welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(204)

القول الثالث

القول الثالث هو خيرة صاحب الحدائق ناقلاً: بأنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الأخبار المتقدمة وأنّه لا دليل على إخراجها.

يلاحظ عليه : أمّا أوّلاً: بأنّ القول بإطلاق هذه الروايات وشمولها لمعلوم المقدار، والقول بعدم شمول أخبار التصدّق للحرام المختلط واختصاصها بالمتميز، على خلاف الانصاف،وذلك لأنّ الحكم بإخراج الخمس من الصورة الأُولى كان طريقاً تعبّدياً لتشخيص مقدار الحرام عن حلاله، وإلاّ فمقتضى القاعدة هو العمل بقاعدة الاشتغال حتى يعلم الفراغ، والتعبّد فرع وجود الشكّ في المقدار، والمفروض في المقام خلافه، فكيف يصحّ إسراء الحكم الوارد في موضع الشكّ إلى صورة اليقين؟

وثانياً: أنّ الحكم بالتخميس مع العلم بأنّ الحرام أقلّ بكثير منه، أمر ينكره


(205)

و الأحوط أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

العرف، إلاّ إذا كان في المسألة نصّ واضح، كما أنّ الاكتفاء به فيما إذا كان الخمس أقلّ من الحرام بكثير بعيد عن الذوق، بل ربّما يكون ذريعة إلى التوصل إلى أكل مال الغير، فربّما ينتهز الرجل الفرصة فيخلط حراماً كثيراً في حلال قليل، ليحلّله بإخراج الخمس وهو كما ترى.

القول الرابع

يرجع القول الرابع إلى ما إذا علم أنّ الحرام أزيد من خمس المال، فيصرف خمسه في مصرف الخمس، والزائد صدقة، وقد نقله صاحب الحدائق قولاً.(1)

يلاحظ عليه: أنّ المورد إمّا داخل تحت أخبار الصدقة فيصرف الجميع في مورد الصدقة، أو تحت أخبار الخمس، فيكتفى بالخمس ويصرف في مورده فلا وجه للتقسيم في المصرف، وإلاّفيرجع إلى الأُصول، والأصل الحاكم هو الاشتغال، إلاّ إذا صرفه في السادة الفقراء، فيعلم ببراءة الذمة، فالتفصيل ليس بتام.

(*) إنّ المال المحترم لا يجوز تركه بحاله حتى يضيع، والتصرف في مال الغير يتوقف على الولاية عليه حتى يكون إفرازه نافذاً ويتعين مال كلّ من الشريكين فيما أُفرز، ولم يثبت ولاية لغير المجتهد فيتعيّن هو، لأنّ ترك التصرّف مقطوع البطلان، والأمر دائر بين كونه للحاكم تعييناً أو تخييراً بينه وبين غيره، والأولى هو القدر المتيقن.

وبعبارة أُخرى: كلّ فعل لم يُسمَّ فاعله ولم يعيّن في الشرع مسؤوله فهو من


1 . الحدائق: 12/365.


(206)

شؤون الحاكم الفقيه.

قال الشيخ الأعظم: كلّ معروف علم من الشارع إرادة وجوده في الخارج، إن علم كونه وظيفة شخص خاص كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنف خاص كالإفتاء والقضاء، أو كلّ من يقدر على القيام به كالأمر بالمعروف، فلا إشكال في شيء من ذلك، وإن لم يعلم ذلك واحتمل كونه مشروطاً في وجوده أو وجوبه بنظر الفقيه وجب الرجوع إليه.(1)

هذا، ويمكن استفادة كونه من شؤون الحاكم من رواية داود بن أبي يزيد، وإن كان السند لا يخلو عن ضعف كما سيوافيك.

عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً، وإنّي قد خفت فيه على نفسي، ولو أصبت صاحبه دفعته إليه وتخلصت منه، قال: فقال له أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «واللّه أن لو أصبته تدفعه إليه؟» قال: إي واللّه، قال: «فأنا، واللّه ماله صاحب غيري» قال: فاستحلفه أن يدفعه إلى من يأمره قال: فحلف، فقال: «فاذهب فاقسمه في إخوانك ولك الأمن ممّا خفت منه» قال: فقسّمته بين إخواني.(2)

روى محمد بن القاسم عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ في رجل كان في يده مال لرجل ميت لا يعرف له وارثاً كيف يصنع بالمال؟ قال: «ما أعرفك لمن هو؟!»، يعني نفسه.(3)

إنّ القرائن الموجودة في نفس الرواية تفيد أنّه ـ عليه السَّلام ـ لم يرد من قوله :


1 . المتاجر: 154، الطبع الجديد.
2 . الوسائل: ج17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 1.
3 . الوسائل: الجزء 17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث 12.


(207)

«ماله صاحب غيري»، أنّه مالكه الشخصي، بل أراد أنّه صاحبه ولاية وتولية، وذلك:

أوّلاً: لو كان المراد هو الأوّل كان الأنسب حسب الموازين العرفية التي عليها ينطبق فعل الإمام ـ عليه السَّلام ـ هو السؤال عن خصوصيات المال المصاب مع أنّه أجاب بأنّه لا صاحب له غيره.

ثانياً: لو كان المراد كونه مالكه الشخصي كان الأنسب مطالبة المال لا الأمر بتقسيمه بين الأخوان الدال على أنّها لقطة مجهولة المالك.

ثالثاً: لو كان المراد هوالأوّل، لما كان وجه لقوله«ولك الأمن ممّا خفت منه» إذ لا وجه للخوف بعد ردّ المال إلى صاحبه الشخصي، وإنّما الخوف فيما إذا لم يرد على صاحبه ولكن قسّمه بين الأخوان، فتأمين الإمام ـ عليه السَّلام ـ له دليل على أنّه قام بهذا العمل بإذن ولي الأمر النافذ حكمه.

ولأجل ذلك، يعلم أنّ الأولى أن يقول: الأقوى أن يكون بإذن المجتهد، لا الأحوط، كما لا يخفى.

نعم في سند الحديث، موسى بن عمر، وهو مردّد بين عمر بن بزيع، الثقة(1) وعمر بن يزيد الذي لم يوثق(2) ووقوعه في أسناد كامل الزيارة لا يفيد شيئاً لما قلنا في محله: من أنّ ما ذكره في ديباجة كتابه راجع إلى مشايخه الذين يروي المؤلف عنهم مباشرة، لا كلّ من وقع في السند.


1 . ذكره الشيخ في أصحاب الهادي ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: موسى بن عمر بن بزيع ثقة . لاحظ رجال الطوسي:405، الرقم 11.
2 . ذكره النجاشي وقال: موسى بن عمر بن يزيد بن ذبيان الصيقل، مولى بني نهد«أبو علي» وله ابن، اسمه علي وبه يكنّى، له كتاب طرائف النوادر وكتاب النوادر. لاحظ رجال النجاشي:2/336 برقم 1076.


(208)

ولو انعكس بأن علم المالك وجهل المقدار تراضيا بالصلح و نحوه، وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقلّ أو وجوب إعطاء الأكثر وجهان، الأحوط الثاني، والأقوى الأوّل إذا كان المال في يده.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) هذه هي الصورة الثالثة وقد ذكر فيها وجوهاً ثلاثة: 1. الصلح أوّلاً ، 2.الاكتفاء بالأقلّ لو لم يتراضيا به على الأقوى، 3. ودفع الأكثر على الأحوط. وإليك توضيح الأقوال:

1. الصلح إن تراضيا:

لا إشكال في الصلح إذا تراضيا، ومرجعه إمّا إلى الإبراء إذا كان الحقّ أكثر ممّا تراضيا عليه، أو الهبة إذا كان الحقّ أقلّ منه.

