welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(63)

المقام الأوّل: في سبي نسائهم وذراريهم من الأطفال

الظاهر من كلمات الأصحاب عدم جواز السبي، وإليك مقتطفات منها:

1. إذا أسر من أهل البغي من ليس من أهل القتال مثل: النساء والصبيان والزمنى والشيوخ الهرمى ـ لا يُحبسون وللشافعي ـ فيه قولان نص في الأُمّ على مثل ما قلناه، ومن أصحابه من قال يحبسون كالرجال الشباب المقاتلين. دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمة، وإيجاب الحبس عليهم يحتاج إلى دليل.(1)

2. وقال المحقّق في كتاب الجهاد: مسائل: الأُولى: لا يجوز سبي ذراري البغاة ولا تملّك نسائهم إجماعاً.(2) ووجهه واضح، لأنّ هذه الذراري والنساء بحكم الإسلام ، ولم يظهر أيّ عداء للإمام أو خروج عليه حتى يتغيّر حكمهم.

3. وقال في المنتهى: لا أعلم خلافاً بين أهل العلم في أنّه لا يجوز سبي ذراري الفريقين من أهل البغي، أعني: الذين لهم ويرجعون إليهم والذين لا لهم، ولا تملك نسائهم، لأنّهم مسلمون، فلا يستباح ذراريهم ونسائهم.(3)


1 . الخلاف: 5/341، كتاب الباغي، المسألة 7.
2 . الشرائع: 1/337.
3 . المنتهى: 2/988.


(64)

4. وقال في التذكرة : لا يجوز سبي ذراري الفريقين من أهل البغي، ولا تملك نسائهم بلا خلاف بين الأُمّة، وقال في أموال أهل البغي التي لم يحوها العسكر لا يخرج من ملكهم، ولا يجوز قسمته بحال.(1)

5. قال في المختلف: المشهور بين علمائنا تحريم سبي نساء البغاة وهو قول ابن أبي عقيل، ونقل عن بعض الشيعة: أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ بالخيار إن شاء منّ عليهم وإن شاء سباهم.(2)

6. وقال في الجواهر ، بعد قول المحقق:«لا يجوز تملك نسائهم إجماعاً» محصلاً ومحكياً عن التحرير وغيره بل عن المنتهى نفي الخلاف فيه بين أهل العلم وعن التذكرة بين الأُمّة، لكن في المختلف والمسالك نسبه إلى المشهور.(3)

وأمّا النصوص فبعضها يؤيّد عدم الجواز، والأكثر على الجواز، غير أنّ للإمام ـ عليه السَّلام ـ المنّ عليهم كما منّ علي ـ عليه السَّلام ـ .

يدل على الأوّل لفيف من الروايات:

1. روى مسعدة بن زياد، عن جعفر، عن أبيه ،« أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ لم يكن ينسب أحداً من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنّه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا».(4)

2. روى أبوالبختري،عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن علي ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «القتل قتلان: قتل كفارة، وقتل درجة; والقتال قتالان: قتال الفئة الباغية حتى يفيئوا، وقتال الفئة الكافرة حتى يسلموا».(5)


1 . التذكرة: 1/461.
2 . المختلف:4/453، كتاب الجهاد، في أحكام البغاة.
3 . الجواهر:21/334. لاحظ المسالك:3/93.
4 . الوسائل: ج11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو، الحديث 10و11.
5 . الوسائل: ج11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو، الحديث 10و11.


(65)

فمقتضى كونهم إخوة أو كونهم غير كفرة بل مسلمة باغية عدم التعدي على نسائهم، والغاية هي تحقّق الإطاعة، والمفروض أنّه حصل، وفي سند الروايتين مالا يخفى.

3. روي عن مروان بن الحكم قال: لما هَزَمْنا عليّ بالبصرة ردّ على الناس أموالهم، ومن أقام بيّنة أعطاه، ومن لم يقم بيّنة أحلفه، قال فقال له قائل: يا أمير المؤمنين: اقسم الفيء بيننا والسبي، قال: فلمّا أكثروا عليه، قال: أيُّكم يأخذ أُمّ المؤمنين في سهمه فكفّوا.(1)

ويظهر من بعض الروايات أنّ الحكم هو جواز السبي واستغنام الأموال، غير أنّ الإمام منّ عليهم لمّا كان يعلم من أنّ دولة الباطل ستغلب على شيعته، فلو سار فيهم بالسبي والاستغنام، لسَبَوا شيعته واستغنموا أموالهم.

منها: ما روى عبد اللّه بن سليمان، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : إنّ الناس يروون أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ قتل أهل البصرة وترك أموالهم، فقال: «إنّ دار الشرك يحلّ ما فيها وإنّ دار الإسلام لا يحلّ ما فيها فقال: إنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ إنّما منّ عليهم كما منّ رسول اللّه على أهل مكة، وإنّما ترك علي ـ عليه السَّلام ـ ،لأنّه كان يعلم أنّه سيكون له شيعة وأنّ دولة الباطل ستظهر عليهم، فأراد أن يُقتدى به في شيعته وقد رأيتم آثار ذلك، هو ذا يُسار في الناس سيرة علي، ولو قتل عليّ ـ عليه السَّلام ـ أهل البصرة جميعاً واتّخذ أموالهم لكان ذلك له حلالاً، لكنّه منّ عليهم ليمنّ على شيعته من بعده».(2)

أقول: بما أنّ الروايات من كلا الجانبين غير نقية السند، فالمرجع فعل الإمام


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 5; وهونفس ما رواه عن الصدوق لاحظ رقم 7 من ذلك الباب.
2 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 6; ولاحظ الحديث 3 من ذلك الباب.


