welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(114)

المسألة 7: إذا وجد مقداراً من المعدن مخرجاً مطروحاً في الصحراء، فإن علم أنّه خرج من مثل السيل أو الريح أو نحوهما، أو علم أنّ المخرج له حيوان أو إنسان لم يخرج خمسه وجب عليه إخراج خمسه على الأحوط إذا بلغ النصاب، بل الأحوط ذلك و إن شكّ في أنّ الإنسان المخرج له أخرج خمسه أم لا.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قال كاشف الغطاء:«ولو وجد شيئاً من المعدن مطروحاً في الصحراء فأخذه فلا خمس عليه» وعلّله في الجواهر باحتمال ظهور الأدلّة في اعتبار الإخراج في وجوب الخمس، والمفروض أنّه لم يخرجه بل استولى على ما أخرج.(1)

أقول: يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: ما إذا كان عامل الإخراج غير صالح للتملك، كالزلزال والسيل والأعصار.

الثاني: ما إذا كان عامل الإخراج له قابلية التملك.

أمّا المقام الأوّل، فله صور:

أ. لو وجده مطروحاً ولم يأخذه وقد مرّ عليه.

ب. إذا أخذه بقصد التملّك.

ج. إذا أخذه لا بقصد التملّك، بل بقصد التصرّف والاقتناء والانتفاع.

د. إذا أخذه بقصد الرؤية ثمّ وضعه مكانه.

لا شكّ في عدم وجوب الخمس في الوجه الأوّل، لعدم تحقّق الاستيلاء بوجه من الوجوه:


1 . الجواهر:16/22; راجع الكشف:360.


(115)

إنّما الكلام في الوجه الثاني، أي إذا أخذه بقصد التملّك فلا شكّ أنّه يتملّكه بالحيازة، ولكن يقع الكلام في وجوب الخمس عليه من باب خمس المعدن وعدمه.

والمسألة مبنية على بيان ما هو الموضوع لوجوب الخمس، فهل الموضوع ما استخرجه من معدنه، أو أنّ الموضوع ما استولى عليه بعد خروجه منه؟

ذهب المحقّق الأردبيلي وتبعه المحقّق الخوئي إلى اعتبار الإخراج في تعلّق الخمس.

فقال الأوّل عند البحث عن العنبر المأخوذ من الماء: إنّ المتبادر من الأدلّة من استخرج من معدنه لا مثل ذلك إلاّ أن يكون معدن العنبر وجه الماء.(1)

وقال الثاني: إنّ المعدن في اللغة منبت الجوهر إلاّ أنّ في إسناد الخمس إليه تجوّزاً فيراد به ما يخرج منه تسمية للحال باسم المحلّ بعد وضوح عدم تخميس نفس المنبت، فخصوصية الإخراج وإفصال الحالّ عن محلّه ملحوظة في هذا الإطلاق.(2)

أقول: الظاهر عدم شرطية التملّك عن طريق الإخراج، بل يكفي الاستيلاء على ما أخرج، وذلك لأنّ لسان الأدلّة على قسمين:

قسم علّق الخمس على نفس المعدن، قال: سألته عن معادن الذهب والفضة، قال: «عليها الخمس».(3)

وقسم آخر علّق الخمس فيه على «ما يخرج» أو «فيما يخرج» أو «عمّا أخرج


1 . مجمع الفائدة والبرهان:4/36.
2 . مستند العروة الوثقى: 55، كتاب الخمس.
3 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2و3.


(116)

المعدن».(1)

وبما أنّ المعدن مالم يخرج عن منبته لا يتعلّق به الخمس، فالموضوع هو ما جاء في النصوص الأخيرة، والعناية فيها على المخرَج لا على المستخرج، فسواء استولى على ما أخرجه بنفسه أو استولى على ما أخرجه غيره.

والذي يدل على ذلك وجوب تعلّق الخمس إذا أخرجه الفضولي أو الغاصب بعد استيلاء المالك على ما أخرجاه، أضف إلى ذلك أنّ مناسبة الحكم والموضوع يقتضي إلغاء شرطية الإخراج، لأنّ الخمس ضريبة على الأموال التي خلقها اللّه تعالى تحت الأرض، فإذا اغتنمها الإنسان فعليه الخمس، فالموضوع هو الاغتنام والإخراج طريق غالبي لا دائمي.

وقد فصّل المحقّق الهمداني بين ما استخرجه الفضولي أو الغاصب أو الجاهل بزعم أنّ الأرض ملكه ثمّ انكشف الخلاف، فالخمس على المالك بعد الاستيلاء; وبين ما أخرجه السيل والزلزال وطرحه في مكان آخر فلا يجب الخمس.(2)

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بلا وجه، فإنّ الموضوع لوجوب الخمس أحد أمرين، إمّا استناد الإخراج إلى الدافع مباشرة أو تسبيباً أو الاستيلاء على ما أخرج.

فعلى الأوّل لا يجب الخمس في جميع الأقسام، وعلى الثاني يجب في جميعها فالتفريق بلا وجه.

هذا كلّه في الصورة الثانية، وأمّا الصورة الثالثة أي الأخذ للتصرف والاقتناء لا للتملّك أو الأخذ للرؤية ثمّ طرحه في مكانه، فالظاهر وجوب الخمس عليه من باب أداء مال الغير إليه. فانّ خمس المطروح لأصحابه وقد استولى عليه إمّا بقصد


1 . الوسائل: 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5و6، والباب 4 ، الحديث 1.
2 . مصباح الفقيه:14/ 36ـ 37، كتاب الخمس.


(117)

الاقتناء أو بقصد الرؤية فخوطب بأداء مال الغير إلى الغير، فيجب عليه دفع الخمس، وله اغتنام أربعة أخماس أيضاً.

هذا كلّه في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثاني، وهو ما إذا كان عامل الإخراج صالحاً للتملّك، فله صور خمس:

أ. إذا حفر الأرض بقصد إخراج الماء ثمّ ظهر المعدن فأخرجه بلا قصد الحيازة وطرحه في الصحراء.

ب. إذا قصد إخراج المعدن فحازه وتملّكه ثمّ طرحه في الصحراء معرضاً عنه.

ج. تلك الصورة، ولكنّه حمله معه ثمّ ضاع في الطريق.

د. تلك الصورة، ولكنّه وضعه في نقطة معينة ليرجع إليه فيما بعد ولكن لم يتمكّن من الرجوع.

هـ. إذا حاز في الصحراء على قطعة من المعدن ولم يعلم قصد المخرج بوجه من الوجوه، وهذا هو مورد نظر الماتن.

فلنذكر حكم جميع الصور:

أمّا الأُولى فيجب عليه الخمس بالحيازة، وقد علمت عدم شرطية الإخراج، فعليه دفع الخمس وتملّك أربعة أخماس.

ومنه يظهر حكم الصورة الثانية على القول بأنّ الإعراض يخرج الشيء عن الملكيّة.

وأمّا الصورتان الثالثة والرابعة فعليه إخراج الخمس، وأمّا أربعة أخماسه فهي لقطة على الصورة الثالثة ومجهول المالك على الصورة الرابعة.


