welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(173)

الرابع: الغوص

وهو إخراج الجواهر من البحر مثل اللؤلؤ و المرجان وغيرهما معدنيّاً كان أو نباتيّاً، لا مثل السمك ونحوه من الحيوانات. (*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) لا خلاف في وجوب الخمس في الغوص، قال الشيخ في النهاية: ويجب أيضاً الخمس من الكنوز المذخورة على من وجدها، وفي العنبر وفي الغوص ـ إلى أن قال: ـ والغوص لا يجب فيه الخمس إلاّ إذا بلغت قيمتُه ديناراً.(1)

وقال سلاّر في المراسم: في عِداد ما يجبُ فيه الخمس: و المعادن والكنوز والغوص والعنبر.(2)

وقال القاضي في المهذّب: في عداد مايجب فيه الخمس: والنفط والقير والغوص و....(3)

وقال ابن سعيد في الجامع: وفي العنبر والغوص و....(4)

وقال المحقّق في الشرائع: كلّ ما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر والدرر بشرط أن تبلغ قيمته ديناراً فصاعداً.(5)


1 . النهاية: 197ـ 198.
2 . المراسم: 139.
3 . المهذّب:1/177.
4 . الجامع للشرائع: 148.
5 . الشرائع:1/180.


(174)

وقال العلاّمة في المنتهى: الغوص وكلّ ما يستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وغير ذلك يجب فيه الخمس.(1)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تعرب عن الاتفاق.

إنّما الكلام في تعيين ما هو الملاك في تعلّق الخمس، وإن شئت قلت: ما هو الموضوع حقيقة لوجوبه؟

العناوين الواردة في الروايات لا تتجاوز عن خمسة:

1. الغوص، 2. غوص اللؤلؤ، 3. ما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد، 4. العنبر، 5. ما يخرج من البحر.(2)

فقد اختلف النظر في الجمع بين الروايات على وجوه:

1. فذهب المحقّق إلى الجمع بين العنوانين وقال : كلّما يخرج من البحر بالغوص كالجواهر والدرر فلو أخذ من البحر من غير غوص لم يجب الخمس. وتبعه المحقّق الهمداني نظراً إلى صلاحية كلّ منهما لتقييد الآخر فيجمع بينهما، عملاً بالقاعدة.

2. أو يجعل كلّ منهما موضوعاً مستقلاً للحكم نظراً إلى عدم الموجب للتقيد، لعدم كونهما مثبتين وعدم التنافي في البين ليتصدّى للعلاج أو لإرجاع أحدهما إلى الآخر وهو خيرة المحقّق الخوئي.

3. أو الأخذ بعنوان الغوص، وحمل ذكر البحر على الغالب.

4. أو الأخذ بالبحر، وحمل الغوص على الغلبة، لأنّ الغالب في إخراج


1 . المنتهى: 1/547.
2 . لاحظ العنوان الأوّل في الوسائل، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 4و9، 11 والباب 3 ، الحديث 7; ولاحظ الثاني في الباب 7 ، الحديث 1; ولاحظ الثالث في الباب 7 ، الحديث 2; ولاحظ الرابع في الباب 7 ، الحديث 1; ولاحظ الخامس في الباب 13، الحديث 6.


(175)

الجواهر، هو الغوص.

5. أو الأخذ بكلّ منهما لا بمعنى استقلالها في الموضوعية، بل بمعنى إرجاع الجميع إلى عنوان واحد وما هو يخرج من قعر الماء، مقابل المعدن الذي يؤخذ من غور الأرض.

والظاهر هو الأخير.

توضيحه: إنّ مقتضى الذوق الفقهي هو إرجاع الثاني إلى الأوّل وأنّ ذكر اللؤلؤ بعنوان المثال فيكون الموضوع الغوص.

كما يمكن إرجاع الثالث والرابع إلى الخامس وأنّ ذكر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد والعنبر من باب التمثيل وأنّ الموضوع هو ما يخرج من البحر، وعندئذ تكون النسبة بين الموضوعين أعني: الغوص، وما يخرج من البحر عموماً وخصوصاً من وجه، فعلى الأوّل الموضوع خاص لاختصاصه بالغوص بالبدن وعام لشموله البحر والأنهار الكبيرة، وعلى الثاني الموضوع خاص لاختصاصه بالبحر، عام لشموله الإخراج بالغوص وغيره كالآلات، فيتفقان فيما إذا غاص ببدنه في البحر فاستخرج الجواهر والدراري، ويفترق الأوّل عن الثاني فيما إذا غاص ببدنه في الشطوط الكبيرة فاستخرج الجواهر، فيجب الخمس على الأوّل دون الثاني، كما يفترق الثاني عن الأوّل فيما إذا أخرج من البحر بالأدوات فيجب الخمس على الثاني دون الأوّل، فما وجه الجمع عندئذ في المقام؟

أقول: إنّ العرف يتلقّى الخمس ضريبة على الاغتنام في المقام ويعطف الغوص على المعادن بجامع أنّ المعدن يخرج من أعماق الأرض وذاك من أعماق الماء، ويجعل الموضوع هو الاستغنام من الغائصين في الماء والتراب، ولأجل ذلك يلغي شرطية الغوص بالبدن كما يلغي اشتراط كون الأخذ من ماء البحر، بل يكفي كونه في أعماق الماء إذاكان تكوّن الجواهر فيه أمراً طبيعياً كما في الشطوط الكبيرة،


(176)

فإذاً يُصبح الموضوع ما أُخرج من الماء الكثير كالبحر والبحيرة والخليج والشطوط العظيمة المنهدرة إليه سواء كان الاستخراج بالغوص أو بالآلات.

وإن شئت قلت: الموضوع هو الجامع المشترك بين الغوص وما يخرج من البحر، وهو ما يخرج من الماء الكبير، فتكون النتيجة ثبوت الخمس في جميع مصاديقها لا في خصوص مورد التصادق، وإنّما اخترنا ذلك لكون الدليلين مثبتين وليس أحدهما نافياً والآخر مثبتاً، وفي مثل ذلك يؤخذ بهما على النحو الذي عرفت.

والحاصل: حمل كلّ من الخصوصيتين أي الغوصية والبحرية على المثال، وأنّ المدار هو مطلق إخراج شيء من الماء الكثير، هو المتبادر لدى الأذهان العرفية.

ثمّ إنّ المحقّق الهمداني تبع المحقّق في الشرائع، فخصّ الخمس بالقدر الجامع بين الموضوع، وهو الغوص في البحر ونفاه في غيره، وحاصل ما أفاده:

1. إنّ مقتضى ظواهر كلمات الأصحاب ـ كظواهر النصوص، خصوصاً الأخبار الحاصرة للخمس في خمسة ـ عدم كون كلّ من العنوانين بحياله موضوعاً مستقلاً يناط به الحكم، فيجب إرجاع بعضها إلى بعض بشيء من الدعاوى المزبورة، أو بتقييد كلّ من العنوانين بالآخر والالتزام بأنّ الخمس لا يجب إلاّفي ما أخرج من البحر بالغوص.

2. انّ مقتضى القواعد عند دوران الأمر بين كون الإطلاق جارياً مجرى الغالب أو القيد كذلك، إهمال الإطلاق لا إلغاء الخصوصية المعلّق عليها الحكمُ في عنوان دليله الأخص.

3. مقتضى الأصل بعد فرض تكافؤ الاحتمالات وعدم إمكان الالتزام باستقلال كلّ من العنوانين بالموضوعية، هو الرجوع فيما عدا القدر المتيقن ـ و هو مورد تصادق العنوانين ـ إلى أصالة البراءة من وجوب الخمس.


