welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(31)

الاستدلال على خروج الأراضي من موارد الخمس

هذا ما يمكن الاستدلال به للقول المشهور، مضافاً إلى الإجماع المدّعى في كلام المدارك، وحاله معلوم، وقد عرفت عدم تمامية دلالته.

بقي الكلام فيما يمكن به الاستدلال على القول الآخر، أي خروج الأرض عن تعلّق الخمس بها، فقد استدل له بوجوه غير تامّة نشير إليها:

1. صحيحة الربعي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتاه المغنم، أخذ صفوه وكان ذلك له، ثمّ يقسّم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه».(1)


1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.


(32)

وجه الدلالة ظهورها في أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يأخذ الخمس ممّا يقسم بين الناس، والأرض ليست ممّا تقسم.

وبعبارة أُخرى: ما دلّ من الأخبار على قسمة الغنائم أخماساً، ويشعر بأنّ مورد الخمس متصوّر على ما فيه هذه الأقسام والأراضي لا تقسم على الغانمين بل هي ملك لجميع المسلمين إلى يوم القيامة.

يلاحظ عليه: أنّ الموضوع في الرواية مضيّق لا ينطبق إلاّ على المنقول وهو «إذا أتاه المغنم» فلا يكون دليلاً على عدم تعلّقه بغيره.

2. مرسلة حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي الحسن ـ عليه السَّلام ـ قال: «يؤخذ الخمس من الغنائم، فيجعل لمن جعله اللّه له ويقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولى ذلك ـ إلى أن قال : ـ والأرضون التي أخذت عنوة بخيل أو ركاب فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمّرها ويحييها».(1)

وجه الدلالة: أنّه بعدما بيّن أوّلاً حكم الغنائم ولزوم أخذ الخمس منها توجّه إلى بيان الأرضين وجعلها مقابلة للغنائم، فإنّ المتبادر أنّه استثناء من تعلّق الخمس عليها وأنّها خارجة عنه.

واحتمال أنّ قوله: «والأرضون بمنزلة الاستثناء عن الحكم بتقسيم أربعة أخماس لا بمنزلة الاستثناء عن أصل تعلّق الخمس بالغنائم، ويكون قوله في الذيل: «ليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير» بمعنى أنّه ليس من ذلك الخراج الذي يكون لأربعة (كذا) أخماس الباقي للإمام شيء(2) بعيد إلى الغاية، وذلك لأنّه لو كان المراد منه ما ذكره فقد تقدّم التصريح به قبل هذه الفقرة وقال: «وليس لمن قاتل شيء من الأرضين ولا ما غلبوا عليه إلاّ ما احتوى عليه العسكر» ومع هذا التصريح لا حاجة إلى الاستثناء الجديد.

بل الظاهر أنّه استثناء من أصل تعلّق الخمس عليه لا للمقاتلين، كما صرّح


1 . الوسائل: 11، الباب 41 من أبواب جهاد العدو، الحديث 2.
2 . كتاب الخمس للحائري قدَّس سرَّه : 25.


(33)

به قبله، ولا لنفس الإمام كما قال: «وليس لنفسه من ذلك قليل ولا كثير» وأبعد منه تفسيره للذيل لأنّه إيضاح للواضح.

قال المحدّث البحراني: إنّ الأخبار الواردة في الأراضي ونحوها بالنسبة إلى المفتوح عنوة إنّما دلّت على أنّها فيء للمسلمين من وجد ومن سيوجد إلى يوم القيامة، وأنّ أمرها إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقبلها أو يعمّرها ويصرف حاصلها في مصالح المسلمين ـ إلى أن قال: ـ ويؤيد ما قلناه الأخبار الواردة في حكم الأرض المفتوحة عنوة ومنها خيبر، وعدم التعرض فيها لذكر الخمس بالكلية مع ذكر الزكاة فيها ولو كان ثابتاً فيها لكانت أولى بالذكر لتعلّقه برقبة الأرض.(1)

3. ملاحظة الأخبار الخراجية فلا تجد فيها أثراً للخمس، ولو كان من ارتفاع الأرض، بل الوارد فيها أمران: قبالة الأرض، وإجارتها للسلطان، والعشر ونصف العشر من باب الزكاة، فلاحظ كتاب الجهاد، الباب 72، من أبواب جهاد العدو الذي عنوانه «باب أحكام الأرضين»، وقد ورد في رواية صفوان وأحمد بن محمد بن أبي نصر: وعلى المتقبلين سوى قبالة الأرض، العشر ونصف العشر في حصصهم.(2)

وفي صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر: «وما أخذ بالسيف فذلك إلى الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقبله بالذي يرى كما صنع رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بخيبر قبل أرضها ونخلها».(3)