(118)

المسألة 8: لو كان المعدن في أرض مملوكة فهو لمالكها، و إذا أخرجه غيره لم يملكه، بل يكون المخرج لصاحب الأرض وعليه الخمس من دون استثناء المؤنة لأنّه لم يصرف عليه مؤنة.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وأمّا الصورة الخامسة فيجب دفع الخمس إذا علم بعدم دفعه أو شكّ لما عرفت من وجوب إيصال المال المضمون إلى صاحبه.

إنّما الكلام في جواز تملّك الأربعة أخماس، لأنّها مردّدة بين كونها قابلة للحيازة كما إذا كان المخرج عاملاً قسرياً أو إنساناً غير قاصد للحيازة أو معرضاً عن الملكية، وبين كونه لإنسان مالك لها مردّد بين اللقطة وغيرها.

فقد ذهب السيد الخوئي إلى جواز التملّك لاستصحاب عدم سبق اليد عليه.

ولكن الظاهر عدم الجواز، لأنّ طبع المال يقتضي الحرمة والحلّية بحاجة إلى ذلك فلو أمكن حفظه فهو، وإلاّ فيتصرّف فيه بإذن المالك بنيّة ردّ القيمة إذا وجد صاحبها.

(*) المسألة تشير إلى أمرين:

الأوّل: أنّ المعدن ملك لمالك الأرض بتبعها.

الثاني: أنّه لو استخرجه غيره لم يملكه، وإنّما المُخرَج للمالك وعليه الخمس بلا استثناء مؤنة، وهو متفرّع على الأمر الأوّل، ولو ثبت لثبت، إنّما الكلام في أنّ الإنسان يملك المعدن بتبع الأرض، أو أنّه من الأنفال من غير فرق بين كونه في الموات أو في المعمورة، أو أنّه من المباحات الأصلية، أو التفصيل بين المركوز في الأنفال فمنها، والمركوز في المعمورة حال الفتح فللمسلمين.


(119)

والتفصيل موكول إلى كتاب إحياء الموات، ويظهر من قول الشهيد في المسالك أنّ في المسألة أقوالاً ثلاثة، وإليك عبارتها ممزوجة مع عبارة المحقّق:

1. ومن فقهائنا من يقول باختصاص المعادن ظاهرها وباطنها بالإمام، وهو المفيد وسلاّر مفوِّضاً الإصابة فيها على إذنه مع حضوره لا مع غيبته.

2. وقيل يختصّ بما كان في أرضه كالموات لا ما كان في المحياة، لأنّه يلزم من ملكها ملك ما فيها.

3. وأكثر الأصحاب على أنّ المعادن للناس شرّع عملاً بالأصل مع ضعف المخرِج عنه، وهذا هو الأقوى.

وحصيلة الأقوال:

1. المعدن كلّه ظاهره وباطنه للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، ولا يملكه الإنسان إلاّ بإذنه في حضوره وبإذن الفقيه في غيبته على القول بسعة ولايته، وهذا خيرة المفيد وسلاّر.

قال المفيد: الأنفال: كلّ أرض فتحت من غير أن يوجف عليها ـ إلى أن قال : ـ و الآجام والبحار والمفاوز والمعادن وقطائع الملوك... وليس لأحد أن يعمل في شيء ممّا عددناه من الأنفال إلاّ بإذن الإمام العادل، فمن عمل فيها بإذنه فله أربعة أخماس


(120)

المستفاد منها، وللإمام ـ عليه السَّلام ـ الخمس، ومن عمل بغير إذنه، فحكمه حكم العامل فيما لا يملكه بغير إذن المالك من سائر المملوكات.(1)

قال سلاّر في المراسم: والأنفال له أيضاً خاصة ـ إلى أن قال ـ: والأرض الموات وميراث الحربي، والآجام والمفاوز والمعادن والقطائع، وليس لأحد أن يتصرّف في شيء من ذلك إلاّ بإذنه، فمن تصرّف فيه بإذنه فله أربعة أخماس المستفاد منها وللإمام ـ عليه السَّلام ـ الخمس.(2)

2. إنّها من المباحات الأصلية العامة التي فيها الناس شرع، قال العلاّمة في القواعد: والأقرب اشتراك المسلمين فيها.(3)

وقال الشهيد في الدروس: المتأخّرون على أنّ المعادن للناس شرع، إمّا لأصالة الإباحة، وإمّا لطعنهم في أنّ الموات للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وإمّا لاعترافهم به وتخصيص المعادن بالخروج عن ملكه، والكل ضعيف.(4)

ويترتّب على القولين ثمرة فقهية، وهي: أنّه يجوز للإمام ـ عليه السَّلام ـ إقطاع المعادن على الأوّل، إذ هي للإمام ـ عليه السَّلام ـ فله إقطاعها، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المسلمين مشتركون، إذ لا يجوز منع بعضهم عن حقّه.

وقد حكي هذا القول، وعدم جواز الإقطاع، الملازم لعدم كونه من الأنفال، واشتراك الناس فيها ،عن عدّة كتب، كالمبسوط والمهذّب والسرائر وجامع الشرائع والتذكرة والتحرير والإيضاح والقواعد والدروس واللمعة وجامع المقاصد والمسالك والروضة، وهو ظاهر الوسيلة، والإرشاد، بل قد يظهر من المبسوط والسرائر، نفي الخلاف عن ذلك فإنّ فيهما : ليس للسلطان أن يقطع مشارع الماء بلا خلاف، وكذا المعادن الظاهرة.

وقد صرّح ـ بأنّ الناس فيها شرع سواء ـ في المبسوط والمهذّب والوسيلة والسرائر وجامع الشرائع، واللمعة في موضعين منها، وجامع المقاصد والمسالك والقواعد، وهو ظاهر الشرائع والتذكرة، ونفى عنه البعد في الكفاية، وفي الدروس نسبته إلى المتأخرين، وفي جامع المقاصد أنّه المشهور بين المتأخرين، وفي الكفاية


1 . المقنعة: 45.
2 . المراسم: 140،طبع بيروت.
3 . مفتاح الكرامة:7/41.
4 . المصدر السابق:7/30 عند البحث عن إقطاع الإمام المعادن.