(177)

4. هذا كلّه بعد الإغماض عن إمكان دعوى انصراف كلّ من الإطلاقين، خصوصاً إطلاق الغوص إلى الأفراد المتعارفة الشائعة التي هي مورد الإجماع، واستنتج من هذه الأدلّة أنّ الأظهر اختصاص وجوب الخمس بما يخرج من البحر بالغوص.(1)

ولا يخفى عدم تمامية هذه الوجوه الأربعة:

أمّا الأوّل: أعني حفظ الحصر في خمسة، فيرد عليه:

أوّلاً: أنّ الصيانة على الحصر كما يتحقق بتقيد أحدهما بالآخر كذلك يتحقّق بإرجاعهما إلى الجامع بين العنوانين حتى لا يكون كلّ موضوعاً بحياله واستقلاله.

وثانياً: أنّ الوجه في عدم استقلالهما في الموضوعية إنّما هو المناسبة المودعة في الأذهان في المقام من أنّ هنا موضوعاً واحداً لحكم واحد، نظير المعادن غير أنّ الأخير إخراج من البرّ و الآخر إخراج من البحر، وأمّا الاستناد في إثبات عدم الانفراد بالموضوع بالرواية الحاصرة لما يجب فيه في خمسة، فقد عرفت ما فيه في صدر الكتاب من أنّ الحصر غير حاصر، وأنّ مورده أزيد، وأنّ الحصر الوارد في رواية ابن أبي عمير لابدّمن تأويله.

وأمّا الثاني: فإنّ تقييد إطلاق الدليلين إنّما يلزم إذا كان بين الدليلين تناف في الحكم، كما إذا كان أحدهما مثبتاً والآخر نافياً، وأمّا إذا كانا مثبتين كما في المقام فالجمع بعد تسليم استقلال كلّ منهما في الموضوعية، كما يحصل بالتقييد، يحصل بإرجاعهما إلى جامع بين الدليلين كما عرفت.

وأمّا الثالث: وهو الرجوع إلى البراءة في غير مجمع العنوانين، أعني: ما أخرج من البحر بغير الغوص، أو أخرج بالغوص من غير البحر، فضعيف جدّاً، بعد


1 . مصباح الفقيه: 122، الطبعة القديمة; ص 86، الطبعة الحديثة.


(178)

إمكان رفع التعارض بما ذكرنا وشمول الدليل لموردي الافتراق.

على أنّ وجوب الخمس في كلا الموردين مسلّم، غير أنّ الشك في كيفية تعلّقه، وأنّه هل هو بعنوان الغوص أو بعنوان الفوائد؟ ولا أصل خاص في المقام بعد العلم الإجمالي بتعلّقه بأحد العنوانين.

وأمّا الرابع: فالانصراف ممنوع، لأنّه إنّما يصحّ إذا كان ناشئاً من كثرة الاستعمال، وهو بعد غير محرز بعد كثرة وجود الغوص في الأنهار الكبيرة وإخراج ما في البحر بالآلات.

والحاصل: أنّ الطريق الصحيح هو الأخذ بالجامع بين العنوانين.

والقول بأنّ الخمس في الغوص ضريبة على كلّ ما يخرج من الماء ـ إلاّ ما قام الدليل على عدم وجوب الخمس فيه كالسمك ـ و في المعادن ضريبة على ما يخرج من الأرض، لا يخلو من قوّة.

وبما ذكرنا يظهر حال ما ذكره السيّد الحكيم: من أنّ النصوص المشتملة على الغوص واردة في مقام الحصر، ولا كذلك نصوص ما يخرج من البحر، فيتعيّن أن تكون مقيدة لإطلاق غيرها، وحينئذ فلا مجال لتعميم الحكم للإخراج لا بطريق الغوص.(1) لما عرفت من أنّه لا تصل الحاجة إلى التقييد بعد إمكان إرجاع العنوانين إلى القدر المشترك.

فإذا كان المناط هو ما يخرج من ماء البحر وما يشبهه، فالأدلّة منصرفة عن السمك وإن أُخرج بالغوص في الماء، إذ لو كان واجباً لبان واشتهر، لكثرة الابتلاء به أوّلاً، ولاقتران المعادن بالغوص ثانياً وهو قرينة على أنّ المراد إخراج ما يكون في البحر من الجمادات والنباتات، لا الحيوان.


1 . المستمسك:9/483.


(179)

فيجب فيه الخمس بشرط أن يبلغ قيمته ديناراً فصاعداً فلا خمس فيما ينقص من ذلك.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

وممّا يقضي منه العجب تخصيص المدارك متعلّق الخمس بالعنبر واللؤلؤ، قال: استدل عليه بما رواه الشيخ في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن العنبر وغوص اللؤلؤ؟ قال: «عليه الخمس». وهي قاصرة عن إفادة التعميم لاختصاصها بغوص اللؤلؤ إلاّ أن يقال: إنّه لا قائل بالفرق.(1)

يلاحظ عليه: أنّ العرف يساعد حمل اللؤلؤ على المثال، أضف إليه وجود رواية صحيح عن ابن أبي عمير التي علّق فيها الحكم على نفس الغوص، قال: الخمس على خمسة أشياء على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة ونسي ابن أبي عمير الخامس.(2) أي في مطلق ما يخرج عن طريق الغوص، والرواية وإن كانت مرسلة لكن الأصحاب كما صرّح به الشيخ في العدة تلقّوا مراسيله بالقبول ، مع أنّه رواها عن غير واحد من الأصحاب.

(*) الكلام في نصاب الغوص

ذهب الشيخ المفيد إلى أنّ:النصاب هو عشرون ديناراً، وذهب المشهور إلى أنّه دينار واحد، واستظهر المحقّق الخوئي، عدم اعتبار النصاب وأنّه يتعلّق بقليله وكثيره.

قال المفيد في الرسالة الغرية: الخمس واجب فيما يستفاد من غنائم الكفّار والكنوز والعنبر والغوص، فمن استفاد من هذه الأربعة الأصناف عشرين ديناراً


1 . مدارك الأحكام:5/375.
2 . الوسائل: ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7.


(180)

أو ما قيمته ذلك كان عليه أن يخرج منه الخمس.

وقال العلاّمة بعد نقله قول المفيد وهذا القول ليس بواضح فانّه يشعر باعتبار العشرين في الغنائم والغوص والمشهور في الأوّل، إيجاب الخمس في قليله وكثيره وفي الغوص اعتبار دينار واحد.(1)

وقال في الحدائق: إنّه لا خلاف في اعتبار النصاب، وإنّما الخلاف في تقديره، فالمشهور أنّه ما بلغ قيمته ديناراً ، ثمّ نقل قول الشيخ المفيد تقديره بعشرين ديناراً وقال: لم نقف على مستنده.(2)

ومستند المشهور رواية محمد بن علي بن أبي عبد اللّه، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد عن معادن الذهب والفضة هل فيها زكاة؟ فقال: «إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس».(3)

والراوي عن الإمام مجهول، يروي عنه حسب ما صرّح به المامقاني: علي بن أسباط وأحمد بن أبي نصر البزنطي، والذي يدفع عنه الجهالة نقل البزنطي عنه على القول بأنّه لا يروي إلاّعن ثقة كابن أبي عمير وصفوان بن يحيى. كما أوضحناه في كتابنا «كلّيات في علم الرجال».

