welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(234)

المسألة 34: لو علم بعد إخراج الخمس أنّ الحرام أزيد من الخمس أو أقلّ لا يستردّ الزائد على مقدار الحرام في الصورة الثانية، وهل يجب عليه التصدّق بما زاد على الخمس في الصورة الأُولى أو لا؟ وجهان، أحوطهما الأوّل، وأقواهما الثاني.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

التمسك بقاعدة الإتلاف، إذ لو كانت هي مصدر الضمان يثبت الضمان مطلقاً وإن لم يتبيّن المالك، بل يجب عليه إيصاؤه، وكلّ ذلك على خلاف القاعدة.

نعم: لو قام بالتخميس من عند نفسه من دون مراجعة إلى الحاكم الشرعي كان للضمان وجه، لا ما إذا دفعه إليه أو قام به نيابة ووكالة عنه.

ثمّ الظاهر من الماتن، اختصاص الضمان بالخمس لا ما اشتغلت به ذمّته، وهو غير تام، إذ لو صحّت المصالحة لما كان للضمان وجه، ولو لم تتم يضمن ما تعلّقت به ذمّته ولو بالعمل بالاحتياط لا الخمس.

(*) للمسألة صورتان:

الأُولى: إذا علم الحرام أزيد من الخمس.

الثانية: إذا كان الحرام أقلّ منه.

أمّا الأُولى: يقع البحث في وجوب التصدّق بمازاد على الخمس، ففيه وجوه:

1. يسترجع الخمس ويتصدّق بمقدار الحرام لأهل الصدقة.

2. إنّ الباقي بعد التخميس موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام فيجري عليه حكمه من الصور الأربع السابقة، ويعمل في كلّ صورة بحكمها الخاص، وهو خيرة المحقّق الخوئي.


(235)

3. صحّة التخميس الأوّل والتصدّق بالباقي لافتراض كون المقدار الحرام معلوماً.

4. كفاية التخميس وعدم لزوم التصدق بالباقي.

أقول: الوجه الأوّل، احتمال محض، ومدفوع، بأنّ استرجاعه، إبطال لعمل عبادي وقع بأمر الشارع، وهو يحتاج إلى الدليل، أضف إلى ذلك قوله ـ عليه السَّلام ـ : «وإنّ اللّه قد رضي من هذا المال بالخمس»واسترجاعه، يخالف هذا الرضا.

ويمكن الاستئناس بما ورد في اللقطة: إذا جاء صاحبها فانّه لا يسترجع الصدقة: والذي يجمع بينهما كون العملين من الأُمور العبادية.

والوجه الثاني: حاصله أنّ الباقي بعد التخميس ـ المعلوم بعد وجود الحرام فيه ـ موضوع جديد للمال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فيجري عليه حكمه من أنّه:

1. إن علم مقداره ومالكه دفعه إليه.

2. وإن يعلم مقداره ولم يعلم مالكه تصدّق.

3. وإن جهل كلاهما تعلّق به خمس آخر.

وهذا الوجه يخالف إطلاق الأدلّة فإنّها ظاهرة في حلّية المال مطلقاً وإن انكشف أنّ الحرام أزيد، خصوصاً قوله ـ عليه السَّلام ـ «وسائر المال لك حلال» وهذا يؤيد ما قلناه، من أنّ التخميس مصالحة شرعية بين الحاكم نيابة عن المالك وصاحب المال المختلط، ومعنى المصالحة، هو الاكتفاء بالمدفوع، وإن تبيّن الخلاف وأنّ الحرام أزيدمن الخمس فإيجاب الزائد يحتاج إلى الدليل سواء كان بصورة الصدقة أو بصورة التخميس.

والوجه الثالث: مدفوع، بإطلاق الروايات بكفاية التخميس. وبذلك يعلم قوّة الوجه الرابع، لأنّ ظاهره كفاية المصالحة عمّا يطرأ ويتبين من الزيادة.


(236)

المسألة 35: لو كان الحرام المجهول مالكه معيّناً(*) فخلطه بالحلال ليحلّله بالتخميس خوفاً من احتمال زيادته على الخمس فهل يجزيه إخراج الخمس أو يبقى على حكم مجهول المالك؟ وجهان، والأقوى الثاني لأنّه كمعلوم المالك حيث إنّ مالكه الفقراء قبل التخليط.(**)

ـــــــــــــــــــــــ

وأمّا الصورة الثانية: فاحتمال استرداد الزائد مدفوع بما ذكرناه ،وقد عرفت أنّ طبيعة المصالحة لا تنفك عن احتمال الزيادة والنقص غالباً، وفائدة التخميس هو جواز تصرفه في المال المخلوط، وهو في مقابل دفع الشيء الزائد ليس بقليل، وقد عرفت أنّه عمل قربيّ لا يبطل.

(*) مشخصاً في الخارج غير معلوم المقدار.

(**) قال في الجواهر: ولو خلط الحرام بالحلال، عمداً خوفاً من كثرة الحرام لتجتمع شرائط الخمس فيجتزي بإخراجه، عصى بالفعل وأجزأه الإخراج، ويحتمل قويّاً تكليف مثله بإخراج ما يقطع بالبراءة إلزاماً له بأشقّ الأحوال، ولظهور الأدلّة في غيره.

والظاهر أنّ الوجه هو انصراف أدلّة التخميس عن المورد لأجل وروده في المختلط ابتداءً، بل يعمّ ذلك وما كان متميّزاً وصار مخلوطاً لعوامل خارجية، إذ الاقتصار على الأوّل يوجب خروج أكثر الموارد و ـ مع ذلك كلّه ـ لا يشمل الاختلاط لغاية التخميس والسيطرة على مال الغير عن ذاك الطريق، بل مورده مورد الإنسان المتهيّئ لإخراج الحرام من ماله، وهذا هو الوجه لعدم الشمول لا ما ذكره المصنف: من أنّه كمعلوم المالك حيث إنّ مالكه الفقراء. وذلك لأنّهم لا


(237)

المسألة 36: لو كان الحلال الّذي في المختلط ممّا تعلّق به الخمس وجب عليه بعد التخميس للتحليل خمس آخر للمال الحلال الّذي فيه.(*)

ـــــــــــــــــــ

يتملّكون إلاّ بالقبض، فكيف يكون معلوم المالك أو كمعلومه؟

وتظهر الثمرة بين القولين في موردين.

فلو قلنا بشمول الأدلّة لهذه الصورة، يتعيّن الخمس والمصرف مصرفه، وعلى ما قوّينا يتعين الأقل، إلاّ إذا عرضه النسيان، أو دار أمره بين المتبائنين فيتعيّن الأكثر والمصرف مصرف الصدقة.

(*) وهو مقتضى القاعدة لتعدّد الأسباب المقتضي لتعدّد المسبب، إلاّ إذا دلّ دليل على الاكتفاء بالمسبب الواحد، كما في موارد تعدّد أسباب الحدث الأكبر والأصغر، قال في الجواهر: ولو كان خليط الحرام ممّا فيه الخمس أيضاً لم يكف خمس واحد، كما صرّح به بعضهم لتعدد الأسباب المقتضي لتعدّد المسببات، فيجب حينئذ بعد إخراج خمس التطهير، خمس آخر.(1)

وبعبارة أُخرى: أنّ المختلط بالحرام تارة يكون مالاً موروثاً يعلم بوجود الحرام فيه أو موهوباً أو نحو ذلك، وأُخرى يكون ممّا تعلّق به الخمس كالمعادن وأرباح المكاسب، فالحكم بالتخميس في روايات الباب ناظر إلى حلّ مشكلة الاختلاط.

وأمّا الحيثيّة الثانية فليست مطروحة حتى ينفى وجوب التخميس الثاني عنه


1 . الجواهر:16/76.


(238)

بالإطلاق، أو بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «وسائر المال لك حلال» والحاصل، أنّ المختلط عنوان، والمعدن عنوان آخر، ولكلّ حكمه.

