا عبء اخفاء معتقداتهم ولدعوا الناس إليها علناً ودون تردّد، إلاّ أنّ السيف والنطع سلاح لا تتردد كل الحكومات الفاسدة من التلويح به أمام من يخالفها في معتقداتها وعقائدها.

أين العمل الدفاعي من الاَعمال البدائية التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرية للاِطاحة بالسلطة وامتطاء ناصية الحكم، فأعمالهم كلها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة.

وهوَلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكل قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشوَومة.

إنّ القول بالتشابه بين هوَلاء وبين من يتخذ التقية غطاءً، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شر الغير، حتى لا يُقْتَل ولا يُستأصل، ولا تُنهب داره وماله، إلى أن يُحدث اللّه أمراً، من قبيل عطف المبائن على مثله.

إنّ المسلمين القاطنين في الاتحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب


(319)

والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولاأن تتصورها، فإنّ الشيوعيّين طيلة تسلّطهم على المناطق الاِسلامية قلبوا لهم ظهر المِجَنّ، فصادروا أموالهم وأراضيهم، ومساكنهم، ومساجدهم، ومدارسهم، وأحرقوا مكتباتهم، وقتلوا كثيراً منهم قتلاً ذريعاً ووحشياً، فلم ينج منهم إلاّ من اتقاهم بشيء من التظاهر بالمرونة، واخفاء المراسم الدينية، والعمل على اقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم اللّه سبحانه بانحلال تلك القوة الكافرة، فبرز المسلمون إلى الساحة من جديد، فملكوا أرضهم وديارهم، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها اللّه تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين.

فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها، وكانت هذه غايتها وهدفها، فهو أمر فطري يسوق الانسان إليه قبل كل شيء عقلُه ولبُّه، وتدعوه إليه فطرته، ولاَجل ذلك يستعملها كل من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يترددون عن التنكيل بكل من يعارضهم في ذلك، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها.

ولاَجل دعم هذا الاَصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن والسنّة.

دليلها في القرآن والسنّة:

شرّعت التقية بنص القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة (1). سنحاول استعراضها في الصفحات التالية:


(1)غافر : الآية 28 و 45، والقصص: الآية 20 وستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.


(320)

الآية الا َُولى:

قال سبحانه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَـانِ وَلَـكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (النحل| 106).

ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً منهم، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالاِيمان، وصرّح بذلك لفيف من المفسرين القدامى والجدد، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنّباً عن الاِطالة والاسهاب، ولمن يبتغي المزيد فعليه بمراجعة كتب التفسير المختلفة:

1ـ قال الطبرسي: قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّـار وأبوه ياسر وأُمّه سمية، وقُتلَ الاَبوان لاَنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبيّ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه، فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّـار بذلك رسول اللّه، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّـار، فقال الرسول: كلاّ إنّ عمّـاراً مُلىَ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الاِيمان بلحمه ودمه.

وفي ذلك نزلت الآية السابقة، وكان عمّـار يبكي، فجعل رسول اللّه يمسح عينيه ويقول: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت (1).

2ـ وقال الزمخشري: روي أنّ أُناساً من أهل مكّة فُتِنُوا فارتدّوا عن الاِسلام بعد دخولهم فيه، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للاِيمان، منهم عمّـار بن ياسر وأبواه: ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخباب.


(1)الطبرسي: مجمع البيان: 3|388.


(321)

أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً ... (1).

3ـ وقال الحافظ ابن ماجة: «والايتاء: معناه الاعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية، والتقية في مثل هذه الحال جائزة لقوله تعالى: «إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمَـانِ» » (2).

4ـ وقال القرطبي: قال الحسن: التقية جائزة للانسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال: ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا اثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالاِيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي (3).

5ـ قال الخازن: «التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة، قال اللّه تعالى: «إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالاِيمان» ثمّ هذه التقية رخصة» (4).

6ـ قال الخطيب الشربيني: « «إلاّ من أُكره» أي على التلفّظ به «وقلبه مطمئن بالاِيمان» فلا شيء عليه لاَنّ محل الاِيمان هو القلب» (5).

7ـ وقال إسماعيل حقّي: « «إلاّ من أُكره» أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه ... لاَنّ الكفر اعتقاد، والاكراه على القول دون الاعتقاد، والمعنى: «ولكن المكره على الكفر باللسان»، «وقلبه مطمئن»


(1)الزمخشري: الكشاف عن حقائق التنزيل: 2|430.
(2)ابن ماجة: السنن: 1|53، شرح حديث رقم 150.
(3)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن : 4|57.
(4)تفسير الخازن: 1|277.
(5)الخطيب الشربيني: السراج المنير. في تفسير الآية.


(322)

«بالاِيمان» لا تتغير عقيدته، وفيه دليل على أنّ الاِيمان المنجي المعتبر عند اللّه، هو التصديق بالقلب» (1).

الآية الثانية:

قال سبحانه: «لا يَتَّخِذِ الْمُوَْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْموَْمِنِينَ وَمَن يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِـي شَـيْءٍ إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلى اللّهِ الْمصيرُ » (2).

وكلمات المفسّـرين حول الآية تغنينا عن أي توضيح:

1ـ قال الطبري: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة » : قال أبو العالية: التقية باللسان، وليس بالعمل، حُدّثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة » قال: التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو للّه معصية فتكلم مخافة نفسه «وقلبه مطمئن بالاِيمان» فلا اثم عليه، إنّما التقية باللسان (3).

2ـ وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة »: رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم، والمراد بتلك الموالاة: مخالفة ومعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع (4).


(1)إسماعيل حقي: تفسير روح البيان: 5|84.
(2)آل عمران: الآية 28.
(3)الطبري: جامع البيان : 3|153.
(4)الزمخشري: الكشاف: 1|422.


(323)

3ـ قال الرازي في تفسير قوله تعالى: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة»: المسألة الرابعة: اعلم: أنّ للتقية أحكاماً كثيرة ونحن نذكر بعضها:

ألف: إنّ التقيّة إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار، ويخاف منهم على نفسه، وماله، فيداريهم باللسان، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كل ما يقول، فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.

ب: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة: لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (1).

4ـ وقال النسفي: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة » إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتّقاوَه، أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك اظهار الموالاة وإبطان المعاداة (2).

5ـ وقال الآلوسي: وفي الآية دليل على مشروعية التقية وعرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شر الاَعداء. والعدو قسمان:

الاَوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين، كالكافر والمسلم.

الثاني: من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية، كالمال والمتاع والملك والامارة (3).


(1)مفاتيح الغيب: 8|13.
(2)النسفي: التفسير بهامش تفسير الخازن: 1|277.
(3)الآلوسي: روح المعاني: 3|121.


(324)

6ـ وقال جمال الدين القاسمي: ومن هذه الآية: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة » استنبط الاَئمّة مشروعية التقية عند الخوف، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الاِمام مرتضى اليماني في كتابه (ايثار الحق على الخلق) (1).

7ـ وفسّـر المراغي قوله تعالى: « إلاّ أن تتقوا منهم تقاة » بقوله: أي إنّ ترك موالاة الموَمنين للكافرين حتم لازم في كل حال إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يُتّقى ذلك الشيء، إذ القاعدة الشرعية «انّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».

وإذا جازت موالاتهم لاتقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين، وإذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الا َُولى إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة، وليس لها أن تواليها في شيء يضر المسلمين، ولا تختص هذه الموالاة بحال الضعف، بل هي جائزة في كل وقت.

وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الانسان أو يفعل ما يخالف الحق، لاَجـل توقّي ضرر من الاَعـداء يعود إلى النفس، أو العرض، أو المال.

فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك، وقلبه مطمئن بالاِيمان، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مليىَ بالاِيمان وفيه نزلت الآية:

«مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمان» (2).


(1)جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: 4|82.
(2)تفسير المراغي: 3|136.


(325)

هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالاً إلاّ أن يحكم بشرعية التقيّة بالمعنى الذي عرفته بل قد لا يجد أحد مفسّـراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها يتردد في الحكم بجوازها، كما أنّك أخي القارىَ لا تجد انساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها.

وامّا المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها، فإنّما يفسّـرها بالتقية الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرية والمذاهب الهدّامة كالنصيرية والدروز، والباطنية كلّهم، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقية الهدامة لكل فضيلة رابية.

الآية الثالثة:

قوله سبحانه:

«وَقَالَ رَجُلٌ مُوَْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّـيَ اللّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يهدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ»(1).

وكانت عاقبة أمره أن: «وَقَاهُ اللّهُ سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ »(2).

وما كان ذلك إلاّ لاَنّه بتقيّته استطاع أن ينجي نبيّ اللّه من الموت: «قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الملاَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ» (3).

وهذه الآيات تدل على جواز التقية لانقاذ الموَمن من شرّ عدوّه الكافر.


(1)غافر : الآية 28.
(2)غافر : الآية 45.
(3)القصص : الآية 20.


(326)

اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصة:

إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتقاء المسلم من الكافر، ولكن المورد ليس بمخصّص لحكم الآية، إذ ليس الغرض من تشريع التقية عند الابتلاء بالكفار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذ ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر، كأن ينكل به أو ينهب أمواله أو يقتله، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم العقل السليم بصيانة النفس والنفيس عن طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية، ولو كان هناك وزر فإنّما يتوجّه على من يُتقى منه لا على المتقي، فلو سادت الحرية جميع الفرق الاِسلامية، وتحمّلت كل فرقة آراء الفرقة الا َُخرى لوقفت على أنّ الرأي الآخر هو نتيجة اجتهادها، ولما اضطرّ أحد من المسلمين إلى استخدام التقية، ولساد الوئام مكان النزاع.

وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به، وإليك نصوص بعضهم:

1ـ يقول الاِمام الرازي في تفسير قوله سبحانه: «إلاّ أن تتقوا منهم تقاة»: ظاهر الآية يدل على أنّ التقية إنّما تحل مع الكفار الغالبين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي اللّه عنه ـ: أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقية محاماة عن النفس، وقال: التقية جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله «صلى الله عليه وآله وسلم»: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «من قتل دون ماله فهو شهيد» (1).


(1)الرازي: مفاتيح الغيب : 8|13 في تفسير الآية.


(327)

2ـ ينقل جمال الدين القاسمي عن الاِمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحق على الخلق» ما نصّـه: «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقية عند ذلك بنص القرآن، واجماع أهل الاِسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحق، ولا برح المحق عدوّاً لاَكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة ـ رضي اللّه عنه ـ أنّه قال ـ في ذلك العصر الاَوّل ـ: حفظت من رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم (1).

3ـ وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: «مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِيمَـان»: ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّـم في وجوههم وبذل المال لهم، لكف أذاهم وصيانة العرض منهم، ولا يعد هذا من الموالاة المنهي عنها، بل هو مشروع، فقد أخرج الطبراني قوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _: «ما وَقَى الموَمن به عرضَه فهو صدقة» (2).

إنّ الشيعة تتقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لاَجلها يتقيهم السنّي، غير أنّ الشيعي ولاَسباب لا تخفى، يلجأ إلى اتقاء أخيه المسلم لا لقصور في الشيعي، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك لاَنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده الذي هو موافق لا َُصول الشرع الاِسلامي وعقائده، نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول: إنّ اللّه ليس له جهة، أو أنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لاَهل البيت بعد رحلة النبي


(1)جمال الدين القاسمي: محاسن التأويل: 4|82.
(2)مصطفى المراغي: التفسير : 3|136.


(328)

الاَكرم، أو أنّ حكم المتعة غير منسوخ. إنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتـاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر. وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب، جمود على ظاهر الآية وسد لباب الفهم، ورفض للملاك الذي شُـرّعت لاَجله التقية، واعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الاَهم إذا عارض المهم.

والتاريخ بين أيدينا يحدثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تودي بحياتهم وبما يملكون، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه (7|195ـ 206) عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الاِقرار بخلق القرآن قسراً حتى وإن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة، ولما أبصر أُولئك المحدثون حد السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم، ولما عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون برّروا عملهم بعمل عمّـار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئن بالاِيمان، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة.

الظروف العصيبة التي مرّت بها الشيعة:

الذي دفع بالشيعة إلى التقية بين اخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة فلو لم يكن هناك في غابر القـرون ـ من عصـر الاَمويين ثمّ


(329)

العباسيين والعثمانيين ـ أي ضغط على الشيعة، ولم تكن بلادهم وعقر دارهم مخضّبة بدمائهم والتاريخ خير شاهد على ذلك، كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية وأن تحذفها من ديوان حياتها، ولكن ياللاَسف إنّ كثيراً من اخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الاَمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم، فكانوا يوَلِّبون العامة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكلون بهم، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة، بل لكل من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد عن المبادىَ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله.

والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعد، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها: فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا، وإليك نص ما ذكرته المصادر عن هذه الواقعة لتدرك محنة الشيعة:

بيان معاوية إلى عمّاله:

روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني في كتاب «الاَحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة، وعلى كل منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي _ عليه السّلام _ فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لاَنّه كان منهم أيام


(330)

علي _ عليه السّلام _ ، فقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الاَيدي والاَرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية إلى عمّـاله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لاَحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.

ثمّ كتب إلى عمّـاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: من اتهمتموه بموالاة هوَلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي _ عليه السّلام _ ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سرّه، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدّثه حتى يأخذ عليه الاَيمان الغليظة، ليكتمن عليه.

وأضاف ابن أبي الحديد: فلم يزل الاَمر كذلك حتى مات الحسن بن علي _ عليهما السّلام _ ، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الاَرض.

ثمّ تفاقم الاَمر بعد قتل الحسين _ عليه السّلام _ ، وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولّـى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنّهم أيضاً أعداوَه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من علي _ عليه السّلام _ وعيبه، والطعن فيه، والشنان له، حتى أنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جد الاَصمعي ـ عبد الملك بن قريب بن قريب فصاح به: أيّها الاَمير إنّ أهلي عقوني فسمّوني علياً، وإنّي فقير وبائس وأنا إلى صلة الاَمير


(331)

محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسّلتَ به، قد ولّيتك موضع كذا (1).

ونتيجة لذلك شهدت أوساط الشيعة مجازر بشعة على يد السلطات الغاشمة، فقتل الآلاف منهم، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرّض إلى شتى صنوف التنكيل والارهاب والتخويف، والحق يقال إنّ من الا َُمور العجيبة أن يبقى لهذه الطائفة باقية رغم كل ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع، بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوّة وعدة، وأقامت دولاً وشيّدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكّرين.

فلو كان الاَخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي، وأن لا يضيق عليه في الحرية التي سمح بها الاِسلام لاَبنائه، وليعذره في عقيدته وعمله كما هو عذر أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدور فكيف بطائفة تدين بدينه وتتفق معه في كثير من معتقداته، وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين.