نعم كثرة رواية الثقة عن شخص أمارة كونه ثقة، ولكن رواياته لا تتجاوز عن اثنين أو ثلاث، وفي نفسي في صحّة المتن شيء، إذ يحتمل أن يكون الصحيح عشرين ديناراً، فسقطت لفظة العشرين وبقيت لفظة «ديناراً» ويقرّب ذلك أُمور:

1. فتوى الشيخ المفيد على النصاب في الغوص عشرون ديناراً، ولعلّه استند


1 . المختلف:3/320، كتاب الخمس.
2 . الحدائق: 12/344.
3 . الوسائل: ج6، الباب 3من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5; ورواه الصدوق مرسلاً ،لاحظ الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(181)

ولا فرق بين اتّحاد النوع و عدمه ، فلو بلغ قيمة المجموع ديناراً وجبالخمس(*)، ولا بين الدفعة والدفعات فيضمّ بعضها إلى البعض(**) كما أنّ المدار على ما أخرج مطلقاً، وإن اشترك فيه جماعة لا يبلغ نصيب كلّ منهم النصاب(***)، و يعتبر بلوغ النصاب بعد إخراج المؤن كما مرّ في

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

إلى هذه الرواية وكانت نسخته مشتملة على لفظ «العشرون».

2. إنّ الراوي سأل عن الغوص والمعدن، فلو كان الصادر عنه ـ عليه السَّلام ـ عشرون ديناراً يكون جواباً عن السؤالين، بخلاف ما لو كان «ديناراً» إذ ينحصر عندئذ بالغوص، وهو خلاف الظاهر.

3. إنّ مقتضى عطف الغوص على الكنز والمعادن في كثير من الروايات وحدة النصاب، نظراً إلى أنّ الأوّلين انتفاع من الأرض والثالث انتفاع من الماء.

وعلى كلّ تقدير، فلو ثبت رواية الدينار وقلنا بجبرها بعمل المشهور فهو، وإلاّ فالأحوط تعلّقه بالقليل والكثير.

(*) قد تقدّم أنّ المتبادر هو الاستغنام، فلا فرق بين وحدة النوع وعدمها.

(**) لمثل ما مرّ في الفرع السابق، نعم لو قل وكان الفصل كثيراً، لا يلحق الثاني بالأوّل.

(***) قد عرفت أنّ الأقوى خلافه، وأنّه يشترط بلوغ نصيب كلّ حدّ النصاب، وذلك لأنّ متعلّق الخمس هو النصاب، ومعنى ذلك إذا ملكت النصاب فأخرج خمسه، والمفروض أنّ كلّ واحد لم يملك نصاباً، وقد مرّ شرحه في المعدن، فلاحظ. نعم يستثنى صورة واحدة، وهي: ما إذا كان للشركة شخصية حقوقية وراء ذات الشركاء، وقد مرّ في المعادن.


(182)

المعدن(*); و المخرج بالآلات من دون غوص في حكمه على الأحوط(**) وأمّا لو غاص و شدّه بآلة فأخرجه فلا إشكال في وجوبه فيه(***)، نعم لو خرج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء فأخذه من غير غوص لم يجب فيه من هذه الجهة، بل يدخل في أرباح المكاسب، فيعتبر فيه مؤنة السنة، ولا يعتبر فيه النصاب.(****)

المسألة 21: المتناول من الغوّاص لا يجري عليه حكم الغوص إذا لم يكن غائصاً. وأمّا إذا تناول منه و هو غائص أيضاً، فيجب عليه إذا لم ينو

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) والدليل عليه قوله: «إذا بلغ قيمته ديناراً ففيه الخمس»(1) فإنّ الظاهر وحدة مرجع الضميرين، أعني: قيمته و«ففيه» ،وعلى ذلك فالخمس يتعلّق بمجموع النصاب، وبما أنّ الخمس يؤدّى بعد المؤنة، فيكون النصاب أيضاً بعدها، وإلاّ يلزم تعلّق الخمس ببعض النصاب كما مرّ.

(**) على الأقوى، لما عرفت من أنّ الموضوع هو الجامع الصادق عليه أيضاً.

(***) للدليل السابق.

(****) وحكي عن الشهيدين أنّهما استقربا مساواة ما يؤخذ من غير غوص بما يؤخذ بالغوص، ولعلّ العرف يساعدهما، لما عرفت من أنّ الغوص والإخراج طريق لتملّك ما خلقه اللّه سبحانه في البحر من الجواهر وأمثالها.


1 . الوسائل: الجزء 6 ، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(183)

الغوّاص الحيازة، وإلاّ فهو له، و وجب الخمس عليه.(*)

المسألة 22: إذا غاص من غير قصد للحيازة فصادف شيئاًففي وجوب الخمس عليه وجهان، والأحوط إخراجه.(**)

المسألة 23: إذا أخرج بالغوص حيواناً وكان في بطنه شيء من الجواهر فإن كان معتاداً وجب فيه الخمس، وإن كان من باب الاتّفاق بأن يكون بلع شيئاً اتّفاقاً فالظاهر عدم وجوبه، و إن كان الأحوط.(***)

المسألة 24: الأنهار العظيمة كدجلة و النيل والفرات حكمها حكم البحر بالنسبة إلى ما يخرج منها بالغوص إذا فرض تكوّن الجوهر فيها كالبحر.(****)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إذا نوى الغوّاص الحيازة فهو له وعليه الخمس، وأمّا إذا لم ينوها، فحكمه حكم الخارج بنفسه على الساحل أو على وجه الماء، والعرف يساعد إلحاقه بالغوص، لأنّ الملاك هو الاستيلاء على ما خلقه اللّه في البحر، وهو حاصل. هذا كلّه فيما إذا لم يكن غائصاً، وأمّا إذا غاص وتناول منه، فيجب فيه الخمس، لإطلاق الدليل، إمّا على الغائص الأوّل إذا نوى الحيازة، أو على الثاني إذا لم ينوها.

(**) بل الأقوى وجوبه إذا نوى التملّك وهو غائص.

(***) أمّا إذا كان معتاداً فلأنّ قصد حيازة الحيوان لا ينفك عن قصد حيازة ما في بطنه، وأمّا إذا لم يكن كذلك، فقد عرفت أنّ الملاك هو الاستيلاء على ما خلقه اللّه في البحر من الجواهر.

(****) قد مرّ أنّ الملاك هو ما يتكوّن في الماء، من غير فرق بين البحر وغيره.


(184)

المسألة 25: إذاغرق شيء في البحر و أعرض مالكه عنه فأخرجه الغوّاص ملكه، ولا يلحقه حكم الغوص على الأقوى، وإن كان من مثل اللؤلؤ و المرجان، لكن الأحوط إجراء حكمه عليه.(*)

المسألة 26: إذا فرض معدن من مثل العقيق أو الياقوت أو نحوهما تحت الماء بحيث لا يخرج منه إلاّ بالغوص فلا إشكال في تعلّق الخمس به،

ـــــــــــــــــــــــــــ

(*) أمّا أنّ ما أخرجه الغواص فهو له ما رواه الكليني بسند معتبر، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، عن أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: «وإذا غرقت السفينة وما فيها فأصابه الناس فما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله وهم أحقّ به، وما غاص عليه الناس وتركه صاحبه فهو لهم»(1)، ورواه الشيخ، عن الشعيري الذي هو لقب آخر للسكوني، واسمه إسماعيل بن أبي زياد، وسند الكليني معتبر دون سند الشيخ، ففيه منصور بن العباس الذي لم يُوثّق، ومثله أُمية بن عمرو، وقد جاء في النقل الأوّل «تركه صاحبه» الذي هو بمعنى أعرض عنها، لكنّه ليس فيما رواه الشيخ صاحبه أعرض عنها، ولعلّه سقط من المتن، وإطلاقه يعمّ ما عرف صاحبه ولم يعرف، أعرض عن كره، أو عن قهر، لعدم القدرة على الإخراج، وأمّا كون ما غاص عليه الناس فهو لهم لأجل الحيازة، وأمّا ما قذف به البحر على ساحله فهو لأهله، فهو أيضاً بملاك الاستيلاء له قبل الآخرين لا أنّه يقسم بين من يسكن الساحل وإن لم يشارك في الحيازة.