و من هذا الباب ما ورد في أرض السواد، من أنّها للمسلمين جميعاً.(4)

4. إنّ الأراضي المفتوحة عنوة، ضريبة إسلامية تحت سلطة الإمام، يصرف


1 . الحدائق: 12/325.
2 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب أحكام الأرضين، الحديث 1و2.
3 . الوسائل: 11، الباب 72 من أبواب أحكام الأرضين، الحديث 1و2.
4 . الوسائل:ج12، الباب 21 من أبواب عقدالبيع، الحديث 4 و5; وج17 الباب 18 من أبواب إحياء الموات ، الحديث 1. مضافاً إلى أنّ الظاهر أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ يقبله نيابة عن المسلمين لا نيابة وأصالة بالنسبة إلى الخمس كما لا يخفى.


(34)

عوائدها في مصالح المسلمين، و الخمس يتعلّق بما في يد غير الإمام، وأمّا ما هو في يده واختياره كالأراضي فتعلّق الخمس به بعيد جدّاً، وهذا نظير الموقوفات العامّة التي تصرف عوائدها في مصالح المسلمين، فلا تتعلّق به الضريبة من الخمس والزكاة.

فلم يبق في المقام ما يدلّ على تعلّق الخمس بالأراضي، إلاّ أحاديث تحليل الخمس للشيعة لتطيب مواليدهم، فيحتمل أن يكون المقصود مثل هذه الأراضي ففيها إشعار تعلّق الخمس بالأراضي المفتوحة عنوة، لكنّها ليست صريحة في الأراضي، فلاحظ دراسة هذه الروايات بدقّة.

إكمال

قد عرفت أنّ ما دلّ على حكم الأرضين من أنّها للمسلمين بالنسبة إلى الآية على فرض دلالتها بإطلاقها على تعلّق الخمس بالأراضي هو الخصوص المطلق أو من وجه، ولكن صريح المحقّق الهمداني أنّ كون الآية أخص حيث قال: وأمّا ما دلّ على أنّ الأراضي المفتوحة عنوة ملك للمسلمين فهي غير آبية عن التقييد بالآية الشريفة وغيرها(1) ، وضعفه واضح.

ثمرة البحث

تظهر الثمرة فيما إذا باع رجل شيئاً من الأراضي المأخوذة عنوة، فعلى القول الأوّل يكون الكل للمسلمين ولا يتعلّق به الخمس، ويكون البيع باطلاً، ولا تجري أصالة الصحة لعدم وجه للصحة أبداً، وهذا بخلاف ما إذا قلنا بتعلّق الخمس بها فمن المحتمل أن يكون البيع من سهم الإمام ـ عليه السَّلام ـ وصل إلى البائع عن توارث.

نعم على القول بأنّه يجوز للإمام عند الضرورة ، بيع الأراضي المفتوحة عنوة ، تنتفي الثمرة.


1 . مصباح الفقيه: 11، كتاب الخمس.


(35)

بعد إخراج المؤن الّتي أنفقت على الغنيمة بعد تحصيلها بحفظ و حمل و رعي ونحوها منها، وبعد إخراج ما جعله الإمام ـ عليه السَّلام ـ من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، وبعد استثناء صفايا الغنيمة كالجارية الورقة، والمركب الفاره. والسيف القاطع والدرع فإنّها للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، و كذا قطائع الملوك فإنّها أيضاً له ـ عليه السَّلام ـ .(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) إنّما يتعلّق الخمس بعد استثناء أُمور:

1. المؤن.

2. الجعائل.

3. صفايا الغنائم

4. صوافي الملوك

5. قطائعهم

6. الرضائخ للنساء والعبيد وغيرهم ممّن لا حقّ لهم في الغنيمة.

7. النفل، وهو العطاء للغانمين.

ولم يذكر المصنّف شيئاً من الأخيرين ولأجله تركنا ذكرهما.

وإليك توضيحها:

1. إخراج المؤن

المراد تقسيط المؤنة على مستحق الخمس والمقاتلين حسب النسبة، لأنّ تحميلها على واحد منهما على خلاف قاعدة العدل والانصاف، وهي محكّمة في كلّ مال مشترك بين شخصين أو أشخاص، إذا توقف حفظها أو نقلها على مؤنة، فتقسّط المؤنة على الجميع.


(36)

ثمّ المؤن المبذولة على الغنيمة على قسمين، قسم تنفق لأجل تحصيلها، وقسم تنفق لأجل حفظها بعد تحصيلها، وخصّ المصنف الخارج بالقسم الثاني، دون الأوّل، وعلى ذلك فالمؤن التي تنفق في طريق التسلّط على الغنائم وتحصيلها لا تخرج من الغنيمة، بخلاف ما تنفق لأجل التحفظ عليها أو نقلها من مكان غير مأمون إلى مكان مأمون أو سقي الدواب ورعيها إذا كانت من الغنائم.

