welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الاعتصام بالكتاب والسنة*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الاعتصام بالكتاب والسنة

الاعتصام بالكتاب والسنة

دراسة مبسّطة في مسائل فقهية مهمة

تأليف
الفقيه المحقق

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(3)

مقدّمة المجمع العالمي لاَهل البيت _ عليهم السلام _ :

بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد والصلاة والسلام على سيّد الاَنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.

وبعد؛

فإنّ الوحدة الاِسلامية هي من أهم خصائص الاَُمّة الاِسلامية التي أكّد عليها القرآن الكريم ودعا كل مسلم للعمل على تحقيقها، وخطّط لها بشتّى الاَساليب.

وأعلن أنّ هذه الوحدة ليست وحدة مصالح، ولا وحدة مكان أو عنصر وإنّما هي وحدة قلوب، وهبها اللّه تعالى التآلف والتحابّ وهو أمر لا يتحقّق عبر الوسائل المادية مهما تعاظمت ... وبها تمّ الانتصار الاِسلامي الاَوّل على كل طواغيت الكفر وأساطين الاستكبار فقال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْـرِهِ وبالموَمنينَ * وألّفَ بينَ قلوبِهِم لَوْ أَنفقْتَ ما في الاَرضِ جميعاً ما أَلّفْتَ بين قلوبِهِم ولكِنَّ اللّهَ ألّفَ بَيْنَهُمْ إِنّهُ عزيزٌ حكيمٌ» (الاَنفال 62 ـ 63).


(4)

وقد ظن البعض أنّها وحدة عاطفية ممّا يجعلها واهيةً أيضاً إلاّ أنّ الحقيقة هي أنّها وحدة قلوب، وليس القلب عاطفة لا تقوم على أُسس عقلية كما أنّه ليس عقلاً مجرّداً يبتعد عن التجسّد العاطفي، إنّه التحام الوعي بالاِحساس ... وهكذا الوحدة الاِسلامية .. انّها تنطلق من أُسس عقائدية متينة واقعية تنير الوجود الاِنساني بأنوارها وتصوغ الاَحاسيس بلطفها كما تصوغ المفاهيم عن الكون والحياة والانسان تماماً، وحينئذ يشكل المجموع (العقيدة، والمفاهيم والاَحاسيس) القاعدة الاَساسية لقيام المجتمع الاِسلامي الرصين الواحد.

ولا ريب في أنّ الاِسلام أراد من كل نظمه أن تساهم في إغناء هذه الحقيقة والمساهمة الفاعلة في إيجاد أُمّة موحّدة تغييرية تعمل جادة لتحقيق هدف الخلقة على المستوى الحضاري التاريخي الممتد. ومن هذه النظم الاِسلامية نفس نظام الاجتهاد الذي يعبّـر عن أروع صورة للمرونة الاِسلامية كما تعبّـر عن أرضية الخصوبة الفكرية المستمرة وطبيعي أن يعلن الاِسلام وهو المبدأ الواقعي حرية الاجتهاد والاستنباط نظراً لاَنّه دين الحياة، ونظراً لاَنّه يعطي رأيه في كل واقعة، والوقائع متكثّرة والاِسلام إذ يفتح باب الاجتهاد يمنح المتخصّصين والعلماء كل القواعد وكل المنابع الواضحة، ويعيّن كل الشروط التي تضمن للعملية الاجتهادية أن تبقى في الخط العام تنتج وتثمر وتتعامل مع الواقع منطلقة من الروَية المبدئية فإذا الاجتهاد، انطلاقة مبدئية، وثراء علمي وقدرة على استيعاب الجديد وامتداد مع المسيرة الفطرية الصافية نحو الغد المرسوم هكذا شاء اللّه تعالى للاجتهاد أن يكون مصدر عظمة، ومصدر توحّد، ولا خير في أن تختلف النتائج وتختلف الآراء إن كانت جميعاً في الخط العام .. وما ورد من النصوص الناهية عن الاختلاف إنّما تنصب على الموقف العملي الاجتماعي والسياسي للاَُمّة في حين تصوّر البعض أنّها تشير للاختلاف الاستنباطي الفقهي أو المفهومي وليس الاَمر كذلك.