(121)

أنّه المشهور، وفي المسالك والكفاية والمفاتيح أنّه مذهب الأكثر، ولعلّ مستندهم عموم «خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَميعاً»(1) وأنّ فيه زيادة مشقّة بالتوقّف في الأخذ منها على إذنه ـ عليه السَّلام ـ إذا كان ظاهراً، وأنّه لا دليل على الاختصاص.(2)

3. التفصيل بين معادن الموات فهو للإمام ومعادن المفتوحة عنوة فهي للمسلمين تبعاً للأرض، فالموات للإمام ومعادنه له; والمفتوحة عنوة للمسلمين، فالمعادن لهم. استحسنه في الروضة، وهو الذي حكاه في الإيضاح عن السرائر.(3)

ويظهر من المحقّق صحّة هذا التفصيل، حيث قال في نقد القول الأوّل:إن كان يريد به أنّ ما يكون في الأرض المختصّة (الأنفال) أمكن، أمّا ما يكون في أرض لا تختص بالإمام ـ عليه السَّلام ـ ، فالوجه أنّها لا تختصّ به، لأنّها أموال مباحة تستحق بالسبق إليها والإخراج بها. والقائل بالقول الأوّل يطالب بدليل ما أطلقه.(4)

ومقتضى هذه الأقوال أن تكون المعادن كلّها للإمام ـ عليه السَّلام ـ أو للمسلمين، أو التفصيل بين ما في ملكه ـ عليه السَّلام ـ فهو له، وما في غيره للمسلمين، وأمّا المعادن المركوزة في الملك الشخصي فهي له وليس لأحد التعدي عليها، ولو لم يستلزم تصرّفاً في ملكه، كما إذا استولى عليه من طريق النقب، ولكن لابدّ من تقييده بما تعدّ من توابعها عرفاً وأمّا الخارج عنها فلا يملك، كالمعادن المركوزة في عمق مائة متر أو أزيد، فلو استولى عليه غير المالك، فلا يملكه مالك الأرض لخروجه عن التبعية، من غير فرق بين كون الاستيلاء عن طريق النقب أو الحفر في أرض المالك. إذا عرفت هذا فالأولى عطف عنان الكلام لبيان حال الأقوال السابقة فنقول:


1 . البقرة: 29.
2 . مفتاح الكرامة:7/29ـ 30.
3 . مفتاح الكرامة:7/29ـ 30.
4 . مفتاح الكرامة: 7/29.


(122)

أدلّة القول بأنّها من الأنفال

استدل على القول بأنّ المعادن ظاهرها وباطنها من الأنفال، فلا تستخرج إلاّ بإذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ أو الحاكم العادل، إلاّ ما جرت السنّة على استخراجه بلا إذن، كما إذا كانت الأرض مالحة بظاهرها، بروايات:

الأُولى: ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن إسحاق بن عمّار، ونذكر الرواية على مقاطع ثلاثة:

قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الأنفال فقال:

1. هي القرى التي خربت وانجلى أهلها، فهي للّه وللرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وما كان للملوك فهو للإمام ـ عليه السَّلام ـ .

2. وما كان من الأرض الخربة لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وكلّ أرض لا ربّ لها ، والمعادن منها.

3. و من مات وليس له مولى فماله من الأنفال.(1)

أمّا فقه الحديث فقد اشتمل على فقرتين :

الأُولى: هي القرى التي قد خربت وانجلى عنها أهلها فهي للّه وللرسول، وما كان للملوك فهو للإمام.

فقوله: «هي» مبتدأ، وما يليه أعني: «القرى التي خربت وانجلى أهلها...» خبره، وقوله: «فهي للّه وللرسول» كالنتيجة للجملة، أي إذا كانت القرى بهذا الوصف من الأنفال فهي ملك للّه والرسول.

كما أنّ الجملة الثانية أعني قوله: «وما كان للملوك فهو للإمام»، جملة تامّة


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 20.


(123)

كالجملة السابقة.

إنّما الكلام في المقطع الثاني أعني : «و ما كان من الأرض...» فالموصول أعني: «وما كان» مبتدأ عطف عليه أمران، أعني:

1. وكلّ أرض لا ربّ لها.

2. والمعادن.

وخبر الجميع قوله:«منها» وكأنّه قال:

«ما كان من الأرض... وكلّ أرض...والمعادن، من الأنفال» فيدلّ على أنّ المعادن من الأنفال.

وما ربّما يقال: من أنّه لو كان الضمير راجعاً إلى الأنفال لكان المناسب أن يصرح بالمرجع ويقول: من الأنفال، لا أن يضمر، بشهادة أنّه صرّح في آخر المقطع وقال: «فماله من الأنفال»، مدفوع، بأنّ المتكلّم ليس في مقام إلقاء الخطابة، بل يجري في كلامه كجريه في سائر المقامات . مضافاً إلى أنّ احتمال كون الرواية منقولة بالمعنى لا بعين اللفظ.

وهناك احتمال آخر وهو: أنّ ضمير«منها» من متعلّقات المعادن، والضمير يرجع إلى الأرض التي لا ربّ لها، فتكون النتيجة : المعادن المتّخذة من أرض لا ربّ لها، من الأنفال لا كلّ معادن، كالمتخذة من المفتوحة عنوة، أو من الملكالشخصي، والخبر محذوف بقرينة ما سبق «أي فهي للّه وللرسول أو فهي للإمام».

ويؤيده ما في بعض النسخ من لفظة «فيها» مكان «منها» كما نقل المحقّق الهمداني.

الثانية: روى العياشي مرسلاً، عن أبي بصير، قال: قال ـ عليه السَّلام ـ : «لنا الأنفال»،


(124)

قلت:وما الأنفال؟ قال: «منها المعادن والآجام...».(1)

الثالثة: روى العياشي أيضاً ، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في حديث قال: قلت: وما الأنفال؟ قال: «بطون الأودية ورؤوس الجبال والآجام والمعادن...».(2)

الرابعة : روى في المستدرك، عن كتاب عاصم بن حميد الحنّاط، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «ولنا الصفي» ـ إلى أن قال :ـ قلت له: وما الأنفال؟ قال: «المعادن منها والآجام وكلّ أرض لا ربّ لها».(3)

ولعلّ هذا القول أوضح، ويؤيد ذلك جريان السيرة في الحكومات على عدّها من الأموال العامة التي تتولاّها الحكومات ولا يجعلونها فريسة لكل شحيح وطعمة لكلّ طامع.

نعم لا يمكن إنكار جريان السيرة في المعادن الموجودة في الأملاك الشخصية على تبعيتها للملك إذا كان على وجه يصحّ عدّها جزء منه، كالمعادن الواقعة في عدة أمتار، وأمّا المعادن الواقعة في أعماق الأرض التي لا تعدّ جزءاً من الملك ولا تبعاً له فليست السيرة ثابتة ولا معقولة حسب ما يشير إليه قوله سبحانه:«لِكَي لا يَكونَ دولَةً بَيْنَ الأَغْنياء» .(4)

وأمّا نصوص الفقهاء من أنّ المعدن الواقع في الأملاك الشخصية تابع لها فمنصرفة إلى الوجه المتعارف الذي تصح عند العرف عدّ الشخص مالكاً له، لا الواقعة في أغوار الأرض وأبعادها.


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 28و 32.
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 28و 32.
3 . المستدرك: 7/295، كتاب الخمس، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 1.
4 . الحشر :7.


(125)

أدلّة القول بأنّ المعادن من المباحات العامّة

واستدل على كون المعادن من المباحات العامة بروايات لا مساس لها بالمعادن، وقد ورد فيها أنّ الماء والنار والكلاء والملح من المباحات:

1. روى محمّد بن سنان، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عن ماء الوادي، فقال: «إنّ المسلمين شركاء في الماء والنار والكلاء».(1)

والمراد من الماء، ماء السماء والأنهار التي لا مالك لها، والكلاء المباح، ونار الشجر الذي يحطبه الناس.