وإذا كانـوا يقـولـون ـ وذاك هـو العجيب ـ انّ الخـروج على الاِمام علي _ عليه السّلام _ غير مضر بعدالة الخارجين والثائرين عليه، وفي مقدمتهم طلحة والزبير وأُمّ الموَمنين عائشـة، وإنّ إثـارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتـل كثير من الصحابة والتابعين وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد


(1)شرح نهج البلاغة: 11|44ـ 46.


(332)

وأخطأ فَلِمَ لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ويذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!

نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى، حسب قوّة الضغط وضآلته، فشتان بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت، ويكرم العلويين، وبين عصر المتوكل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة.

فهذا ابن السكيت أحد أعلام الاَدب في زمن المتوكل، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً: أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكيت: واللّه إنّ قنبر خادم علي ـ عليه السّلام ـ خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك به فمات. وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين، وقيل ثلاث وأربعين، وكان عمره ثمانية وخمسين سنة. ولما مات سيَّر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال: هذه دية والدك !! (1).

وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي:

اكلّ أوانٍ للنبيّ محمّد * قتيل زكيّ بالدماء مضرَّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم * لبلواكم عمّـا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم * تضيء مصابيح السماء فتسرجُ (2)


(1)ابن خلكان: وفيات الاَعيان: 3|33. الذهبي: سير أعلام النبلاء : 12|16.
(2)ديوان ابن الرومي : 2|243.


(333)

فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم ؟!

قال العلاّمة الشهرستاني: إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية. إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها لاَنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحرية في عهد الدولة الاَموية كلّه، وفي عهد العباسيين على طوله، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية، ولاَجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أي قوم، ولما كانت الشيعة، تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين وفي كثير من الاَحكام الفقهيّة، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الاَئمّة من آل البيت مضطرّة في أكثر الاَحيان إلى كتمان ما تختص به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس، والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمين، لئلاّ تنشق عصا الطاعة، ولكي لا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في المجتمع الاِسلامي فيوسع الخلاف بين الا َُمّة المحمدية.

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقية وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الا َُخرى، متبعة في ذلك سيرة الاَئمّة من آل محمد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل: «التقية ديني ودين آبائي»، إذ أنّ دين اللّه يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم (1).


(1)غافر : الآية 28، النحل: الآية 106.


(334)

روي عن صادق آل البيت _ عليهم السّلام _ في الاَثر الصحيح:

«التقية ديني ودين آبائي» و: «من لا تقية له لا دين له» .

لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت _ عليهم السّلام _ دفعاً للضرر عنهم، وعن أتباعهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ولمّاً لشعثهم، وما زالت سمة تُعرف بها الاِمامية دون غيرها من الطوائف والاَُمم. وكل انسان إذا أحسّ بالخطر على نفسه، أو ماله بسبب نشر معتقده، أو التظاهر به لا بد أن يتكتم ويتقي مواضع الخطر. وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول.

من المعلوم أنّ الاِمامية وأئمّتهم لاقوا من ضروب المحن، وصنوف الضيق على حرياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أية طائفة، أو أُمّة أُخرى، فاضطروا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم، وترك مظاهرتهم، وستر عقائدهم، وأعمالهم المختصة بهم عنهم، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا.

ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم.

وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة(1).


(1)مجلة المرشد: 3|252، 253، ولاحظ: تعليقة أوائل المقالات : ص 96.


(335)

حدّها:

قد تعرّفت على مفهوم التقية وغايتها، ودليلها، بقي الكلام في تبيين حدودها، فنقول:

عرفت الشيعة بالتقية وأنّهم يتقون في أقوالهم وأفعالهم، فصار ذلك منشأ لوهم عالق بأذهان بعض السطحيين والمغالطين، فقالوا: بما أنّ التقية من مبادىَ التشيّع فلا يصح الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون، إذ من المحتمل جداً أن تكون هذه الكتب دعاياتٍ والواقع عندهم غيرها. هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة.

ولكن نلفت نظر القارىَ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس، فإذا دلّت القرائن على أنّه في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت يحتمل أن يدفع بالموَمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتقاء حتى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر. وأمّا الا َُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقية، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الاَخير، إذ لا خوف هناك حتى يكتب خلاف ما يعتقد، حيث ليس هناك لزوم للكتابة أصلاً في هذه الحال فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً.

فما يدعيه هوَلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشىَ عن قلّة معرفتهم بحقيقة التقية عند الشيعة. والحاصل: أنّ الشيعة إنّما كانت تتقي في


(336)

عصر لم تكن لهم دولة تحميهم، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الاَخطار. وأمّا هذه الاَعصار فلا مسوّغ ولا مبرّر للتقية إلاّ في موارد خاصة.

إنّ الشيعة كما ذكرنا لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك، وهو حق لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الا َُمور بلبّه لا بعواطفه، إلاّ أنّ من الا َُمور المسلّمة في تاريخ التشيّع، انحصار التقية في مستوى الفتاوى، ولم تترجم إلاّ قليلاً على المستوى العملي، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية، وبوسع كل باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكّام الاَمويين، والحكام العباسيين، أمثال حجر بن عدي، وميثم التمار، ورشيد الهجري، وكميل بن زياد، ومئات من غيرهم، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية.

التقية المحرّمة:

إنّ التقية تنقسم حسب الاَحكام الخمسة، فكما أنّها تجب لحفظ النفوس والاَعراض والاَموال، فإنّها تحرم إذا ترتّب عليها مفسدة أعظم، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الاَجيال الآتية، وتسلّط الاَعداء على شوَون المسلمين وحرماتهم ومعابدهم، ولاَجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقية في بعض الاَحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين، فللتقية مواضع معينة، كما أنّ للقسم المحرم منها مواضع خاصة أيضاً.


(337)

إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتى يزول الخطر، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة، خائف متردّد الخطوات يملاَ حناياه الذل، كلاّ إنّ للتقية حدوداً لا تتعداها، فكما هي واجبة في حين، هي حرام في حين آخر، فليست التقية في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف، وإنّما تحددها جوازاً ومنعاً مصالح الاِسلام والمسلمين.

إنّ للاِمام الخميني ـ قدّس اللّه سرّه ـ كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتى يقف القارىَ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية. قال ـ قدّس اللّه سرّه ـ:

تحرم التقية في بعض المحرّمات والواجبات التي تمثّل في نظر الشارع والمتشرّعة مكانة بالغة، مثل هدم الكعبة، والمشاهد المشرّفة، والرد على الاِسلام والقرآن والتفسير بما يفسّـر المذهب ويطابق الالحاد وغيرها من عظائم المحرّمات، ولا تعمّها أدلة التقية ولا الاضطرار ولا الاكراه.

وتدل على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها: «فكل شيء يعمل الموَمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يوَدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز» (1).

ومن هذا الباب ما إذا كان المتقي ممن له شأن وأهمية في نظر الخلق، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقية أو تركه لبعض الواجبات كذلك مما يعد موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلاً، فإنّ


(1)الوسائل كتاب الاَمر بالمعروف الباب 25 الحديث رقم 6.


(338)

جواز التقية في مثله متمسّكاً بحكومة دليل الرفع (1)وأدلّة التقية مشكل بل ممنوع، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية، ما لو كان أصل من أُصول الاِسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الارث والطلاق والصلاة والحج وغيرها من أُصول الاَحكام فضلاً عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الا َُصول وجمع شتات المسلمين لاِقامة الدين وأُصوله، فإذا بلغ الاَمر إلى هدمها فلا تجوز التقية، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدمة .(2).