2. الاكتفاء بالأقلّ :

يجوز له الاكتفاء بالأقلّ لدوران الأمر بين كون الواجب هو الأقل أو الأكثر، وبما أنّ المقام من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين لا الارتباطيين فينحلّ العلم الإجمالي إلى واجب قطعي وشك بدئي فتجري البراءة عن الزائد.

فإن قلت: إنّ أصالة البراءة تنفي استحقاق الغير ولا يثبت كونه ملكاً لذي اليد، كما أنّ قاعدة «اليد» دليل الملكيّة إذا شُكّ في كون ذي اليد مالكاً أو لا، ما إذا شكّ نفس ذي اليد.

قلت: اليد أمارة عقلائية على الملكية مطلقاً بالنسبة إلى ذات اليد أو الغير، إلاّإذا كان الغالب عليها، عدمها كيد السمسار وصاحب الفندق، فقوله: «ولولاه لما قام للمسلمين سوق» أو: «من استولى على شيء فهو له» دليل الملكية.


(209)

3. وجوب الأكثر:

إنّما يتّجه ذلك في الموارد التالية:

1. إذا كان المال تحت يد الغير ولم تكن هناك أمارة على كونه مالكاً للزائد من الأقل.

2. أو كان تحت يده، ولكن قلنا بأنّ اليد أمارة لملكية الغير لا لملكية من كان المال تحت يده.

3. إذا كان عالماً بالمقدار ثمّ عرضه النسيان، فبما أنّ ذمّته اشتغل بالواقع، ولا يخرج منه إلاّ بدفع الأكثر.

4. إذا تردّد المال بين المتبائنين، لكن كان من حيث العدد أو القيمة من قبيل الأقل والأكثر، كما إذا كان المال بين كيسين أحدهما أقلّ عدداً من الآخر، أو بين الشاة والفرس، الثاني أكثر قيمة.

ففي جميع هذه الصور لا براءة يقينية إلاّ بالعمل بدفع الأكثر.

فإن قلت: إذا دفع الأقلّ المتيقن في الحرام المختلط لا يبقى علم إجمالي بالنسبة إلى الباقي.

قلت: إنّ الحكم بالاشتغال أثر العلم السابق، لا العلم الفعلي غير الباقي، وهذا نظير خروج أحد الطرفين ـ بعد العلم الإجمالي ـ عن محلّ الابتلاء، أو إراقة أحد الإناءين، فالعلم الفعلي بالحرام وإن كان غير موجود، لكن وجوب الاجتناب أثر العلم السابق.

4. وجوب الخمس

ذهب بعضهم إلى أنّ الواجب هو الخمس، قائلاً: بشمول قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ


(210)

اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس» واختاره العلاّمة في التذكرة(1) لكنّه غير تام، لأنّ مورد الروايات الدالة عليه هو ما لم يعلم صاحبه، كما في رواية عمّار: «إذا لم يعرف صاحبه» وفي رواية الحسن بن زياد :«واجتنب ما كان صاحبه يعلم» ومعه كيف يصح إسراء الحكم إلى المعلوم صاحبه؟

أضف إليه، أنّ الحكم بالخمس لا يخلو من أحد وجهين: إمّا أنّ مصرفه مصرفه، أو يكون مصرفه هو المالك، والأوّل بعيد جدّاً مع عرفان مالكه، وعلى الثاني فدفع الخمس إليه مع كون حقّه أزيد من الخمس ظلم عليه، ومع كون حقّه أقل، ظلم على الدافع.

وبالجملة، فضعف هذا القول، واضح.

5. التنصيف

القول بالتنصيف، أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف «التي تطابقت عليه العقلاء في مخاصماتهم» وهذا يكفي سنداً ودليلاً، وربّما يؤيده بعض الروايات الواردة.

مثل ما رواه عبد اللّه بن مغيرة، عن غير واحد من أصحابنا، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في رجلين كان معهما درهمان فقال أحدهما: الدرهمان لي، وقال الآخر: هما بيني وبينك، فقال: «أمّا الذي قال هما بيني و بينك فقد أقرّ بأنّ أحد الدرهمين ليس له وأنّه لصاحبه ويقسم الآخر».(2)

فإن قلت: إنّ الرواية على خلاف القاعدة، وذلك لأنّ الظاهر استيلاء كلّ منهما على كلا الدرهمين، فيكون لكلّ يد على كلّ نصف من الدرهمين، فيكون كلّ درهم بينهما مشاعاً، وقضية ذلك هو حلف مدعي الدرهم الواحد وأخذ الجميع، لا الأخذ بالنصف بلا يمين فيكون الحكم صادراً على خلاف القاعدة


1 . تذكرة الفقهاء:5/422.
2 . الوسائل: الجزء 13، الباب 9 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 1.


(211)

ومثله لا يتعدى عنه إلى غيره.

قلت: الظاهر أنّ الموردين من قبيل التداعي، لأنّ الاستيلاء على أحد الدرهمين صوري من جانب مدعي الدرهم الواحد، وخارج عن محل الخصومة من جانب مدعي الدرهمين، فيبقى الدرهم الواحد، فلكل استيلاء عليه، فمقتضاه هو كونه بينهما بالإشاعة والتقسيم على وجه المناصفة، فيكون الحكم موافقاً للقاعدة.

ما رواه السكوني عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، عن أبيه، في رجل استودع رجلاً دينارين فاستودعه آخر ديناراً فضاع دينار منها، قال: «يعطي لصاحب الدينارين ديناراً ويقسم الآخر بينهما نصفين».(1)

ومع الفرق بين المقام ومورد الروايتين، يمكن إلغاء الخصوصية واصطياد الضابطة بالنسبة إلى المخاصمات التي لا يمكن حلّها بالقرائن والشواهد أو بالقواعد و الضوابط، فالمرجع عندئذ العمل بقول كلا المدعيين. فالأقوى في غير ما ينحلّ فيه العلم الإجمالي، هو القول بالتنصيف.

6. القرعة

ولو عمل بالقاعدة المصطادة المذكورة، وإلاّ فالقرعة متعينة، لأنّ مظانها هي المخاصمة ليس غير، وقد درسنا روايات القرعة مرّة بعد مرّة فوجدناها واردة في موضع المخاصمة كتاباً وسنة، غير رواية واحدة شذت عن تلك الموارد، وردت في الشاة الموطوءة المشتبهة في قطيع غنم، ولو عمل بها في مواضع المخاصمة لم يلزم تأسيس فقه جديد وإن اشتهر في الألسن، والظاهر أنّ المقام من مشاكل الأُمور التي لم يرد فيه شيء سوى القول بالتنصيف إذا أمكنت استفادة حكم المقام منه، ولولاه القول بالقرعة في المقام قوي.


1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 12 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 12.


(212)

وإن علم المالك وا لمقدار وجب دفعه إليه.