وأمّا عدم إلحاقه بالغوص فلأنّ الظاهر من الأدلّة تعلّق الخمس بما يتكوّن في البحر، ويكون فيه إلى أن يخرج، فلا يعمّ ما إذا لم يكن مما يتكوّن فيه أو تكوّن فيه، لكنّه أخرج عنه، ثمّ ورد عليه.


1 . الوسائل: الجزء 17، الباب 11 من أبواب اللقطة، الحديث 1، ولاحظ الثاني أيضاً.


(185)

لكنّه هل يعتبر فيه نصاب المعدن أو الغوص؟ وجهان، والأظهر الثاني.(*)

المسألة 27: العنبر إذا أُخرج بالغوص جرى عليه حكمه، و إن أُخذ على وجه الماء أو الساحل ففي لحوق حكمه له وجهان، والأحوط اللحوق، وأحوط منه إخراج خمسه و إن لم يبلغ النصاب أيضاً.(**)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) المعدن المتكوّن تحت الماء ينطبق عليه عنوانا: المعدن،والمخرج من الماء، فهل يتعلّق به الخمس بعنوان المعدن أو بعنوان الغوص؟ تظهر الثمرة إذا بلغ ديناراً ولم يبلغ العشرين، فعلى الأوّل لا يتعلّق به الخمس فيدخل في الأرباح والمكاسب، بخلاف الثاني، وقد رجّح المصنف القول الثاني، ولعلّ وجهه: أنّه ينطبق عليه كلا العنوانين، غير أنّ أحد العنوانين فاقد لشرطه، دون الآخر، فيؤثر الجامع للشرط، ولا يكون فقدان الآخر، مانعاً من تعلّقه بالعنوان الجامع لشرطه.

هذا، ويمكن أن يقال: إنّ الغوص منصرف إلى ما يتكوّن في قعر الماء على وجه الأرض، بحيث لا يحتاج إلى الحفر والقلع، فلا يصدق عليه إلاّ عنوان المعدن.

وهناك احتمال ثالث، تعلّق الخمس الواحد، مالم يبلغ العشرين، وأمّا إذا بلغ، فيتعلّق به الخمسان بعنوانين لو لم نقل إنّه إحداث قول ثالث.

(**) يقع الكلام في أُمور:

1. لا شكّ أنّه يتعلّق الخمس بالعنبر، لصحيح الحلبي قال: سألت أبا عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ عن العنبر وغوص اللؤلؤ؟ فقال ـ عليه السَّلام ـ : «عليه الخمس».(1)

2. ما هو العنبر؟ فقد اختلفت فيه كلمة المعاجم، وإليك موجز نظرهم:


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 7 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(186)

أ. اتّفقوا على أنّه مادة صلبة فاقدة للطعم والريح، وكلّما سحق أو أُحرق ينتشر منه الريح الحاد.

ب. وأمّاحقيقته، فقيل إنّه رجيع الحيوان البحري، أو أنّه عين في البحر نابعة، وقيل إنّه نبات ينبت في قعر البحر.(1)

وفي المعجم الفارسي، للدكتور معين: أنّه مادة دهنية لها طيب، رمادي اللون، يتكوّن في جوف السمك الموسوم بالعنبر، ويتراوح وزنه بين 5 إلى 10 كيلوغرام، و يتكوّن العنبر في معدة السمك المزبور، من تغذيته من السمك المركب(2).

3. وعلى ما ذكره، فلا ينطبق عليه عنوان المعدن، وما ذكره المحقّق الهمداني من أنّ العنبر حيث إنّ له مكاناً خاصاً يتكوّن فيه ولا يوجد في غيره وهو البحر، فاذاً يصدق على ذلك المكان أنّه معدنه وأنّه أخذ من معدنه توسعاً(3)، غير تام، لوضوح كون الاستعمال من باب التوسّع، وإلاّ فيجب القول بتعلّقه بالسمك أيضاً، لأنّ له موضعاً خاصاً وهو البحر.

وعلى ما ذكره فهو داخل في الغوص، وقد قلنا :إنّه لا مدخلية للغوص، وأنّ الموضوع هو الاستيلاء على ما خلقه اللّه في البحر ابتداءً، فيتعلّق به الخمس، سواء أُخرج بالغوص، أو أُخذ عن وجه الماء. و الأحوط دفع خمس ما دفعه البحر إلى الساحل مطلقاً.

4. أمّا نصابه، فبما أنّه من قبيل الغوص فيكون نصابه ديناراً واحداً، لرواية محمد بن علي بن أبي عبد اللّه.(4)


1 . أقرب الموارد، مادة عنبر.
2 . فرهنگ فارسى ، دكتر معين، كما في لغت نامه دهخدا،مادة عنبر.
3 . مصباح الفقيه:14/90.
4 . الوسائل:ج6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(187)

الخامس: المال الحلال المخلوط بالحرام

على وجه لا يتميّز مع الجهل بصاحبه و بمقداره فيحلّ بإخراج خمسه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) تحقيق المسألة يتوقف على بيان صورها وسرد الأقوال في كلّ واحد منها.

أمّا الصور فهي أربع:

أ. إذا كان الحرام غير معلوم المقدار ومجهول الصاحب.

ب. إذا كان الحرام معلوماً من كلا الجانبين.

ج. إذا كان الحرام معلوم المقدار، دون صاحبه.

د. عكس الصورة الثالثة.

فلنقدم البحث في الصورة الأُولى تبعاً للماتن.

الصورة الأُولى

المعروف عند الأصحاب هو تعلّق الخمس به، وبإخراجه يحلُّ لصاحبه التصرّف في الباقي وذكره من المتقدّمين المفيد في مقنعته (حيث اقتصر بنقل الرواية فقط) وأبو الصلاح في كافيه، والشيخ في نهايته، والقاضي في مهذّبه، وابن زهرة في غنيته، وابن إدريس في سرائره، والمحقّق في الشرائع، وابن سعيد في جامعه، والعلاّمة في منتهاه.


(188)

نعم لم يذكره القديمان: ابن أبي عقيل و ابن الجنيد، ولا سلاّر ولا ابن حمزة ولا الكيدري (قدّس اللّه أسرارهم)، ولنذكر بعض كلماتهم:

1. قال المفيد: وسُئل ـ عليه السَّلام ـ عن رجل اكتسب مالاً من حلال و حرام، ثمّ أراد التوبة من ذلك و لم يتميز له الحلال بعينه من الحرام فقال: «يخرج منه الخمس وقد طاب، إنّ اللّه تعالى طهّر الأموال بالخمس».(1)

2. قال أبو الصلاح الحلبي: وعلى ما اختلط حلاله بحرامه ولم يتميز أحدهما من الآخر ولا يعين مستحقه.(2)

3. قال الشيخ في النهاية: إذا حصل مع الإنسان مال قد اختلط الحلال بالحرام ولا يتميز له وأراد تطهيره، أخرج منه الخمس، وحلّ له التصرف في الباقي، وإن تميّز له الحرام وجب عليه إخراجه وردّه إلى أربابه، ومن ورث مالاً ممّن يعلم أنّه كان يجمعه من وجوه محظورة مثل الربا والغصب وما يجري مجراهما ولم يتميز له المغصوب منه ولا الربا، أُخرج منه الخمس واستعمل الباقي، وحلّ له التصرف فيه.(3)

4. وقال القاضي: وأمّا المال الحرام إذا اختلط بالحلال، فانّه ينبغي أن يحكم فيه بالأغلب، فإن كان الحرام الغالب احتاط من هو في يده في إخراج الحرام منه، فإن لم يتميّز له ذلك أخرج منه الخمس، ويصحّ تصرّفه في الباقي على وجه الحلال.(4)

5. وقال ابن زهرة: وفي المال الذي لم يتميز حلاله من حرامه.(5)


1 . المقنعة: 288، كتاب الزيادات من الزكاة.
2 . الكافي في الفقه: 170.
3 . النهاية 197، باب الخمس من كتاب الزكاة.
4 . المهذّب: 1/178.
5 . غنية النزوع: 2/129.