وهكذا فقد بيّنّا للجميع الاَبعاد الحقيقية والواقعية للتقية، وخرجنا بالنتائج التالية:

1ـ إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية، وقد استعملها في عصر الرسالة من ابتلي بها من الصحابة لصيانة نفسه فلم يعارضه الرسول بل أيّده بالنص القرآني كما في قضية عمّـار بن ياسر، حيث أمره _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالعودة إذا عادوا.

2ـ إنّ التقية بمعنى تشكيل جماعات سرية لغاية التخريب والهدم، مرفوضة عند المسلمين عامة والشيعة خاصة، وهو لا يمت إلى التقيّة المتبناة من قبل الشيعة بصلة.

3ـ إنّ المفسّـرين في كتبهم التفسيرية عندما تعرّضوا لتفسير الآيات الواردة في التقية اتفقوا على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية.


(1)قال رسول اللّه ص : «رفع عن أُمّتي ما اضطروا إليه وما استكرهوا عليه».
(2)الاِمام الخميني: الرسائل: 171ـ 178.


(339)

4ـ إنّ التقية لا تختص بالاتقاء من الكافـر، بل تعم الاتقـاء من المسلم المخالف، الذي يريد السوء والبطش بأخيه.

5ـ إنّ التقية تنقسم حسب انقسام الاَحكام إلى أقسـام خمسة، فبينما هي واجبة في موضع فهي محرّمة في موضع آخر.

6ـ إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط، فلا موضوع للتقية لغاية الصيانة.

وفي الختام نقول:

نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتقي لصيانة دمه وعرضه وماله ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الذي لا يعتقد به، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد، أن يسمح له الحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله، وأقصى ما يصح في منطق العقل، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله، فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري.

نحن ندعو المسلمين للتأمل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية، وأن يعملوا قدر الاِمكان على فسح المجال لاخوانهم في الدين فإنّ لكل فقيه مسلم، رأيه ونظره، وجهده وطاقته.

إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمّة أهل البيت في العقيدة والشريعة، ويرون رأيهم، لاَنّهم هم الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأحد الثقلين اللذين أمر الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بالتمسّك بهما في مجال العقيدة والشريعة، وهذه عقائدهم لا تخفى


(340)

على أحد، وهي حجّة على الجميع.

نسأل اللّه سبحانه: أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرض أي متعرض، ويوحّد صفوفهم، ويوَلّف بين قلوبهم، ويجمع شملهم، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الاَعداء، إنّه على ذلك قدير وبالاِجابة جدير.


(341)

خاتمة المطاف

مصادر التشريع عند الشيعة الاِمامية
و
أحاديث أئمّة أهل البيت

إنّ الاِمامية ـ كما تصدر عن الكتاب والسنّة في مجالي العقيدة والشريعة ـ كذلك تصدر عن أحاديث أئمّة أهل البيت وترى قولهم وفعلهم وتقريرهم حجّة، وهذا لا يعني أنّ أحاديثهم، حجّة ثالثة، في عرض الكتاب والسنّة أو أنّهم أنبياء يوحى إليهم كما ربّما يتخيّله من ليس له إلمام بعقائدهم وأُصولهم، بل العترة الطاهرة لما كانوا وعاة علمهوحفظة سنّته، وخلفاءه بعده، يحكون بقولهم وأفعالهم وتقريرهم، سنّة النبي الاَكرم، فالاحتجاج بأحاديثهم، احتجاج في الحقيقة بحديث النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وكلامه.ولاَجل ايضاح الموضوع، نأتي بتفصيل ذلك:

أئمّة الشيعة أوصياء الرسول:

اتّفقت الشيعة على أنّ الاَئمّة الاثني عشر أوصياء الرسول، وأنّهم أئمّة الا َُمّة وأحد الثقلين اللَّذين أوصى بهما رسول اللّه في غير موقف من المواقف، وقال: «إنّي


(342)

تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي» والحديث من التواتر بمكان أغنانا عن ذكر مصادره ويكفي في ذلك ما نشرته دار التقريب بين المذاهب الاِسلامية في القاهرة في هذا المجال.

إنّ الشيعة الاِماميّة كسائر المسلمين موَمنون بعالمية رسالة النبيّ الاَكرم كما هم موَمنون بخاتمية رسالته، مستدلين بقوله سبحانه: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول اللّه وخاتم النبيين وكان اللّه بكل شيء عليماً» (1).

وقوله سبحانه: «وإنّهُ لَكِتابٌ عَزيزٌ * لا يأتِيهِ الباطِلُ مِن بَينِ يَدَيهِ وَلا مِنْ خَلْفهِ تَنْزِيلٌ مِنَ حَكِيمٍ حَميد(2)» إلى غير ذلك من الآيات والاَحاديث.

إنّ خاتمية رسالة النبي الاَكرم من الا َُمور الدينية الضرورية تكفّل لبيانها الذكر الحكيم والاَحاديث المتضافرة التي بلغت حدّ التواتر، منها قوله «صلى الله عليه وآله وسلم» عندما خرج إلى غزوة تبوك فقال له علي: أأخرج؟ فقال: لا ، فبكى علي، فقال له رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (3).

وهذا علي أمير الموَمنين أوّل الاَئمّة الاثني عشر قال وهو يلي غسل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «بأبي أنت وأُمّي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والاَنباء وأخبار السماء» (4).


(1)الاَحزاب: الآية 40.
(2)فصّلت: الآيتان 41ـ42.
(3)أمالي الصدوق : 29، معاني الاَخبار: 94 وغيرها من المصادر الشيعية ولاحظ صحيح البخاري: 6|3 باب غزوة تبوك.
(4)نهج البلاغة: الخطبة 129.


(343)

وفي كلام آخر له: «أمّا رسول اللّه فخاتم النبييّن ليس بعده نبيّ ولا رسول، وختم رسول اللّه الاَنبياء إلى يوم القيامة» (1).

ونكفتي في هذه العجالة بهذا المقدار من النصوص فمن أراد أن يقف على نصوص الاَئمّة الاثني عشر على ختم النبوّة وانقطاع الوحي وسدّ باب التشريع بعد رحلة الرسول، فعليه الرجوع إلى الجزء الثالث من كتابنا «مفاهيم القرآن» فقد جاء فيه قرابة (134) نصّاً من النبي الاَكرم وأهل بيته الطاهرين في ذلك المجال.

إنّ فقهاء الشيعة حكموا بارتداد من أنكر عالمية الرسالة، أو خاتميتها، ولاَجل ذلك فالبابية والبهائية وهكذا القاديانية مرتدّون عندهم ارتداداً فطرياً أو

ملّيّاً (2) أحياناً، وهذه كتبهم الفقهية في باب الحدود وأحكام المرتد وغير ذلك.

هذا قليل من كثير اكتفينا به لتبيين عقيدة الشيعة في حقّ الرسول الاَعظم وأنّهم عن بكرة أبيهم معتقدون بعالمية رسالة الرسول وخاتميته، ولم ينحرفوا عن هذا الخط قيد شعرة، ويظهر ذلك من المرور على الكتب الاعتقادية المدوّنة من بداية القرن الثالث الهجري إلى عصرنا هذا، فقد ألّفوا مئات الكتب والرسائل، بل الموسوعات الكبيرة حول العقائد الاِسلامية وهي بين مخطوطة ومطبوعة منتشرة في العالم وهذه كتبهم ومكتباتهم وجامعاتهم العلمية، وخطباوَهم ومنشوراتهم الرسمية لا تجد فيها كلمة تشير إلى نبوّة غير النبي الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» ، أو بنزول الوحي على غيره فلا محيص عن القول بأنّ هذه النظرية الخاطئة، استنبطها البعض من خلال أُمور لا دلالة لها على ما يرتئيه ولا بأس بالاشارة إلى بعض هذه الا َُمور التي


(1)نهج البلاغة : الخطبة 230 ، مجالس المفيد: 527، بحار الاَنوار : 22| 527.
(2)المرتد الملّـي: عبارة عن من لم يكن أحد والديه مسلماً حين انعقاد نطفته، كما إذا كان الوالدان كتابيين فأسلم الولد بعد البلوغ ثم ارتدّ.