المسألة 28: لا فرق في وجوب إخراج الخمس و حلّيّة المال بعده بين أن يكون الاختلاط بالإشاعة أو بغيرها، كما إذا اشتبه الحرام بين أفراد من جنسه أو من غير جنسه.(*)

المسألة 29: لا فرق في كفاية إخراج الخمس في حلّيّة البقيّة في صورة الجهل بالمقدار و المالك بين أن يعلم إجمالاً زيادة مقدار الحرام أو نقيصته عن الخمس، و بين صورة عدم العلم ولو إجمالاً، ففي صورة العلم الإجماليّ بزيادته عن الخمس أيضاً يكفي إخراج الخمس، فإنّه مطهّر للمال تعبّداً، و إن كان الأحوط ـ مع إخراج الخمس ـ المصالحة مع الحاكم الشرعيّ أيضاً بما يرتفع به يقين الشغل و إجراء حكم مجهول المالك عليه، و كذا في صورة العلم الإجماليّ بكونه أنقص من الخمس، وأحوط من ذلك المصالحة معه ـ بعد

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إذا كان الاختلاط على وجه الإشاعة، كما في اختلاط الدهن بالدهن يكون عدم التميّز واقعياً، وهذا بخلاف ما إذا كان اشتبه بين أفراد جنسه كاشتباه كتاب بين الكتب، أو بين أُمور مختلفة الجنس كشيء من أثاث البيت فعدم التميّز ظاهري، وعلى الأوّل، يكون المخرج عين المال المعلوم مالكه، أو مجهوله فلا يحتاج إلى معاوضة قهرية، بخلاف الثاني، فلوكان المخرج في نفس الأمر نفس ماله، فهو،وإلاّ فيجب التصالح على معاوضة قهرية بين ماله ومال المالك حتى يكون حلالاً له.

والظاهر شمول الاختلاط لجميع الصور.


(213)

إخراج الخمس ـ بما يحصل معه اليقين بعدم الزيادة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إذا جهل مقدار الحرام، فتارة يعلم بأنّ مقداره يزيد عن الخمس ويتردّد بين ربعه أو ثلثه، وأُخرى يعلم بأنّه ينقص منه قطعاً ويتردّد بين كونه سدسه أو سُبعه، وثالثة لا يعلم واحداً من الأمرين، وقد مضى حكم القسم الثالث إنّما الكلام في الصورتين الأُولتين.

الصورة الأُولى : إذا علم بزيادة الحرام عن الخمس: ففيها وجوه واحتمالات:

الأوّل: ما اختاره الماتن من الاكتفاء بالخمس في تطهيره من الحرام وأنّه مطهّر تعبّدي، وربّما يؤيد هذا القول بالنبويّ المرويّ في غوالي اللآلي «ما اجتمع الحلال والحرام إلاّ غلب الحرامُ الحلالَ»(1) فيغلب جانب الحلّية الجانب الآخر ويتملّك الكل ويكتفي بالخمس، وليس له دليل سوى التمسك بإطلاق صحيحة عمّار بن مروان من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز الخمس».(2)

وربّما يؤيد هذا القول بأنّ موضوع الأخبار وموردها هو الخلط وعدم الميز لا عدم معلومية المقدار، و من المعلوم عدم المجال لدعوى القدر المتيقّن فيما أخذ موضوعاً في لسان الأدلّة، لأنّ العبرة بعدم الميز والخلط الذي هو صادق على جميع الصور المتصورة من حيث مقدار الحرام فيصدق على الجميع بمناط واحد بلا تفاوت بينها، فلا وجه لمنع الإطلاق، ولا لدعوى الانصراف.

ولا يخفى عدم إمكان المساعدة، مع هذا القول.

أمّا أوّلاً: فلأنّ ادّعاء الإطلاق في صحيحة عمّار أمر مشكل، لأنّه ليس إلاّ في


1 . غوالي اللآلي: 2/132 برقم 358.
2 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.


(214)

مقام بيان الخمس على وجه الإجمال، وفي مثله الأخذ بالإطلاق أمر مشكل، والقول بأنّ تمام الموضوع هو عدم الميز والخلط مثل القول بأنّ تمام الموضوع هو المعادن والكنز والحال أنّ الخمس لا يتعلّق بهما إلاّبشروط، وهذا يكشف عن عدم كون الصحيحة في مقام البيان.

وأمّا الأحاديث الحاكية عن قول الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فبما أنّ اللفظ الصادر عنه ـ عليه السَّلام ـ غير معلوم، فلا يمكن الاعتماد عليه في الموارد المشكوكة.

وثانياً: أنّ الاكتفاء بالخمس فيما علم كون الحرام أزيد والإلزام به فيما إذا كان أقلّ أمر بعيد حسب الأُصول المسلّمة، فالتعبّد به يحتاج إلى تصريح خاص، ولا يصحّ فيه الاكتفاء بالإطلاق، ولأجل ذلك قال صاحب الجواهر: لو اكتفي بإخراج الخمس هنا لحلّ ما علم من ضرورة الدين خلافه إذا فرض زيادته عليه كما أنّه لو كُلِّف به مع فرض نقيصته عنه وجب عليه بذل ماله الخاص له.

وثالثاً: ما أفاده الشيخ في جانب التعليل بأنّ قوله ـ عليه السَّلام ـ :«فإنّ اللّه قد رضي من المال بالخمس» بمعنى كفاية الخمس عن الزائد الواقعي لو ثبت، لا عن الزائد المعلوم.

الثاني: إخراج خمسه وصرفه في مصرف الخمس، وإخراج الزائد والتصدّق به بحكم أنّه مجهول المالك، وهو الظاهر من بعض أعلام العصر.

يلاحظ عليه: أنّ المورد داخل تحت إحدى الطائفتين لا كلتيهما، فعلى الطائفة الأُولى يُكْتفى بالخمس لا غير، وعلى الطائفة الثانية يجب التصدّق بالجميع والمعاملة معه معاملة المجهول المالك، فالجمع بينهما لا تساعده الأدلّة.

الثالث: إخراج الخمس والزائد معاً وصرفه في مصرف الخمس، وهو خيرة المحقّق الخوئي. الظاهر أنّه جمع بين الأمرين المتنافيين، لأنّ صرف الجميع في مصرف الخمس آية أنّه داخل تحت روايات المقام (الحرام المختلط بالحلال) مع أنّ


(215)

المسألة 30: إذا علم قدر المال ولم يعلم صاحبه بعينه لكن علم في عدد محصور ففي وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان، أو وجوب إجراء حكم مجهول المالك عليه، أو استخراج المالك بالقرعة، أو توزيع ذلك المقدار عليهم بالسويّة وجوه، أقواها الأخير.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لازمه هو إخراج الخمس لا الجميع، وإخراج الجميع دليل على دخوله تحت نصوص الصدقة مع أنّ مصرفه الفقراء، لا الخمس، فالجمع بين دفع الجميع وصرفه في مصرف الخمس جمع بين الأمرين المتنافيين.

الرابع: إنّ هذه الصورة من فروع القسم الثاني، لا القسم الأوّل، أعني: «ما إذا علم مقداره ولم يعلم مالكه تصدق به عنه»، غير أنّ معلومية المقدار على قسمين، إمّا أن يعلم على وجه التحقيق وإمّا أن يعلم نسبياً وإضافياً. فقد عرفت انصراف أدلّة الخمس عن هذه الصور فالواجب في المقام هو التصدّق فقط، نعم لا يجب عليه التصدّق إلاّ بالقدر المتيقن، مثلاً إذا علم أنّ الحرام الموجود في ماله، أزيد من الخمس، وفي الوقت نفسه يتراوح بين الربع والثلث، فالأوّل هو القدر المتيقّن والثاني هو القدر المشكوك فيكلّف بدفع الأوّل دون الثاني.

إلاّ إذا كان عامل منجّز للأكثر، على ما ذكرناه في القسم الثالث كما إذا كان عالماً بالمقدار ثمّ طرأ عليه النسيان.