نعم احتمل المحقّق الهمداني قدَّس سرَّه الاكتفاء بالخمس الأوّل: قائلاً بأنّ حمله على إرادته من حيث الاختلاط مع وروده في المال المجتمع بالكسب في الأزمنة السابقة الذي يتعلّق به خمس الاكتساب أيضاً لا يخلو من بعد، خصوصاً مع ما فيه من التعليل.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العبارة الحاكية لقضاء أمير المؤمنين مختلفة، ففي رواية السكوني: «كسبت مالاً» وفي رواية الحسن بن زياد و مرسلة الصدوق: «أصبتُ مالاً»، وبما أنّ الرواية منقولة بالمعنى فلا اعتبار بلفظ السكوني وأمثاله. أضف إلى ذلك، أنّ أحكام الخمس خصوصاً في أرباح المكاسب قد بيّنه الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ في الظروف المتأخرة عن زمن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ لمصلحة فيه فلا يكون السكوت دليلاً على عدمه.

ثمّ الظاهر من الماتن تقديم خمس الاختلاط على خمس السبب الآخر، فلو عمل كذلك فأخرج خمس الجميع، يبقى أربعة أخماس، فإن علم مقدار ما تعلّق به الخمس فهو، وإلاّ فهل الواجب هو إخراج خُمْس الباقي (أربعة أخماس) أو يقتصر بخمس المتيقن بكونه حلالاً، لاحتمال أنّ بعض ما بقي من مال الغير، فيكون تعلّق الخمس بغير المتيقن بكونه حلالاً، مجرى للبراءة؟

إذا وقفت على ذلك فاعلم أنّه لا وجه لتقديم تخميس الاختلاط على الخمس، وهو أشبه بتعلّق الضريبة على الضريبة، فلو قدّمنا تخميس الاختلاط فلازمه دفع الخمس من الخمس الثاني الذي هو ملك للإمام ـ عليه السَّلام ـ والسادة.


1 . مصباح الفقيه:14/163.


(239)

وإن شئت قلت: إنّ الهدف من تخميس الاختلاط هو إفراز المال المجهول من ناحية المالك والمقدار، والمفروض أنّ خمس الأرباح ليس مجهولاً من حيث المالك، فلا وجه لتعلّقه به.

وربّما يعلل تقديم تخميس الجهة الأُخرى على التخميس من جهة الاختلاط بأنّ الروايات ناظرة إلى المال المخلوط فيه الحلال بالحرام، فموضوعه المال المؤلف من هذين الصنفين.

فبعض له حلال وبعضه حرام لا يعرف صاحبه، وأمّا المشتمل على صنف ثالث بحيث لا يكون له ولا يكون من المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه، فهو غير مشمول لتلك الأدلّة، ومقامنا من هذا القبيل فهو يعلم أنّ مقداراً من هذا المال المختلط، أعني: الخمس، من حصّته لا له ولا من المال الحرام، بل هو ملك للسادة والإمام ـ عليه السَّلام ـ وعليه لابدّ من إخراجه ليتمحض المال في كونه حلالاً مخلوطاً بالحرام ثمّ يخمس بعدئذ للتحليل وبعنوان الاختلاط.

وعلى ذلك، يكفي تقديم خمس الجهة الثانية، وهو لا يتعلّق ظاهراً إلاّ بالمقدار المتيقن من الحلال فيدفع خمسه لا مجموع المال بخلاف تخميس الاختلاط فإنّه يتعلّق بالمجموع، وعلى ذلك فلوكان مجموع المال 100 ديناراً وكان المتيقن منه حلالاً هو 50 ديناراً يخمس الثاني ويدفع 10 دنانير فيبقى له 90 ديناراً ثمّ يخمسه بعنوان تطهيره من مال الغير ويدفع 18 ديناراً فيبقى له 72 ديناراً.

وأمّا إذا قدّمنا تخميس الاختلاط، فبما أنّه يتعلّق بالمجموع يجب عليه أن يدفع 20 ديناراً من تلك الجهة، ثمّ لو قلنا بتعلّق الخمس بمقدار الحلال وهو الخمسون فيخرج عشرة دنانير فيبقى له 70 ديناراً.

نعم لو قلنا بتعلّق الخمس بالباقي ـ لا بالمقدار المتيقن كونه حلالاً ـ أعني الثمانين فيخرج ستة عشر ديناراً فيبقى له 64 ديناراً.


(240)

المسألة 37: لو كان الحرام المختلط في الحلال من الخمس أو الزكاة أو الوقف الخاصّ أو العامّ فهو كمعلوم المالك على الأقوى، فلا يجزيه إخراج الخمس حينئذ.(*)

المسألة 38: إذا تصرّف في المال المختلط قبل إخراج الخمس بالإتلاف لم يسقط و إن صار الحرام في ذمّته فلا يجري عليه حكم ردّ المظالم على الأقوى و حينئذ فإن عرف قدر المال المختلط اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه، و إن لم يعرفه ففي وجوب دفع ما يتيقّن معه بالبراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع

ــــــــــــــــــــــ

(*) قد تقدّم عند قوله: الخامس: المال المختلط بالحرام أنّه لو علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح ونحوه، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ، أووجوب إعطاء الأكثر وجهان الأحوط الثاني، والأقوى الأوّل إذا كان المال بيده.

إذا عرفت ذلك فهل يلحق المقام بما ذكره هناك من الصلح أو الاكتفاء بالأقلّ أو لزوم الأكثر؟ والإلحاق مبني على انصراف أدلّة تخميس الحلال المختلط بالحرام عن مثله فإنّ الأخماس والزكوات والأوقاف إن لم يكن لها مالك شخصي لكن لها مالك كلي وهو الجهات والعناوين الكلية الواردة في لسان الأدلّة.

وعلى ذلك يجب الرجوع إلى الحاكم الشرعي لولايته على هذه الأموال والأُمور، وهل يجوز الاكتفاء بالمتيقن من هذه الأُمور، أو يجب تحصيل البراءة ويدفعالأكثر المحتمل، أو الفرق بين ما علم و عرض النسيان له و بين الجهل بالمقدار من أوّل الأمر؟ الأقوى الثالث، ثمّ الأوّل، و ربّما يكون أزيد من الخمس أو أقلّ.


(241)

به يقين الشغل وجهان الأحوط الأوّل، والأقوى الثاني.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لا شكّ أنّه لو تصرّف الإنسان في الحرام المشخص الخارجي، المجهول المالك يجب الخروج عنه بدفعه صدقة. إنّما الكلام فيما إذا كان مخلوطاً بالحلال هل هو كذلك، أو لا.

قال الشيخ: لو تصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته تعلّق الخمس بذمته ولو تصرف في الحرام المعلوم فصار في ذمّته وجب دفعه صدقة.(1)

أقول: المسألة مبنية على أنّ تعلّق الخمس بالمختلط كتعلّقه بسائر الموارد الأُخرى فكما أنّ لأصحاب الخمس سهماً فيما يخرج من المعادن وغيرها فهكذا لهم سهم في الحلال المختلط أو أنّ تعلّقه به بنحو آخر، وهو أنّه إذا ندم الإنسان وأراد تخليص ذمّته فعندئذ رضي الشارع بدفع الخمس منه فكأنّه نوع مصالحة بين ولي المالك المجهول وصاحب المال المختلط.

فعلى الوجه الأوّل: يجب الخمس سواء كان موجوداً أو صار تالفاً، كسائر الموارد التي يتعلّق بها الخمس: فلو أتلف ما أخرج من المعدن أو أتلف ما ملكه من طريق العثور على الكنز، يتعلّق الخمس بذمّته.

وعلى الثاني: يتعيّن التصدّق، لانتفاء الموضوع بالإتلاف فانّ الاختلاط من صفات الأعيان الخارجية ومع إتلاف المال كلّه لا موضوع له، فالذمة تشتغل بنفس الحرام الواقعي لا الخمس.