(344)

كانت سبباً لهذا الوهم، وقد ألمح إليها بعض دكاترة العصر من المستهترين وهي لا تتجاوز أمرين:

1ـ حجّية أحاديثهم وأفعالهم.

2ـ القول بعصمتهم من الاِثم والخطأ.

وإليك تحليل هذين الاَمرين :

الاَوّل: الشيعة وحجّية أقوال العترة الطاهرة:

إنّ الشيعة يتعاملون مع أحاديث العترة الطاهرة كالتعامل مع أحاديث النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، فلولا كونهم أنبياء أو طرفاً للوحي فكيف تكون أحاديثهم حجّة؟

الجواب: إنّ الشيعة الاِمامية تأخذ بأقوالهم للا َُمور التالية:

ألف: إنّ النبيّ الاَكرم هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالاَخذ بأقوال العترة حيث قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ... (1)فالتمسّك بأحاديثهم وأقوالهم امتثال لقول الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وهو لا يصدر إلاّ عن الحق، فمن أخذ بالثقلين فقد تمسّك بما ينقذه من الضلالة ومن أخذ بواحد منهما فقد خالف الرسول.


(1)ربّما يروى عنه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وسنّتي. ولا تعارض بين الخبرين، غير أنّ الاَوّل متواتر دون الثاني والاَوّل مسند،والثاني مرسل نقله الاِمام مالك في موطئه، وأين هو من حديث العترة الذي أطبق المحدّثون على نقله. والتفصيل موكول إلى محلّه.


(345)

ب : نرى أنّ الرسول الاَكرميأمر الا َُمّة بالصلاة على آل محمد في الفرائض والنوافل، والمسلمون في مشارق الاَرض ومغاربها يذكرون العترة بعد النبيّ الاَكرم في تشهّدهم ويصلّون عليهم مثل الصلاة عليه، والفقهاء وإن اختلفوا في صيغة التشهّد ولكنّهم لا يختلفون في لزوم الصلاة على النبي وآله وفيها يقول الاِمام الشافعي:

يا أهل بيت رسول اللّه حبّكمُ * فرض من اللّه في القرآن أنزلهُ
كفاكمُ من عظيم الشأن أنّكمُ * من لم يصلّ عليكم لا صلاة لهُ

فلو لم يكن للعترة شأن ومقام في مجال هداية الا َُمة ولزوم الاقتفاء بهم، فما معنى جعل الصلاة عليهم فريضة في التشهّد وتكرارها في جميع الصلوات ليلاً ونهاراً، فريضة ونافلة؟

وهذا يعرب عن سرٍّ نقف عليه من خلال أمر النبيّ الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» في هذا المجال، وهو أنّ لآل محمّد شأناً خاصّاً في الا َُمور الدينية والقيادة الاِسلامية أظهرها: أنّ أقوالهم وآراءهم حجّة على المسلمين، وأنّ لهم المرجعية الكبرى بعد رحلة الرسول، سواء أكان في مجال العقيدة والشريعة أم في مجال آخر.

ج: إنّ النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ شبّه العترة الطاهرة بسفينة نوح، وأنّه من ركبها نجا، وأنّ من تخلّف عنها غرق (1) وهو يدلّ على حجّية أقوالهم وأفعالهم.

إلى غير ذلك من الوصايا الواردة في حقّ العترة التي نقلها أصحاب


(1)الحاكم: المستدرك: 2|151، السيوطي: الخصائص الكبرى: 2|266، ابن حجر: الصواعق: 191، الباب 12 .


(346)

الصحاح والمسانيد ومن أراد فليرجع إلى مصادرها.

فالمسلم الموَمن بصحّة هذه الوصايا لا يشك في حجّية أقوال العترة سواء أعلم مصدر علومهم أم لم يعلم. قال سبحانه: «وما كانَ لِمُوَْمِنٍ ولا مُوَْمِنةٍ إذا قَضى اللّهُ ورَسولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً» (1).

ومع ذلك كلّه نحن نشير إلى بعض مصادر علومهم حتى يتّضح أنّ حجية أقوالهم لا تدلّ على أنّهم أنبياء أو فوّض إليهم أمر التشريع:

1ـ السماع عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :

إنّ الاَئمّة يروون أحاديث رسول اللّه سماعاً منه «صلى الله عليه وآله وسلم» ، إمّا بلا واسطة أو بواسطة آبائهم، ولاَجل ذلك ترى في كثير من الروايات أنّ الاِمام الصادق _ عليه السلام _ يقول: حدثني أبي، عن أبيه، عن زين العابدين، عن أبيه الحسين بن علي، عن عليّ أمير الموَمنين، عن الرسول الاَكرم «صلى الله عليه وآله وسلم» . وهذا النمط في الروايات كثير في أحاديثهم وقد تضافر عن الاِمام الصادق أنّه كان يقول: «حديثي، حديث أبي، وحديث أبي حديث جديّ» ،فعن هذا الطريق تحمّلوا أحاديث كثيرة عن الرسول الاَكرم وبلّغوها، من دون أن يعتمدوا على الاَحبار والرهبان، أو على أُناس مجاهيل، أو شخصيات متسترة بالنفاق وهذا النوع من الاَحاديث ليس بقليل.


(1)الاَحزاب: الآية 36.


(347)

2ـ كتاب عليّ _ عليه السلام _ :

يرجع قسم آخر من أحاديثهم إلى ما أخذوه عن كتاب الاِمام أمير الموَمنين بإملاء رسول اللّه وخطّ عليّ وقد أشار أصحاب الصحاح والمسانيد إلى بعض هذه الكتب (1).

فقد كان لعليّ كتاب خاص باملاء رسول اللّه وقد حفظته العترة الطاهرة وصدرت عنه في مواضع كثيرة ونقلت نصوصه في موضوعات مختلفة، وقد بثّ الحر العاملي في موسوعته الحديثية، أحاديث ذلك الكتاب حسب الكتب الفقهية من الطهارة إلى الديات ومن أراد فليرجع إلى تلك الموسوعة.

وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ عندما سئل عن الجامعة؟ فقال: «فيها كل ما يحتاج الناس إليه وليس من قضية إلاّ فيها حتى ارش الخدش» .

وكان كتاب علي مصدراً لاَحاديث العترة الطاهرة يرثونه واحداً بعد آخر وينقلون عنه ويستدلّون به على السائلين.

وهذا هو أبو جعفر الباقر _ عليه السلام _ يقول لاَحد أصحابه ـ أعني حمران بن أعين ـ وهو يشير إلى بيت كبير : يا حمران إنّ في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعاً بخطّ علي _ عليه السلام _ وإملاء رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» لو ولّينا الناس لحكمنا بما أنزل اللّه لم نعد ما في هذه الصحيفة.

وهذا هو الاِمام الصادق _ عليه السلام _ يعرّف كتاب علي _ عليه السلام _ بقوله: فهو


(1)الاِمام أحمد: المسند: 1|81، صحيح مسلم: 4|217، البيهقي : السنن الكبرى: 8|26 نقلاً عن الاِمام الشافعي.