2. وعن أبي البختري، عن جعفر، عن أبيه، عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «لا يحلّ منع الملح والنار».(2)

3. وروى المتقي الهندي في كنز العمّال: قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :«المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء، والكلاء، والنار». وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «ثلاث لا يمنعن: الماء والكلاء والنار». وقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «خصلتان لا يحلّ منعهما :الماء والنار».(3)

ولم يرد في واحد من النصوص كون المعادن منها، وأمّا التمسك بقوله تعالى : «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً»(4) فكما ترى، فإنّه وارد في بيان الغاية، وأمّا كيفية التصرّف والانتفاع فيطلب من دليل آخر.


1 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج17، الباب 5 من أبواب إحياء الموات، الحديث 2.
3 . كنز العمّال: الحديث 9635، 9322، 9638.
4 . البقرة:29.


(126)

أدلّة القول بأنّ المعدن تابع للأرض

قد عرفت أنّ القول الثالث، أعني: أنّ المعادن في كلّ أرض تابعة لها، ففي الأنفال، أنفال، وفي المفتوحة عنوة، ملك للمسلمين، وفي الملك الشخصي ملك لصاحبها، لا وجه له، غير رواية «إسحاق بن عمّار» من إرجاع الضمير في «منها» إلى الأرض التي لا ربّ لها، وغير جريان السيرة، من استفادة كلّ إنسان من المعدن الموجود في ملكه، والدليل إمّا غير تام كما ذكرناه في تفسير الرواية، والسيرة مقبولة في المقدار الخاص الذي يعدّ جزءاً من الأرض وتبعاً له، وسيوافيك توضيحه.

هذا خلاصة البحث، وبذلك يظهر الحال في المسألة، فنقول: صور المسألة أربع:

الأُولى: أن يستخرج المعدن من ملكه الشخصي.

الثانية: أن يستخرجه من ملك الغير المختص به.

الثالثة: أن يستخرجه من الأراضي المفتوحة عنوة.

الرابعة: أن يستخرجه من أراضي الأنفال.

وقدتعرّض الماتن رحمه اللّه للصورتين الأُولتين في هذه المسألة، وللأخيرتين في المسألة الآتية، وإليك البيان حسب تعرّض الماتن، على ضوء الأقوال التي تعرفت عليها.

أمّا على القول بأنّها من المباحات، فواضح لأنّه يتملّك بالحيازة، ومثله القول بأنّه جزء الملك، فمن ملك شيئاً يملك توابعه فلا يحتاج إلى الإجازة من الإمام أو الحاكم الإسلامي.

وبذلك يعلم، أنّ ما أطلقه المحقّق في كتاب الإجارة من «أنّ من أحيا أرضاً


(127)

المسألة 9: إذا كان المعدن في معمور الأرض المفتوحة عنوةـ الّتي هي للمسلمين ـ فأخرجه أحد من المسلمين ملكه وعليه الخمس، وإن أخرجه غير المسلم ففي تملّكه إشكال.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فظهر فيها معدن ملكه تبعاً لها لأنّه من أجزائها» محمول على ما يعدّ تبعاً للأرض.

وأمّا على القول بأنّها من الأنفال، فقد جرت السيرة على استفادة كلّ إنسان من المعادن الواقعة في ملكه الشخصي لكنّها موجودة في الأبعاد المتعارفة وفي غيرها يحتاج إلى الإذن.

إذا أخرجه غير المالك، فعلى ما ذكرناه، لا يملكه إذا كان المخرَج ممّا يعدّ من توابع الأرض عرفاً، ويكون المخرَج لصاحب الأرض وعليه الخمس من دون استثناء المؤنة، لأنّه لم يصرف عليه مؤنة.

وأمّا إذا كان من غير ذلك القسم فلا يملك إلاّ بالإجازة، سواء قلنا بأنّها من الأنفال أو من المباحات، أمّا على كونها من الأنفال فواضح، وأمّا على القول بأنّها من المباحات، فانّ الظاهر أنّ عدم الحاجة في الأُمور الثلاثة، أعني: الماء والكلاء والنار، دون الثروات الطائلة التي توجد السيطرة عليها، الشقّة، وهو خلاف المطلوب للشارع الحكيم حيث قال سبحانه:«كَيْ لا يَكُونَ دولَةً بَيْنَ الأَغْنِياءِ مِنْكُمْ»(1) أي تدور بين الأُمّة ولا تكون الثروة دولة بين خصوص الأغنياء.

(*) هذه هي الصورة الثالثة، أعني: استخراج المعدن من الأرض المفتوحة عنوة، فقد أفتى المصنف بأنّ المستخرج إذا كان مسلماً يملكه وعليه الخمس، دون الكافر، ففرّق في الأراضي العامرة من المفتوحة عنوة بين كون المستخرج مسلماً أو كافراً،


1 . الحشر:7.


(128)

دون الموات، كما سيوافيك.

يلاحظ عليه: بأنّ إطلاق كلامه لا ينطبق مع القواعد، إذ لو كانت المعادن من الأنفال ، فلا تملك إلاّ بإذن الحاكم، فكيف أفتى بأنّها تملك من دون تقييد بإذن الحاكم؟ ولو كانت من المباحات العامةـ مع احتياجها إلى إذن الحاكم ـ فالمسلم والكافر أمامها سواء، فيكون التفريق بين المسلم والكافر الذمّي غير تام، ولو كانت تابعة للأرض فهي وما وقع تحتها كلّها للمسلمين، فكيف يملك الشخص ما هو ملك لجميعهم؟

قال الشيخ : الذمّي إذا عمل في المعدن يمنع منه، فإن خالف وأخرج شيئاً منه ملكه، ويؤخذ منه الخمس. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي(1) وإطلاق كلامه يعمّ ما إذا أخرج في المعمورة حال الفتح.

ويرد عليه: أنّ المنع من العمل لا يجتمع مع القول بالملكية إذا استخرج، فانّ التملّك آية كونه ليس ملكاً للإمام ـ عليه السَّلام ـ أو المسلمين، بشهادة أنّه يملك مع نهي الإمام وعدم رضاه، والمنع آية كونه ملكاً له أو لهم، فكيف يجتمع؟

والقول بأنّ النهي سياسي لئلاّ يتوسّعوا في الأموال، كما ترى، وإلاّ يجب المنع عن الاتّجار والزراعة والصناعة، ولم يقل به أحد.

والحقّ أنّه إذا كان من الأنفال يحتاج إلى إذن الحاكم، كما أنّه كذلك إذا كان من المباحات، لأنّ أُمورها بيد الحاكم، فلو كان الاستخراج موافقاً للمصلحة يأذن له فيملك، وإلاّ يمنع من الاستخراج ولا يملك لو عصى، من غير فرق بين كونها في الأراضي المفتوحة عنوة أو غيرها، وكون الأرض للمسلمين لا يقتضي كون ما فيها من المعادن لهم ولا ما يعدّ جزءاً من الأرض.


1 . الخلاف: 2/120، كتاب الزكاة: المسألة 144.