وبما أنّ المختار عندنا،هو القول الثاني كما مرّ الكلام في المسألة الحادية والثلاثين، يتعيّن القول بجريان المظالم على الأقوى وذلك لظهور الأدلّة في وجوب الخمس من المال الخارجي عند التطهير، وذلك كما في قوله ـ عليه السَّلام ـ : «فانّ اللّه قد رضي


1 . كتاب الخمس: 268، قسم المسائل، المسألة 19.


(242)

المسألة 39: إذا تصرّف في المختلط قبل إخراج خمسه ضمنه كما إذا باعه مثلاً. فيجوز لوليّ الخمس الرجوع عليه، كما يجوز له الرجوع على من انتقل إليه، ويجوز للحاكم أن يمضي معاملته فيأخذ مقدار الخمس من العوض إذا باعه بالمساوي قيمة أو بالزيادة، و أمّا إذا باعه بأقلّ من قيمته فامضاؤه خلاف المصلحة، نعم لو اقتضت المصلحة ذلك فلا بأس.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

من ذلك المال بالخمس» ، فهو إشارة إلى المال الخارجي، وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «ائتني بخُمسه» وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «وسائر المال لك حلال» فالكلّ ظاهر في المال الخارجي فتظهر الثمرة في مصرفه، وذلك لأنّه على القول بعدم شمول روايات الباب لما أتلفه قبل التخميس، يتعين صرف ما تحصل به البراءة في مصرف الصدقة، بخلاف ما لو قلنا بالوجه الآخر، فهل يجب إخراج القدر المتيقن من الحرام وصرفه في مصرف الصدقة أو يجب دفع الأكثر لتحصيل اليقين بالبراءة أو تنصيف المقدار المتيقن والمقدار المحتمل وأخذ النصف من كلّ منهما؟ وجوه أقواها، الأوّل، أحوطها الثاني ثمّ الثالث.

وعلى القول بوجوب الخمس، فلو علم قدر المال المختلط التالف اشتغلت ذمّته بمقدار خمسه، وإن لم يعرفه، ففي وجوب دفع ما يتيقن معه البراءة أو جواز الاقتصار على ما يرتفع به يقين الشغل، أو التفصيل بين ما علم و طرأ عليه النسيان فالأوّل وبين غيره فالثاني أقواها، الأخير.

(*) ما ذكره من الوجوه مبني على أنّ تعلّق الخمس بالمال المختلط كتعلّقه بسائر الموارد من المعادن والكنوز وأرباح المكاسب، وأنّ أصحاب الخمس يملكون فعلاً شيئاً من ذاك المال، إمّا بنحو الإشاعة أو الكلي في المعين أو بنحو كون المال موضوعاً لحقّ فعليّ لهم، إلى غير ذلك من الوجوه التي تشترك جميعاً في أنّ أصحابه


(243)

يملكون فعلاً شيئاً من ذلك المال.

وأمّا على المختار من أنّ الخمس وسيلة لتشخيص الحرام من الحلال، إذا كان المالك بصدد التطهير منه، وأمّا إذا لم يكن بهذا الصدد، فلا صلة لولي الخمس بهذا المال، يكون الحرام المختلط بالحلال باقياً على ملك مالكه الحقيقي، ويكون أمره بيد الحاكم الشرعي حسب ولايته على المال المجهول.

ولنطرح المسألة على كلا المبنيين.

أمّا على المبنى الأوّل يكون تصرّف البائع في مقدار الخمس فضوليّاً فإن اختار وليّ الخمس الردَّ، يرجع في استرجاع الخمس إلى كلّ من البائع والمشتري لجريان يدهما عليه، وإن اختار الإمضاء يرجع إلى من شاء منهما أيضاً، لأنّه باع بقيمته الواقعية أو أزيد فيأخذ الخمس من الثمن، نعم لو باع بأقلّ من قيمته الواقعية فليس له الإمضاء إلاّ إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وبذلك يعلم أنّ قوله : «ضمنه» إنّما يناسب إذا كان التصرّف في المال المختلط متلفاً للعين، وأمّا إذا كان ناقلاً لها بالبيع، فالخمس باق على ملك أصحابه، والبيع بالنسبة إليه فضوليّ، ولا تخلو الحال عن صورتين: إمّا أن يمضي فينتقل الخمس إلى الثمن المختلط، وإمّا أن يرد فيكون الثمن مشتركاً بين البائع والمشتري، فللأوّل أربعة أخماس منه لأنّه لا يملك أزيد منها، وللمشتري خمس واحد لأنّه استرجع منه خمس المبيع بالرد، وبهذه النسبة يكون المبيع مشتركاً بين المشتري وأصحاب الخمس، فللأوّل، أربعة أخماس، وللثاني، خمس واحد

ثمّ إنّه ربّما يستظهر من أدلّة التحليل كونه عامّاً لكلّ من لم يُخمِّس سواء كان معتقداً به أم لا، وأنّ الغاية من التحليل، هي صحّة المعاملات الواردة على المناكح والمساكن والمتاجر، لا سقوط الخمس وتحليله واقعاً، فلو صححنا ذلك الاستظهار تصحّ المعاملة مطلقاً، غير أنّه إذا لم يكن للعين بدل ينتقل الخمس إلى


(244)

السادس: الأرض الّتي اشتراها الذمّيّ من المسلم

سواء كانت أرض مزرع أو مسكن أو دكّان أو خان أو غيرها فيجب فيها الخمس، ومصرفه مصرف غيره من الأقسام على الأصحّ، و في وجوبه في المنتقلة إليه من المسلم بغير الشراء من المعاوضات إشكال، فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة، و إن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لا يخلو عن قوّة. وإنّما يتعلّق الخمس برقبة الأرض دون البناء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذمة البائع كما إذا وهبه وإلى الثمن كما إذا باعه، هذا كلّه على المبنى الأوّل.

وأمّا على المبنى الثاني، الذي هو المختار، فأمره موكول إلى الحاكم الشرعي فإن أمضاه ينتقل حقّ المالك المجهول إلى الثمن، ويخرج الموضوع عن تحت الباب (تطهير المال المختلط بالحرام بالخمس) لأنّها واردة في نفس العين المختلط لا في ثمنها، وينحصر التخلّص بالتصدّي من باب «ردّ المظالم» بأحد وجوه:

1. التصدّق بما يحصل معه البراءة اليقينية.

2. التصدّق بما يرتفع معه اليقين بالاشتغال وإن لم تحصل البراءة اليقينية.

3. تنصيف المردّد بين كونه لنفسه أو للغير.

4. التفصيل بين ما سبق العلم بالمقدار ثمّ طرأ النسيان وغيره، فيكلّف في الأوّل بتحصيل اليقين بالبراءة، دون الثاني فيكتفي فيه بما فيه دفع الشغل اليقيني.

وإلاّ يكون البيع فضولياً في غير ما يملك.


(245)

والأشجار والنخيل إذا كانت فيه، و يتخيّر الذمّي بين دفع الخمس من عينها أو قيمتها، و مع عدم دفع قيمتها يتخيّر وليّ الخمس بين أخذه و بين إجارته، و ليس له قلع الغرس و البناء، بل عليه إبقاؤهما بالأُجرة، و إن أراد الذمّي دفع القيمة و كانت مشغولة بالزرع أو الغرس أو البناء تقوَّم مشغولة بها مع الأُجرة فيؤخذ منه خمسها، ولا نصاب في هذا القسم من الخمس، ولا يعتبر فيه نيّة القربة حين الأخذ حتّى من الحاكم، بل ولا حين الدفع إلى السادة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) التصديق الفقهي لما ورد في هذه المسألة يتوقف على الوقوف على آراء فقهاء السنّة فيها في زمن صدور روايات المسألة، إذ كما أنّ للآيات شأن نزول، فهكذا لأكثر روايات أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ سبب صدور، يكون كالقرينة المتصلة لفهم المراد من الرواية، وإليك تفاصيل آرائهم في المسألة:

1. آراء الفريقين في المسألة

قال أبو عبيد في كتاب الأموال:

1. أخبرني محمد (المراد محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة) عن أبي حنيفة قال: إذا اشترى الذمي أرض عُشر تحوّلت أرض خراج.