(348)

كتاب طوله سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ من فلق فِيهِ وخطّ علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ بيده، فيه واللّه جميع ما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة حتى أنّ فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة.

ويقول سليمان بن خالد: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «إنّ عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً إملاء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وخطّ علي ـ عليه السلام ـ بيده، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى أرش الخدش.

ويقول أبو جعفر الباقر _ عليه السلام _ لبعض أصحابه : «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ » (1).

3ـ الاستنباط من الكتاب والسنّة :

المصدر الثالث لاَقوالهم، هو إمعانهم في الكتاب والسنّة وتدبّرهم فيهما، فاستخرجوا من المصدرين الرئيسيين ما يخص العقيدة والشريعة بصورة يقصر عنها أكثر الاَفهام، وهذا هو الذي جعلهم متميّزين بين المسلمين بالوعي والدقّة والفهم، وخضع لهم أئمّة الفقه في مواقف شتّى حتى قال الاِمام أبو حنيفة بعد تتلمذه على الاِمام الصادق «سنتين»: لولا السنتان لهلك النعمان. ولاَجل ذلك كانوا يستدلّون على كثير من الاَحكام عن طريق الكتاب والسنّة ويقولون: «ما من


(1)وقد جمع العلاّمة المجلسي ما ورد من الاَثر حول كتب الاِمام عليّ في موسوعته «بحار الاَنوار»: 26|18 ـ 66 تحت عنوان «باب جهاتعلومهم وما عندهم من الكتب» فلاحظ الباب، الحديث 12، 1، 10، 30.


(349)

شيء إلاّ وله أصل في كتاب اللّه وسنّة نبيّه».

أخرج الكليني باسناده عن عمر بن قيس عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول: «إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الا َُمة إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله وجعل لكلّ شيء حدّاً. وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً».

أخرج الكليني باسناده عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سمعته يقول: «ما من شيء إلاّ وفيه كتاب أو سنّة» .

وأخرح عن سماعة عن أبي الحسن موسى _ عليه السلام _ قال: قلت له: أكلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه أو تقولون فيه؟ قال: «بل كلّ شيء في كتاب اللّه وسنّة نبيّه» (1).

ومن وقف على الاَحاديث المروية عنهم يقف على أنّهم كيف يستدلّون على الاَحكام الاِلهية عن المصدرين بفهم خاص ووعي متميّز يبهر العقول، ويورث الحيرة. ولولا الخوف من الاطالة لنقلت في المقام نماذج من ذلك ونكتفي ببيان موردين:

1ـ قُدِّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يُضرب ثلاثة حدود، فكتب المتوكّل إلى الاِمام الهادي يسأله، فلمّـا قرأ الكتاب، كتب: يُضرب حتى يموت، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب:


(1)راجع الكافي «باب الرد إلى الكتاب والسنّة»: 1|59ـ62 تجد فيه أحاديث تصرّح بما ذكر، والمراد منها أُصول الاَحكام وجذورها لافروعها وجزئياتها.


(350)

بسم اللّه الرحمن الرحيم «فَلَمّـا رَأَوا بَأْسَنا قَالوا آمَنّا باللّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْـرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُم لَمّا رَأَوْا بَأسَنا سُنّتَ اللّهِ الَّتي قَدْ خَلَتْ فِـي عِبادِهِ وَخَسِـرَ هُنالِكَ الكافِرون» (1)فأمر به المتوكّل فضرب حتى م(2) .

إنّ الاِمام الهادي ببيانه هذا شقّ طريقاً خاصّاً لاستنباط الاَحكام من الذكر الحكيم، طريقاً لم يكن يحلم به فقهاء عصره، وكانوا يزعمون أنّ مصادر الاَحكام الشرعية هي الآيات الواضحة في مجال الفقه التي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وبذلك أبان للقرآن وجهاً خاصّاً لدلالته ، لا يلتفت إليه إلاّ من نزل القرآن في بيته، وليس هذا الحديث غريباً في مورده، بل له نظائر في كلمات الاِمام وغيره من آبائه وأبنائه _ عليهم السلام _ .

2ـ لمّا سمّ المتوكّل نذر للّه: إن رزقه اللّه العافية أن يتصدّق بمال كثير، أو بدراهم كثيرة. فلمّـا عوفي اختلف الفقهاء في مفهوم «المال الكثير» فلم يجد المتوكّل عندهم فرجاً، فبعث إلى الاِمام عليّ الهادي فسأله؟ قال: يتصدق بثلاثة وثمانين ديناراً، فقال المتوكل: من أين لك هذا؟ فقال: من قوله تعالى: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِـي مَواطِنَ كَثِيرَة...» (3).

والمواطن الكثيرة: هي هذه الجملة، وذلك لاَنّ النبيّ «صلى الله عليه وآله وسلم» غزا سبعاً وعشرين غزوة، وبعث خمساً وخمسين سرية، وآخر غزواته يوم حنين، وعجب المتوكل والفقهاء من هذا الجواب (4).


(1)غافر: الآية 84 ـ85.
(2)ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: 4|405.
(3)التوبة: الآية 25.
(4) ابن الجوزي: تذكرة الخواص: 202.


(351)

وقد ورد عن طريق آخر أنّه قال «بثمانين» مكان «ثلاثة وثمانين» وذلك لاَنّ عدد المواطن التي نصر اللّه المسلمين فيها إلى يوم نزول هذه الآية كان أقلّ من ثلاثة وثمانين (1).

4ـ الاشراقات الاِلهية:

إنّ هناك مصدراً رابعاً لاَحاديثهم نعبّـر عنه بالاشراقات الاِلهية، وأيّ وازع من أن يخصّ سبحانه بعض عباده بعلوم خاصّة يرجع نفعها إلى العامّة من دون أن يكونوا أنبياء، أو معدودين من المرسلين، واللّه سبحانه يصف مصاحب موسى بقوله: «فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمةً من عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْما» ولم يكن المصاحب نبيّاً بل كان وليّاً من أولياء اللّه سبحانه وتعالى بلغ في العلم والمعرفة مكاناً حتى قال له موسى ـ وهو نبيّ مبعوث بشريعة ـ: «هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَني مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدا» (2).

يصف سبحانه وتعالى جليس سليمان ـ الذي نسمّيه آصف بن برخيا ـ بقوله: «قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّـا رَآه مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّـي» (3).

وهذا الجليس لم يكن نبيّاً، ولكن كان عنده علم من الكتاب، وهو لم يحصّله من الطرق العاديّة التي يتدرّج عليها الصبيان والشبان في المدارس والجامعات، بل


(1)ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: 4|402.
(2)الكهف: الآية 66.
(3)النمل: الآية 40.


(352)

كان علماً إلـهياً أُفيض إليه لصفاء قلبه وروحه ولاَجل ذلك ينسب علمه إلى فضل ربّه ويقول: «هذا من فضل ربّي» .

تضافرت الروايات على أنّ في الا َُمّة الاِسلامية ـ مثل الا َُمم السابقة ـ رجالاً مخلصين محدَّثين تفاض عليهم حقائق من عالم الغيب من دون أن يكونوا أنبياء، وإن كنت في شكّ من ذلك فارجع إلى ما رواه أهل السنّة في هذا الموضوع.

روى البخاري في صحيحه: لقد كان في من كان قبلكم من بني إسرائيل يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فعمر (1).