(5)

هذه الحقائق كان ينبغي للقادة والعلماء أن يعلنوها بكل صراحة وأن يمرّنوا الاَُمّة عليها وهذا هو ما أكّده الاِسلام ورسوله العظيم وأهل بيته الطاهرون، ومن هنا أمكننا أن نقول إنّ مدرسة أهل البيت _ عليهم السلام _ كانت من أهم المدارس مرونة ورحابة صدر، يجلس فيها أئمّة المذاهب لينهلوا من علومها ويرشفوا من معينها الصافي بروح الاخوة والمحبة الخالصة.

إلاّ أنّ عصور الظلمة، ودسائس الاَعداء، وجهل البعض حول هذه الحالة الاَخوية مع الاَسف أدّت إلى حالات تنافر وتباعد، وتصوّر بعض العامة أنّ الاختلاف في الآراء الفقهية يعني الاختلاف في المواقف الاِسلامية الاجتماعية.

وهذا الكتاب القيّم يعبّـر عن محاولة علمية جادة تجمع بين الرأي العلمي القوي والنظرة الاجتماعية القويمة واللغة السمحة لبيان الموقف في بعض الموارد الفقهية المختلف فيها ممّا يوَكّد ما قلناه ... وسماحة آية اللّه الشيخ السبحاني رجل غني عن التعريف ... خصوصاً وانّ نتاجه العلمي الثر وقدرته الاستقلالية الفائقة تبدو بوضوح من كتبه الكثيرة والغزيرة بمعلوماتها.

وإنّنا إذ نسأل اللّه جلّ وعلا أن يوفّق كل القرّاء الكرام للانتهال من هذا المنهل العذب لنرجوه عزّ وجلّ أن يوفقنا جميعاً لوعي أهداف رسالتنا والعمل بجد ووعي على تحقيقها بما نستطيع إنّه السميع المجيب.

الشيخ محمّد علي التسخيري
الاَمين العام للمجمع العالمي لاَهل البيت _ عليهم السلام _


(6)

مقدمة الموَلف :

بسم الله الرحمن الرحيم

المذاهب الفقهية تراث إسلامي ثمين

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله نبي الرحمة

وعترته الا َُسوة، وعلى من اهتدى بهداهم واعتصم بالعروة الوثقى.

بُني الاِسلام على دعامتين: العقيدة والشريعة.

فالعقيدة تتكفّل البحث عن اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله. والشريعة تبحث عن وظائف العباد أمام اللّه وأمام أنبيائه وعباده. فلكل من المجالين رجال وأبطال خدموا الاِسلام بآرائهم وأفكارهم وأقلامهم.

فالمناهج الكلامية تحاول أن تشقَّ الطريق وصولاً إلى الواقع كما أنّ المذاهب الفقهية تسعى إلى كشف الستر عن وجه الاَحكام الواقعية. والحقّ لا يتلخّص في منهج دون منهج أو في مذهب دون آخر، إذ لازم ذلك بطلان سائر المناهج والمذاهب من رأس وإن كانت تتميّز بقلّة الخطأ وكثرته. ومع ذلك فللمصيب أجران وللمخطىَ أجر واحد.

إنّ الطريق المهيع لكسح الخلاف، وتقريب السُّبل، وتداني الآراء؛ هو دراسة الآراء والمقارنة ما بينها في العقيدة والشريعة، فعند ذاك يتجلّـى الحقّ في اطار النقاش بصورة واضحة ويرجع المخطىَ المنصف عن خطئه، ويُدعم الحق برجوع الآخر إليه.

إنّ المذاهب الفقهية ثمرة ناضجة لدراسة الكتاب والسنّة وتراث إسلامي وصل إلينا من المشايخ الكبار فللخلف النظر إليها بالاكبار والتقدير، فإنّها جهود رجال نذروا حياتهم في استثمار تلك الشجرة الطيبة. ولكن ذلك لا يعني عدم جواز النقاش فيها على ضوء المنطق الصحيح فانّ التقاء الفكرين أشبه بالتقاء


(7)

الاَسلاك الكهربائية التي يتفجّر منها النور.