(66)

سواء أكان ذلك هو الحكم الأوّلي أو كان من باب المنّة، وفي بعض الروايات إشارة إلى أنّ عليه العمل حتى يقوم القائم.(1)

المقام الثاني: التصرّف في أموالهم

فالمشهور بين الأصحاب في هذا المقام عدم جوازه فيما لم يحوه والجواز فيما يحويه.

1. قال الشيخ في الخلاف: ما يحويه عسكر البغاة يجوز أخذه والانتفاع به ويكون غنيمة يقسّم في المقاتلة، وما لم يحوه العسكر لا يتعرض له.(2)

2. وقال في النهاية، في باب قتال أهل البغي: يجوز للإمام أن يأخذ من أموالهم ما حوى العسكر ويقسم على المقاتلة حسب ما قدّمناه، وليس له مالم يحوه العسكر ولا له إليه سبيل على حال.(3)

3. قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: فأمّا أموالهم فلا يغنم منها إلاّ ما حواه العسكر دون ما سواه ممّا لم يحوه ولا تسبى ذراريهم.(4)

4.وقال ابن زهرة: ولا يغنم ممن أظهر الإسلام من البغاة والمحاربين إلاّما حواه العسكر من الأموال والأمتعة التي تخصهم فقط.(5)

5. وقال المحقّق: وهل يؤخذ ما حواه العسكر ممّا ينقل ويحول؟ قيل: لا، لما ذكرناه من العلّة; وقيل: نعم، عملاً بسيرة علي ـ عليه السَّلام ـ وهو الأظهر.(6)


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1و3 وغيرهما.
2 . الخلاف: 5/346، كتاب الباغي، المسألة 17.
3 . النهاية: 297.
4 . المهذب: 1/326.
5 . الغنية:203.
6 . الجواهر:21/339، قسم المتن.


(67)

6. وقال العلاّمة في المختلف: وقد نقل القول بالجواز، عن العمّاني والإسكافي وابن حمزة وثاني الشهيدين والكركي على ما حكي، وهو خيرته في الكتاب.(1)

نعم هناك قائل بالمنع:وهو المنقول عن السيد المرتضى في الناصريات.

7. قال الناصر لدين اللّه أحمد: «يُغنم ما احتوت عليه عساكر أهل البغي...»وقال السيد معلّقاً عليه: هذا غير صحيح، لأنّ أهل البغي لا تجوز غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم أموال أهل الحرب، ولا أعلم خلافاً بين الفقهاء في ذلك، ومرجع الناس كلّهم في هذا الموضع إلى ما قضى به أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في محاربي البصرة، فإنّه منع غنيمة أموالهم، فلما رُجع عليه في ذلك، قال : أيُّكم يأخذ عائشة في سهمه.

وليس يمتنع أن يخالف حكم قتال أهل البغي لقتال أهل دار الحرب في هذا الباب كما يخالف في أنّنا لا نتبع مولِّيهم وإن كان اتباع المولِّي من باقي المحاربين جائزاً، وإنّما اختلف الفقهاء في الانتفاع بدواب أهل البغي وسلاحهم في حال قيام الحرب.(2)

8. وقال الشيخ في المبسوط: إذا انقضت الحرب بين أهل العدل والبغي إمّا بالهزيمة أو بأن عادوا إلى طاعة الإمام ـ عليه السَّلام ـ وقد كانوا أخذوا الأموال وأتلفوا، وقتلوا نظرت فكل من وجد عين ماله عند غيره فهو أحقّ به، سواء كان من أهل العدل أو أهل البغي، لما رواه ابن عباس: أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: «المسلم أخو المسلم لا يحلّ دمه وماله إلاّبطيبة من نفسه»،وروى أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ لما هزم الناس يوم الجمل قالوا له: يا أمير المؤمنين ألا تأخذ أموالهم ؟ قال: «لا، لأنّهم تحرّموا بحرمة الإسلام فلا


1 . الجواهر:21/339ـ 440.
2 . الناصريات: 43 المسألة 206; ونقله العلاّمة في المختلف: 4/449 باختلاف كثير في التعبير.


(68)

يحلّ أموالهم في دار الهجرة».(1)

9. ونقل المنع عن ابن إدريس،والعلاّمة، في بعض كتبه، والشهيد في الدروس، وهذه الكلمات تعرب عن وجود قولين معروفين بين الأصحاب.

والدليل الوحيد في المقام فعل الإمام ـ عليه السَّلام ـ في أهل البصرة والقدر المتيقن، هو أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ ما أحلّ نساءهم ومالم يحوه العسكر.

وأمّا ما حواه العسكر، فالروايات فيه مختلفة:

منها: ما هو ظاهر في عدم الجواز; فعن مروان بن الحكم، أنّه قال قائل لأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : اقسم الفيء بيننا والسبي، فلمّا أكثروا عليه قال: «أيّكم يأخذ أُمّ المؤمنين في سهمه فكفّوا».(2) ورواه الصدوق مرسلاً،(3) وهو ظاهر في عدم الجواز.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استفادة حكم المال من عدم جواز السبي مشكل. لعدم دلالة عدم الجواز في الأقوى على عدمه في غيره.