قال القسطلاني ليس قوله: «فان يكن» للترديد بل للتأكيد كقولك: إن يكن لي صديق ففلان، إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الاَصدقاء.

وإذا ثبت أنّ هذا وجد في غير هذه الا َُمّة المفضولة فوجوده في هذه الا َُمّة الفاضلة أحرى (2).

وأخرج البخاري في صحيحه بعد حديث الغار: عن أبي هريرة مرفوعاً: أنّه قد كان فيما مضى قبلكم من الا َُمم محدَّثون إن كان في أُمّتي هذه منهم فإنّه عمر ابن الخطاب (3).

قال القسطلاني في شرحه: قال الموَلف: يجري على ألسنتهم الصواب من غير نبوّة (4).


(1)البخاري: الصحيح: 2|149.
(2)القسطلاني: ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 6| 99.
(3)البخاري: الصحيح: 2|171.
(4)القسطلاني: ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 5|431.


(353)

وقال الخطابي: يُلقى الشيء في روعه، فكأنّه قد حُدِّث به يظن فيصيب، ويخطر الشيء بباله فيكون، وهي منزلة رفيعة من منازل الاَولياء.

وأخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» : قد كان في الا َُمم قبلكم محدَّثون فإن يكن في أُمّتي منهم أحد فإنّ عمر بن الخطاب منهم.

ورواه ابن الجوزي في صفة الصفوة وقال: حديث متّفق عليه (1).

وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في «مشكل الآثار » بطرق شتى عن عائشة وأبي هريرة، وأخرج قراءة ابن عباس: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث. قال: معنى قوله محدَّثون أي ملهمون، فكان عمر ـ رضى اللّه عنه ـ ينطق بما كان ينطق ملهماً (2).

قال النووي في شرح صحيح مسلم: اختلف تفسير العلماء للمراد بمحدّثون فقال ابن وهب: ملهمون، وقيل: مصيبون إذا ظنّوا فكأنّهم حُدِّثوا بشيء فظنّوه. وقيل: تكلّمهم الملائكة، وجاء في رواية: مكلّمون. وقال البخاري: يجري الصواب على ألسنتهم وفيه اثبات كرامات الاَولياء.

وقال الحافظ محبّ الدين الطبري في «الرياض» : ومعنى «محدّثون ـ واللّه أعلم ـ أي يلهمون الصواب، ويجوز أن يحمل على ظاهره وتحدّثهم الملائكة لا بوحي وإنّما بما يطلق عليه اسم حديث، وتلك فضيلة عظيمة» (3).


(1)ابن الجوزي: صفة الصفوة: 1|104.
(2)مشكل الآثار: 2|257.
(3)الطبري: الرياض : 1|199.


(354)

قال القرطبي: محدَّثون ـ بفتح الدال ـ اسم مفعول جمع محدَّث ـ بالفتح ـ أي ملهم أو صادق الظن، وهو من أُلقي في نفسه شيء على وجه الاِلهام والمكاشفة من الملاَ الاَعلى، أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد، أو تكلّمه الملائكة بلا نبوّة، أو من إذا رأى رأياً أو ظنّ ظنّاً أجاب كأنّه حدّث به، وأُلقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له، وهذه كرامة يكرم اللّه بها من شاء من عباده، وهذه منزلة جليلة من منازل الاَولياء.

فإن يكن من أُمّتي منهم أحد فإنّه عمر، كأنّه جعله في انقطاع قرينة في ذلك كأنّه نبيّ، فلذلك أتى بلفظ «إن» بصورة التردّد. قال القاضي: ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص قولك: إن كان لي صديق فهو زيد، فإنّ قائله لا يريد به الشكّ في صداقته بل المبالغة في أنّ الصداقة مختصّة به لا تتخطّاه إلى غيره (1).

فإذا كان في الا َُمم السالفة رجال بهذا القدر والشأن فلِمَ إذاً لا يكون بين الا َُمّة الاِسلامية رجال شملتهم العناية الاِلهية فأحاطوا بالكتاب والسنّة إحاطة كاملة يرفعون حاجات الا َُمّة في مجال العقيدة والتشريع.

فمن زعم أنّ مثل هذه الافاضة تساوق النبوّة والرسالة، فقد خلط الاَعم بالاَخصّ فالنبوّة منصب إلهيّ يقع طرفاً للوحي يسمع كلام اللّه تعالى ويرى رسول الوحي، ويكون إمّا صاحب شريعة مستقلّة أو مروّجاً لشريعة من قبله.

وأمّا الاِمام: وهو الخازن لعلوم النبوّة في كل ما تحتاج إليه الا َُمّة من دون أن يكون طرفاً للوحي أو سامعاً كلامه سبحانه أو رائياً للملك الحامل له. ولاِحاطته


(1)لاحظ للوقوف على سائر الكلمات حول المحدَّث، كتاب الغدير: 5|42 ـ 49.


(355)

بعلوم النبوّة طرقاً أشرنا إليها.

ومن التصوّر الخاطىَ: الحكم بأنّ كل من أُلهم من اللّه سبحانه أو كلّمه الملك فهو نبيّ ورسول، مع أنّ الذكر الحكيم يعرّف أُناساً، أُلهموا أو رأوا الملك ولم يكونوا بالنسبة إلى النبوّة في حلّ ولا مرتحل.

هذه أُمّ موسى يقول في حقّها سبحانه: «وَأَوْحَيْنَا إلى أُْمِّ مُوسى أنْ أرْضِعيهِ فإِذا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ في اليَمِّ ولا تَخافِـي ولا تَحْزَني إنَّا رادُّوهُ إليكِ وَجَاعلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ» (1).

أفصارت أُمّ موسى بهذا الاِلهام نبيّة من الاَنبياء؟

وهذه مريم البتول، تكلّمها الملائكة من دون أن تكون نبيّة قال سبحانه: «وإذْ قالَتِ الملائِكَةُ يا مَريمُ إنَّ اللّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ * يا مَرْيمُ اقْنُتِـي لِرَبِّكِ... » (2).

بلغت مريم العذراء مكاناً شاهدت رسول ربّها المتمثَّل لها بصورة البشر قال سبحانه: «فَأََرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنا فَتَمثَّلَ لَهَا بَشَـراً سَوِيّاً * قَالتْ إنّي أعُوذُ بالرَّحمنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إنَّما أنّا رَسُولُ رَبِّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلامَاً زَكِيّاً * قَالتْ أنّى يكُونُ لي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسنِي بَشرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَليَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرحْمَةً مِنّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيّاً» (3).

نرى أنّ مريم البتول رأت الملك وسمعت كلامه ولم تصبح نبيّة ولا رسولة،


(1)القصص: الآية 7.
(2)آل عمران: الآية 42ـ 43.
(3)مريم: الآية 17ـ21.


(356)

فمن تدبّر في الكتاب والسنّة يقف على أبدال شملتهم العناية الاِلهية وقفوا على أسرار الشريعة ومكامن الدين بفضل من اللّه سبحانه من دون أن يصيروا أنبياء.

الثاني: عصمة الاَئمّة الاثني عشر :

إنّ القول بعصمة الاَئمّة الاثني عشر وقعت ذريعة لتخيّل أنّهم أنبياء، زاعمين بأنّ العصمة تساوي النبوّة، غافلين عن أنّها أعمّ من النبوّة وإليك البيان:

العصمة: قوّة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ، حيث لا يترك واجباً، ولا يفعل محرّماً مع قدرته على الترك والفعل، وإلاّ لم يستحقّ مدحاً ولا ثواباً، وإن شئت قلت: إنّ المعصوم قد بلغ في التقوى حدّاً لا تتغلّب عليه الشهوات والاَهواء، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبداً.