2. وقال أبو يوسف: يضاعف عليه العُشْر. وحكي عن جماعة من الناس أنّهم كانوا يأخذون من الذمي بأرض البصرة العُشْر مضاعفاً.

3. كان سفيان بن سعيد يقول: عليه العُشر على حاله. وكان محمّد بن الحسن يقول: مثل قول سفيان.

4. وقال مالك: لا شيء عليه فيها لأنّ الصدقة إنّما هي على المسلمين زكاة لأموالهم وطهرةٌ لهم، ولا صدقة على المشركين في أراضيهم ولا مواشيهم إنّما الجزية


(246)

على رؤوسهم.

5. وروى بعضهم عن مالك، أنّه لا عُشْرَ عَليه، ولكنّه يُؤمَر ببيعها لأنّ في ذلك إبطالاً للصدقة.

6. قال الحسن بن صالح: أنّه لا عُشْر عليه ولا خَراج إذا اشتراها الذمي من مسلم وهي أرض عُشْر وقال: هذا بمنزلته لو اشترى ماشية، أفلست ترى أنّ الصدقة قد سقطت عنه فيها. وقد حُكي عن شريك بن عبد اللّه شيء شبيه بهذا.(1)

وعلى ما نقله أبو عبيد عن مالك، فقد ذهب هوإلى سقوط العشر لا مضاعفته على المشتري، نعم نقل أصحابنا عنه القول بالمضاعفة، وعلى كلّ تقدير فالمراد من المضاعفة تبديل العُشْر إلى العُشْـرَين (الخمس) من عوائد الأرض وفوائدها ومصرفه مصرف الزكاة، لا وجوب الخمس (العُشرين) من نفس الأرض المشتراة.

وأمّا الأصحاب: فقال المفيد في المقنعة: الذمّي إذا اشترى من المسلم الأرض فعليه فيها الخمس.(2) وبهذه العبارة عبّر الشيخ في النهاية.(3) وقال في المبسوط: إذا اشترى ذمّي من مسلم أرضاً كان عليه فيها الخمس.(4)

وهذه العبائر، ظاهرة بتعلّق الخمس بالرقبة لا بالعوائد.

نعم الظاهر من عبارة الشيخ في الخلاف تعلّقه بالعوائد. قال في كتاب الزكاة: إذا اشترى الذميّ أرضاً عُشرية وجب عليه فيها الخمس.


1 . الأموال: 101ـ102.
2 . المقنعة: 46.
3 . النهاية: 197.
4 . المبسوط: 1/237.


(247)

وبه قال أبو يوسف فإنّه قال: عليه فيها عُشران. وقال محمّد: عليه عشر واحد. وقال أبو حنيفة: تنقلب خراجية. وقال الشافعي: لا عشر عليه ولا خراج. دليلنا: إجماع الفرقة، فإنّهم لا يختلفون في هذه المسألة، وهي مسطورة لهم منصوص عليها، وروى ذلك أبو عبيدة الحذّاء، قال سمعت أباجعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول: «أيّما ذمي اشترى من مسلم أرضاً فانّ عليه الخمس»(1).(2)

وذلك لأنّه عدّ أبا يوسف موافقاً لمختاره، حيث قال: «وبه قال أبو يوسف» فمقتضاه هو تعلّق الخمس بالعوائد، وأمّا إذا كان ملاك الموافقة هو القول بالخمس الأعم من أن يتعلّق بالعين أو بالفائدة كان مقتضاه تعلّقه بالعين، وعندئذ يتّحد مع ما أفاده في النهاية والمبسوط.

وأمّا بعض المتأخرين: فقد أفتى بمضمون الرواية.

قال المحقّق: السادس: إذااشترى الذمي أرضاً من مسلم وجب فيها الخمس.(3)

قال العلاّمة في التذكرة بعد نقل القول بالمضاعفة عن أهل البصرة وأبي يوسف والحسن وعبيد بن الحسن العنبري : وعند علمائنا قريب منه فإنّهم أوجبوا على الذمي الخمس إذا اشترى أرضاً من مسلم سواء وجب فيها الخمس كالمفتوحة عنوة أو لا، كأرض من أسلم أهلها طوعاً وأرض الصلح. وقال محمد بن الحسن: العشر بحاله. وقال أبوحنيفة: تصير أرض الخراج. وإنّما أوجب أصحابنا الخمس لإجماعهم وهو قول الباقر ـ عليه السَّلام ـ .(4)


1 . الوسائل: ج6 ، الباب 9 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.
2 . الخلاف: 2/73، كتاب الزكاة، المسألة 85.
3 . الشرائع: 1/180.
4 . التذكرة: 2/22.


(248)

وعلى أي حال فالرواية خالية عن لفظة «فيها» وعبارات الأصحاب المعبّر فيها بلفظ الحديث مشتملة عليها وهي أظهر في تعلّقه بالرقبة، وعلى أيّ تقدير ففي الرواية عدّة احتمالات:

1. إنّ المراد من الخمس، العُشران من العوائد، فيحمل على التقية لموافقته فتوى أهل الخلاف.

يلاحظ عليه: أنّ مجرد الموافقة لا يسوِّغ الحمل على التقية، بل المسوّغ هو تعارض الروايتين، لا ما إذا لم يكن هناك أيّ تعارض واختلاف كما في المقام.

2. هذا المعنى لكن لبيان الحكم الواقعي وأنّ حكمه هو دفع العُشرين من العوائد.

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد هذا لما كان وجه للعدول من العُشْرين إلى الخمس، ومصرف الأوّل هو مصرف الزكاة دون مصرف الخمس، فلو كان المراد هو دفع العُشرين من باب الزكاة كان عليه التعبير بما يدلّ عليها عرفاً.

3. حملها على ما فهمه الأصحاب من تعلّقه بنفس الرقبة، ولعلّ وجه التعلّق هو تقليل رغبة الذمي إلى شراء أراضي المسلمين لانتهائه إلى ضعفهم وتسلّط الكفّار عليهم فهذه فلسطين المحتلّة فقد تسلّط عليها اليهود من خلال شراء أراضي المسلمين منهم أوّلاً، ودعوة اليهود من أقطار العالم ثانياً، ثمّ الثورة على المسلمين ثالثاً.

وأمّا السند، فقد رواه الشيخ بإسناده إلى سعد بن عبد اللّه القمي الثقة، وسنده إليه صحيح في المشيخة و الفهرست، وأمّا باقي السند فالكل ثقات، فرواه سعد ،عن أحمد بن محمّد المردّد بين الثقتين، لكن المراد منه هو ابن عيسى، لأنّ الشيخ رواها في التهذيب عن أبي جعفر الّذي هو كنية ابن عيسى، عن الحسن بن محبوب الثقة، عن أبي أيّوب الخزاز الثقة وهو إبراهيم بن غياث أو إبراهيم بن


(249)

عيسى، وكفى في صحّتها اعتماد الأصحاب على الرواية من عصر المفيد إلى الأزمنة المتأخرة، فتبين أنّ الظاهر هو ما فهمه المشهور من الرواية وهو تعلّق الخمس بالرقبة.

2. هل الحكم مختص بأرض مزروعة أو لا؟

هل الحكم مختص بأرض مزروعة أو يعمّ أرض مسكن أو أرض دكان وخان أو غيرها؟ وجهان، من إطلاق الرواية، و من أنّ موضع البحث في زمان صدور الرواية بين الفقهاء هوالأرض الزراعية فيكون قرينة متصلة على أنّ المراد منها هو أرض مزروعة.

نعم لا شكّ في اختصاص الرواية بما إذا كانت الأرض هي المقصودة من الشراء لا البناء ولا هي معه، فلو اشترى حماماً أو دكاناً وكان البناء رميماً شملته الرواية دون ما إذا كان عامراً.