ففي ضوء هذا الاَصل نستعرض في هذه الرسالة مسائل فقهية اختلف فيها مذهب فقهاء الشيعة مع سائر المذاهب الفقهية وليس الاختلاف ناجماً عن الرغبة في الاطاحة بالحق. بل هو أمر طبيعيّ في كل علم له مسائل نظرية تستنبط من أُصول وضوابط. فابتغاء الوفاق في جميع المسائل أمر في غير محلّه.

وقد سبقنا في هذا النمط من البحث سيّدنا الجليل العلاّمة الاَكبر السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (1290 ـ 1377) المغفور له، فآثرنا مواقفه وخطواته، ومشينا على الخط الذي مشى عليه في النقاش والجدال في كتابه المعروف بـ «مسائل فقهية» وإن كانت المسائل مختلفة جوهراً لكنّها متشاكلة عرضاً واستدلالاً.

وقد اخترنا للبحث المسائل التالية ورتّبناها حسب ترتيب الكتب الفقهية:

1ـ مسح الرجلين أو غسلهما.

2ـ التثويب في أذان صلاة الفجر.

3ـ وضع اليد اليمنى على اليسرى في القراءة.

4ـ السجود على الاَرض أو ما أُنبت منها.

5ـ الخمس في الاَرباح والمكاسب.

6ـ الزواج الموَقت.

7ـ الاشهاد على الطلاق.

8 ـ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد.

9ـ الحلف بالطلاق.

10ـ الطلاق في الحيض والنفاس.

11ـ الوصية للوارث إذا لم تتجاوز الثلث.

12ـ ارث المسلم من الكافر.

13ـ التعصيب في الارث .

14ـ العول .

15ـ التقيّة في الكتاب والسنّة .


(8)

وبما أنّا صدرنا في هذه المسائل عن الاَحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت بعد الاستضاءة من الكتاب والسنّة، فيطيب لنا البحث في الخاتمة حول مصادر علومهم ليكون كالاَساس لكلّ ما نقلنا عنهم. وإن كان حسب وضع الكتاب خاتمة المطاف.

وإنـّي أتقدّم بكتابي هذا إلى حملة لواء التقريب بين المسلمين ودعاته في جميع أصقاع العالم الاِسلامي وبهذه الاَبيات الرائعة التي تفجّرت من روح موّارة تسعى لصالح تقريب المسلمين ولا تهدأ حتى تتحقّق تلك الا َُمنية بأحسن ما يمكن إن شاء اللّه تعالى.

فيم التفرّق والكتاب المرجع * قلباً إلى قلب يضم ويجمعُ
فيم التفرّق والنبيّ محمد * ينهى عن الصف الشتيت ويردعُ
الوحدة البيضاء نهج نبيّنا * فعـلام نهجُ نبيّنا لا يُتْبعُ
الوحدة البيضاء صخرة عزِّنا * فعلام صخرة عزِّنا تتصدّعُ
إنّ الخلاف طريق كلّ مضـلل * مهما يُزَّين قبحه ويرقّعُ
الدين دين اللّه لا دين الهوى * فتوحَّدوا بطريقه وتسرّعوا

يا من تُفرِّقُنا وتنقض صفَّنا * هبطت عليك مصيبة لا ترفعُ (1)

ونحن وجميع الموَلّفين الاِسلاميين كما يصفهم شاعر الاَهرام، محمد حسن عبد الغني المصري:

إنّا لتجمعنا العقيدة أُمّة * ويضمّنا دين الهدى أتباعا
ويوَلّف الاِسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في الهوى أشياعا
اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الاِسلام وأهله،
وتُذِلُّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك،
والقادة إلى سبيلك وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.

قم ـ الحوزة العلمية
جعفر السبحاني
16 رمضان المبارك 1413 هـ



(1)الاَبيات للا َُستاذ: محمود البغدادي ـ دام علاه ـ.