(129)

وأمّا إذا كان في الأرض الموات حال الفتح فالظاهر أنّ الكافر أيضاً يملكه وعليه الخمس.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) هذه هي الصورة الرابعة، وهو استخراج المعدن من الموات الذي يعدّ من الأنفال، ولم يفرق بين المسلم والكافر في هذا القسم، مع أنّه لا فرق بين الصورتين إذا قلنا بكونها من الأنفال أو من المباحات فلا يملك الكافر إذا كان هناك منع أو عدم إذن.

فإن قلت: لماذا لا يشمل إطلاق قوله: «أيُّما قوم أحيوا شيئاً من الأرض أو عمّروها فهم أحقّ بها» للمقام، و قال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من أحيا أرضاً مواتاً فهي له».(1) وقد وردت النصوص في تملّك الذمي إذا أحيا الأرض؟(2)

قلت: إنّ الإحياء عبارة عن إجراء المياه وغرس الأشجار فيها، وأمّا استخراج المعادن فليس إحياء للأرض كما لا يخفى.

فإن قلت: لماذا لا يشمله قوله: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحقّ به»؟(3)

وكذلك ما رواه السكوني، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في رجل أبصر طيراً فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل فأخذه ، فقال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».(4)

قلت: الروايات ناظرة إلى الأشياء المباحة بالذات كالماء والكلاء الباقيين


1 . الوسائل:ج17، الباب 1 من أبواب الإحياء، الحديث 1و5.
2 . الوسائل: ج17، الباب 4 من أبواب الإحياء، الحديث 1.
3 . سنن أبي داود: 3/177، كتاب الخراج والإجارة، الحديث 3071.
4 . الوسائل: ج16، الباب 38 من أبواب الصيد، الحديث 1.


(130)

المسألة 10: يجوز استيجار الغير لإخراج المعدن فيملكه المستأجر، وإن قصد الأجير تملّكه لم يملكه.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على الإباحة الأصلية لا إلى ما كان مملوكاً للإمام ـ عليه السَّلام ـ بما أنّه إمام، فالتملّك بالإخراج بلا إذن منه يحتاج إلى دليل غيرتلك الإطلاقات.

والظاهر أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ لو رأى أنّ في الإقطاع للكافر مصلحة تعود على الإسلام والمسلمين جاز له الإقطاع ويملك المخرِج، وإلاّفيتوقف تملّكه على الإذن.

فتلخص لزوم الإذن في المخرِج في الأراضي المفتوحة عنوة والأنفال من غير فرق بين المسلم والكافر.

(*) صور المسألة:

1. إذا أخرج الأجير المعدن من الأرض التي يملكها المستأجر.

2. إذا أخرجه من الأرض التي للمستأجر حقّ اختصاص بها، عن طريق التحجير.

3. إذا أخرجه من أرض ميتة.

4. ثمّ إنّ متعلّق الإجارة تارة يكون إخراج المعدن وحفره، وأُخرى إخراجه بقصد أن يتملّكه المستأجر.

5. وعلى كلا التقديرين فمورد الإجارة تارة يكون عمله الخاص الذي سيوجد، وأُخرى يكون كلياً في ذمّته.

ثمّ إنّ بعض المشايخ لا يقول بكونه ملكاً للمستأجر إلاّ إذا كانت الأرض له، أو ما كان له فيها حقّ اختصاص، وبعضاً آخر كالسيد الحكيم يقول بالصحّة إذا كانت الإجارة على منفعته الشخصية دون ما في الذمّة، وإليك البيان:


(131)

لا شكّ في أنّ المخرَج للمستأجر، سواء نوى الوفاق أو الخلاف، فيما إذا كان المعدن واقعاً في الملك الشخصي على الشرط المذكور في المسألة السابقة، أو كان له حقّ اختصاص، إنّما الكلام فيما إذا كان واقعاً في المفتوحة عنوة، أو في الموات الأنفال، وربّما يقال بعدم قبول الحيازة للنيابة وبالتالي لا يملكه المستأجر.

قال المحقّق في ضابط ما لا تدخل فيه النيابة: إنّ ضابطه ما تعلّق قصد الشارع بإيقاعه من المكلّف مباشرة كالطهارة والصلاة والصوم والاعتكاف والحجّ مع القدرة والأيمان والنذور والغصب والقسم بين الزوجات، والظّهار واللعان، وقضاء العدّة والجناية والالتقاط والاحتطاب والاحتشاش.(1)ولتعلّق غرض الشارع بصدورها من نفس الفاعل.

يلاحظ عليه: أنّ في انطباق الضابطة على الأُمور الثلاثة الأخيرة خفاءً، إذ من أين علم تعلّق قصد الشارع بإيقاعها من المكلّف مباشرة؟

فإن قلت: إنّ الحائز يتملّك بمجرّد الحيازة لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «من حاز ملك» فلا يبقى مجال للنيابة.

قلت: إنّما يتملّك بالحيازة إذا لم يملك الغير عملَه الخارجي وبالتالي منفعته، أي المحوز، وإلاّ فلا يملك لمجرّد الحيازة.

وعلى ذلك فلو آجر نفسه على الحيازة ـ كما هو المرتكز عرفاً ـ يكون ما حازه ملكاً للمستأجر لا للأجير،لأنّ المستأجر يملك نفس عمل الأجير وهو الحيازة، وملكيتها عبارة أُخرى عن ملكية ما حازه، إذ تملّك العمل لغاية تملك ما يحصل منه كما لا يخفى، ولأجل ذلك قال الماتن: وإن قصد الأجير تملكه لم يملك لسبق


1 . الشرائع: 2/195، كتاب الوكالة. ولكن الظاهر منه في كتاب الشركة أنّ الاحتطاب و الاحتشاس والاصطياد قابلة للنيابة; لاحظ: الشرائع: 2/134، كتاب الشركة، المسألة التاسعة.


(132)

المسألة 11: إذا كان المخرج عبداً كان ما أخرجه لمولاه وعليه الخمس.(*)

المسألة 12: إذا عمل فيما أخرجه قبل إخراج خمسه عملاً يوجب زيادة قيمته، كما إذا ضربه دراهم أو دنانير أو جعله حليّاً أو كان مثل الياقوت والعقيق فحكّه فصّاً مثلاً اعتبر في إخراج خمس مادّته فيقوَّم حينئذ سبيكة أو غير محكوك مثلاً، و يخرج خمسه.(**)

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مالكية المستأجر عمله وأثره بالعقد الصحيح الشرعي.

والحاصل: أنّه إذا كان المعدن واقعاً في غير الملك الشخصي، أو في غيرما للموجر نحو اختصاص له، فهو يملك أفعال الأجير وحركاته، والمراد من السيطرة على أفعاله، تملّك ما يحصل منها، وبذلك يظهر النظر في ما أفاده السيدالمحقّق البروجردي في تعليقته على هذه المسألة، من قوله: إنّ صرف كون عمله الخاص أوجميع أعماله للمستأجر لا يجعله كأحد مخازنه الجمادية كلّما دخل فيه صار تحت استيلائه قهراً، بل هو بعد إنسان له عمل وإرادة وعناوين أعماله تابعة لإرادته.

ما ذكره صحيح لولا أنّه باختياره سلّط المستأجر على أفعاله ونتائجها فلا يؤثر الخلاف بعد صحة العقد.