(189)

6. وقال ابن إدريس: ما يقرب من عبارة الشيخ في النهاية: وإذا اختلط المال الحرام بالحلال حكم فيه بحكم الأغلب، فإن كان الغالب حراماً احتاط في إخراج الحرام منه، فإن لم يتميّز له، أُخرج الخمس، وصار الباقي حلالاً، والتصرّف فيه مباحاً، وكذلك إن ورث مالا....(1)

7. وقال المحقّق : الحلال إذا اختلط بالحرام فلا يتميّز، وجب فيه الخمس.(2)

8. وقال يحيى بن سعيد في بيان ما يجب فيه الخمس: وفي مال المختلط حلاله بحرامه ولم يتميّز صاحبه ولا قدره، فإن تعيّن صاحبُه صولح، وإن تعيّن قدره فقط تصدّق به عنه.(3)

9. وقال العلاّمة في المنتهى: ذكره أكثر علمائنا.(4)

هذه هي مقتطفات من أقوال علمائنا، وأمّا الدليل فقد استدل بروايات:

الأُولى: صحيحة عمّار بن مروان

قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: فيما يخرج من المعادن، والبحر، والغنيمة، والحلال المختلط بالحرام إذا لم يُعرف صاحبه، والكنوز، الخمس.(5)

وقد نقلها صاحب الوسائل عن الخصال للصدوق بسند صحيح، وفي السند محمد بن عيسى وهو محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني(6) وهوثقة بلا كلام،


1 . السرائر: 1/487.
2 . الشرائع: 1/181.
3 . الجامع للشرائع: 148.
4 . المنتهى:1/548.
5 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
6 . هكذا نقلها صاحب الوسائل، ولكن الموجود في الخصال المطبوع: أحمد بن محمد بن عيسى، وهو أرجح لكثرة روايته عن الحسن بن محبوب (الخصال، باب الخمسة، الحديث 51).


(190)

وقد وثقه النجاشي واستغرب من استثناء ابن الوليد إيّاه من رواة نوادر الحكمة للأشعري.

وكون الرواية مروية في غير الكتب الأربعة لا يضرّ بالمقصود، فإنّ الصدوق الذي رواها في خصاله هو مؤلف الفقيه، أحد الكتب الأربعة.

نعم ذكر المحقّق النراقي: أنّ الرواية على النحو المذكور إنّما نقلها عنه بعض المتأخرين.(1)

ولعلّه أراد صاحب الحدائق، فقد نقلها فيه بالنحو المذكور(2) ولكنّه موجودفي الخصال المطبوع قديماً وحديثاً كما ذكرناه، فلا وجه للوسوسة في هذا الحديث.

الثانية: صحيحة الحلبي

عن أبي عبداللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم فيكون معهم فيُصيب غنيمة، قال: يؤدِّي خمساً ويطيب له.(3)

والاستدلال ضعيف جدّاً، لأنّ الخمس فيه بعنوان الغنائم، وهي تدل على أنّ أئمّة أهل البيت أمضوا الجهاد الابتدائي للخلفاء، فلذلك طلب منه خمس المال لا جميعه.

الثالثة: قضاء علي ـ عليه السَّلام ـ

قد نقل المشايخ الثلاثة في كتبهم قضاء علي ـ عليه السَّلام ـ لكن بمضامين مختلفة،


1 . مستند الشيعة: 10/39.
2 . الحدائق: 12/364.
3 . الوسائل: 6، الباب 2من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8.


(191)

والجميع حديث واحد وإن كانت الألفاظ والطرق مختلفة، ولأجل ذلك تعدُّ رواية واحدة.

أ. ما رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «أتى رجل أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً وقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه والحرام، وقد اختلط عليّ؟ فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : تصدّق بخمس مالك، فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس وسائر المال لك حلال».(1)

والرواية وردت في الحلال المختلط بالحرام فانّ قوله:«أغمضت في مطالبه» بمعنى «أغمضت في طلبه» والمطالب جمع المطلب وهو مصدر ميمي أو اسم زمان و مكان، أي ما راعيت في طلبه ومظانّه الحلال والحرام، بل جمعت كلّ ما وصلت إليه يدي.

والسند لا بأس به فيكون حجّة في المقام.

وثمّة خصوصيات في الرواية:

1. عبّر بالتصدّق مكان الخمس.

2. فسّر الحكم بأمر ارتكازي: «انّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس».

ب. ما رواه الصدوق ،عن السكوني بما يقرب من هذا المتن، فقال: جاء رجل إلى علي ـ عليه السَّلام ـ فقال: إنّي كسبت مالاً أغمضت في مطالبه حلالاً وحراماً، فقد أردت التوبة، ولا أدري الحلال منه ولا الحرام، فقد اختلط عليّ.

فقال عليّ ـ عليه السَّلام ـ : «اخرج خمس مالك، فانّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الإنسان


1 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4.


(192)

بالخمس، وسائر المال كلّه لك حلال».(1)

والاختلاف بين الروايتين واضح، فانّ لفظ الكليني إنّما «تصدق بخمس مالك» ولفظ الفقيه«اخرج خمس مالك» فالمصرف على الأوّل مصرف الصدقة، وعلى الثاني مصرفه مصرف الخمس.

وبذلك يعلم الإشكال في كلام صاحب الوسائل حيث قال: ورواه (أي ما رواه الكليني) الصدوق بإسناده عن السكوني فإنّ ظاهره وحدة مضمونهما مع أنّه ليس كذلك.

ج. ما رواه الصدوق مرسلاً قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فقال: يا أمير المؤمنين أصبت مالاً أغمضت فيه، أفلي توبة؟ قال: «إئتني بخمسه» فأتاه بخمسه، فقال: «هو لك أنّ الرجل إذا تاب، تاب ماله معه».(2)

د. ما رواه الشيخ بسند ضعيف، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «إنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أصبت مالاً لا أعرف حلاله من حرامه، فقال له: اخرج الخمس من ذلك المال، فإنّ اللّه عزّوجلّ قد رضي من المال بالخمس واجتنب ما كان صاحبُه يُعلَم».(3)

وفي السند الحكم بن بهلول، وهو لم يوثق.

ويتّحد في التعبير مع ما رواه الصدوق حيث قال: «اخرج الخمس».

هـ. ما رواه المفيد في المقنعة وقد مرّ نصّه، عند ذكر الأقوال.

وهذه الصور الخمس تحكي عن قضاء واحد لأمير المؤمنين، والمحكي


1 . الفقيه: 3، كتاب الدين والقروض، برقم 35.
2 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.
3 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(193)

واحد، وإنّما الاختلاف في الحكاية.