أمّا الصورة الثانية: فالقول بلزوم دفع الخمس خلاف منصرف أخباره، خصوصاً أنّه في مقام الامتنان، وأي امتنان في إلزام دفع الأكثر؟! فالحقّ الاكتفاء بالحق المعلوم، ويكون مصرفه مصرف الصدقة.

(*) قد ذكر في المتن وجوهاً أربعة للتخلّص من الحرام.

الأوّل:

وجوب التخلّص من الجميع ولو بإرضائهم بأيّ وجه كان، للعلم


(216)

بالاشتغال، ولا يُقْطع بالبراءة إلاّ من هذا الطريق. وهو خيرة المحقّق الخوئي في مستنده(1) وتعليقته على العروة، ويتوجّه عليه إشكالان:

1. استلزامه الضرر غير القابل للتحمّل كما إذا كان العدد المحصور عشرة أو فوقها، ومعنى ذلك أن يدفع أضعاف ما عليه من المال، وهو مرفوع بقاعدة لا ضرر على القول بحكومتها على الأحكام الشرعية.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي أجاب عن الإشكال بما ذكره الشيخ الأنصاري عند البحث عن دليل الانسداد في فرائده(2) وقال: إنّ حديث نفي الضرر إنّما يتكفّل بنفي الضرر الناشئ من قبل الحكم بنفسه فكلّ حكم كان تشريعه في مورد ضرراً على المكلّف فهو منفي في الشريعة المقدسة بالدليل الحاكم، وأمّا إذا لم يكن الحكم بنفسه ضرريّاً وإنّما الضرر نشأ من إحراز الامتثال كما في المقام فمثله غير مشمول للحديث بوجه.

وبعبارة أُخرى: الواجب على المكلّف الضامن هو إعطاء المال الحرام وتسليمه إلى مالكه، وهذا الحكم في نفسه لا ضرر فيه بوجه، وإنما يترتّب الضرر على إحراز الوصول إليه الناشئ من حكم العقل بوجوب الاحتياط من أجل تنجيز العلم الإجمالي، وهو أجنبي عن الحكم الشرعي.(3)

يلاحظ عليه: أنّ حكم العقل بتنجيز العلم الإجمالي فرع شمول إطلاق الدليل لهذه الصورة كالنبوي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي»(4) أو قوله: «حرمة ماله كحرمة دمه»(5) وإلاّ فلا يحكم العقل بالتنجيز، وعليه يعود الضرر إلى إطلاق


1 . مستند العروة: 153، كتاب الخمس.
2 . الفرائد: 121، طبعة رحمة اللّه.
3 . مستند العروة: 153، كتاب الخمس.
4 . المستدرك:14/7ـ8، الباب 1 من أبواب كتاب الوديعة، الحديث12.
5 . الوسائل:ج8، الباب 158 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 3.


(217)

التشريع وشموله لهذه الصورة لا إلى حكم العقل. أضف إليه عدم الفرق بين الضررين في نظر العرف المخاطب بنفي الضرر و الضرار.

2. قد عرفت أنّ الحكم بالتنجيز فرع شمول الدليل لصورة الاختلاط. ولا يستبعد شموله إذا كان الاستيلاء عدواناً، كما هو مفاد قاعدة «على اليد» فيجب عليه الخروج عن اشتغال الذمة بالمقدمة العلمية وبما أنّه يكون هو السبب، فلا يشمله حديث لا ضرر ولا ضرار، لأنّه حديث امتنان والغاصب ليس أهلاً للامتنان الذي فيه الضرر على صاحب المال.

وأمّا إذا كان الاختلاط بعامل طبيعي، أو إنسان آخر ، فادّعاء لزوم تحصيل البراءة فرع وجود الإطلاق وشمول دليل ردّ مال الغير إليه لهذه الصورة فلابدّ من تحصيل البراءة بوجه آخر.

الثاني: كونه بحكم مجهول المالك

هذا هو الوجه الثاني، وعطفه على مجهول المالك فرع كون الموضوع للتصدّق هو الجهل بالمالك لا عدم التمكّن من إيصاله، وإلاّ فلا يصحّ العطف، والظاهر من روايات الباب أنّ الموضوع عدم التمكن من الإيصال، ففي صحيحة يونس بن عبد الرحمان قال: سئل أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وأنا حاضرفقال: رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا، فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأي شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة».(1) ثمّ إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمر بالتصدّق في ذيل الحديث بعد اليأس عن التمكّن منه.

الثالث:

استخراج المالك بالقرعة، لكونه من موارد التنازع وقد وردت فيها القرعة، وهو خيرة السيد الحكيم.


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2.


(218)

وأورد عليه في مستند العروة من عدم شمول دليلها، لأنّه في كلّ أمر مشكل، أي لم يتضح فيه التكليف الواقعي ولا الظاهري غير المنطبق بالمقام، لأنّه بعد العلم بالضمان وتردد المالك بين محصور، فبمقتضى العلم الإجمالي يجب الخروج عن العهدة بإرضاء المالك الواقعي.(1)

يلاحظ عليه: بعدم تمامية الإشكال، لأنّ حكم العقل بتنجز الواقع، فرع وجود إطلاق في دليل ردّ مال الغير إليه، فيحكم بوجوب البراءة العقلية وبالتالي لا يبقى للقرعة موضوع. ولكنّه غير تام لما عرفت من أنّه يصحّ فيما إذا كان الاستيلاء عن عدوان لا عن غيره، كما إذا صار عمل الغير أو العامل الطبيعي سبباً لاختلاط مال الغير مع ماله، فهو عندئذ يكون أشبه للودعي، حيث لم يكن الاستيلاء لأجل الانتفاع بمال الغير.

نعم يرد على القول بالرجوع إلى القرعة، بأنّ الرجوع إليها منحصر بما إذا لم يكن هناك حلّ شرعي أو عقلي أو عقلائي، فإذا كانت هنا قاعدة عقلائية وسيرة سائدة منهم من الرجوع إلى قاعدة العدل والانصاف فتكون أدلّة القرعة منصرفة عن هذه الصورة لوجود مفزع عقلائي كما عرفت.

الرابع: التوزيع

والمراد منه، هو القيام بما يكون موافقاً لقاعدة العدل والإنصاف، فلو تردّد بين شخصين فينصف وإلاّفيثلث وهكذا.

الخامس:

التخيير بين القرعة والتوزيع، لأنّ لكلّ من القرعة والتوزيع وجهاً. وفي القرعة موافقة احتمالية ولو أصاب الواقع يصل المال إلى صاحبه بأجمعه، وفي الثاني موافقة قطعية للعلم بوصول جزء من المال إلى صاحبه وإن اشتمل على


1 . مستند العروة 152، كتاب الخمس.


(219)

مخالفة قطعية للعلم بوصول مقدار من مال المالك إلى غيره، وبما أنّه لا ترجيح لأحد الأمرين فيكون مخيّراً بين القرعة والتوزيع.

وهناك احتمال سادس ذكره السيد الحكيم: وهو التخيير بين التوزيع والدفع إلى واحد منهم(1) لعدم إمكان الاحتياط، فيدور الأمر بين الموافقة الاحتمالية الملازمة للمخالفة الاحتمالية، وبين الموافقة القطعية مع المخالفة القطعية كذلك، ولا مرجّح في نظر العقل.