وثانياً: يحتمل أنّ الإمام طرح أُمّ المؤمنين ليقنع بها أصحابه في حقّها حتى يكون مقدمة لإقناعهم في غيرها حتى يتمكّن الإمام من السير بسيرة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أهل مكّة، فلا يدلّ على أنّ الاستغنام كان حراماً.

ومنها: ما يدلّ على الجواز لكنّه منّ عليهم; كصحيحة زرارة، عن أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ قال: «لولا أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ سار في أهل حربه بالكفّ عن السبي والغنيمة للقيتْ شيعتُه من الناس بلاءً عظيماً، ثمّ قال: واللّه لسيرته كانت خيراً لكم ما طلعت عليه الشمس».(4)


1 . المبسوط: 7/266.
2 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، 7، 8.
3 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، 7، 8.
4 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5، 7، 8.


(69)

ويظهر من بعض الروايات أنّ السيرة محكّمة إلى قيام دولة القائم ـ عليه السَّلام ـ .

روى أبو بكر الحضرمي، قال: سمعت أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ يقول: «لسيرة علي ـ عليه السَّلام ـ في أهل البصرة كانت خيراً لشيعته ممّا طلعت عليه الشمس أنّه علم أنّ للقوم دولة، فلو سباهم لسُبيتْ شيعتُه» قلتُ: فأخبرني عن القائم ـ عليه السَّلام ـ يسر بسيرته؟ قال: «لا أنّ عليّاً ـ عليه السَّلام ـ سار فيهم بالمنّ لما علم من دولتهم، وأنّ القائم يسير فيهم بخلاف تلك السيرة لأنّه لا دولة لهم».(1)

ومنها: ما يدل على أنّه أمر بردّ ما أخذ، روي عن مروان بن الحكم قال: لما هزمنا علي ـ عليه السَّلام ـ بالبصرة، ردّ على الناس أموالهم، من أقام بيّنة أعطاه، ومن لم يقم بيّنة أحلفه.(2)

ومنها: ما يدل على أنّه قسّم الأموال المحوزة، وقد روى المحدّث النوري روايات في هذا الباب، نكتفي ببعضها:

فعن دعائم الإسلام، لما هزم أهل الجمل جمع كلّ ما أصابه في عسكرهم ممّا أجلبوا به عليه، فخمسه، وقسّم أربعة أخماسه على أصحابه ومضى فلمّا صار إلى البصرة قال أصحابه: يا أمير المؤمنين اقسم بيننا ذراريهم وأموالهم، قال: «ليس لكم ذلك» قالوا: وكيف أحللت لنا دماءهم ولم تحلل لنا سبي ذراريهم؟ قال: «حاربنا الرجال فقتلناهم، فأمّا النساء فلا سبيل لنا عليهن لأنّهن مسلمات وفي دار هجرة، فليس لكم عليهنّ من سبيل، وما أجلبوا به واستعانوا به على حربكم


1 . الوسائل: 11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 ولاحظ الحديث 3و6 من هذا الباب.
2 . الوسائل: ج11، الباب 25 من أبواب جهاد العدو، الحديث 5.


(70)

وضمَّه عسكرهم وحواه فهو لكم، وما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض اللّه وعلى نسائهم العدة، وليس لكم عليهنّ ولا على الذراري من سبيل».(1)

وفي هذه الرواية وما أشرنا إليه في ذيل الورقة دلالة واضحة على التفصيل المحكي عن الأصحاب من التفريق بين ما حازه العسكر وما لم يحزه، فقد أحلّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ ما كان في معسكر القوم من سلاح وكراع وكان المعسكر بعيداً من بلدة البصرة، فلمّا ورد البلد احترم أموالهم ودورهم ونساءهم وذراريهم.

وعلى ذلك فما دلّ من أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ أمر بردّ ما أخذوه، يحمل على ما إذا أخذوه من غير المعسكر ـ واللّه العالم ـ .

ولمّا كانت الروايات متعارضة، توقف المصنف عن الحكم بالجواز إلاّ إذا انطبق عليهم عنوان الناصب ، وقد عرفت أنّ مجرّد النصب لا يجوّز الأخذ إلاّ إذا أقاموا حرباً.

وبما أنّ البغي لا ينفك عن النصب غالباً فلو نصبوا حرباً، يجوز أخذ ما حواه العسكر.

وأخيراً، نقول: قال محمّد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة (المتوفّى سنة 187هـ) :لو لم يقاتل معاوية علياً ظالماً له متعدياً باغياً كنّا لا نهتدي لقتال أهل البغي.(2)

ومراده، أنّ الدليل في هذا الباب للفقيه، هو قول علي ـ عليه السَّلام ـ وفعله في الحروب الثلاثة، أعني: الجمل وصفين والنهروان.


1 . المستدرك: 11/56، الباب 23 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1; وبهذا المعنى الحديث: 2، 5، 6، 9، 15.
2 . الغدير: 10/275، طبع بيروت نقلاً عن كتاب: الجواهر المضيئة:2/26.


(71)

المسألة 3: يشترط في المغتنم أن لا يكون غصباً من مسلم أو ذمّي أو معاهد أو نحوهم ممّن هو محترم المال، وإلاّ فيجب ردّه إلى مالكه.