وعلى أيّ حال تصلح دليلاً على المسألة، ويأتي الكلام فيها عند البحث عن مصرفه.

الرابعة: موثّقة عمّار

عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ أنّه سأل عن عمل السلطان يخرج فيه الرجل؟ قال: «لا إلاّأن لا يقدر على شيء يأكل ولا يشرب ولا يقدر على حيلة، فإن فعل فصار في يده شيء فليبعث بخمسه إلى أهل البيت».(1)

والسند يتضمّن فطحيين وهم أحمد بن حسن بن علي (ابن فضال)، وعمرو بن سعيد، والمصدق بن صدقة، عن عمّار، والدلالة لا تخلو عن قصور، إذ نحتمل أن يكون المراد من قوله: «شيء» هي الغنائم الحربية التي كانت عماداً لحياة الدولة الإسلامية آنذاك، فيكون مدلول الرواية متّحداً مع صحيح الحلبي الماضي.

قال المحقّق النراقي: إنّ الشيء فيه مطلق شامل للحلال محضاً والحرام كذلك والمشتبه، والحرام والحلال المختلطين ، فالحمل على الأخير لا وجه له، بل الظاهر أنّه من باب خمس المكاسب.

وأمّا النهي عن عمل السلطان، فهو لأجل عمله لا لحرمة ما يأخذ، فمراده ـ عليه السَّلام ـ : أنّه لا تدخل في عمل السلطان، وإن اضطررت إليه ودخلت واكتسبت مالاً فأدّ خمسنا.(2)

وعلى ضوء ذلك فانحصر الدليل في روايتين:


1 . الوسائل: 6، الباب 10 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
2 . مستند الشيعة:10/40.


(194)

أحدهما: صحيح عمّار بن مروان، والأُخرى: موثقة السكوني، وربّما يستدل برواية ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه قال: «الخمس على خمسة أشياء: على الكنوز والمعادن والغوص والغنيمة» ونسي ابن أبي عمير الخامس.(1)

وجه الاستدلال: أنّ الصدوق بعد ما نقل الرواية، قال: قال مصنف هذا الكتاب: أظنّ الخامس الذي نسيه ابن أبي عمير مالاً يرثه الرجل وهو يعلم أنّ فيه من الحلال والحرام، ولا يعرف أصحاب الحرام فيؤديه إليهم، ولا يعرف الحرام بعينه فيجتنبه، فيخرج منه الخمس.(2)

وممّا لا شكّ فيه أنّ ظن الصدوق كظن غيره لا يغني من الحقّ شيئاً، ولعلّ الذي نسيه ابن أبي عمير هو العنبر أو الملاّحة، وقد مضى ورودها في الروايات.

فانحصر الدليل في الروايتين.

ثمّ الظاهر أنّ الشارع جعل الخمس طريقاً تعبّدية لتشخيص الحرام المجهول المقدار، كما جعل صرفه في مواضعه طريقاً إلى إيصاله إلى المالك، كما أنّ التصدّق في اللقطة ومطلق مجهول المالك طريق آخر للوصول إلى مالكه، وعلى ذلك فتعلّق الخمس به لا من باب الغنيمة وأنّ لأصحاب الخمس حقّاً فعلياً في هذا المال، بل الظاهر أنّه محاولة من الشرع لحلّ المشكلة، فبالخمس قُدِّر الحرام وبصرفه في مصارفه بما أنّه عمل قربي جُعل واصلاً إلى صاحبه.

ولأجل ذلك لو وقف قبل التخميس على مقداره وعرف صاحبه كان عليه العمل على علمه لا على التخميس.


1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7. وفي الوسائل المطبوع عن أحمد ابن زياد عن جعفر، ولكن في الخصال أحمد بن زياد بن جعفر وهو الصحيح، لأنّ الصدوق يروي عن علي بن إبراهيم بواسطة واحدة.
2 . الخصال: 291، الحديث 53،باب الخمسة.


(195)

وربّما يوجّه الأمر بالتخميس في المقام بأنّ الحرام عند الجهل بمالكه، يصير ملكاً لمالك الحلال على حسب ما يملكه من سائر ما يغتنمه ممّا يتعلّق به الخمس، فتسميته حراماً انّما هي بعلاقة ما كان، وإلاّ فهو بالفعل حلال كسائر ما يستفيده ممّا يجب فيه الخمس.

وربّما يؤيد هذا الاحتمال بوجوه:

1. قوله ـ عليه السَّلام ـ في مرسلة الصدوق: هو لك أنّ الرجل إذا تاب تاب ماله معه.

2. قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية السكوني: تصدّق بخمس مالك.

3. وفي رواية المقنعة : أخرج خمس مالك.

4. قوله ـ عليه السَّلام ـ : فانّ اللّه قد رضي من المال بالخمس.

والمعهود في باب الخمس هو الآية الشريفة الواردة في الغنائم، وتطبيق الآية عليه يستلزم كون دفع الخمس من باب الغنيمة.

وعلى ذلك فيمكن أن يقال: إنّه لا يعدّ في القول بتملّك مال الغير قهراً أو بالقصد إذا لم يمكن إيصاله إليه، وإذا انتقل المال إلى الشخص يصير غنيمة له، ويصير موضوعاً للخمس في قبال سائر الموضوعات، ولو لم ينتقل الحرام إليه كان مقتضى القاعدة الاجتناب عن جميع المال، فالحرام المختلط بالحلال بعد التوبة كأنّه غنيمة جديدة.

ويؤيّد انتقال الحرام إلى مالك الحلال بعض الروايات:

1. ما رواه سماعة، قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب مالاً من عمل بني أُمية وهو يتصدّق منه ويصل منه قرابته ويحجّ ليغفر له ما اكتسب، وهو يقول: «إنّ الحسنات يذهبن السيئات»، فقال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ الخطيئة لا تكفّر الخطيئة وأنّ الحسنة تحطُّ الخطيئة» ثمّ قال: «إن كان خلط الحرام حلالاً،


(196)

فاختلطا جميعاً فلا يعلم الحرام من الحلال فلا بأس».(1)

ويؤيده أيضاً، ما ورد في باب الربا من الروايات الصحاح في مورد المال الحلال المختلط بالربا .

روى الكليني بسند صحيح عن أبي المغراء قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «لو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أنّ في ذلك المال رباً ولكن قد اختلط في التجارة بغير حلال كان حلالاً طيباً فليأكله».(2)

وروى العياشي، عن الحلبي، عن أبي جعفرـ عليه السَّلام ـ في الحلال المختلط بالربا قوله ـ عليه السَّلام ـ : «إن كنت تعلم بأنّ فيه مالاً معروفاً رباً، وتعرف أهله فخذ رأس مالك، ورُدّ ما سوى ذلك، وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً».(3)

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاحتمال لا يوافقه الذوق العرفي والفقهي، إذ كيف يصحّ أن ينسب إلى الشارع إنّه قام بتحليل الحرام للشخص ثمّ طلب منه الخمس من باب الغنيمة، فإنّ الخمس يتعلّق بالحلال دون الحرام من المال والشارع الأقدس وإن كان مالك الملك والملكوت فله التصرف في الأنفس والأموال، لكنّه يحتاج إلى عناية بالغة في التعبير، لا بمثل هذه التعابير التي لا يخرج عن حدّالإشعار.

وأمّا جواز التصرّف فيما استشهد به من الروايات فهي محمولة على كون الشبهة غير محصورة، أو لوجود دليل خاص كما في باب الربا، فالروايات محمولة على إحدى الصورتين كما لا يخفى.


1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.
2 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الربا ، الحديث 2و3.
3 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الربا ، الحديث 2و3.