ثمّ إنّ السيّد الحكيم أورد على هذا الاحتمال ما هذا حاصله:

أنّ ذلك يتمّ مع تميز المال وعدم ضمان اليد كالودعي ونحوه،وأمّا مع عدم التميّز فولاية القسمة لذي اليد محتاجة إلى دليل، كما أنّه مع ضمان اليد لا مجال لحكم العقل لرفع الضمان بالتوزيع أو التخيير، وإنّما يجدي في رفع العقاب لا غير، فرفع الضمان يحتاج إلى دليل، ولأجل هذا الإشكال لا يجدي الرجوع إلى الحاكم الشرعي في القسمة لأنّها لا ترفع الضمان، نعم لو أمكن الرجوع إليه في دفع المال بعد القسمة والخروج عن الضمان كان الحاكم هو المكلّف بالإيصال إلى المالك ويتخيّر حينئذ بين التوزيع ودفعه إلى واحد لما عرفت، لكن ثبوت الولاية للحاكم في القبض عن المالك مع حضوره وإمكان الإيصال إليه، غير ظاهر، لعدم الدليل عليها حينئذ فالمتعيّن الرجوع إلى القرعة التي هي لكلّ أمر مشكل.(2)

وحاصل ما أفاده أنّ التخيير إنّما يصحّ بشرطين:

أ. أن يكون مال الغير متميّزاً غير محتاج إلى القسمة، ولم يكن من بيده المال ضامناً كالودعي دون المقام الذي اختلط ماله بماله، وكان ذو اليد ضامناً فليس له


1 . لو كان أساس الدفع هو إصابة القرعة باسمه يرجع إلى الاحتمال الخامس لكن تعليله«بعدم إمكان الاحتياط» ينافي ذلك وان وجهه هو عدم التمكن من إصابة القرعة.
2 . المستمسك:9/498.


(220)

و كذا إذا لم يعلم قدر المال وعلم صاحبه في عدد محصور، فإنّه بعد الأخذ بالأقلّ كما هو الأقوى، أو الأكثر كما هو الأحوط، يجري فيه الوجوه المذكورة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

الولاية على التقسيم أوّلاً، ولا يرفع الضمان بالتوزيع أو التخيير.

ب. نعم لو رجع إلى الحاكم الشرعي فيما إذا كان له الولاية يصحّ الإفراز والتقسيم ويتعيّن المال المفروز لغيره، ويكون ذو اليد ضامناً لإيصال ما عيّنه الحاكم إلى صاحبه ، ولا يرتفع الضمان، لا بالتوزيع ولا بالتخيير بل بإرضاء كلّ مثل بما تحت يده.

وليس للحاكم الشرعي تنفيذ عمله مع كون المالك معلوماً ومحصوراً بين شخصين.

يلاحظ عليه: أنّه صحيح فيما إذا كان غاصباً أو ضامناً أو كان مباشراً للاختلاط، دون ما إذا كان العامل له أمراً طبيعياً أوإنساناً غيره، فيصحّ له القيام بالإفراز بإذن الحاكم الشرعي، فيكون أشبه بالودعي حيث لم يكن الاستيلاء لصالح الانتفاع، فيكون مخيّراً بين الأمرين لعدم الترجيح.

فالحقّ، أنّ هذه الحوادث أوضح مصداق لقوله ـ عليه السَّلام ـ : «وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» فله الولاية في القسمة وتعيين ماله وإخراجه عن يد المديون، فعندئذ يكون مختاراً بين التوزيع والقرعة لما عرفت من اعتبار كلتا القاعدتين، أو بين التوزيع، والتخيير، أعني: الدفع إلى واحد منهم لعدم المزية لواحد على الآخر.

(*) إذا لم يعلم قدر المال تحقيقاً، ولكن علم نسبيّاً، ودار الأمر بين الأقلّ والأكثر،


(221)

المسألة 31: إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله فلا محلّ للخمس.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

فيقع الكلام في موردين:

الأوّل: في المقدار الذي يجب دفعه، فهل هو الأخذ بالأقل، أو الأخذ بالأكثر، أو التفصيل الماضي في الأخذ بالأقل، إلاّ في موارد مثل ما إذا سبق العلم التفصيلي بمقداره، ولكن عرض النسيان، أو دار الأمر بين المتبائنين، أحدهما أكثر عدداً أو قيمة؟ وقد عرفت الحقّ فيه في شرح قوله: ولو انعكس بأن علم المالك ولم يعلم المقدار تراضيا بالصلح ونحوه وإن لم يرض المالك بالصلح ففي جواز الاكتفاء بالأقل....

الثاني: كيفية دفعه ففي الوجوه المذكورة في الفرع السابق من هذه المسألة.

(*) أقول: للمسألة صورتان:

أحدهما:

إذا استولى على مال الغير بغصب وغيره فأتلفه قبل الاختلاط فطرأ الجهل بالمقدار أو بالمالك أو كليهما.

ثانيهما:

إذا استولى على مال الغير وحصل الخلط ثمّ أتلفه بنفسه أو بآفة سماوية، فيقع الكلام في هذه الصورة في لحوقها بالمال الموجود المختلط حلاله بحرامه وعدمه، والذي يدل على ذلك ما ذكره الشيخ وغيره(1).بأنّه إذا تصرّف في المال المختلط بالحرام بحيث صار في ذمّته تعلّق الخمس بذمّته (الصورة الثانية) ولو تصرف في الحرام المعلوم فصار في ذمّته وجب دفعه صدقة (الصورة الأُولى). إذا علمت ذلك فنقول:


1 . كتاب الخمس لشيخنا الأنصاري: 268، المسألة 19; جواهر الكلام :16/76.


(222)

أمّا الصورة الأُولى: فلا موضوع للخمس، لأنّ الموضوع هو المال المختلط، وأمّا الثابت ابتداءً في الذمّة فهي مشغولة بنفس الحرام فيجب عليه أداؤها حسب القواعد.

وأمّا الصورة الثانية: ففيه وجهان مبنيان على أنّ تعلّق الخمس بالمختلط بالحرام كنفس تعلّقه بسائر الموارد كالمعادن والغوص، وأنّ أصحاب الخمس يملكون بعد الاختلاط جزءاً من المال على وجه الإشاعة، أو على نحو الكلي في المعيّن، أو بنحو آخر نظير تعلّق حقّ الرهانة بالعين المرهونة كما سيوافيك.

أوّ أنّ تعلّق الخمس عليه من سنخ آخر، وهو أنّه لو أراد المالك إفراغ ذمّته من الحرام وتطهير ماله منه فقد صالحه الشارع بالخمس وجعله طريقاً تعبدياً لتشخيص الحرام فما لم يقم بالتطهير ليس لأصحاب الخمس في المال المختلط شيء فلا تكون العين مشتركة بينهم وبين المالك ولا متعلّقاً للحقّ.

فعلى الأوّل: يكفي التخميس وإن أتلفه ذو اليد بعد الاختلاط، لأنّه يكون المورد نظير إتلاف المعادن والكنوز حيث لا يتغيّر حدّ الواجب سواء بقيت العين أم لم تبق، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالثاني، فإنّ الخمس إنّما يتعلّق بماله إذا قام بالتخميس وأخرجه من ماله، وأمّا إذا لم يقم بذلك حتى تلفت العين كلّها فلا موجب للخمس وهو المصالحة، ولا مناص عليه إلاّ الخروج عن نفس ما اشتغلت به ذمّته ولو بالاحتياط.