(*) يظهر وجهه ممّا حرّرناه في مسألة الأجير، فلاحظ.

(**) لا شكّ أنّ الملاك في تعلّق الخمس هو بلوغ مادّته حدّ النصاب، فلو لم تبلغ المادة حدّه وإنّما بلغت مع الهيئة العارضة لها فلا يتعلّق به الخمس أخذاً بظاهر الدليل من «بلوغ ما يخرج منها» أو «ما يجب في مثله الزكاة».


(133)

إنّما الكلام، في قدر الإخراج، فهل يخرج خمس قيمة المادة، أو يخرج خمس قيمة المادة والهيئة؟ احتمالان مبنيان على تعلّق الخمس بالعين بنحو الإشاعة، أو الكلي في المعيّن، فيلاحظ الكل لأنّ العمل لمّا وقع فضولياً في سهم أصحاب الخمس لا يستحقّ العامل في مقابله أُجرة بالنسبة إلى سهمهم، اللّهمّ إلاّ إذا استجاز من الحاكم، ورأى الحاكم مصلحة في تأخير الإخراج فأجاز له العمل في السبوك.

وأمّا على القول بتعلّق الخمس بالعين على وجه تعلّق الحق، أو أنّه يتعلّق بالذمّة، فتلاحظ المادة، وتختصّ الصورة للعامل، ولا مانع من تملّك الصورة تبعاً لتملّك المادة كما هو الفرض.

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ذهب إلى أنّ الهيئة من حيث هي لا مالية لها ولا يقَّسط الثمن عليها ولا شأن لها، غير أنّها توجب ازديادَ مالية المادة المتلبسة بها ولأوفرية رغبة العقلاء إليها بالإضافة إلى المجردة منها، ولأجلها يبذل بازائها أكثر ممّا يبذل بازاء العاري عن تلك الصفة، من غير أن يكون لنفس تلك الهيئة حظٌّ من المالية.

ثمّ استنتج ممّا ذكره بأنّ تعليل ما ذكره في المتن بأنّ الصفة لعاملها في غير محلّه فإنّها ليست لأحد، لا للعامل ولا لغيره، لعدم ماليتها بوجه، فضلاً عن أن تكون ملكاً لأحد.(1)

إنّ ما ذكره مبني على ما أفاده الشيخ الأنصاري ـ في غير موضع من متاجره ـ من أنّ الثمن لا يقسط على الأوصاف والشروط ولذلك قال: إن تعلّق الأرش في تخلف الجزء مطابق للقاعدة دون وصف الصحة ، وإنّ تعلّقه عند تخلفها من باب التعبّد، وبقي الباقي كأوصاف الكمال من الكتابة وغيرها والشروط تحت المنع.


1 . مستند العروة:68ـ69، كتاب الخمس.


(134)

وكذا لو اتّجر به فربح قبل أن يخرج خمسه ناوياً الإخراج من مال آخر ثمّ أدّاه من مال آخر، وأمّا إذا اتّجر به من غير نيّة الاخراج من غيره، فالظاهر أنّ الربح مشترك بينه و بين أرباب الخمس.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولكنّه مخالف لارتكاز العقلاء، إذ ربّما يتعلّق الغرض بالعوارض دون الجواهر، كبذل الثمن للأمة المغنية لحسن صوتها، أو للفرس لأجل كونه عربياً، ولأجل ذلك قلنا بصحّة أخذ الأرش في عامة التخلّفات من أوصاف الصحّة والكمال والشروط.

وما استدل به على مختاره، من عدم جواز بيع المادة دون الهيئة أو العكس أو شركة شخص في العين على أن يكون المادة لأحدهما والهيئة للآخر، كما ترى، إذ لا ملازمة بين الأمرين، وعدم بذل الثمن في مقابل الهيئة.

(*) لا شكّ أنّ لمستخرج المعدن وغيره ولاية في تبديل الجنس إلى النقد وأدائه إلى أصحاب الخمس وهو أمر لا سترة فيه، ولكن هل له نقله إلى الذمّة حتى إذا نوى الأداء من غيره يكون لنيته تأثير في اختصاص العين به، وتمحص الربح له، أو لا؟ الظاهر، لا، ولأجل ذلك لا أثر لنيّة الإخراج وعدمه، فليست المسألة مبنيّة على نيّة الإخراج وعدمها، بل هي مبنيّة على كيفيّة تعلّق الخمس بالعين بنحو الإشاعة، أو الكلي في المعيّن، أو تعلّقه بالذمّة أو بالعكس ،لكن على نحو تعلّق حقّ المرتهن بها; فعلى الأوّلين يكون الربح مشتركاً حسب السهام إذا لحقه الرضا من وليّ الأمر، وإلاّ تكون المعاملة باطلة بالنسبة إلى سهم أرباب الخمس ويكون للمشتري خيارتبعّض الصفقة; وأمّا على الثالث، تصحّ مطلقاً ويكون الربح له; وعلى الرابع، تكون المعاملة فضولية بالنسبة إلى سهم أرباب الخمس ولا تتنجّز إلاّ بالفك وهو أداء حقّهم، هذا هو حكم المسألة حسب المباني.


(135)

ثمّ إنّه ربّما يستدل بولاية الإنسان على بيع الخمس بلا إجازة من وليّه برواية «الحارث بن حصيرة الأزدي» قال: وجد رجل ركازاً على عهد أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ فابتاعه أبي منه بثلاثمائة درهم، ومائة شاة مُتْبِع، فلامته أُمّي وقالت: أخذت هذه، بثلاثمائة شاة أولادها مائة، وأنفسها مائة وما في بطونها مائة، قال: فندم أبي، فانطلق ليستقيله، فأبى عليه الرجل فقال: خذ منّي عشرة شياه، خذ منّي عشرين شاة، فأعياه فأخذ أبي الركازَ وأخرج منه قيمة ألف شاة، فأتاه الآخر فقال: خذ غنمك وأتني ما شئت فأبى فعالجه فأعياه، فقال: لأضرّن بك، فاستعدى أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ على أبي، فلمّا قصّ أبي على أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، أمره، قال لصاحب الركاز: «أدّ خمس ما أخذت، فانّ الخمس عليك فانّك أنت الذي وجدت الركاز وليس على الآخر شيء، لأنّه إنّما أخذ ثمن غنمه».(1)

وظاهر الرواية ولاية البائع في بيع ما تعلّق به الخمس بلا إجازة من ولي أصحاب الخمس.

ولكنّ الرواية ضعيفة للإرسال وغيره، وأمّا الحارث بن حصيرة فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادقين عليمها السَّلام ، وقال ابن حجر في تقريبه: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض.(2) وعليه فالحديث معلّق أيضاً مضافاً إلى الإرسال في أثناء السند.

ولعلّ أمر الإمام ـ عليه السَّلام ـ بدفع الخمس من ثمن المعدن لأجل تنفيذه المعاملة، لمصالح أعرف بها، فلاحظ.


1 . الوسائل: ج6، الباب 6 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1، ورواه أبو عبيد في كتاب الأموال كما مرّ عند البحث في معنى المعدن والركاز فلاحظ.
2 . تقريب التهذيب:1/140 برقم 128.