(9)

المسألة الا َُولى :

مسح الرجلين أو غسلهما في الوضوء

اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب الاَئمّة الاَربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده، وقالت الشيعة الاِمامية: إنّه المسح، وقال داود بن علي والناصر للحق من الزيدية :يجب الجمع بينهما وهو صريح الطبري في تفسيره: ونقل عن الحسن البصري: إنّه مخيّر بينهما (1).

وممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسألة، مع أنّهم رأوا وضوء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كلّ يوم وليلة في موطنه ومهجره، وفي حضره وسفره، ومع ذلك اختلفوا في هذه المسألة التي هي من أشدّ المسائل ابتلاءً، وهذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً، فجعل أوضح المسائل أبهمها.

إنّ الذكر الحكيم تكفّل ببيان المسألة وما أبقى فيها إبهاماً واعضالاً، وقد بيّنها رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومن هنا فلابد من الجزم بأنّ المسلمين كانوا قد اتّفقوا على فعل واحد، وإلاّ فما كان هذا الاَمر يخفى، إذن فلا محيص من القول بأنّ الحاضرين في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحـداً: إمّا المسـح أو


(1)الطبري: التفسير : 6|86 ومفاتيح الغيب: 11|162 والمنار : 6|228.


(10)

الغسل، ولم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً. ولو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على الاَجيال الآتية فلا غرو في أن يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل.

وليس فيها شيء أوثق من كتاب اللّه فعلينا دراسة ما جاء فيه، قال سبحانه: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِِلى الصَّلوةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِروَوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْن» (1)وقد اختلف القرّاء في قراءة: «وأرجلكم إلى الكعبين» فمنهم من قرأ بالفتح، ومنهم من قرأ بالكسر. إلاّ أنّه من البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فإنّ تجويزهما يضفي على الآية ابهاماً واعضالاً، ويجعل الآية لغزاً، والقرآن كتاب الهداية والارشاد، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان،خصوصاً فيما يتعلّق بالاَعمال والاَحكام التي يبتلى بها عامّة المسلمين، ولا تقاس بالمعارف والعقائد التي يختصّ الامعان فيها بالاَمثل فالاَمثل.

وعلى كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية وبيّنها الاِمام الرازي في تفسيره، ننقل كلامه بتلخيص ـ وسيوافيك مفصل كلامه في آخر البحث ـ :

قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله: «وأرجلكم» وهما:

الاَوّل: قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبو بكر عنه ـ بالجرّ.

الثاني: قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب.


(1)المائدة|6.


(11)

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الاَرجل معطوفة على الروَوس فكما وجب المسح في الرأس، فكذلك في الاَرجل.

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» وقوله: «كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مَزَمّلٍ» .

قيل: هذا باطل من وجوه:

1ـ إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لاَجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

2ـ إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس كما في قوله: «جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، وفي هذه الآية الاَمن من الالتباس غير حاصل.

3ـ إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح، وذلك لاَنّ «بروَوسكم» في قوله: «فامسحوا بروَوسكم» في محل النصب (1)بامسحوا لاَنّه المفعول به، ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء، فإذا عطفت الاَرجل على الروَوس جاز في الاَرجل النصب عطفاً على محل الروَوس، وجاز الجر عطفاً على الظاهر.


(1)يقال: ليس هذا بعالم ولا عاملا. قال الشاعر:

معاوي انّنا بشر فاسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديدا

لاحظ: المغني لابن هشام: الباب الرابع.


(12)

ونزيد بياناً أنّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محل بروَوسكم، ولا يجوز العطف على ظاهر «أيديكم» لاستلزامه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد، فضلاً عن الجملة.

هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم، ولا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره، فإذا كان هو المهيمن على جميع الكتب السماوية، فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ والباطل، والمأثورات التي فيها الحديث ذو شجون . مع كونها متضاربة في المقام، فلو ورد فيها الاَمر بالغسل، فقد جاء فيها الاَمر بالمسح، رواه الطبري عن الصحابة والتابعين نشير إليه على وجه الاجمال.