نعم لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه و إعطاء خمسه وإن لم يكن الحرب فعلاً مع المغصوب منهم.

و كذا إذا كان عند المقاتلين مال غيرهم من أهل الحرب بعنوان الأمانة من وديعة أو إجارة أو عارية أو نحوها. (*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ذكر: المصنف فيها فروعاً ثلاثة:

الفرع الأوّل: فيما إذا وجد في المغنم مال له حرمة، كمال المسلم والذمي والمعاهد كالعبيد والإماء وغيرهم.

فقال الشيخ بعدم ردّ الأعيان إلى أصحابها حيث قال: فأمّا العبيد فانّهم يقوّمون في سهام المقاتلة ويُعطي الإمام مواليهم أثمانهم من بيت المال، وكذلك الحكم في أمتعتهم وأثاثاتهم على السواء.(1)

وقال القاضي بدفع الأعيان إلى أصحابها ويدفع الثمن إلى من خرج المغصوب في سهمه كلّ ذلك إذا لم يظفر به قبل القسمة وإلاّ فهو أحقّ بماله بلا كلام قال: وإذا ظفر به وغنم وعرفه صاحبه كان له أخذه واسترجاعه قبل القسمة ووجب تسليمه إليه إذا ثبت له البيّنة، وإن كان بعد القسمة كان ذلك له أيضاً، لكن يدفع الإمام إلى من حصل في سهمه قيمته.(2)

وما اختاره القاضي هو الموافق للقاعدة، لأنّ المالك أحقّ بماله أين ما


1 . النهاية:295.
2 . المهذّب:1/312.


(72)

وجده، وأنّ استيلاء الجيش عليه، لا يخرجه عن ملكه، بل يكشف عن عدم كونه من المغنم رأساً، وأنّ من خرج باسمه، خرج باطلاً، غاية الأمر يعوض سهمه من المغنم نفسه.

هذا مقتضى القاعدة، وأمّا الروايات فمختلفة:

يدل على مختار القاضي صحيح هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: سأله رجل عن الترك يُغيرون على المسلمين فيأخذون أولادهم، فيُسرَقُون منهم، أيردّ عليهم؟ قال: «نعم والمسلم أخو المسلم، والمسلم أحقّ بماله أينما وجده».(1) والظاهر أنّ الضمير في «فيأخذون» يرجع إلى الغزاة الترك، وأنّ الفعل الثاني «فيسرقون منهم» مبني على المجهول والضمير يرجع إلى الأولاد، فحكم الإمام ـ عليه السَّلام ـ على السارق المسلم أن يردّ المسروق إلى صاحبه، والسؤال عن الأولاد والجواب بالأموال فيدل على حكم مورد السؤال بالأولى والرواية غير مفصّلة بين بعد القسمة وقبلها. لكن خبر «طربال» يفصّل بينهما وأنّ المقاتل الذي خرج المغصوب في سهمه يرجع إلى أمير الجيش قال: فإن لم يصبها حتّى تفرّق الناس وقسّموا جميع الغنائم فأصابها بعدُ؟ قال: يأخذها من الذي هي في يده إذا أقام البيّنة ويرجع الذي هي في يده إذا قام البيّنة على أمير الجيش بالثمن.(2)

ويدل على مختار الشيخ مرسلة هشام بن سالم من حديث: «وأمّا المماليك فانّهم يقامون(3) في سهام المسلمين فيباعون وتعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين»(4) والرواية مخالفة للقواعد أوّلاً وضعيفة للإرسال.

ويظهر من بعض الروايات أنّ صاحب المال أحقّ بماله بشرط دفع ثمنه،


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 3و 5.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث 3و 5.
3 . كذا في الوسائل: ولعلّ الصحيح«يقومون» كما يخبر به الشيخ في النهاية.
4 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه ، الحديث 1.


(73)

المسألة 4: لا يعتبر في وجوب الخمس في الغنائم بلوغ النصاب عشرين ديناراً فيجب إخراج خمسه قليلاً كان أو كثيراً على الأصحّ.(*)

المسألة 5: السلب من الغنيمة فيجب إخراج خمسه على السالب. (**)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ففي مرسل جميل: «وإن وقع عليه قبل القسمة فهو له، وإن جرى عليه القسم فهو أحقّ به بالثمن»(1) وصحيح الحلبي«وإن كانوا أصابوه بعدما حازوه (لعلّ المراد قسّموه) فهو فيء المسلمين فهو أحقّ بالشفعة».(2) والأُولى ضعيفة لإرسالها ، والثانية غير واضحة الدلالة، فالعمل على مقتضى القواعد المؤيدة بصحيح هشام، هو المتعيّن.

الفرع الثاني: لو كان مغصوباً من غيرهم من أهل الحرب لا بأس بأخذه، لعدم احترام ماله مادام كونهم محاربين.

الفرع الثالث: ما كان عند المحاربين من أموال أهل الحرب بعنوان الأمانة، يجوز اغتنامه، لعدم احترام أموالهم.

(*) لعدم الدليل على التقييد.

(**) السلب ما يأخذ القاتل من المقتول من اللباس والنقد والسلاح وغيرها، وهنا مسائل ثلاث كان على الماتن الإشارة إليها:

الأُولى: إنّ تعلّق السلب بالسالب هل حكم شرعي فهو له، سواء جعل الإمام أو لا، أو أنّه من الجعائل وإنّما يكون له إذا جعله الإمام له، كسائر الجعائل؟

الثانية: على القول بأنّه من الجعائل فهل يُحْتسب عليه من الإمام أو لا؟


1 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه ، الحديث 4و2.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 35 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه ، الحديث 4و2.