وربما يستظهر من رواية عمّار بن مروان أنّ تعلّقه به كتعلّقه بسائر الموضوعات وعليه فاللازم هو الاكتفاء به إذا كان مختلطاً أتلفه المالك أو تلفت بآفة سماوية، ولكن استفادة الإطلاق من رواية عمار لا يخلو عن إشكال لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة، وسيوافيك تفصيل القول فيه عند تعرض الماتن للمسألة في المسألة الثامنة والثلاثين فانتظر. نعم إذا غصبه وأتلفه بلا


(223)

و حينئذ فإن علم جنسه و مقداره(1) و لم يعلم صاحبه أصلاً، أو علم في عدد غير محصور، تصدّق به عنه بإذن الحاكم، أو يدفعه إليه، وإن كان في عدد محصور، ففيه الوجوه المذكورة، والأقوى هنا أيضاً الأخير.

و إن علم جنسه و لم يعلم مقداره(2) بأن تردّد بين الأقلّ و الأكثر أخذ بالأقلّ المتيقّن و دفعه إلى مالكه إن كان معلوماً بعينه.

وإن كان معلوماً في عدد محصور فحكمه كما ذكر.

و إن كان معلوماً في غير المحصور أو لم يكن علم إجماليّ أيضاً تصدّق به عن المالك بإذن الحاكم أو يدفعه إليه، وإن لم يعلم جنسه و كان قيميّاً فحكمه كصورة العلم بالجنس إذ يرجع إلى القيمة و يتردّد فيها بين الأقلّ والأكثر، وإن كان مثليّاً ففي وجوب الاحتياط وعدمه وجهان.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

اختلاف فلا يجزي فيه الخمس لعدم شمول أدلّته لهذا المورد لعدم الاختلاط المصحح للمصالحة، فما ذكره الماتن قدَّس سرَّه على وجه الإطلاق منظور فيه بل يجب تقييده بما إذا لم يكن هناك اختلاط.

(*) إذا كان حقّ الغير في ذمّته لا في عين ماله يقع الكلام في موضعين:

أحدهما: في مقدار ما يجب دفعه.

ثانيهما: إلى من يجب دفعه؟

ولنقدّم الكلام في الثاني على الأوّل، فنقول: إذا كان مال الغير في ذمّة


1 . إشارة إلى الصورة الأُولى.
2 . إشارة إلى الصورة الثانية.


(224)

شخص فهو لا يخرج عن صور أربع، إمّا أن يكون المالك معلوماً بشخصه، أو معلوماً في عدد محصور، أو معلوماً في عدد غير محصور، أو مجهولاً مطلقاً.

ففي الأوّل يدفع إلى مالكه، وفي الثاني ففيه الوجوه الخمسة المذكورة في المسألة السابقة، أي ما إذا كان مال الغير مختلطاً بمال الشخص وتردّد في عدد محصور، وقد مرّ الأقوى من الأقوال، وفي الثالث والرابع يتصدّق من جانب المالك، وبما أنّ حكم الأُولتين واضح، فلنبحث حكم الأخيرتين فنقول:

أمّا التصدق في الصورتين الأخيرتين (العدد غير المحصور والمجهول المطلق) فهو الظاهر من الأخبار، وموردها وإن كان هو الأعيان الشخصية لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية وتعميمه إلى ما في الذمة، وقد عرفت تعميم ما ورد في الأعيان المتميزة إلى غير المتميزة، وهذا إحدى القرائن على صحّة ما قلناه من لزوم التصدّق فيما إذا جهل الشخص وعلم المقدار.

وعلى كلّ تقدير فالأخبار دالة على أنّ المالك إذا لم ينتفع من ماله فلينتفع من ثوابه، ويمكن استفادة ذلك من بعض الروايات.

1. ما رواه يونس بن عبد الرحمان، قال: سئل أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ فقال: رفيق لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منزلنا فلما أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به؟ قال: «تحملونه حتى تحملوه إلى الكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه فتصدّق بثمنه» الخ.(1)

والحديث وإن ورد في المال المشخص خارجاً، لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، وأنّ التصدّق أحد الطرق لوصول المال إلى صاحبه بعد اليأس،


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2، والمروي في الكافي(ج5/309 ح22) يغاير الموجود في الوسائل في العبارة.


(225)

ويستفاد من الحديث سقوط التعريف سنة إذا كان الواجد آيساً.

2. وما رواه معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في رجل كان له على رجل حقّ، ففقده ولا يدري أين يطلبه، ولا يدري أحيّ أم ميّت، ولا يعرف له وارثاً ولا نسباً ولا ولداً؟ قال: «اطلب»، قال: فإنّ ذلك قد طال فأتصدّق به قال: «اطلبه».(1)

إنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ إنّما أمر بالطلب والفحص لأجل عدم حصول اليأس، ويستظهر منه أنّه مع اليأس فالوظيفة المسلّمة بين الإمام والسائل هو الصدقة، والرواية واردة في الحقّ المتمثل في الذمّة لا في المال الموجود في الخارج.

3. روى الصدوق مرسلاً قال: وقد روي في خبر آخر «إن لم تجد له وارثاً وعرف اللّه عزّ وجلّ منك الجهد فتصدّق بها».(2)

وعلى ذلك فالأمر من الجهة الثانية ، أعني: كيفية إيصاله إلى المالك واضح، ففي المعيّن يدفعه إليه، وفي المحصور يعمل بالقرعة، أو التوزيع، وفي غير المحصور أو المجهول المطلق يتصدّق .

إنّما الكلام في المقدارالذي يجب أن يدفعه، وقد ذكر المصنف صوراً ثلاث:

1. إذا علم الجنس والمقدار.

2. إذا علم الجنس دون المقدار.

3. إذا جهل الجنس دون المقدار.

ولم يذكر الصورة الرابعة إذا جهل الجنس والمقدار.

أمّا الصورة الأُولى: فلو علم صاحبه فلا إشكال، ولو علم في عدد محصور يجري فيه ما تقدّم فيما إذا كان الحرام مختلطاً، وإن كان في عدد غير محصور أو لا


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 6 من ميراث الخنثى، الحديث 2و11.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 6 من ميراث الخنثى، الحديث 2و11.


(226)

يعلم صاحبه بوجه من الوجوه فيتصدّق، لعدم إمكان إرضاء الكل، وقد عرفت أنّ الظاهر من الروايات أنّ التصدّق أحد طرق إيصال المال إلى صاحبه.

أمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا كان الجنس معلوماً والمقدار مجهولاً، سواء كان قيمياً كما إذا علم أنّه أتلف شاة الغير مردداً بين الواحد والاثنين، أو مثلياً كما إذا علم أنّه أتلف حنطة الغير وتردّد بين كونه خمسين منّاً، أو ثلاثين، فيقتصر في كلا الموردين بالأقل لانحلال العلم الإجمالي، وأمّا كيفية الإيصال فيأتي فيها الأقسام المذكورة في الصورة الأُولى من كون المالك معلوماً بشخصه، أو في عدد محصور، أو غير محصور، أو لا يعلم أصلاً، والحكم واحد.

أمّا الصورة الثالثة: أعني ما إذا كان الجنس مجهولاً دون المقدار، فلها أقسام:

1. ما يكون التالف قيمياً مردداً بين الجنسين كالشاة والبقرة.

2. ما يكون التالف مثلياً مردداً بين الجنسين كالحنطة والشعير.

3. ما يكون التالف مردداً بين المثلي والقيمي كما لو تردّد المغصوب بين الشاة والحنطة.