والحاصل: أنّ الظاهر من الرواية كون الأرض هي المقصودة من الشراء وكان الباقي تبعاً لها، فلو كان كل من الأرض والبناء مقصوداً كان خارجاً عن مدلولها، وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي حيث اكتفى بكون الأرض مقصودة في عرض البناء وقال: إنّ الدار والبستان اسم لمجموع الأرض والبناء، وكذا الخان والدكان، كما أنّ البستان اسم لمجموع الأرض والأشجار فكلّ منهما مقصود بالذات وملحوظ بحياله في مقام الشراء من غير تبعية، وإنّما يصحّ ادعاء التبعية في الأسلاك والمصابيح.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المدّعى انصراف الرواية إلى ما كانت الأرض تمام المقصود لا جزءه، وليس القائل بالانصراف مدّعياً بأنّ الأرض في مثل الخان المعمور والدار


1 . مستند العروة: 177، كتاب الخمس.


(250)

المعمورة مقصود بالتبع حتى يقال: إنّها مقصودة في عرض البناء. بل يعترف بكونها مقصودة بالذات، لكن ليس تمام المقصود، بل جزءه، والموضوع هو المقصود بالذات وتمام المقصود، لا جزئه.

3. مصرفه مصرف الخمس

إنّ مصرف الخمس في المقام مصرف غيره من الأقسام، لأنّه المتبادر من لفظة الخمس في لسان الصادقين، ولو كان مصرفه، غير مصرف الآخرين، كان عليه التعبير بلفظ آخر.

4. اختصاص الحكم بالشراء أو عمومه

هل يختص الحكم بما إذا اشترى الذمي الأرض أو يعمّ مطلق الانتقال إليه ولو بغير الشراء من سائر المعاوضات؟ والأوّل خيرة السيد الحكيم، وهو مقتضى ظاهر الرواية، ومقتضى احتمال كون الحكمة هو المنع من تسلط الكفّار على أراضي المسلمين هو الثاني، ويكون قرينة على إلغاء الخصوصية من لفظة «الشراء».

ثمّ إنّ الماتن ذكر اشتراط دفع الخمس على الذمي، وهي ناظرة إلى ما إذاانتقل إليه بغير الشراء، لا في صورة الشراء وقال: فالأحوط اشتراط مقدار الخمس عليه في عقد المعاوضة وإن كان القول بوجوبه في مطلق المعاوضات لايخلو عن قوة، وعلى ذلك يجب عليه الخمس إمّا لأجل نفس المعاوضة أو للشرط.

ويظهر من السيد الحكيم إرجاع الاشتراط إلى أصل المسألة، أعني: صورة الشراء، لا إلى خصوص المنتقلة إليه بغيره كما هو الظاهر حيث قال: الأحوط


(251)

الاقتصار في أخذ الخمس على صورة الاشتراط، إذ الظاهر أنّه لا إشكال في جواز البيع بدون اشتراط ذلك.(1)

ثمّ إنّه قدَّس سرَّه تأمّل في صحّة الاشتراط، ولعلّ وجهه، أنّ الاشتراط إمّا أن يكون على نحو شرط النتيجة، أو بنحو شرط الفعل، والأوّل باطل، لأنّ الملكية تحتاج إلى سبب خاص والمفروض عدمه، وليس إلاّ الاشتراط وهو ليس سبباً شرعياً لحصول الملكية; والثاني، لا يفيد في المقام، لإمكان أن يتخلف عن الشرط، ولا يترتّب عليه سوى تسلّط البائع على الفسخ.

وعلى كلّ تقدير يجب الخمس في مطلق الانتقال إلى الذمي والمقام أشبه بمنع بيع العبد المسلم من الكافر، حيث يساعد العرف على إلغاء الخصوصية وأنّ ذكر البيع من باب الفرد الغالب والموضوع انتقاله إليه بأي سبب كان.

5. متعلّق الخمس هو الأرض دون ما عليها

لا يتعلّق الخمس إلاّبرقبة الأرض دون الأشجار والأبنية الموجودة في الأرض الزراعية لظهور النص في كون متعلّقه هو الأرض، والذمي مخيّر بين دفع العين أو قيمة الخمس كسائر الموارد التي يتعلّق بها الخمس، حيث إنّ لصاحبها التبديل إلى القيمة، ولو دفع العين فوليّ الخمس مخيّر بين بيعه من الذمي أو غيره أو إيجاره إذا اقتضت المصلحة لذلك.

التخيير بين البيع والإيجار

ثمّ إنّ متولي الخمس يتخيّر بين بيع خمس الأرض من الذمي أو إيجاره منه. نعم ربّما يقال: بأنّ التخيير بين البيع والإيجار يختصّ بسهم الإمام ـ عليه السَّلام ـ من الخمس


1 . مستمسك العروة الوثقى:9/508.


(252)

حيث إنّ كيفية التصرف فيه منوط برضا الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، فلو كان الإيجار مقروناً بالصلاح دون البيع أقدم بإيجاره وأمّا النصف الآخر الذي هو ملك للسادة فبما أنّ المالك هو الكلي فالمقدار الثابت من ولاية الحاكم الشرعي ولايته على القبض عنهم والصرف عليهم، وأمّا الولاية على التصرّف فيه بإيجار ونحوه فيحتاج إلى دليل آخر يثبت له هذه الولاية زائداً على ولايته على القبض والصرف، وليس لنا ذلك، إذاً فتصدّيه للإيجار مشكل، نعم يجوز له أخذ أُجرة المثل للمدّة المنصرمة قبل أداء الخمس إذ لا تذهب تلك المنافع هدراً على أربابها وهم السادة سواء استوفاها الذمي أم لا، لثبوت ضمان اليد على التقديرين.(1)

يلاحظ عليه: أنّه لا قصور في أدلّة ولاية الفقيه في الأُمور التي ليس لها مسؤول بالخصوص، فعنذئذ يقوم بها الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين الأُمور الثلاثة: البيع، والإيجار، وأخذ أُجرة المثل فيعمل بما هو الأصلح.

6. ليس لصاحب الخمس قلع الشجر

تعلّق الخمس بالأرض المبنيّة أو المغروسة فرع شمول الرواية لمثلها، ولو قلنا بانصرافها إلى ما إذا كانت الأرض تمام المقصود لا جزءه، لا يتعلّق الخمس للأرض المشغولة بالبناء والشجر ويختص بالأراضي الخالية، أو ما كان البناء رميماً غير مقصود أصلاً.

وعلى فرض التعميم فالذمي تارة يدفع الخمس من نفس الأرض وأُخرى من قيمتها.

فعلى الأوّل ليس لصاحب الخمس، قلع الغرس والبناء، بل عليه إبقاؤهما


1 . مستند العروة الوثقى: 180، كتاب الخمس.


(253)

بالأُجرة جمعاً بين الحقّين.

وليس لصاحب الخمس الإبقاء في خمس الأرض مجّاناً كما هو الحال في كلّ أرض نقلت إلى آخر شاغلة بالبناء والغرس فمقتضى الجمع بين الحقّين هو الإبقاء مع الأُجرة.

وإن شئت قلت: إنّ الذمي اشترى الأرض المغروسة أو المشغولة بالبناء ولم يشتر الأرض الخالية، فله حقّ إبقاء الغرس والبناء، ومن جانب آخر، إنّ خمس الأرض لأصحابه فلا يملك الذمّي الإبقاء فيه مجّاناً، فيكون مقتضى الجمع بين الحقّين هو الإبقاء مع الأُجرة.

وعلى الثاني أي إذا أراد دفع القيمة وكانت الأرض مشغولة بأحدهما فلابدّ أن تقوّم الأرض بما هي مشغولة بأحدهما مع الأُجرة ،فيؤخذ منها خمسها، وذلك لأنّ تقويم الأرض خالية عن الأشجار والبناء على خلاف الواقع، لأنّ الذمي اشترى حديقة أو فندقاً لا أرضاً خالية، كما لا تقوّم مشغولة بأحدهما بلا أُجرة، لما عرفت أنّ مقتضى الجمع بين الحقّين هو دفع الأُجرة، فيتعيّن الثالث الذي هو الحدّ الوسط بين التقويم بلا إشغال، والتقويم به مجّاناً.