(74)

الثالثة: ما ذكره الماتن، فهل يجب على السالب إخراج خمسه من باب الغنيمة بالمعنى الأخص، أو لا بل هو من الغنيمة بالمعنى الأعم وإنّما يخمس بعد إخراج مؤنة السنة.

أمّا المسألة الأُولى: فليس في المقام إلاّ مرويات تحكي فعل النبي وأحياناً قوله لكنّهما مجملان مثلاً أنّ قوله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» كما يمكن أن يكون وارداً لبيان الحكم الشرعي وقد ألقاه بصورة القضية الحقيقية، يمكن أن يكون قضية خارجية وحكماً حكومياً مختصاً بمورده، وكلا الاحتمالين على السواء والقدر المتيقن هو كونه بجعل الإمام كما أفاده الشيخ في الخلاف قال: السلب لا يستحقه القاتل إلاّ أن يشرط الإمام .وبه قال أبو حنيفة ومالك. وقال الشافعي: هو للقاتل وإن لم يشرط له الإمام. وبه قال الأوزاعي والثوري وأحمد بن حنبل. دليلنا : أنّه إذا شرط استحقّه بلا خلاف، وإذا لم يشرط له ليس على استحقاقه له دليل.(1)

وإليك ما روي في غضون كتب الحديث والسيرة من قوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حول السلب:

1. روى البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع قال: أتى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «عين» من المشركين، وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدّث، ثمّ انفتل. فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : اطلبوه فاقتلوه، فقتلتُه فنفّلني سلبَه.

2. روى أبو داود عن عوف بن مالك و خالد بن وليد: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب.(2)

والظاهر تكرره لأنّ الأُولى راجعة إلى «خيبر» والثانية راجعة إلى «حنين» بقرينة «الرجلين» عوف بن مالك و خالد بن وليد ،فإنّ الأوّل كان قائد المشركين في غزوة حنين ثمّ أسلم، وقد شارك خالد بن وليد في غزوة مؤتة ورجع مهزوماً وفي


1 . الخلاف: 4/185،، كتاب الفيء، المسألة8، لاحظ المبسوط:2/66.
2 . لاحظ جامع الأُصول:3/292، كتاب الجهاد برقم 1186; والأموال:319 باب نفل السلب.


(75)

فتح مكّة ولم يكن هناك أيّ قتال و«غزوة حنين» التي كانت حرباً طاحنةً بين المسلمين والمشركين.

3.عن أبي قتادة: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال ـ يوم حنين بعدما وضعت الحرب أوزارها ـ: «من قتل قتيلاً له به بيّنة فله سلبه»; و عن أنس قال: لقد استلب أبو طلحة يوم حنين وحده عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم.(1)

وقد عقد أبو عبيد في «الأموال» باباً «لنفل السلب وهو الذي لا خمس فيه»، أورد فيه عدة من الروايات والأقوال للصحابة ، فلاحظ.(2)

نعم كانت السيرة في الجاهلية أنّ السلب للقاتل، ولمّا قتل الإمام أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ ، بطلَ الشرك «عمرو بن عبدود» ولم يسلُبه، قال له عمر بن الخطاب: «هلا استلبْتَه درعَه فانّه ليس من العرب درع مثلها...».

ولما وقفت أُخت عمرو على مقتله سألت عمّن قتله؟ فأخبروها بأنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ هو الذي قتله، قالت: كانت منيّته على يد كفو كريم من قومه ما سمعت بأفخر من هذا يا بني عامر.

وقال الإمام في ضمن أبيات له يحكي عن الواقعة:

وعففت عن أثوابه ولو أنّني * كنــتُ المقطَّرَ بزَّني أثـــوابي(3)

وظاهر الشعر أنّ الإمام كان له السلب ولكن تركه.

ومع ذلك فالاعتماد عليه مشكل، والقدر المتيقن هو ما ذكرنا.

المسألة الثانية: إذا كان السلب من الجعائل، فهل يحاسب على الإمام أو لا؟


1 . أبو عبيد: الأموال: 306ـ 311، ط دارالكتب العلميّة.
2 . أبو عبيد: الأموال: 306ـ 311، ط دارالكتب العلميّة.
3 . المستدرك على الصحيحين: 3/32; السيرة النبوية لابن هشام: 3/225; والسيرة الحلبية: 2/643.


(76)

قال الشيخ في الخلاف: إذا شرط له الإمام السلَب لا يحتسب عليه من الخمس، ولا يخمس، وعند أبي حنيفة يحتسب عليه من الخمس.