1ـ ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

2ـ كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما، ولمّا خطب الحجّاج وقال: ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، قال أنس: صدق اللّه وكذب الحجّاج، قال اللّه: «وامسحوا بروَوسكم وأرجلكم إلى الكعبين» وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

3ـ عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل وإنّما نزل فيهما المسح.

4ـ الشعبي قال: نزل جبرئيل بالمسح وقال: ألا ترى انّ التيمّم أن يُمسَحَ ما كان غسلاً ويُلْغى ما كان مسحاً.

5ـ عامر: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء: الرأس والرجلان. وقيل له: إنّ أُناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل


(13)

بغسل الرجلين فقال: نزل جبرئيل بالمسح.

6ـ قتادة: في تفسير الآية: افترض اللّه غسلتين ومسحتين.

7ـ الاَعمش: قرأ «وأرجلكم» مخفوضة اللام.

8 ـ علقمة:قرأ «أرجلكم» مخفوضة اللام.

9ـ الضحاك: قرأ «وأرجلكم» بالكسر.

10ـ مجاهد: مثل ما تقدّم (1).

وهوَلاء من أعلام التابعين وفيهم الصحابيان: ابن عباس وأنس وقد أصفقوا على المسح وقراءة الجر الصريحة في تقديم المسح على الغسل، وجمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة فلماذا أُعرض عنهم في هذا المجال المهم والحساس في عبادة المسلم.

إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت ـ عليهم السّلام ـ ، وهم يسندون المسح إلى النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، ويحكون وضوءه به، قال أبو جعفر الباقر ـ عليه السّلام ـ : «ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه ... إلى أن قال: ثمّ مسح رأسه وقدميه.

وفي رواية أُخرى: ثمّ مسح ببقيّة ما بقى في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الاناء (2).

وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات اتّفقت الشيعة الاِمامية على أنّ


(1)الطبري: التفسير : 6|82 ـ83.
(2)الحرّ العاملي: الوسائل 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 9و 10.


(14)

الوضوء غسلتان ومسحتان، وإلى ذلك يشير السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة:

إنّ الوضوء غسلتان عندنا * ومسحتان والكتاب معنا
فالغسل للوجه ولليدين * والمسح للرأس وللرجلين

وبعد وضوح دلالة الآية، واجماع أئمّة أهل البيت على المسح، واستناداً إلى جملة الاَدلّة الواضحة التي ذكرنا بعضاً منها، فانّ القول بما يخالفها يبدو ضعيفاً ولا يصمد أمام النقاش، إلاّ أنّا سنحاول أن نورد الوجوه التي استدل بها القائلون بالغسل ليتبيّن للقارىَ الكريم مدى ضعف حجّيتها:

1ـ إنّ الاَخبـار الكثـيرة وردت بإيجـاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه، ويكون غسل الاَرجل يقوم مقام مسحها (1).

يلاحظ عليه: أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح، وليس شيء أوثق من كتاب اللّه، فلو دلّ على لزوم المسح لا يبقى مجال لترجيحه على روايات المسح.والقرآن هو المهيمن على الكتب والمأثورات، والمعارض منها للكتاب لا يقام له وزن.

وأعجب من ذلك قوله: إنّ الغسل مشتمل على المسح، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان، فالغسل إمرار الماء على المغسول، والمسح إمرار اليد على الممسوح (2)


(1)مفاتيح الغيب: 11|162.
(2)قال سبحانه حاكياً عن سليمان: (رُدّوها عَلَـيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والاَعْناق) ـ ص|33 ـ أي مسح بيده على سوق الصافنات الجيادوأعناقها.


(15)

وهما حقيقتان مختلفتان لغة وعرفاً وشرعاً، ولو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح والغسل، لا الاكتفاء بالغسل.