(136)

المسألة 13: إذا شكّ في بلوغ النصاب وعدمه فالأحوط الاختبار.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) وقال في كتاب الزكاة: تتعلّق الزكاة بالدراهم والدنانير المغشوشة إذا بلغ خالصهما النصاب، ولو شكّ في بلوغه ولا طريق للعلم بذلك ـ ولو للضرر ـ لم تجب، وفي وجوب التصفية ونحوها للاختبار إشكال، أحوطه ذلك، وإن كان عدمه لا يخلو عن قوّة.(1)

فالأقوى عند السيّد الطباطبائي في كلا البابين هو عدم الوجوب، ولا شكّ في كونه أحوط، ومع ذلك علّق عليه السيد الخوئي في المقام«والأظهر عدمه» و هو غير ظاهر، ولعلّه تصوّر أنّ المتن، الأقوى الاختبار، فعلّق عليه: الأظهر عدمه.

واستدل صاحب الجواهر على وجوب الاختبار بوجوه:(2)

1. إذا عُلّق الوجوب على شرط كالاستطاعة، في الحجّ، فالشرط هو وجوده الواقعي لا وجوده العلمي، فليس له الاقتصار في انتقال التكليف بصورة العلم بهما، بل التكليف يدور مدار وجود الشرط عالماً أو شاكاً.

يلاحظ عليه: أنّه لا يُثبت وجوب الفحص، لأنّ الشك في وجود الشرط، موجب لدخول المقام في الشكّ في التكليف وهو مجرى البراءة ولو كان الشرط موجوداً في الواقع فهو معذور في المخالفة.

2. إنّ فيه إسقاطاً لكثير من الواجبات.

يلاحظ عليه: إذا كانت مخالفة الواقع ناشئةً عن إعمال القواعد والأُصول فهو في مخالفته معذور، والمفروض في المقام كذلك، لأنّ المورد من قبيل الشكّ في التكليف للشكّ في شرط الوجوب.


1 . العروة الوثقى: كتاب الزكاة، فصل زكاة النقدين، المسألة 3.
2 . الجواهر:15/196.


(137)

3. خبر زيد الصائغ في الدراهم المغشوشة:«إن كنت تعرف أنّ فيها من الفضة الخالصة ما يجب عليك فيه الزكاة فزكّ ما كان لك فيها من الفضّة الخالصة، من فضّة، ودَعْ ما سوى ذلك من الخبيث». قلت: وإن كنت لا أعلم أنّ ما فيها من الفضّة الخالصة إلاّ أنّـي أعلم أنّ فيها ما يجب فيه الزكاة، قال: فاسبكها حتى تخلص الفضة ويحترق الخبيث، ثمّ تزكّي ما خلص من الفضة لسنة واحدة».(1)

ولكنّه خارج عن محطّ البحث، لأنّ الكلام فيما إذا شكّ في أصل التعلّق لا في مقداره والالتزام بالاختبار فيه، فلا يكون دليلاً على لزومه في الأوّل.

ثمّ إنّ القائل بعدم لزوم الاختبار استدل ـ مضافاً إلى ما عرفت ـ بأنّه لو وجب الفحص، لوجب في باب النجاسات، مع اتفاقهم على عدم وجوبه فيها، مضافاً إلى صحيحة زرارة حيث سأله بقوله: فهل عليّ إن شككت أنّه أصابه شيءأن أنظر فيه؟ قال: «لا ولكنّك إنّما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع فيك».(2)

يلاحظ عليه: أنّ قياس باب الحقوق والفرائض المالية، بباب النجاسة، غير تام للعلم بوجود التسهيل فيها دونهما.

4. الرجوع إلى الاستصحاب بمفاد العدم الناقص، كما إذا كان الاستخراج تدريجياً حيث يشير إلى ما استخرجه أوّلاً، بأنّه لم يكن بالغاً حدّ النصاب في الوجبة الأُولى ويشكّ في بقائه بعد استخراج الوجبة الثانية والأصل بقاؤه على ما كان، أو الاستصحاب الأزلي، كما لو شكّ في بلوغ النصاب في نفس الوجبة الأُولى.


1 . الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب زكاة الذهب والفضة، الحديث 1.
2 . الوسائل: الجزء 2، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 1.


( 138 )

الثالث: الكنز

وهو المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، و المدار الصدق العرفيّ، سواء كان من الذهب أو الفضّة المسكوكين أو غير المسكوكين أو غيرهما من الجواهر و سواء كان في بلاد الكفّار الحربيّين أو غيرهم، أو في بلاد الإسلام في الأرض الموات أو الأرض الخربة الّتي لم يكن لها مالك، أو في أرض مملوكة له بالإحياء أو بالابتياع، مع العلم بعدم كونه ملكاً للبائعين، وسواء كان عليه أثر الإسلام أم لا، ففي جميع هذه يكون ملكاً لواجده و عليه الخمس. (*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) يقع الكلام في مواضع:

1. في دليل الخمس في الكنز.

قال الشيخ في الخلاف: الركاز هو الكنز المدفون، يجب فيه الخمس بلا خلاف، ويراعى عندنا فيه أن يبلغ نصاباً يجب في مثله الزكاة ،وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: يخمس قليله وكثيره. وبه قال مالك وأبوحنيفة.(1)

والمسألة عندنا إجماعية لم يختلف فيها اثنان، ووردت فيها روايات سبع، وهي بين ما يدل على أصل الحكم، و ما يدل ـ مضافاً إلى أصل الحكم ـ على خصوصياته.


1 . الخلاف: 2/121، كتاب الزكاة، المسألة 146.


(139)

1. ما رواه حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح قال: «الخمس من خمسة أشياء من الغنائم والغوص، ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة».(1)

2. ما رواه الصدوق في المقنع: قال : روى محمد بن أبي عمير: أنّ الخمس على خمسة أشياء: الكنوز، والمعادن، والغوص، والغنيمة. ونسي ابن أبي عمير الخامسة.(2)

3. ما رواه في رسالة المحكم والمتشابه نقلاً عن تفسير النعماني بإسناده، عن علي ـ عليه السَّلام ـ :«والخمس يخرج من أربعة وجوه: من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، و من الغوص».(3)

4. صحيح الحلبي في حديث قال: سألت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ عن الكنز كم فيه؟ قال: «الخمس».(4)

رواه المشايخ الثلاثة:

5. صحيح عمّار بن مروان اليشكري قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «فيما يخرج من المعادن والبحر والغنيمة والحلال المختلط بالحرام إذا لم يعرف صاحبه والكنوز، الخمس».(5)

6. صحيح زرارة ، قال : سألت عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس،الحديث 4 وهو نفس ما رواه برقم 9 في ذلك الباب.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2، وهو متّحد مع ما رواه في ذلك الباب برقم 11، وما رواه في الباب 3 برقم 7.
3 . الوسائل: الجزء 6 ، الباب 2، من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث12.
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2; ورواه الصدوق بسند صحيح لاحظ الباب 5، الحديث 1; كما رواه الكليني عن ابن أبي عمير مرفوعاً.
5 . المصدر نفسه، الحديث 6.