ثمّ استدل عليه بقوله: دليلنا: أنّه ينبغي أن يكون لشرط الإمام تأثير، ولو احتسب عليه من الخمس لم يكن فيه فائدة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ فائدة كلامه هو تعيّن السلب في سهام الخمس، ولولاه يمكن أن يقع في سهام المقاتلين، والأولى أن يستدل بما مرّ في الجعائل، ففي صحيح زرارة قال: الإمام يجري وينفِّل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، وقد قاتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوم لم يجعل لهم في الفيءنصيباً، وإن شاء قسّم ذلك بينهم.(2)

المسألة الثالثة: هل يجب على السالب، تخميس السلب أو لا؟ قال الشيخ في الخلاف: ولا يخمس ـ إلى أن قال: ـ وقال الشافعي: لا يخمّس، وبه قال سعد بن أبي وقاص، وقال ابن عباس : يخمس السلب قليلاً كان أو كثيراً، وقال عمر: إن كان قليلاً لا يخمّس وإن كان كثيراً يخمس، واستدل الشيخ على عدم تخميسه بأنّ ظاهر شرط الإمام يقتضي أنّه له، ومن قال إنّه يُخمَّس فعليه الدلالة.(3)

وما أشار إليه هو الدليل الواضح، وهو أنّ ظاهر الجعل أنّ السلب كلّه له، لا أربعة أخماسه، وتظهر الثمرة في إخراج مؤنة السنة وعدمه، فعلى القول بأنّه من الغنيمة بالمعنى الأخص يخمّس قبل لحاظ مؤنة السنة، بخلاف ما إذا قلنا إنّه من الأرباح والفوائد.

والظاهر انتفاء الثمرة لما قلنا من انصراف ما دلّ على أنّ الخمس بعد المؤنة


1 . الخلاف: 4/186، كتاب الفيء، المسألة 9.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2و4.
3 . الخلاف: 4/186، كتاب الفي، المسألة 9، بتلخيص.


(77)

الثاني: المعادن من الذهب والفضّة و الرصاص والصفر والحديد والياقوت والزبرجد والفيروزج والعقيق و الزيبق والكبريت والنفط والقير والسبخ و الزاج و الزرنيخ وا لكحل و الملح، بل والجصّ والنورة و طين الغسل و حجر الرحى و المغرة ـ وهي الطين الأحمر ـ على الأحوط، و إن كان الأقوى عدم الخمس فيها من حيث المعدنيّة، بل هي داخلة في أرباح المكاسب فيعتبر فيها الزيادة عن مؤنة السنة، والمدار على صدق كونه معدناً عرفاً، وإذا شكّ في الصدق لم يلحقه حكمها فلا يجب خمسه من هذه الحيثيّة، بل يدخل في أرباح المكاسب، ويجب خمسه إذا زادت عن مؤنة السنة من غير اعتبار بلوغ النصاب فيه. (*)

ـــــــــــــــــــــــــ

إلى أرباح المكاسب، لا مثل الجعائل، فالظاهر تعلق الخمس به كما في المتن.

وإذا كان السلب يُملّك بإذن الإمام فلا فرق بين أن يكون السالب قاتلاً، أو لا، ولعلّ تعبير الماتن بالسالب مكان القاتل مبنيّ على ما ذكرناه.

(*) يقع الكلام في أُمور:

1. الركاز وما يراد منه

قد ورد التعبيرعنه تارة بالركاز، وأُخرى بالمعدن، أمّا الأوّل فقد روى الشيخ في التهذيب بسند صحيح عن أبي جعفر، قال: سألته عن المعادن ما فيها؟ فقال: «كلّ ما كان ركازاً ففيه الخمس. وقال: ما عالجته بمالك، ففيه ما أخرج اللّه سبحانه منه من حجارته مصفى، الخمس».(1)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3.


(78)

وقد ورد نفس اللفظ عن طرق أهل السنّة، غير أنّهم اختلفوا في معناه، فهل هو أعمّ من المعدن والمال المدفون كما عليه العراقيون، أو خصوص الكنز كما عليه الحجازيون؟ و الأوّل هو الحقّ، روى أبو هريرة ، قال: قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس».(1) وقد جاء المعدن في مقابل الركاز فخص الخمس بالركاز وهو الكنز.

أقول: يمكن أن يراد من الركاز المعنى الأعم، وبما أنّ الخمس في مطلق الركاز لا في خصوص المعدن عدل عنه إلى الركاز.

ويؤيده ما روي من أنّ المزني، سأل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن اللقطة توجد في الطريق العامر، أو قال: الميْتاء؟ فقال: «عرّفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلاّفهي لك»، قال: يا رسول اللّه فما يوجد من الخرب العاديّ؟ قال: «فيه وفي الركاز الخمس».(2)

والمراد من «الخرب العادي» الخرابات المنسوبة إلى عاد القبيلة المعروفة التي أُرسل إليها هود ـ عليه السَّلام ـ .

فقد استدل أبو عبيد، بهذه الرواية على أنّ الركاز استعمل في مقابل المال المدفون، فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فيه وفي الركاز الخمس» فيكون بمعنى المعدن ولم يرتض محقّق الكتاب ذاك التفسير من أبي عبيد ورماه بالتكلّف في فهم الحديث، وقال: كلّ من


1 . الأموال: 332، والعجماء الدابة المتروكة و«جبار» هدر، و المراد لا ضمان على صاحب الدابة إذا ضرب الآخر، كما لا ضمان على من يحفر المعدن في ملكه أو موات فيسقط فيه أحد المارة فيموت فلا ضمان عليه.
2 . الأموال: 332; والميتاء، الطريق المسلوكة وقد وردت هذه اللفظة في أحاديث العترة ـ عليهم السَّلام ـ ، فلاحظ الباب 3 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 3، فقد استعمل الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ في المعادن وهو مدنيّ.