وليست العصمة شيئاً ابتدعته الشيعة وإنّما دلّهم عليها في حق العترة الطاهرة كتاب اللّه وسنّة رسوله، أمّا الكتاب:

فقد قال سبحانه: «إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا»(الاَحزاب|33) وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي وأظهره الفسق.

وأمّا السنّة فنذكر بعضها:

1ـ قال الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : «عليٌّ مـع الحـقّ والحـقّ مع عليّ يدور مـعه كيفما


(357)

دار» (1)ومن دار معه الحقّ كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطىَ.

2ـ وقال الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في حقّ العترة: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً» (2)فإذا كانت العترة عدل القرآن، تصبح معصومةً كالكتاب، لا يخلف أحدهما الآخر وليس القول بعصمة العترة بأعظم من القول بكون الصحابة كلّهم عدول.

ولا أظنّ أن يرتاب فيما ذكرنا أحد، إلاّ أنّ اللازم التعرّف على أهل بيته عن طريق نصوص الرسول الاَكرم فنقول: من هم العترة وأهل البيت؟

لا أظنّ أنّ أحداً، قرأ الحديث والتاريخ، يشكّ في أنّ المراد من العترة وأهل البيت لفيف خاصّ من أهل بيته، ويكفي في ذلك مراجعة الاَحاديث التي جمعها ابن الاَثير في جامعه عن الصحاح، و نكتفي بالقليل من الكثير منها.

روى الترمذي عن سعد بن أبي وقاص قال: لمّـا نزلت هذه الآية: «فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ وَنِساءَنَا وَنِساءَكُمْ ... » الآية، دعا رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» عليّاً، وفاطمة ، وحسناً، وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هوَلاء أهلي».

وروى أيضاً عن أُمّ سلمة ـ رضي اللّه عنها ـ: أنّ هذه الآية نزلت في بيتي: «إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا» .

قالت: وأنا جالسة عند الباب، فقلت: يا رسول اللّه، ألستُ من أهل البيت؟ فقال: إنّك إلى خير، أنت من أزواج رسول اللّه. قال: وفي البيت رسول اللّه،


(1)حديث مستفيض، رواه الخطيب في تاريخه: 14|321، والهيثمي في مجمعه: 7|236.
(2)حديث متواتر أخرجه مسلم في صحيحه والدارمي في فضائل القرآن وأحمد في مسنده: 2|114 وغيرهم.


(358)

وعليّ، وفاطمة، وحسن ، وحسين، فجلّلهم بكسائه وقال: «اللّهمّ هوَلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً».

وروى أيضاً عن أنس بن مالك: أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يمرُّ بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريباً من ستة أشهر، يقول: «الصلاة أهل البيت»: «إنّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا» .

وروى مسلم عن زيد بن أرقم قال: قال يزيد بن حيّان : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم، إلى زيد بن أرقم ، فلمّـا جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصلّيت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً، حدّثنا يازيد ما سمعت من رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ؟

قال: يا ابن أخي واللّه، لقد كبر سنّي، وقدم عهدي، فما حدّثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه. ثم قال: قام رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً، بين مكّة والمدينة، فحمد اللّه وأثنى عليه، ووعظ وذكر ثم قال:

«أمّا بعد، ألا أيّها الناس، إنّما أنا بشر ، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين ، أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به ـ فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه، ثمّ قال:ـ وأهل بيتي، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي».

فقلنا: من أهل بيته؟ نساوَه؟ قال: وأيم اللّه، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته


(359)

الذين حرموا الصدقة بعده (1).

3ـ روى المحدّثون عن النبيّ الاَكرم أنّه قال: «إنّما مثل أهل بيتي في أُمّتي، كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق» (2).

فشبّه ـ صلوات اللّه عليه وآله ـ أهل بيته بسفينة نوح في أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ أُصوله وفروعه منهم نجا من عذاب النار ، ومن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه غير أنّ ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم.

فإذا كانت هذه منزلة علماء أهل البيت «فأنّى تصرفون»؟

يقول ابن حجر في صواعقه: «ووجه تشبيههم بالسفينة: أنّ من أحبّهم وعظّمهم، شكراً لنعمة مشرّفهم وأخذاً بهدي علمائهم، نجا من ظلمة المخالفات. ومن تخلّف عن ذلك ، غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان» (3).


(1)لاحظ فيما نقلناه من الاَحاديث، جامع الا َُصول: 1| 100 ـ103 الفصل الثالث، من الباب الرابع.
(2)الحاكم: المستدرك: ج2|151، السيوطي: الخصائص الكبرى: 2|266 وللحديث طرق ومسانيد كثيرة من أراد الوقوف عليها، فعليهبتعاليق إحقاق الحق: 9|270ـ 293.
(3)الصواعق: 191 الباب 11. يقول سيدنا شرف الدين في مراجعاته:
إلاّ أنّي مسائل ابن حجر أنّه إذا كان هذا مقام أهل البيت، فلماذا لميأخذ هو بهدي أئمتهم في شيء من فروع الدين وعقائده، ولا في شي من علوم السنّة والكتاب ولا في شيء من الاَخلاق والسلوك والآداب؟ ولماذا تخلّف عنهم، فأغرق نفسه في بحار كفر النعم، وأهلكها في مفاوز الطغيان ؟!.


(360)

عصمة الاِمام في الكتاب:

وممّا يدلّ على عصمة الاِمام على وجه الاطلاق قوله سبحانه: «أطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِـي الاَمْرِ مِنْكُمْ» (النساء|59).

والاستدلال مبنيّ على دعامتين:

1ـ إنّ اللّه سبحانه أمر بطاعة أولي الاَمر على وجه الاطلاق، أي في جميع الاَزمنة والاَمكنة وفي جميع الحالات والخصوصيات، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية.

2ـ إنّ من البديهي أنّه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان «ولا يَرضى لعبادِهِ الكُفرَ » (الزمر|7).

من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناهٍ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الاَمر.

فمقتضى الجمع بين هذين الاَمرين: وجوب إطاعة أُولي الاَمر على وجه الاطلاق وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان، وأن يتّصف أُولو الاَمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الاطلاق، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية، تصدّهم عن الاَمر بالمعصية والنهي عن الطاعة. وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت العناية، لما صحّ الاَمر بإطاعتهم على وجه الاطلاق ولما صحّ الاَمر بالطاعة بلا قيد وشرط. فيستكشف من اطلاق الاَمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الاَمر بغير الطاعة.


(361)

هذه الآية تدل على عصمة من أمر اللّه بطاعتهم ولا تحدد مصداق المعصوم الواجب طاعته. ولكن اتفقت الاَُمّة على عدم عصمة غير النبي والاَئمة الاثني عشر، فلا محيص عن انطباقه عليهم لئلاّ تخلو الآية عن المصداق.

وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الاِمام الرازي في تفسيره ويطيب لي أن أُذكر نصّه حتى يمعن فيه من يعشق الحقيقة قال:

«إنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم والقطع، لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيٌ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الاَمر والنهي في الفعل الواحدبالاعتبار الواحد، وأنّه محال فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على سبيل الجزم وثبت أنّ كلّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الاَمر المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً» (1).

تمّ بيد موَلّفه الفقير إلى رحمة اللّه جعفر السبحاني ابن الفقيه الشيخ محمد حسين التبريزي ـ قدّس اللّه سرّه ـ نحمده سبحانه ونشكره

وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين


(1)مفاتيح الغيب: 10|144.
Website Security Test