2ـ ما روي عن علي ـ عليه السّلام ـ من أنّـه كان يقضي بين النــاس فقــال: ««وأرجلكم» هذا من المقدّم والموَخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واغسلوا أرجلكم وامسحوا بروَوسكم) ».

لكنّه يرد: بأنّ أئمّة أهل البيت كالباقر والصادق _ عليهما السلام _ أدرى بما في البيت، وهما اتّفقا على المسح، وهل يمكن الاتّفاق على المسح مع اعتقاد كبيرهم بالغسل؟! إنّ الموَكد هو أنّ هذه الرواية موضوعة عن لسان الاِمام ليثيروا الشك بين أتباعه وشيعته. ولا نعلّق على احتمال التقديم والتأخير شيئاً، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح، إذ هي المرجع للقروي والبدوي، وللحاضر عصر النزول، والغائب عنه، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد، ثمّ إنّه أيّ ضرورة اقتضت هذا التقديم والتأخير، مع إنّه كان من الممكن ذكر الاَرجل بعد الاَيدي من دون تأخير؟ ولو كان الدافع إلى التأخير هو بيان الترتيب، وإنّ غسل الاَرجل بعد مسح الرأس، فكان من الممكن أن يُذكر فعله ويقال: (فامسحوا بروَوسكم واغسلوا أرجلكم إلى الكعبين) . كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النص وما عليه أئمّة أهل البيت من الاتّفاق على المسح.

3ـ ما روي عن ابن عمر في الصحيحن قال: تخلّف عنّا رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في سفره، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، وجعلنا نتوضّأ ونمسح


(16)

على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته : «ويل للاَعقاب من النار» ـ مرتين أو ثلاث ـ(1).

ويرد هذا الاستدلال: أنّ هذه الرواية على تعيّن المسح أدلّ من دلالتها على غسل الرجلين، فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يمسحون، وهذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح، وما ذكره البخاري من أنّ الانكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل، اجتهاد منه، وهو حجّة عليه لا على غيره، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح؟!

على أنّ للرواية معنى آخر توَيّده بعض المأثورات، فقد روي: أنّ قوماً من أجلاف العرب، كانوا يبولون وهم قيام، فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة، وكان ذلك سبباً لذلك الوعيد (2)ويوَيّد ذلك ما يوصف به بعض الاَعراب بقولهم: بوّال على عقبيه، وعلى فرض كون المراد ما ذكره البخاري، فلا تقاوم الرواية نص الكتاب.

4ـ روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حيّة، قال: رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال: «أردت أن أُريكم طهور نبيّكم» (3).

يلاحظ عليه: أنّ أبا حيّة مجهول لا يعرف، ونقله عنه أبو إسحاق الذي شاخ ونسى واختلط وترك الناس روايته (4)أضف إليه أنّه يعارض ما رواه عنه أهل


(1)صحيح البخاري ج1 كتاب العلم ص 18 باب من رفع صوته، الحديث 1.
(2)مجمع البيان: 2|167.
(3)سنن ابن ماجة: 1|170 باب ما جاء في غسل القدمين الحديث الاَوّل.
(4)لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة 170 وميزان الاعتدال للذهبي: 4|519، برقم 10138 وص 489 باب «أبو إسحاق».


(17)

بيته، وأئمّة أهل بيته، خصوصاً من لازمه في حياته وهو ابن عباس كما مرّ.

5ـ قال صاحب المنار: وأقوى الحجج اللفظية على الاِمامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين، وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء، لاَنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل.

وهذا القول يلاحظ عليه: أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين هو ما ذكره، لكنّا نسأله: لماذا لا تحصل تلك الغاية إلاّ باستيعابها بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد، والاختبار سهل، و نحن لا نرى في العمل اعضالاً وعسراً.

6ـ وقال: إنّ الاِمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم، ويقولون هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم، فلو صحّ هذا لقال: إلى الكعاب كما قال في اليدين: «إلى المرافق»(1).