(79)

الركاز والمال المدفون غير المعدن، فالركاز هو المال القديم الذي تكون سكّته من ضرب الجاهلية، والمال المدفون (فما يوجد في الخرب العادي) هو النقود التي يُخبئها أصحابها في الخربات وتكون سكّتها مضروبة في الإسلام، فجعل حكمها حكم الركاز في وجوب الخمس، لأنّ كلاًّ منهما حصل بلا نفقة ولا عمل.

وقد خفي على المحقّق بأنّه لم يكن وقت صدور الحديث أيّ سكّة إسلامية وعندئذ كيف يمكن تفسير «الخرب العادي» بما يخبأ من النقود الإسلامية فيه؟

ولقد أحسن أبو عبيد، وقال: فقد تبيّن لنا أنّ الركاز سوى المال المدفون لقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «وفيه وفي الركاز» فجعل الركاز غير المال ،فعلم بهذا أنّه المعدن، وقد روي عن علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ أنّه جعل المعدن ركازاً في حديث يروى عنه مفسّراً.

وقد روى أبو عبيد، عن الحرث بن أبي الحرث الأزدي، أنّ أباه كان من أعلم الناس بالمعدن، وأنّه أتى على رجل قد استخرج معدناً فاشتراه منه بمائة شاة مُتْبِع، فأتى أُمّه، فأخبرها ، فقالت: يا بنيّ إنّ المائة ثلاثمائة، أُمهاتها مائة، وأولادها مائة، وكفاتها مائة، فارجع إلى صاحبك فاستقله، فرجع إليه، فقال: ضع عنّي خمس عشرة فأبى ذلك. قال فأخذه، فأذابه فاستخرج منه ثمن ألف شاة، فقال له البائع: رُدّعليّ البيع. فقال: لا أفعل، فقال: لآتينّ علياً فلأثينّ(1) عليك، فأتى عليّاً ـ يعني علي بن أبي طالب ـ فقال: إنّ أبا الحارث أصاب معدناً، فأتاه علي فقال: «أين الركاز الذي أصبت؟» فقال: ما أصبت ركازاً إنّما أصابه هذا فاشتريته منه بمائة شاة متّبع، فقال له علي:«ماأرى الخمس إلاّ عليك»، قال: فخمس المائة شاة.

قال أبو عبيد: أفلا ترى أنّ علياً ـ عليه السَّلام ـ قد سمّى المعدن ركازاً، وحكم عليه


1 . يقال: أثيت بالرجل إلى السلطان والمراد أسعى.


(80)

بحكمه، وأخذ منه الخمس. ونقل عن ابن شهاب أنّه سئل عن الركاز والمعادن، فقال: يخرج من ذلك كلّه الخمس.(1)

وعلى كلّ تقدير، فقد نقل أبو عبيد اختلاف العراقيين مع الحجازيين في معنى الركاز، وأنّ أهل العراق يقولون بأنّه الأعم بخلاف الحجازيين فهو المال المدفون خاصة عندهم، ونصر أبو عبيد مذهب العراقيين ونقد مذهب الحجازيين وفي مقدمهم، مالك، حيث كان يقول: المعدن بمنزلة الزرع يؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حين يحصد، وقال: هذا ليس بركاز، إنّما الركاز دفن الجاهلية الذي يوجد من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كبير عمل، وهذا رأي مالك وأهل المدينة، وأمّا الآخرون فيرون المعدن ركازاً ويجعلون فيه الخمس بمنزلة المغنم.(2)

وعلى قول العراقيين يصرف الخمس فيما يصرف فيه خمس المغنم بخلاف ما إذا ألحقناه بباب الزكاة، فإنّ مصرف الزكاة ومقدار ما يخرج منها يخالف الخمس كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الرواية على تفسيرها بالمعدن دليل على وجوب الخمس فيه، وهو مذهب الشيعة.

وأمّا أهل السنة فلم يقل أحد بالخمس في المعدن إلاّ أباحنيفة على التفصيل الذي نقله الشيخ عنه في الخلاف(3)، والشافعي في أحد أقواله على ما نقله العلاّمة في التذكرة.(4)

هذا كلّه حول الركاز، وإليك الكلام في العنوان الآخر ، أعني المعدن:


1 . الأموال: 335ـ 336، 334.
2 . الأموال: 335ـ 336، 334.
3 . الخلاف: 2/116، كتاب الزكاة، المسألة 138، سيوافيك نصه.
4 . التذكرة:5/411.


(81)

2. المعدِن وما يراد منه

1. قال في اللسان: المعدن من عدن بالمكان، أقام فيه; وعدنتُ البلد، توطنتُّه; ومركز كلّ شيء معدنه; واسم «عدنان» من «العدن»، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه، وإنّما سمّي المعدن معدناً، إمّا لأنّه المكان الذي يثبت فيه الناس لأنّ أهله يقيمون فيه ولا يتحولون عنه شتاءً ولا صيفاً، وإمّا لإنبات اللّه فيه جوهراً وإثباته إيّاه في الأرض حتى عدن أي ثبت فيها.(1)

2. وقال أحمد بن فارس في المقاييس: «عدن» العين والدال والنون أصل صحيح يدل على الإقامة. وقال الخليل: العدن، إقامة الإبل في الحَمض خاصة، تقول: عدنتْ الإبل، تعدِن، عدناً، والأصل الذي ذكره الخليل هو أصل الباب، ثمّ قيس به كلّ مقام، فقيل: جنّة عدن، أي إقامة، ومن الباب المعدن معدن الجواهر، و يقيسون على ذلك فيقولون: هو معدن الخير والكرم.(2)