(197)

ومصرفه مصرف سائر أقسام الخمس على الأقوى.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(*) مصرف هذا الخمس

اختلفت كلمتهم في مصرف هذا الخمس على أقوال واحتمالات:

أ. مصرفه مصرف سائر أقسام الخمس.

ب. مصرفه مصرف الصدقة.

ج. التخيير بين المصرفين.

د. يعطى للسادة الفقراء.

والأقوى من هذه الوجوه الأوّل، ويدلّ عليه أُمور:

الأوّل: وحدة السياق في صحيح عمّار بن مروان ، فلو كان المصرف متغايراً لزم البيان دفعاً للاشتباه.

الثاني: ما ورد في قضاء أمير المؤمنين بالتعابير التالية:

ففيما رواه الصدوق مسنداً عن السكوني: «أخرج خمس مالك» وفيما رواه مرسلاً : «ائتني بخمسه» وكلا التعبيرين يدلاّن على أنّ أخذ الخمس من باب الولاية والمنصب.

وفي رواية الشيخ: «أخرج الخمس من ذلك المال».

نعم في رواية الكليني «تصدّق بخمس مالك»، ومع التعارض لا يمكن الأخذ بواحد منهما لو لم نقل بقوّة الأخذ بالأوّل، وعندئذ يراد من التصدّق الوارد في كلام الكليني هو التصدّق بالمعنى اللغوي، لا المقابل للخمس، ويؤيد ذلك أنّه ورد في رواية الكليني بعد الأمر بالتصدّق قوله : «فإنّ اللّه قد رضي من الأشياء بالخمس» واللام فيه إشارة إلى الخمس المعهود، وليس الخمس المعهود إلاّ ما جاء


(198)

في الآية المباركة «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء» .

الثالث: التعليل بالأمر الارتكازي الوارد في قضاء علي حسب نقل الكليني والشيخ والصدوق، أعني قوله:« إنّ اللّه عزّ وجلّ قد رضي من الأشياء بالخمس».

وبذلك ظهر ضعف القول الثاني، أعني: كون مصرفه مصرف الصدقة.

وأمّا القول الثالث فمصدره هو تعارض النصوص، فهي بين ظاهر في التصدّق كنقل الكليني، وظاهر غيره في الخمس، فيكون مخيّراً بين المصرفين.

يلاحظ عليه: أنّ التصدق وإن كان ظاهراً في التصدّق المقابل للخمس كما ورد في رواياتنا، قال الصادق ـ عليه السَّلام ـ : «إنّ اللّه الذي لا إله إلاّ هو لمّا حرّم علينا الصدقة أنزل لنا الخمس، فالصدقة علينا حرام، والخمس لنا فريضة، والكرامة لنا حلال».(1)

ومع ذلك ربّما تُستعمل الصدقة في مطلق الأمر القربي، ففي رواية علي بن مهزيار: إنّ مواليّ ـ أسأل اللّه صلاحهم ـ أو بعضهم قصّروا فيما يجب عليهم، فعلمت ذلك فأحببت أن أطهرهم وأُزكيهم بما فعلت في عامي هذا من أمر الخمس ، قال اللّه تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم» (2) .(3)

وبذلك يظهر عدم تماميّة ما أفاده المحقّق الهمداني حيث قال: لو قلنا بظهور خبر السكوني في التصدّق بالخمس، لا الخمس المصطلح كما يقتضيه الانصاف، لكان مقتضى الجمع بينه وبين غيره ممّا ظاهره إرادة الخمس المعروف كخبر ابن مروان، هو الالتزام بجواز كلّ منهما وكون المكلّف مخيراً بين التصدّق


1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
2 . التوبة: 103.
3 . الوسائل: 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(199)

وأمّا إن علم المقدار و لم يعلم المالك تصدّق به عنه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

بخمسه أو صرفه في مصرف الخمس المصطلح. فالقول به غير بعيد إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.(1)

ولا يخفى أنّه إحداث قول ثالث انعقد الإجماع على نفيه كما أشار إليه في كلامه، وبذلك يعلم ضعف الاحتمال الرابع، فليس له وجه سوى الاحتياط.

(*) مقصوده أنّه يتصدّق بالمقدار المعلوم، سواء كان المعلوم مساوياً لخمس المال أو كان أزيد أو أقل، وعلى كلّ تقدير فالمسألة فيها وجوه واحتمالات:

واعلم أنّ البحث تارة في تعيين المقدار المخرج،وأُخرى في مصرفه، وإليك الأقوال:

1. وجوب التصدّق بالمقدار المعلوم، وهذا هو القول المشهور الذي اختاره الماتن.

قال صاحب الحدائق: إنّ مستند هذا القول هو الأخبار الدالة على الأمر بالتصدّق بالمال المجهول المالك، ومن أجل ذلك أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص.

2. دفع المقدار المعلوم خمساً لا صدقة قلّ أو كثر.

3. إخراج الخمس وصرفه في مصرفه، سواء كان الحرام أقلّ منه أو أكثر، وهو خيرة صاحب الحدائق قائلاً: بأنّ الأظهر دخول هذه الصورة تحت إطلاق الأخبار المتقدمة، وأنّه لا دليل على إخراجها.(2)


1 . مصباح الفقيه:14/160.
2 . الحدائق الناضرة: 12/365.


(200)

4. إخراج الخمس ثمّ الصدقة بالزائد في صورة الزيادة.

ثمّ إنّ كلّ قول يتضمن أمرين أحدهما يرجع إلى المقدار المخرج، والآخر إلى مصرفه.

القول الأوّل

فلنأخذ القول الأوّل بالدراسة، فدليله يتركّب من أمرين:

أحدهما: انصراف الروايات السابقة التي كانت تحدد المقدار المخرج، بالخمس عن هذه الصورة، لأنّ التعبّد بأداء الخمس فيما إذا كان الحرام أكثر أو أقل، وإن كان أمراً ممكناً، لكنّه يحتاج إلى نصّ خاص، ولأجل ذلك تنصرف أدلّة التحديد عن هذه الصورة فلا تشتغل الذمة إلاّ بالمقدار المعلوم لا غير.

الاستئناس للمقام بما ورد في المظالم ومجهول المالك حيث عدّ طريقاً من طرق إيصال المال إلى صاحبه نظير ما يلي:

1. روى علي بن أبي حمزة، عن رجل من كتّاب بني أُمية، أنّه سأل أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ بقوله: فهل لي مَخرج منه؟ قال: «إن قلت لك تفعل؟»قال: أفعل، قال له: «فاخرج من جميع ما كسبت في ديوانهم، فمن عرفت منهم رددت عليه ماله، ومن لم تعرف تصدّقت به، وأنا أضمن لك على اللّه عزّ وجلّ الجنّة».(1)

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الرواية أنّ جميع أمواله كانت حراماً، ولذلك أمر بردّ ما عرف صاحبه، والتصدّق بمالم يعرفه، ولعلّ الجميع كان مغصوباً فلم يكن محيص عنه. وعلى ذلك يفارق ما نحن فيه حيث إنّ المفروض اختلاط الحرام بالحلال، لا كونه حراماً، فيقصر في التطهير بالمقدار الحرام لا كله، نعم يصحّ الاستئناس به لأمر آخر وهو إنّ الطريق إلى إيصال المال إلى صاحبه عند عدم


1 . الوسائل: ج12، الباب 47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1. وعلي بن أبي حمزة في آخر السند هو الثمالي وهو وأخواه الحسين ومحمد وأبوه من الثقات.


(201)

المعرفة هو التصدّق.