أقول: إنّ المشهور بين الاِمامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك، وهناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق والقدم، وذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل. وعلى كلّ تقدير، يصح اطلاق الكعبين، وإن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل، فيكون المعنى: (فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين منكم) إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه.


(1)المنار : 6|234.


(18)

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التفسير بما ذكره فإنّه يجب أن يوسع الممسوح ويحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح بالغسل، وكأنّه تخيّل أنّ المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق بها، وأنّه تجفّ إليد قبل الوصول إليهما.

ولعمري أنّ هذه اجتهادات واهية، وتخرّصات لا قيمة لها في مقابل الذكر الحكيم.

7ـ آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الاَرجل هو التمسّك بالمصالح، حيث قال: لا يعقل لاِيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء، لاَنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، وينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النص، فلا شك أنّ الاَحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها، فأي مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار اصبع أو اصبعين حتى قال الشافعي: إذا مسح الرأس باصبع واحدة أو بعض اصبع أو باطن كفه، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

وهناك كلمة قيّمة للاِمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها، قال ـ رحمه اللّهـ: نحن نوَمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم، ولم ينههم إلاّ عمّـا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الاَحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة


(19)

عنها إلى ما سواها. وأوّل تلك الاَدلّة الحكيمة كتاب اللّه عزّ وجلّ، وقد حكم بمسح الروَوس والاَرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الاَرجل من الدنس فلابدّ من احرازه قبل المسح عليها عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه (1) ولعلّ غسل رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ رجليه ـ المدعى في أخبار الغسل ـ إنّما كان من هذا الباب ولعلّه كان من باب التبرّد، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء. واللّه أعلم (2).

* * *

ثمّ إنّ هناك لفيفاً من أهل السنّة اعترفوا بما ذكرنا من أنّ المستفاد من الكتاب هو المسح لا الغسل، ويطيب لي نقل نصوصهم:
1ـ قال ابن حزم: إنّ القرآن نزل بالمسح، قال اللّه تعالى: «وامسحوا برءوسكم وأرجلكم» وسواء قرىَ بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الروَوس: إمّا على اللفظ وإمّا على الموضع، لا يجوز غير ذلك، لاَنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة. وهكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح ـ يعني في الرجلين ـ في الوضوء.

وقد قال بالمسح على الرجلين جماعة من السلف، منهم علي بن أبي طالب


(1)ولذا ترى حفاة الشيعة والعمال منهم ـ كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطةبالطهارة ـ إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.
(2)مسائل فقهية: 82.


(20)

وابن عباس والحسن وعكرمة والشعبي وجماعة غيرهم، وهو قول الطبري، ورويت في ذلك آثار.

منها أثر من طريق همام، عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة: ثنا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه، عن عمه ـ هو رفاعة بن رافع ـ أنّه سمع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يقول: «إنّـها لا تجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّ وجلّ ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين».

وعن إسحاق بن راهويه: ثنا عيسى بن يونس، عن الاَعمش، عن عبد خير ، عن علي: «كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح حتى رأيت رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يمسح ظاهرهما».

ثمّ إنّه ذكر خبر «ويل للاَعقاب من النار» واستظهر منها أنّه يستفاد من الخبر شيء زائد على ما في الآية، ويكون ناسخاً لما فيها، والاَخذ بالزائد واجب.

ولكنّك عرفت أنّ هذا الخبر ـ على فرض صحّته ـ لا يهدف إلى ما يرتئيه من وجوب الغسل، وقد عرفت معنى الرواية.

ثمّ قال: وقال بعضهم: إنّه سبحانه وتعالى قال في الرجلين: «إلى الكعبين» كما قال في الاَيدي: «إلى المرافق» ، دلّ على أنّ حكم الرجلين حكم الذراعين.

فأجاب عنه بقوله: ليس ذكر المرفقين والكعبين دليلاً على وجوب غسل ذلك، لاَنّه تعالى قد ذكر الوجه ولم يذكر في مبلغه حدّاً، وكان حكمه الغسل، لكن لما أمر اللّه تعالى في الذراعين بالغسل كان حكمهما الغسل، وإذا لم يذكر ذلك في


(21)

الرجلين وجب أن لا يكون حكمهما ما لم يذكر فيها إلاّ أن يوجبه نصّ آخر.