وإليك الكلام في جميع الأقسام:

القسم الأوّل: إذا كان التالف قيمياً

إذا كان التالف قيمياً، يكون مضموناً بقيمته، فإن تساوت قيمة الجنسين (الغنم والبقر) فلا إشكال، وإلاّ فيدفع أقلّ القيمتين أخذاً بالانحلال، إلاّ إذا كان علم القيمة التي استقرت في الذمّة ثمّ طرأ عليه النسيان.

هذا من غير فرق بين القول بضمان قيمة يوم المخالفة أو قيمة يوم التلف أو قيمة يوم الأداء، فانّ الاختلاف في القيمة ناش من إبهام التالف، وأنّه هل هو الغنم أو البقر؟ وأمّا اختلاف الفقهاء في قيمة أيّ يوم من الأيّام، فغير مؤثر في ذلك، لأنّ


(227)

الاختلاف في اليوم الذي يجب أداء قيمتها فيه، لا يؤثّر في تردّد الأمر بين الأقلّ والأكثر، وذلك لأنّ ضمان العين في القيمي ينتهي إلى ضمانها بقيمتها فتكون ذمّته مشغولة بالقيمة بعد ما كانت مشغولة بالعين فبعد التبدّل يدور الأمر بين الأقلّ والأكثر.

وبذلك يظهر ما في حاشية بعض الأساطين حيث فصّل بين ما اشتغلت الذمة بالقيمة كما في الضمانات ففيه الأقل، وما إذا اشتغلت بنفس العين كما في العقود فحكمه حكم المثلي، فقوّى وجوب الاحتياط في المتبائنين بتحصيل المراضاة مع الإمكان، وإلاّ فيوزّع على محتملات ما اشتغلت به الذمة، ففي المردّد بين جنسين يعطي نصف كلّ منهما وفي الثلاث ثلث كلّ منهم.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر دائر بين المتبائنين من قبيل الانقلاب إلى القيمة، وحكمه الاحتياط، ولكن بعد الانقلاب إلى القيمة يدور الأمر بين الأقل والأكثر وعلى ذلك يكفي الأقل.

وما تقدّم منّا من لزوم الاحتياط في موردين:

1. إذا عرضه النسيان ، 2. إذا دار أمر الحرام بين المتبائنين فإنّما هو فيما إذا كان الحرام باقياً غير تالف، أي كان موجوداً بين الحلال لا ما في مثل المقام الذي تلف وانتهى ضمانه إلى الضمان بالقيمة فإنّ مقتضى القواعد هو الأخذ بالأقل.

وبذلك يعلم ضعف ما أفاده بعض الأعلام المعاصرين من أنّ الثابت في الذمّة في التالف أو المتلف نفس العين حسب قوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» و على ذلك فنفس العين في ذمّة الضامن. نعم في مقام الأداء يؤدي القيمة من جهة كونها مرتبة نازلة من العين بعد تعذرها فيكون حكمه حكم المثلي (القسم الثاني).

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاختلاف غير مؤثر في المسألة، لأنّا نفترض أنّ العين


(228)

باقية على ذمّة الضامن إلى يوم الأداء، ولكنّه في وقت الأداء يتبدل إلى القيمة ويكون أمر المتبدل إليه دائراً بين الأقل والأكثر حسب اختلاف المتبدَّل ويأتي حديث الانحلال بعد الانتقال.

والفرق بين القيمي والمثلي هو أنّ القيمي ينتقل نهاية إلى القيمي ويكون المضمون قيمته، بخلاف المثلي فالمضمون فيه هومثله فيبقى، المضمون في ذمّته من دون انتقال إلى القيمي، ولذلك يفترق حكمه، مع حكمه الذي سيوافيك في القسم الثاني.

وهنا احتمال آخر وهو أنّه يدفع القدر المعلوم المتيقن من القيمي وينتصف الزائد، عملاً بقاعدة العدل والانصاف، وقد مرّ في كلام بعض الأساطين.

القسم الثاني: إذا كان التالف مثلياً

إذا كان الجنس المردّد مثلياً كما إذا دار أمر التالف بين الحنطة والشعير، فيكون المرجع إلى المتبائنين دون الأقلّ والأكثر، لأنّ المضمون هو نفس الجنس المردّد بين الحنطة والشعير، واختلافهما في القيمة لا يوجب كون المورد من قبيل الأقل والأكثر.

فهنا وجوه لإفراغ الذمة:

1. التوزيع: ويمكن تصويره بأحد وجهين:

أ. توزيع العين، لأنّه يعلم أنّ عليه شيئاً مردداً بين منّ حنطة أو منِّ شعير، فيعطي من كلّ نصفه.

ب. إنّ الجهل بالجنس يوجب الانتقال إلى القيمة ويعطي القدر المعلوم وينتصف الزائد، كلّ ذلك أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف.


(229)

2. القرعة: وذلك لأنّ الواجب على الضامن إيصال المال إلى المضمون عنه، وهو يحصل بدفع كلا المالين إليه، وبما أنّه ليس له التصرّف في كلا المالين، ينحصر الطريق بالقرعة فإذا كان المرجع نهايتاً، هو القرعة فليكن هو المرجع في المبدأ وأنّ الضامن يقرع بين الجنسين بإذن الحاكم.

3. دفع الأقلّ: ببيان أنّه ليس للمالك أخذ شيء من هذه الأجناس فلا محيص من إسقاط الخصوصية واختيار القيمة، فحينئذ الأمر يدور بين الأقلّ والأكثر، فلا يأخذ المالك إلاّ الأقل، لا أنّ الدافع لا يكون مكلّفاً إلاّ بالأقل، حيث إنّ الواجب عليه في هذه الصورة مردّد بين المتبائنين، بخلاف ما لو كان قيمياً لأنّه مردّداً بين الأقل والأكثر فلا يكون مكلّفاً إلاّ بدفع ما اشتغلت به ذمّته وهو الأقل. نعم بعد إسقاط الخصوصية يرجع إلى ذلك.

وعلى هذا الاحتمال لا فرق بين القيمي والمثلي في أنّ الواجب هو أخذ الأقل.

القسم الثالث: إذا كان التالف مردداً بين المثلي والقيمي

إذا كان التالف مردّداً بين المثلي والقيمي، كما لو تردّد الحرام بين الحنطة والشاة، فيعلم حكمه ممّا ذكرناه في المثلي، ففيه الوجوه الثلاثة.

ولعلّ الأوضح هو الوجه الأوّل.

***

وأمّا الصورة الرابعة : أي إذا كان الجنس والمقدار مجهولين، كما إذا تردّد التالف بين الحنطة والارز، وعلى كلّ تقدير تردّد بين ثلاثين منّاً أو خمسين، فيعلم حكمه ممّا ذكر.


(230)

المسألة 32: الأمر في إخراج هذا الخمس إلى المالك كما في سائر أقسام الخمس، فيجوز له الإخراج و التعيين من غير توقّف على إذن الحاكم، كما يجوز دفعه من مال آخر و إن كان الحقّ في العين.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) اتّفقت كلمتهم على ولاية المالك لإخراج خمس ماله ودفعه من غيره من دون توقّف على إذن الحاكم، وأمّا جواز صرفه في مجاله بنفسه فسيأتي في المستقبل، وهل الحكم في المقام أيضاً كذلك أو يحتاج الإخراج والدفع من مال آخر إلى إذن الحاكم الشرعي؟

فقد حكم بعضهم باتحاد حكمه مع سائر الموارد وثبوت الولاية في الإخراج والدفع من غير المال متمسّكاً بأنّ تعلّق الخمس عليه نظير تعلّقه بالموارد الأُخر على ما في رواية عمّار بن مروان، فيجري فيه ما يجري فيها، وخالف أكثر مشاهير العصر وقالوا بالاستجازة.