2. صحيحة يونس بن عبدالرحمان ، قال سئل أبو الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ وأنا حاضر ـ إلى أن قال: ـ رفيق كان لنا بمكّة فرحل منها إلى منزله ورحلنا إلى منازلنا فلمّا أن صرنا في الطريق أصبنا بعض متاعه معنا فأيّ شيء نصنع به، قال: «تحملونه حتى تلحقوه بالكوفة» قال: لسنا نعرفه ولا نعرف بلده ولا نعرف كيف نصنع؟ قال: «إذا كان كذا فبعه وتصدق بثمنه» قال له: على من جعلت فداك؟ فقال: «على أهل الولاية».(1)

نعم مورد الحديث هو المتميز والبحث في المختلط، وكيفية الاستئناس على نحوِ ما قلناه في الرواية السابقة.

3. ما رواه علي بن ميمون الصائغ: قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عمّا يكنس من التراب فأبيعه فما أصنع به، قال: تصدّق به فإمّا لك و إمّا لأهله.(2)

ويحتمل وروده في المختلط، بقرينة قوله ـ عليه السَّلام ـ : «فإمّا لك و إمّا لأهله» فكأنّ بعض التراب للصائغ، ويحتمل كون المعنى أنّ المالك الواقعي لو أعرض يكون ملكاً للصائغ وتقع الصدقة عنه.

4. وقد ورد في لقطة الحرم بأنّه إن لم يجد له طالب يرجع إلى بلده فيتصدّق به على أهل بيت من المسلمين، فإن جاء طالبه فهو له ضامن.(3)

5. كما ورد فيما يؤخذ من اللصوص، أنّه يجب ردّه على صاحبه إن عرف، وإلاّ تصدّق به.(4)

6. وقد رخّص التصدّق في ميراث المفقود والمال المجهول المالك، فروى


1 . الوسائل: ج17، الباب 7 من أبواب اللقطة، الحديث 2 وفيه: حتى تحملوه إلى الكوفة; وفي الكافي: حتى تلحقوهم بالكوفة، والظاهر أنّ الصحيح ما أثبتناه.
2 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الصرف، الحديث 1 وغيره.
3 . الوسائل: ج17، الباب 17 و18 من أبواب اللقطة، الحديث 2و1.
4 . الوسائل: ج17، الباب 17 و18 من أبواب اللقطة، الحديث 2و1.


(202)

نصر بن حبيب صاحب الخان، قال: كتبت إلى عبد صالح: لقد وقعت عندي مائتا درهم وأربعة دراهم وأنا صاحب فندق ومات صاحبها ولم أعرف له ورثة فرأيك في إعلامي حالها، وما أصنعُ بها، فقد ضقت بها ذرعاً، فكتب:«اعمل فيها وأخرجها صدقة قليلاً قليلاً حتّى يخرج».(1)

وما ورد من الحفظ في هذا الباب من الروايات محمول على صورة عدم اليأس من عرفان مالكه كما لا يخفى.

وهذه الأحاديث وإن كانت واردة في الحرام المتميّز، أو مال كله حرام، لكن العرف يقطع بعدم الخصوصية، ويرى أنّ التصدّق أحد الطرق إلى وصول المال إلى صاحبه من غير فرق بين المتميّز والمختلط.

وبذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب الحدائق، حيث قال: إنّ مورد تلك الأخبار الدالة على التصدّق إنّما هو المال المتميز في حدّ ذاته لمالك مفقود الخبر، وإلحاق المال المشترك به مع كونه ممّا لا دليل عليه، قياس مع الفارق، لأنّه لا يخفى أنّ الاشتراك في هذا المال سار في كلّ درهم درهم وجزء جزء منه فعزل هذا القدر المعلوم للمالك المجهول، مع كون الشركة شائعة في أجزائه كما أنّها شائعة في أجزاء الباقي، لا يوجب استحقاق المالك المجهول له، حتى أنّه يتصدّق به عنه، فهذا العزل لا ثمرة له، بل الاشتراك باق مثله قبل العزل.(2)

والظاهر أنّ العرف يساعد لإلغاء الخصوصية، قائلاً بأنّ الملاك هو الجهل بالمالك، سواء كان متميزاً أو لا.

بقي في المقام في صحّة إفراز مال الغير عن المال المشترك، ومقتضى القاعدة بقاء الشركة وعدم تعيّن المفروز للمالك المجهول إلاّ بولاية عليه، ولذلك تجب


1 . الوسائل: ج17، الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى و ما أشبهه، الحديث 3.
2 . الحدائق:12/365.


(203)

مراجعة المجتهد الجامع للشرائط الذي له الولاية على الغائب كما هو الحال في إفراز مال اليتيم والقاصر إذا اختلط مع غيره ولم يكن له ولي منصوص، ولو صحّ تدخل الفقيه وعمّت ولايته لتلك الموارد يعمّ المورد قطعاً، ولأجل ذلك نقول: الأقوى (لا الأحوط كما عليه الماتن) أن يكون بإذن المجتهد الجامع للشرائط، حتّى يكون الإفراز صحيحاً قاطعاً للشركة.

مضافاً إلى ما ذكرناه من رواية أبي حمزة فإنّ موردها هو المال الممتزج إذ من البعيد أن يكون جميع أمواله حراماً ولم يكن فيه حلال مختلط بالحرام، ولعلّ أمر الإمام بالإخراج عن الجميع ناظر إلى ما اكتسبه من الحرام، إذ لا وجه للخروج عن الحلال. هذا كلّه حول القول الأوّل الذي هو المشهور بين الأصحاب كما يظهر من الحدائق، حيث قال: أخرجوا هذه الصورة من عموم النصوص المتقدمة أي دفع الخمس.

دليل القول الثاني

وأمّا القول الثاني: أعني دفع ذلك المقدار خمساً لا صدقة قلّ أو كثر، فقد علّله المحقّق الهمداني: بأنّه لدعوى استفادته من الأخبار التي ورد فيها الأمر بالخمس، بتنقيح المناط، نظراً إلى أنّ الجهل بالمقدار انّما يناسب تحديد مقداره بالخمس لا تخصيص مصرفه بأرباب الخمس، فيستكشف من ذلك أنّ قصره عليهم دون سائر الفقراء منشؤه عدم تمييز عينه لا الجهل بقدره.(1)

حاصله: أنّ الصورة السابقة كانت تتميز بأمرين: الجهل بالمقدار، والاختلاط والجهل بالمالك فأمر بالخمس لأجل الأمر الأوّل، وهو غير موجود في المقام فيجب عليه دفع المقدار المعلوم كونه حراماً. كما أمر بصرفه خمساً لأجل الأمر الثاني، وهو الاختلاط والجهل بالمالك، وهو مشترك بين الصورتين.

وبعبارة أُخرى : أنّه مع الجهل بالمقدار، يقدّر الحرام خمس المال، ومع العلم به يخرج ما عُلِم قلّ أو كثر، فالعلم بالمقدار يؤثر في عدم التحديد بالخمس، ولا يؤثر في المصرف.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا علم لنا بالمناط المذكور، لاحتمال أنّ للجهل بالمقدار مدخليّة في كون مصرفه مصرف الخمس، و المفروض في الصورة الثانية، خلافه.

وثانياً: أنّ الأخذ بالمناط المنقح مشكل بعد كون الضابطة الأوّلية في مجهول المالك هو إيصاله إليه من طريق الصدقة كما عليه الروايات، فترك تلك الروايات والتمسّك بتنقيح المناط مشكل.

نعم مقتضى الاحتياط، رعاية الجمع بين المصرفين.


1 . مصباح الفقيه:14/173.

Website Security Test