قال علي: والحكم للنصوص لا للدعاوي والظنون. وباللّه تعالى التوفيق (1).

2ـ قال الاِمام الرازي: اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفّال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح ، وهو مذهب الاِمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل، وقال داود الاَصفهاني: يجب الجمع بينهما وهو قول الناصر للحق من أئمّة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلف مخيّر بين المسح والغسل.

حجّة من قال بوجوب المسح مبنى على القراءتين المشهورتين في قوله «وأرجلكم» فقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه بالنصب، فنقول: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الاَرجل معطوفة على الروَوس فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الاَرجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على الجوار كما في قوله: جحر ضبّ خرب. وقوله : كبير أُناس في بجاد مزمل.

قلنا: هذا باطل من وجوه: الاَوّل: أنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لاَجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: أنّ الكسر إنّما يصار إليه حيث يحصل الاَمن من الالتباس، كما في


(1)ابن حزم: المحلّـى: 2| 56 برقم 200.


(22)

قوله: جحر ضب خرب، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الاَمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف، وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب، وأمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضاً: إنّـها توجب المسح. وذلك لاَنّ قوله: «وامسحوا بروَوسكم» فروَوسكم في محل النصب ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الاَرجل على الروَوس جاز في الاَرجل النصب عطفاً على محل الروَوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله: «وأرجلكم» هو قوله : «وامسحوا» ويجوز أن يكون هو قوله: «فاغسلوا» لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الاَقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله «وأرجلكم» هو قوله «وامسحوا» فثبت أنّ قراءة «وأرجلكم» بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح. ثمّ قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالاَخبار لاَنّـها بأسرها من باب الآحاد، ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.

واعلم أنّه لا يمكن الجواب عن هذا إلاّ من وجهين: أنّ الاَخبار الكثيرة وردت بايجاب الغسل، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط فوجب المصير إليه (1) وعلى هذا الوجه يجب القطع بأنّ غسل الرجل يقوم مقام مسحها، والثاني: أنّ فرض الرجلين محدود إلى الكعبين، والتحديد إنّما جاء في الغسل لا في المسح.


(1) قد عرفت الجواب عنه فيما سبق.


(23)

والقوم أجابوا عنه بوجهين: الاَوّل: أنّ الكعب عبارة عن العظم الذي تحت مفصل القدم، وعلى هذا التقدير فيجب المسح إلى ظهر القدمين.

والثاني: أنّـهم سلّموا أنّ الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق، إلاّ أنّـهم التزموا أنّه يجب أن يمسح ظهور القدمين إلى هذين الموضعين، وحينئذ لا يبقى هذا السوَال (1).

3ـ إنّ الزمخشري لمّا سلّم بأنّ قراءة الجر تجرّه إلى القول بوجوب المسح أراد التخلّص منه بقوله:

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟

قلت: الاَرجل من بين الاَعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصبّ الماء عليها، فكانت مظنّة للاِسراف المذموم المنهية عنه، فعطفت على الثالث «الروَوس» الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها (2).

يلاحظ عليه: أنّ الوجوه والاَيدي مظنّة للاِسراف المذموم مثل الاَرجل، فلماذا نبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء في خصوص الاَرجل دون غيرهما مع كون الجميع مظنّة للاِسراف في صبّ الماء.

ولا يخفى أنّه تفلسف في تفسير الآية بشيء تافه لا يرضى به الذوق العربي. فإنّه لو صحّ ما ذكره من الفلسفة فإنّما يصحّ فيما إذا أُمن من الاِلتباس لا في مثل المقام الذي لا يوَمن منه، ويحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح من دون التفات لما ذكره من النكتة البديعة!.


(1)الاِمام الرازي: مفاتيح الغيب: 11|161.
(2)الزمخشري: الكشاف: 1|449.