7. لا نصاب ولا يعتبر فيه القربة

ولا نصاب في هذا القسم من الخمس لإطلاق الدليل، كما لا نصاب في الغنيمة والحلال المختلط بالحرام وأرباح المكاسب.

ولا يعتبر فيه القربة لا من الدافع لعدم تمشّيه منه مع الكفر، ولا من الحاكم حين الأخذ منه أو حين الدفع إلى مصارفه لعدم كونه مالكاً ومكلّفاً بدفع الخمس وإن كان الأحوط نيّته القربة حين الدفع.


(254)

المسألة 40: لو كانت الأرض من المفتوحة عنوة و بيعت تبعاً للآثار ثبت فيها الحكم، لأنّـها للمسلمين فإذا اشتراها الذمّي وجب عليه الخمس، وإن قلنا بعدم دخول الأرض في المبيع، وإنّ المبيع هو الآثار، و يثبت في الأرض حقّ الاختصاص للمشتري، وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه فواضح، كما أنّه كذلك إذا باعها منه أهل الخمس بعد أخذ خمسها، فإنّهم مالكون لرقبتها، ويجوز لهم بيعها.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) لا شكّ أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين إلى يوم القيامة لا يباع ولا يورث إلى يوم القيامة كما نصّ به الإمام ـ عليه السَّلام ـ في أراضي العراق.

عن محمد الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد».(1)

ولكن ربّما يصحح بيع الأرض بوجوه ذكر الماتن منها ثلاثة وإن كان المتصور أربعة:

1. إذا بيعت الأرض تبعاً لبيع الآثار، وقد أشار إليه في المتن بقوله: وبيعت تبعاً للآثار.

2. إذا بيعت الآثار كالأشجار والأبنية قائمة على حالها، وعندئذ يثبت للمشتري حقّ الإبقاء ونحو اختصاص، وهذه هي الصورة الثانية في كلامه، وأشار إليه بقوله: وإن قلنا بعدم دخول الأرض في البيع وأنّ المبيع هو الآثار....

3. إذا اقتضت المصلحة بيع الأراضي المفتوحة عن طريق الحاكم الشرعي، ولعلّه إلى هذا القسم والقسم الآتي يشير الماتن، بقوله: وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.


(255)

فواضح.

4. إذا باع أهل الخمس من الذمي سهامهم، على القول بأنّه يتعلّق بالمنقول وغيره من المغنم، وقد حكم المصنف في جميع الصور بلزوم الخمس، والموافقة معه مشكلة.

أمّا الأوّل: فقد أثبت الماتن فيه الخمس، ولعلّه لكفاية صدق الشراء عناية ومسامحة. ولكنّه ممنوع صغرى وكبرى، أمّا الصغرى: فلعدم جواز بيعها على وجه الاستقلال أو تبعاً للآثار لأنّها ملك للمسلمين إلى يوم القيامة، وأمّا الكبرى: فلأنّه لو فرضت صحّة بيعها تبعاً فلا يشمله دليل الخمس، لما عرفت من انصراف الرواية إلى ما إذا كانت الأرض مشتراة حقيقة لا مسامحة كما هو المفروض، سلّمنا لكن يجب الخمس فيما إذا كانت الأرض تمام المقصود لا جزءه كما في المقام.

أمّا الثاني: فلأنّه خارج عن مدلول الرواية، لأنّ الأرض فيه غير مشتراة، وإنّما ثبت له حقّ اختصاص مادامت الآثار باقية.

وأمّا الثالث: فلو صحّ بيعها عند اقتضاء المصلحة يتعلّق بها الخمس إذا بيعت من الذمي، فالحاكم الشرعي وإن لم يكن مالكاً لها لكنّه مالك لأمر بيعها للولاية.

وأمّا الرابع: فهي ممنوعة كبرى، لعدم تعلّق الخمس في الغنائم الحربية إلاّ على المنقول دون الأراضي، وقد أوضحنا حالها في صدر الكتاب.

إذا خربت الأرض المفتوحة عنوة

فهنا صورتان:

1. إذا عادت الأراضي المفتوحة عنوة إلى الخراب فأحياها أحد من المسلمين، فإن قلنا بأنّـها بخرابها تخرج عن ملك المسلمين وتدخل في ملك


(256)

المسألة 41: لا فرق في ثبوت الخمس في الأرض المشتراة بين أن تبقى على ملكيّة الذمّي بعد شرائه أو انتقلت منه بعد الشراء إلى مسلم آخر، كما لو باعها منه بعد الشراء أو مات وانتقلت إلى وارثه المسلم، أو ردّها إلى البائع بإقالة أو غيرها، فلا يسقط الخمس بذلك ، بل الظاهر ثبوته أيضاً لو كان للبائع خيار ففسخ بخياره.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

المحيي لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».(1) وأنّه يشمل حتى الأرض المفتوحة عنوة، يتعلّق بها الخمس إذا بيعت من الذمي لصدق شراء الأرض من المسلم.

2. وإن قلنا بعدم الخروج، غاية ما في الباب أنّه يتعلّق به حقّ الاختصاص، فالمحيي يملك الآثار لا الرقبة، فلا يتعلّق بها الخمس إذا باع الآثار من الذمي لعدم صدق شراء الأرض ويمكن أن يكون قول المصنف:«وأمّا إذا قلنا بدخولها فيه» ناظراً إلى صورة الإحياء بعد صيرورتها خربة.

(*) ظاهره ثبوت الخمس في جميع الصور الأربع، ووجهه أنّ تملك الذمي الأرض بالاشتراء كاف في تعلّق الخمس وزواله لا يوجب ارتفاعه.

وبعبارة أُخرى: أنّ الخمس يثبت في الأرض المشتراة بمجرّد الشراء سواء بقيت على ملكه أو خرجت منه بنحو من الأنحاء الأربعة:

أ. باعها الذمي من مسلم آخر.

ب. مات الذمي وانتقلت إلى وارثه المسلم.

ج. استقالة الذمي بإقالة البائع المسلم فردّ الأرض وأخذ الثمن.

د. فسخ البائع المسلم، العقد فأخذ المبيع وردّ الثمن.


1 . الوسائل: ج17، الباب 1 من أبواب إحياء الموات، الحديث 5و6.


(257)

وفي جميع هذه الصور يثبت الخمس في الأرض المشتراة، ولا يكون الانتقال سبباً لعدم وجوبه على الذمي.

وهذا الحكم على إطلاقه ـ لو صحّ ـ لا صلة له بمسألة تحليل الخمس للشيعة في موارد خاصّة كما سيأتي البحث عنه في فصل «قسمة الخمس : المسألة التاسعة عشرة».(1)

نعم هنا بحث آخر، وهو أنّه إذا باع الذمي الأرض من مسلم، أو انتقل منه إلى المسلم قبل أن يدفع الخمس، فهل يتعلّق الخمس بالرقبة أو على ذمّة الذمّي؟ فربّما يفصَّل بين كون المنتقل إليه شيعياً، أُبيح له التصرّف في المال غير المخمّس وبين كونه غير شيعي، ففي الأوّل يتعلّق بالثمن الذي أُخذ إذا كان موجوداً أو بذمّته إذا كان تالفاً، بخلاف الثاني فإنّ البيع يكون بالنسبة إلى مقدار الخمس فضولية غير نافذة، فللحاكم الرجوع إليه أو إلى المشتري في مقدار الخمس.

نعم لو كان الانتقال إلى المسلم الشيعي بنحو الوراثة، فلا موضوع للخمس لعدم البيع حتّى يتعلّق بالثمن ولا حياة للذمّي حتى يتعلّق بذمّته.