3. وقال الفيروز آبادي في القاموس، بعد الإشارة إلى أنّه في الأصل من الإقامة :والمعدن كمجلِس: منبت الجواهر من ذهب ونحوه لإقامة أهله فيه دائماً أو لإنبات اللّه عزّ وجلّ إيّاه فيه، ومكان كلّ شيء فيه أصله.(3)

والظاهر من كلماتهم أنّ المعدن كلّ ماله أصل في الأرض، سواء كان من الفلزّات أم من غيره سواء كانت في أعماق الأرض أم في ظاهرها، كما أنّ الظاهر أنّه اسم للمحلّ، ولكن الظاهر من الروايات أنّه اسم للحالّ أيضاً، وكأنّه من باب تسمية الحال باسم المحل ثمّ صار حقيقة.


1 . اللسان:13/279.
2 . معجم مقاييس اللغة:4/248، مادة «عدن».
3 . القاموس المحيط: 4/246 ـ 247، مادة «عدن».


(82)

ولكن الكلام في أنّ المراد منه ماهو؟ هل هو مركز كلّ شيء، أو شيء خاص؟ وعلى الثاني، فهل المراد خصوص الذهب والفضة، أو بإضافة مطلق الفلزات التي تقبل الانطباع والصّياغة بالحرارة، أو مطلق ما خرج عن اسم الأرض وتبدّل منها إلى صورة نوعيه خاصة كما في القير والنفط والزيبق، أو مطلق ما اشتمل على خصوصية يعظم الانتفاع بها وإن لم يخرج عن حقيقة الأرض كما في الأحجار الكريمة؟

ولا يظهر من اللغويين تحديد واضح، واللازم الرجوع إلى كلمات الأصحاب وأحاديث الباب حتى تظهر سعة الموضوع وضيقه.

كلمات الأصحاب

1. قال المحقّق: المعادن سواء كانت منطبعة كالذهب والفضة والرصاص، أو غير منطبعة كالياقوت والزبرجد والكحل، أو مائعية كالقير والنفط والكبريت.(1)

2. قال العلاّمة في المنتهى: يجب الخمس في كلّ ما يطلق عليه اسم المعدن، سواء كان منطبعاً بانفراده كالرصاص والنحاس والحديد أو مع غيره كالزيبق، أو غير منطبع كالياقوت والفيروزج والعقيق، أو مائعية كالقير والنفط والكبريت.(2)

3. وقال في التذكرة: المعادن، وهي: كلّ ما خرج من الأرض ممّا يخلق فيها من غيرها ممّا له قيمة سواء كان منطبعاً بانفراده كالرصاص والصفر والنحاس والحديد، أو مع غيره كالزيبق، أو لم يكن منطبعاً كالياقوت والفيروزج والبلخش والعقيق و البلور والسَّبَج والكحل والزاج والزرنيخ والمغرة والملح، أو كان مائعاً


1 . الشرائع:1/179.
2 . المنتهى:1/545.


(83)

كالقير والنفط والكبريت.(1)

ولولا التمثيل بالأحجار الكريمة، لكان المعدن عندهم عبارة عن كلّ ما خرج عن حقيقته الأرضية، ويتخذ المحلُ صورة نوعية خاصة غير أنّ التمثيل بها يصدّنا عن النسبة، لأنّ الأحجار من جنس الأرض ومسمّاها لكنّها من أعلاها تبذل بإزائها الأموال.

4. وقال في الدروس:المعادن على اختلاف أنواعها حتى المغرّة والجص، والنورة، وطين الغسل، والعلاج وحجارة الرحى والملح والكبريت.(2)

5. وقال الشهيد الأوّل في البيان: المعادن واشتقاقها من عدن إذا قام لإقامتها في الأرض، سواء كانت منطبعة كالنقدين والحديد والصفر والرصاص، أم غير منطبعة كالياقوت والعقيق،والبلخش والفيروزج، أم سائلة كالقار والنفط والكبريت والملح وألحق به حجارة الرحى وكلّ أرض فيها خصوصية تعظم الانتفاع بها كالنورة والمغرة والجصّ.(3)

أقول: لا شكّ أنّ تخصيص المعدن بالفلزات فضلاً عن تخصيصه بالذهب والفضة لا دليل عليه بعد تفسير المعدن بكلّ ما ثبت وركز في الأرض، فيشمل كلّ ما خرج بإشراق الشمس ونزول الأمطار عن حقيقته الأرضية كالملح والنفط سواء كان مائعاً أو لم يكن مائعاً.

إنّما الكلام في شموله: لكلّ ما يعظم الانتفاع به وإن كان يعدّ أرضاً سواء قبل عملية الإحراق كالجص أو لا كأحجار الرحى والرخام المستعملة في الأبنية فإن صدق المعدن عندنا وأحرزت وحدة المفهوم في زماننا وعصر صدور الروايات، وإلاّ فالمتّبع النصوص، وإن شك فيرجع إلى مقتضى القواعد، وسيوافيك مقتضاها. وإليك النصوص البيانية.


1 . التذكرة:5/409.
2 . الدروس: 1/260.
3 . البيان: 214.

Website Security Test