(140)

ركازاً ففيه الخمس».(1)

وقد مرّ أنّ الركاز يطلق على كلّ ما يثبت في الأرض فيشمل الكنز والمعدن.

وهذه روايات ست، وإن كانت لحاصرها عشر. ومن الصنف الثاني.

7.صحيح أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ قال: سألته عمّا يجب فيه الخمس من الكنز، فقال: «ما يجب الزكاة في مثله ففيه الخمس».(2) سواء قلنا بأنّ المراد هو المماثلة في المقدار فيكون بصدد بيان النصاب، أو بصدد بيان المماثل في الجنس، فيختصّوجوب التخميس بما إذا كان المعثور من الذهب والفضة المسكوكين.

ما هو الكنز لغةً وعرفاً؟

عرّفه الماتن بقوله: المال المذخور في الأرض أو الجبل أو الجدار أو الشجر، والمدار الصدق العرفي:

قال ابن فارس : الكنز: يدل أصله على تجمع في شيء من ذلك ناقة«كِنازُُاللحم» أي مجتمعه، وكنزت التمر في وعائه: أكنزه.(3)

قال ابن منظور: الكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء، ولما يحرز فيه، وقيل: الكنز المال المدفون وجمعه كنوز، يقال: كنزت البُرّ في الجراب فاكتنز، إلى أن قال: وسمّى العرب كلّ كثير مجموع يتنافس فيه كنزاً، في الأصل: المال المدفون تحت الأرض.(4)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس ، الحديث 3.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 5 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.
3 . مقاييس اللغة:5/141.
4 . لسان العرب: 5/402.


(141)

وقال الجزري: الكنز: المال المدفون تحت الأرض.(1)

وبه فسر القاموس وقال: الكنز: المال المدفون... وكلّ شيء غمّرته في وعاء أو أرض فقد كنزته(2).

وفي مجمع البحرين: أصل الكنز المال المدفون لعاقبة ما ،ثمّ اتسع فيه، فيقال لكلّ قَيْنَة يتخذها الإنسان كنز.(3)

ترى الاختلاف بين التعبيرين الأخيرين حيث يعتبر الثاني وجود القصد في الدفن والستر لوجود كلمة: لعاقبة ما ، بخلاف الأول. وعلى كلّ تقدير يجب البحث عن عدّة نقاط:

الأُولى: هل يشترط في صدق الكنز كون الإدّخار مقصوداً للمالك، وإلاّ يكون بحكم اللقطة؟ يظهر من الماتن اشتراطه، وقال الشهيد الثاني في المسالك: يعتبر كونه مقصوداً ليتحقق الكنز، فلا عبرة باستتار المال بالأرض بسبب الضياع بل يلحق باللقطة، ويعلم ذلك بالقرائن الحالية كالوعاء.(4)

وقال في الروضة : المال المذخور تحت الأرض قصداً.(5)

ولكن الحقّ خلافه لوجوه:

أوّلاً: إنّ المتبادر من معادله في سائر اللغات هو المال المستور عن الإنسان، سواء كان ستره بقصد المالك أو بحادث سماوي أو أرضي، ولا يتوقف الإنسان في إطلاقه على المعثور عليه على إحراز قصد المالك وأنّه ستره لوقت ما.


1 . النهاية:4/202.
2 . القاموس المحيط: 2/189، مادة «الكنز».
3 . مجمع البحرين:4/32، مادة «كنز».
4 . المسالك:1/460.
5 . الروضة: 2/68.


(142)

وثانياً: إنّ لفظ الكنز أُطلق في القرآن على كلّ مستور عن الأعين من غير إيماء إلى كونه مدّخراً من جانب المالك، قال سبحانه حاكياً عن قول المشركين:«لَولا انزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَمَعَهُ ملك» .(1)

وقال أيضاً: «أَو يُلقى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُون لَهُ جَنّة يَأْكُل مِنْها» .(2)

وثالثاً: لا ثمرة في النزاع، فلو قلنا بالاشتراط في صدق:الكنز، فلا نقول به في صدق الركاز الذي أُطلق بمعنى واحد على المعدن والكنز، ولا يخطر في بال أحد، كون المعدن مدخراً، والجامع كونه راسخاً وثابتاً في الأرض، وقال الفقيه الهمداني: الإنصاف أنّ صدق اسم الكنز حقيقة على المال المستتر في الأرض بنفسه لا بفعل فاعل لا يخلو عن تأمّل، وإن كان ربّما يساعد عليه العرف في بعض موارد استعمالاتهم كقولهم : عَثَرَ فلان على كنز، فانّهم لا يلتفتون في مثل هذا الإطلاق إلى كون ذلك الشيء الذي عثر عليه ممّا كنزه الإنسان لفاقته، كما فسّر الكنز به في مجمع البحرين، أو كونه مستتراً في الأرض بنفسه، ولكن لا يبعد أن يكون هذا الإطلاق مبنياً على التوسّع وعدم الالتفات إلى جهة قيامه بالفاعل.(3)

الثانية: هل يشترط كونه واقعاً تحت الأرض أو يكفي كونه مستوراً لا يُعْثَر عليه بسهولة؟ ولأجل ذلك جعل الماتن رحمه اللّه الميزان ، الصدق العرفي، والدليل على عدم الاشتراط قوله سبحانه في حقّ قارون: «آتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما انّ مَفاتحهُ لتَنُوء بالعُصْبة أُولى القُوّة».(4)


1 . هود:12.
2 . الفرقان:7.
3 . مصباح الفقيه: 14/46.
4 . القصص:76.


(143)

وهذا يدل على أنّ كنوزه كانت في بيوت مقفلة أو صناديق كذلك، و ما عن بعض الأجلة، من عدم الصدق على المخفي في مكان معين للحفظ المؤقّت كالصندوق لا يخلو من تأمّل، إلاّ أن يكون عدم الصدق لكون الهدف الحفظ المؤقت، ويؤيد ما ذكرناه قول ابن منظور في اللسان: الكنز: اسم للمال إذا أُحرز في وعاء، ثمّ قال: وقيل: الكنز المال المدفون.

الثالثة: ما هوالكنز من حيث الجنس والنوع؟

فهل هوعبارة عن النقدين المسكوكين، أو يعم مطلق الذهب والفضة وإن لم يكونا مسكوكين، أو هو عبارة عن كلّ نفيس مدفون تحت الأرض كالجواهر والنفائس من الظروف؟ أقوال:

1. الاختصاص بالنقدين

يظهر من الشيخ في النهاية: الاختصاص بالنقدين، حيث قال: والكنوز إذا كانت دراهم أو دنانير يجب فيها الخمس فيما وجد منها إذا بلغ الحدّ الذي قدّمنا ذكره.(1)

2. الاختصاص بالذهب والفضة

ويظهر منه في المبسوط: شموله لمطلق الذهب والفضة، حيث قال: ويجب أيضاً في الكنوز التي توجد في دار الحرب، من الفضة والذهب والدراهم والدنانير.(2)


1 . النهاية: 198.
2 . المبسوط:1/236.

Website Security Test