كلّ ذلك يرجع إلى إيضاح المتن، لكن في ثبوت الخمس في الصورتين الأخيرتين تأمل واضح، لانصراف النصوص إلى بقاء العقد بحاله، وما ذكرنا من الانصراف غير ما يدّعيه صاحب الجواهر من انصرافه إلى العقد اللازم دون الجائز، فإنّ ما ذكره من الانصراف ممنوع، لعدم كون العقد الجائز فرداً نادراً استعمالاً ووجوداً حتى يصحّ الانصراف.

فتكون النسبة بين القولين عموماً وخصوصاً من وجه، فيثبت في الأوّلين على


1 . وهي: إذا انتقل إلى شخص مال فيه الخمس ممّن لا يعتقد بوجوبه كالكافر لم يجب عليه إخراجه فإنّهم ـ عليهم السَّلام ـ أباحوا لشيعتهم ذلك سواء كان من ربح تجارة أو غيرها وسواء كان من المناكح والمساكن والمتاجر أو غيرها.


(258)

المسألة 42: إذا اشترى الذمّي الأرض من المسلم و شرط عليه عدم الخمس لم يصحّ، وكذا لو اشترط كون الخمس على البايع، نعم لو شرط على البائع المسلم أن يعطي مقداره عنه فالظاهر جوازه.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

كلا القولين، ولا يثبت إذا استقال المشتري عندنا لعدم البقاء، ويثبت عنده، وينعكس إذا كان جائزاً ولم يفسخ حتى قضى الأجل فيثبت عندنا لبقاء العقد، ولا يثبت عنده.

بل ثبوت الخمس فيما إذا انتقل إلى المسلم الشيعي بأحد الأنحاء الخمسة، محلّ تأمّل فإنّ التحليل للشيعة يتصوّر على وجهين:

1. جواز تصرفه في الرقبة و انتقال الخمس إلى ذمة الذمي.

2. إبراؤه من تعلّق الخمس بماله لمصلحة من المصالح وعلى هذا لا موضوع له بعد الإبراء.

(*) إنّ اشتراط عدم تعلّق الخمس بالأرض أو تعلّقه بالبائع شرط على خلاف السنة الصحيحة، وأمّا اشتراط دفع مقدار الخمس على البائع بمعنى قضاء دينه الشرعي فهو من قبيل شرط الفعل فيجوز كسائر الشرائط، فلو دفع يسقط عن ذمّة الذمي وإلاّ يبقى في ذمته غاية الأمر للذمّي خيار تخلّف الشرط.

فإن لم يفسخ يستقرّ على ذمّته لا على ذمّة المشروط عليه، إذ لم يكن في ذمّته سوى الفعل أي الأداء، لا كونه مديوناً لأصحاب الخمس، وبالجملة كان الشرط، هو شرط الفعل لا النتيجة، ومع ذلك يظهر من تعليقة السيد الحكيم على العروة عدم سقوط الخمس بالدفع أيضاً، ولعلّه إمّا بقياسه بتولّي الغير له تبرعاً، مع وجود الفرق بين تولي المتبرّع وتولي البائع فإنّ السقوط في الأوّل خلاف مقصود الشارع من تقسيم الثروة بخلاف الثاني إذ المشتري عند اشتراط الخمس على البائع يشتريه


(259)

المسألة 43: إذا اشتراها من مسلم ثمّ باعها منه أو من مسلم آخر ثمّ اشتراها ثانياً وجب عليه خمسان: خمس الأصل للشراء أوّلاً، و خمس أربعة أخماس للشراء ثانياً.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

بثمن غال، وإمّا لعدم كونه قابلاً للنيابة، لكونه من الأُمور العبادية المشروطة بالنيّة وقصد القربة، وهو لا يتمشى إلاّ عمّن وجب عليه الخمس ابتداء، لا عمّن يؤدي عنه المال نيابةً.

ولكنّه غير تام أيضاً، إذ ليس أداء الخمس من الأُمور التي يشترط فيها المباشرة، بل يكفي كون الأداء مستنداً إليه، كما في المقام، حيث إنّ أداء البائع مستند إلى اشتراطه لا إلى تلقاء نفسه.

(*) أمّا تعدّد الخمس فلتعدّد السبب، أعني: شراء الأرض من مسلم، إنّما الكلام في متعلّق الخمس، فلا شكّ في أنّ متعلّقه في الشراء الأوّل هو تمام الأرض، وإنّما الكلام في الشراء الثاني، فقد أفتى الماتن بتعلّقه فيه بأربعة أخماس نظراً إلى أنّ الذمي لم يكن مالكاً إلاّ لأربعة أخماس، والعقد على الزائد عليها كان فضولياً غير نافذ إلاّ بإجازة الحاكم الشرعي، والمفروض عدم تنفيذه، والمفروض اشتراؤه ثانياً ما باعه قبلاً وهو بعد لم يبع إلاّ أربعة أخماس.

نعم هنا نكتة تفطّن بها بعض المحقّقين، وهو أنّ ما ذكر في المتن، إنّما يصحّ إذا كان المشتري مسلماً غير شيعي وأمّا إذا كان مسلماً شيعيّاً فيصحّ البيع الثاني في تمام الأخماس لإحلالهم حقوقهم لشيعتهم غاية الأمر أنّ الخمس ينتقل إلى الثمن إذا كان هناك معاوضة أو إلى الذمة إذا كانت هبة مجردة.

وعلى ذلك يكون المبيع في بيع الذمي من المسلم أوّلاً هو العين كلّها كما يكون المبيع في بيع المسلم من الذمي ثانياً هو العين كلّها فيتعلّق الخمس بتمامها، لا بأربعة أخماس كما لا يخفى.


(260)

المسألة 44: إذا اشترى الأرض من المسلم ثمّ أسلم بعد الشراء لم يسقط عنه الخمس. نعم لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيه على القبض(كالهبة) فأسلم بعد العقد و قبل القبض سقط عنه لعدم تماميّة ملكه في حال الكفر.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

(*) حاصل الكلام ، إنّ هنا فرعين:

الأوّل: إذا أسلم الذمي بعد الشراء فلا يسقط الخمس، لشمول الدليل له عند ما كان ذمياً، فلا وجه لسقوطه بالإسلام، إلاّ قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «الإسلام يجبُّ ما قبله»(1) وهو غير مروي عن طرقنا، وعلى فرض ثبوته فهو ناظر إلى التكليفية من الأحكام من العصيان والخلاف وعبادة غير اللّه تعالى وارتكاب المعاصي، وأمّا الحقوق والغرامات والديون والضمانات فهي باقية على ذمّته.

فإن قلت: ما الفرق بين الزكوات والأخماس التي تسقط عن ذمّته بإسلام الكافر؟

قلت: وجود الفرق بين الواجبين ، فالأوّل يطلب منه بنحو العموم كالصلاة والزكاة، والخمس في غير هذا المورد فلا يطلب منه ظاهراً، إمّا لعدم وجوبه عليه كما عليه بعض الفقهاء، أو كون السقوط مقتضى كونه ذمّياً، فيسقط عنه كلّ شيء إلاّ الجزية، أو لأجل الإجماع على السقوط وإن لم يعلم وجهه، وأمّا المطلوب منه بالخصوص بقيد أنّه ذمّي فلا يسقط كما في المقام، وهذا نظير الجزية التي تطلب منه بقيد كونه كافراً.

الثاني: لو كانت المعاملة ممّا يتوقّف الملك فيها على القبض كما في الهبة، فوهبها المسلم للذمي وأسلم قبل القبض، فهل يجب عليه الخمس أم لا الظاهر،


1 . كنز العمال:1/66، رقم الحديث 243.