والحقّ، هو الثاني: لأنّ طبع المسألة يقتضي ذلك لوجود الفرق بينهما، لأنّ روح التخميس في سائر الموارد، عبارة عن تخميس نفس ماله والقيام بالوظيفة بأداء الخمس من ماله وتصرف الإنسان في ماله لا يحتاج إلى الاستئذان، وسيوافيك أنّ العين ليس مشاعاً بين المالك وأصحاب الخمس، بل غاية ما يستفاد تعلّق حقّهم عليها كتعلّق حقّ المرتهن وأمثاله، وللإنسان القيام بترخيص ماله عن الرهن، وهذا بخلاف المال المختلط بالحرام فانّه يتصرف في مال الغير، ويقرّره ويشخصه في المفروز، ويتملّكه ويدفع من مال آخر.

فالقيام بها يستدعي الولاية وهي ثابتة للحاكم دون المالك.

وبذلك يعلم أنّه لا يصحّ التمسك بالإطلاقات في كلا الموردين، إذ ليست في ذلك الصدد حتّى يكون السكوت دليلاً على العموم.


(231)

المسألة 33: لو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس فالأقوى ضمانه، كما هو كذلك في التصدّق عن المالك في مجهول المالك فعليه غرامته له، حتّى في النصف الّذي دفعه إلى الحاكم بعنوان أنّه للإمامعليه السَّلام.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

والتمسك بالإطلاق المقامي وأنّه لو كان الإذن شرطاً لاشتهر وبان، إنّما يصح في الموارد التي كان التصرف فيها أمراً طبيعياً كما في دفع خمس ماله، لا في مثل المقام الذي طبعه المنع وعدم الجواز، لأنّ الحكم الأوّلي للتصرّف في مال الغير بلا إذنه هو الحرمة، والتصرّف يتوقف على الجواز، ففي مثل المقام لا يصحّ الاعتماد بالسكوت.

(*) في المسألة قولان:

الأوّل: الضمان ، اختاره الشهيد في الروضة وقال: ولو تبيّن المالك بعد إخراج الخمس ففي الضمان له وجهان، أجودهما ذلك. واختاره صاحب الجواهر حيث جعل مقتضى الحكم بالتخميس هو رفع الإثم فقط مع التحفّظ على الضمان.(1)

أقول: استدل على الضمان بوجوه:

الأوّل: كونه مقتضى الاستيلاء العدواني، وعلى اليد ما أخذت حتى تؤدي.

الثاني: الإتلاف، بدفعه إلى أصحاب الخمس.

الثالث: إلحاقه بباب اللقطة، وأنّ حكم الشارع بالدفع لا يرفع الضمان كما هو كذلك فيها.(2)

بل يمكن استظهار الضمان في مطلق مجهول المالك وإن لم يكن لقطة،


1 . الجواهر:16/75.
2 . الوسائل: الجزء 17، الباب 2 من أبواب اللقطة، الحديث 2و5.


(232)

وذلك بما رواه حفص بن غياث المِنقري، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعاً واللص مسلم هل يرد عليه؟ فقال: «لا يردّه، فإن أمكنه أن يردّه على أصحابه فعل، وإلاّ كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها، فيعرّفه حولاً، فإن أصاب صاحبَها ردّها عليه، وإلاّ تصدّق بها، فإن جاء طالبها بعد ذلك خيّره بين الأجر والغرم، فإن اختار الأجر فله الأجر وإن اختار الغرم غرم له وكان الأجر له».(1)

فإذا ثبت الضمان في باب اللقطة وفيما أودعه بعض اللصوص، يمكن إلغاء الخصوصية والحكم بالضمان في المقام أيضاً، هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على الضمان.

الثاني: عدم الضمان وعدم كفاية الأدلة المذكورة في إثباته:

أمّا اليد، وإن كانت عدوانيةً، لكنّها صارت بعد المراجعة إلى الحاكم الشرعي يداً مأذونة، والإطلاقات غير شاملة لمثلها، وعلى فرض الشمول، فلو دلّ دليل على عدم الضمان نقيّد الإطلاق به.

وأمّا الإتلاف فلا يوجب الضمان إذا كان بأمر الشارع، فالمتبادر منه رفع التكليف والوضع معاً، إلاّ إذا دلّ عليه دليل كما في اللقطة، وأمّا الحكم بالضمان في مورد قبول الوديعة من اللصوص فلعلّه لأجل علمه بكون المودع مال الغير ، وبذلك صارت يده يداً عاديّة، لا يداً مأذونة، فالحكم بالضمان فيه لا يصير منشأ للضمان في المقام، وليس الأمر بالدفع حكماً ظاهرياً متوقفاً على عدم مطالبة المالك، كيف؟ وأنّ الحكم الظاهري لابدّ أن يكون محتمل المطابقة للواقع، وهنا نعلم بمخالفته للواقع على كلّ حال، بل هو من قبيل الواقعي الثانوي، ومقتضى إطلاق دليل الإجزاء.


1 . الوسائل: ج17، الباب 18 من أبواب اللقطة، الحديث 1.


(233)

وأمّا إلحاقه بباب اللقطة كما في دليل القائل بالضمان فغير صحيح، لأنّ الحكم في المقيس عليه على خلاف القاعدة، فكيف يصحّ القياس مع بطلانه في ذاته؟ كما عرفت الفرق بين المقام، وما أودعه بعض اللصوص، ثمّ إنّ في الروايات قرائن تدل على عدم الضمان.

1. انّ المتبادر من الروايات الحاكية لفعل الإمام ـ عليه السَّلام ـ أنّ التخميس مصالحة شرعية نيابة عن المالك، وولاية عليه، وبذلك تفرغ ذمّته عن أيّة تبعة، والحكم بالضمان بعد مطالبة المالك، يخالفه.

2. إنّ ظاهر قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه قد رضي من ذلك المال بالخمس» أنّه لو أدّى الخمس، يكون الباقي له بلا إشكال، فالحكم بالضمان ولزوم الأداء منه بعد المطالبة لا تساعده العبارة، وتوهم أنّ التصالح بالخمس راجع إلى تحديد الحرام به ليحلّ له الباقي فقط ولا صلة له بالتصالح من جانب المالك ولاية، كما ترى.

3. إنّ الظاهر من رواية داود بن أبي يزيد ولاية الشارع على مجهول المالك، حيث قال: قال رجل: إنّي قد أصبت مالاً وإنّي قد خفت فيه على نفسي ـ إلى أن قال: ـ «فأنا واللّه، ماله صاحب غيري».(1)

والحديث يحتمل أن يكون المصاب لقطة أو شيئاً قد اغمض في طلبه من جهة كونه حلالاً أو حراماً.

ومع فرض الولاية والقيام بالتخميس أو التصدّق بأمر الشارع فالحكم بالضمان لأجل الإتلاف بعيد عن الأذهان، وأمّا الضمان في باب اللقطة فليس من باب الإتلاف، بل هو حكم تعبّدي يحدث، عند المطالبة، ولأجل ذلك لو لم يطالب لما كان ضامناً، ولو كان وجه الضمان الإتلاف، يجب أن يستقرّ عليه قبل المطالبة وهو خلاف المشهور وخلاف ظاهر الروايات، وبذلك يعلم عدم صحّة


1 . الوسائل: ج17، الباب 6 من أبواب اللقطة، الحديث 1.

Website Security Test