(261)

لا؟ لأنّ الشراء في النص ـ على القول بإلغاء الخصوصية منه ـ كناية عن حصول الملكية للذمي وهو كافر، والمفروض أنّها غير حاصلة له إلاّ بعد القبض وهو في هذا الحال مسلم، اللّهمّ إلاّ أن يكتفى بإنشاء التمليك وإن لم يحصل المنشأ حقيقة إلاّ بعد القبض، وربّما يقال بابتناء المسألة على كون القبض ناقلاً أو كاشفاً، والظاهر أنّ القبض في الهبة، كالقبض في السلف، والتقابض في النقدين جزء السبب فهو لا ناقل ولا كاشف بل وزانه وزان القبول، إذا انضم إلى الإيجاب.

نعم المسألة مبنية على إلغاء الخصوصية من لفظة الشراء، وهو غير بعيد كما مرّفلاحظ.(1)

ولو اشترى له من المسلم فأجاز بعد الإسلام، فهل يبتني وجوب الخمس على كون الإجازة كاشفة فيجب الخمس أو ناقلة فلا يجب؟ الظاهر التفصيل بين كون الإجازة كاشفة بالمعنى المشهور، وكونها كاشفة على المختار، فلو فُسِّر الكشف بالمعنى المعروف من ثبوت الملكية الحقيقيّة له قبل الإجازة التي كشف عنها الإجازة لم يسقط، لأنّه ملكه حين هو كافر، ولكن الكشف بهذا المعنى، تناقض في التقنين أوّلاً، لأنّ معنى ذلك عدم اعتبار الإذن والرضا وهو خلاف ظاهر الأدلّة، ومستلزم لاعتبارين متضادين ثانياً، فيكون المبيع ملكاً لشخصين، البائع والمشتري في زمان واحد.

وأمّا لو فسر الكشف بأنّ الإجازة تنشئ ملكية جديدة في المبيع فيما مضى بعد زوال ملكية المالك الأوّل فيعتبر كونه المالك فيما مضى، ويكون له النماء، فيسقط الخمس عنه، لأنّ لازمه هو مالك للأرض بعد الإسلام، لأنّه حكم بمالكيته فيما سبق بعد ما أسلم، فإنشاء الملكية بالإجازة بعد الإسلام وإن كان أثره المالكية فيما سبق.


1 . مستند العروة: 188، كتاب الخمس.


(262)

المسألة 45: لو تملّك ذمّي من مثله بعقد مشروط بالقبض فأسلم الناقل قبل القبض ففي ثبوت الخمس وجهان، أقواهما الثبوت.(*)

ـــــــــــــــــــــــــ

(*) الفرق بين هذه المسألة وما تقدمها ـ بعد اشتراكهما في أنّ للقبض دوراًفي حصول الملكية على وجه لولاه ، لما كان الإنشاء كافياً في حصولها ـ هوأنّالناقل في المسألة السابقة كان مسلماً والمنقول إليه (الموهوب له) كانذمّياًفأسلم قبل القبض، فوقع الكلام في تعلّق الخمس به وعدمه، باعتبارتخلل الإسلام بين العقد والقبض وقد عرفت عدمه لتعلّق الخمسبالانتقال إلى الذمّي من المسلم والمفروض عدمه إلاّ بالقبضوالمفروضأنّه أسلم قبله فلا يصدق الانتقال من المسلم إلى الذمي.

وأمّا المقام فالناقل والمنقول إليه ذمّيان وقد وهب أحدهما للآخر، الأرض، لكن أسلم الناقل قبل القبض، فيقع الكلام في تعلّق الخمس وعدمه، والظاهر تعلّقه لأنّ الشراء ـ كما مرّ ـ كناية عن الانتقال والمفروض أنّ الأرض انتقلت إليه في حال كون الناقل مسلماً والموهوب له كافراً.

نعم يمكن أن يقال: انصراف النص إلى ما إذا وقع جميع أجزاء العقد المملِّك من العقد والقبض في حال كون الناقل مسلماً والمنقول إليه كافراً، وهو خلاف المفروض، لأنّ القبض وإن وقع في حال كون الناقل مسلماً، لكن العقد وقع في حال كونه ذمّياً.


(263)

المسألة 46: الظاهر عدم سقوطه إذا شرط البائع على الذمّي أن يبيعها بعد الشراء من مسلم.(*)

المسألة 47: إذا اشترى المسلم من الذمّي أرضاً ثمّ فسخ بإقالة أو بخيار ففي ثبوت الخمس وجه، لكن الأوجه خلافه، حيث إنّ الفسخ ليس معاوضة.(**)

ــــــــــــــــــــــــــ

(*) وجه عدم السقوط، أنّ الخمس مترتّب على شراء الذمي من مسلم وهو متحقق، واشتراط بيعهما من مسلم، لا يكون سبباً لسقوط ما ثبت.

ثمّ إنّ في صحّة هذا الشرط كلاماً معروفاً(1) وحاصله: أنّ القول بالصحّة يستلزم الدور، لأنّ بيعه من مسلم يتوقف على ملكيته للمبيع، المتوقفة على بيعه، أي العمل بالشرط، فيدور.

يلاحظ عليه: أنّ بيعه منه يتوقف على ملكيته المتزلزلة، وهي غير متوقفة على بيعه من مسلم، بل يتوقف على إنشاء البيع وقبوله، والمفروض حصوله، نعم لزومه يتوقّف على العمل بالشرط فلا دور.(2)

(**) ليس الفسخ معاوضة ولا مملّكاً وإنّما هو حلّ للعقد السابق عليه وإزالة للسبب وجعله كأن لم يكن، والنص منصرف إلى ما إذا كان السبب باقياً بحاله، وإن انتقل منه إلى غيره بإرث أو بعقد، وأمّا ما إذا زيل فلا.

وإن شئت قلت: إنّ الفسخ موجب لعود كلّ مال إلى صاحبه الأوّل، لا من حين الفسخ بل من حين العقد، وتكون النتيجة عدم انتقال الأرض إلى الذمي حتّى يشمله النص.


1 . لاحظ التذكرة:1/490.
2 . لاحظ المختار في أحكام الخيار.


(264)

المسألة 48: من بحكم المسلم بحكم المسلم.(*)

المسألة 49: إذا بيع خمس الأرض الّتي اشتراها الذمّي عليه وجب عليه خمس ذلك الخمس الّذي اشتراه و هكذا.(**)

ــــــــــــــــــــــ

(*) يريد أنّ الصغير والمجنون والسفيه والغائب من المسلمين ولقيط دار الإسلام محكومون بالإسلام، فالبيع عنهم بيع من مسلم، وبذلك يعلم أنّ من بحكم الكافر محكوم بالكفر، فيُعدّ البيعُ من صغير الكفّار وسفيههم وغائبهم واللقيط في دار الكفر بيعاً من الكافر فيتعلّق به الخمس أخذاً بإطلاق الدليل.

(**) للمسألة فرضان:

1. إذا أدّى الذمي خمس العين من نفسها ثمّ اشتراه من أصحابه، يجب عليه أداء الخمس، لأنّه موضوع جديد من غير فرق بين القول بتعلّق الخمس بالعين، بنحو الإشاعة أو الكلّي في المعيّن أو كون تعلّقه بالعين من قبيل تعلّق الحقّ بها والعين أخماسها ملك للمشتري.

2. وأمّا إذا لم يؤد من العين وإنّما حاول تملّك الخمس عن طريق قيمة الخمس إلى أصحابه ليكون خمسها له فيختلف الحكم حسب اختلاف المباني، فعلى القولين الأوّلين يكون تملّك الخمس بأداء القيمة موضوعاً جديداً لتعلّق الخمس أيضاً لأنّه به يتملّك الخمس(1)، ولا كذلك ، على القول بأنّ التعلّق على العين من قبيل تعلّق الحقّ لأنّ المفروض أنّ العين بأخماسها خمسه للمشتري وقد


1 . فعلى هذا لا يتملك الرقبة إلاّبدفع الخمس مرة، وخمس الخمس مرة أُخرى وهذا أمر غريب، وبطلان النتيجة دليله على بطلان المبنى وهو تعلّق الضريبة على العين بأحد الوجهين.

Website Security Test