وهذا بخلاف الموارد الأُخر، ففي المعدن إنّما يتعلّق الخمس إذا كان ما أخرجه عشرين ديناراً بعد استثناء مؤنة الإخراج والتصفية ونحوهما، ومثله المال في الكنز والغوص، إنّما يعتبر النصاب بعد إخراج مؤنة الإخراج.

ولكن الظاهر عدم الفرق بين ما ينفق قبل تحصيلها، وما ينفق بعده، فإنّ المؤن المبذولة على الغنائم بالمعنى الأخص قبل تحصيلها، نوعان، نوع لا يعدّ مؤنة للغنائم كالنفقات التي يتوقف عليها أصل الجهاد والهجوم على العدو، وهذا ما لا يحتسب من مؤنة الغنائم الحربية. ونوع يعدّ من مؤنة نفس الغنائم، كما إذا استلزم التسلّط على الغنائم بعد هزيمة العدو واستلامه، بذل مؤنة لجمعها من جبهات الحرب والصحاري ثمّ حملها إلى مركز الغنائم حتى يتسلط عليها الحاكم الإسلامي والموكّلون من جانبه عليها.

ومثل ذلك لا يعدّ من المؤن اللاحقة بل من المؤن السابقة على تحصيلها، بمعنى التسلط الكامل عليها، وعلى ذلك فلا فرق بين الغنيمة بالمعنى الأخصّ والغنيمة بالمعنى الأعم، فإنّ المؤن السابقة يخرج منها بشرط أن تكون المؤنة مبذولة في طريق التسلط على الغنائم لا مؤنة على أمر آخر كحمل المقاتلين إلى جبهات القتال ممّا لا يعدّ مؤنة للغنائم.

إنّما الكلام فيما هو الدليل على استثناء المؤن، فيمكن الاستدلال عليه:

أوّلاً: بعدم صدق الاغتنام إذا تساوت المؤنة مع الغنيمة أو علت عليها، فلا


(37)

ينطبق عليه قوله: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَإِنَّ للّهِ خُمسهُ» .(1)

وثانياً: ما تضافر عنهم ـ عليهم السَّلام ـ من أنّ الخمس بعد المؤنة(2) وهي و إن كانت منصرفة إلى الخمس في الأرباح والفوائد دون الغنائم مع وجود الضعف في سند بعضها(3) ، لكن يمكن الاستيناس بها على حكم المورد، لو لم يمكن إلغاء الخصوصية.

نعم لا تشمل الروايات لما ينفق بعد التسلّط الكامل إذا كان بقاء الغنيمة متوقفاً عليها، ففي مثله يرجع إلى قاعدة العدل والإنصاف فيشترك في تأديتها أصحاب السهام حسب نسبتها.

ثمّ إنّه لو قلنا بتعلّق الخمس على المال بنحو الإشاعة، أو بنحو الكلي في المعيّن فالقول ببسط المؤن على الخمس وسهم المقاتلين واضح، لأنّ المؤنة مؤنة للعين وهي متعلّقة للطرفين بنحو من الأنحاء.

وأمّا لو قلنا بأنّ تعلّقه على العين بنحو تعلّق الحقّ على العين كتعلّق حقّ الراهن على العين المرهونة أو ما يضاهيه ـ كما سيوافيك تفصيله في محلّه ـ فربّما يستشكل بأنّ المؤن على العين لا على الحق، ولكنّه ضعيف لأنّ العين لمّا كانت متعلّق الحقّ فحفظها حفظ الحقّ ومؤنتها مؤنته، فلو هلكت العين لهلك الحقّ أيضاً، ولعلّ هذا الجواب يتمشّى مع تمام الاحتمالات إذا قلنا بأنّ تعلّقه بالعين أشبه بتعلّق الحقّ على العين، وسيوافيك تفصيله.


1 . الأنفال:41.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، والباب 8 من تلك الأبواب الحديث 1ـ4.
3 . الرواية الثالثة في الباب 12 من أبواب قسمة الخمس، لا الثانية. أعني: ما رواه إبراهيم بن محمد الهمداني، فانّه كان وكيل الرضا ـ عليه السَّلام ـ . رجال الكشي: 467، فما عن بعضهم من عدم وضوح السند كأنّه ليس في محلّه.


(38)

2. الجعائل

وأمّا الثاني: أعني إخراج ما جعله الإمام ـ عليه السَّلام ـ من الغنيمة على فعل مصلحة من المصالح، فهو ما يعبّر عنه بالجعائل، قال الشيخ في المبسوط: يجوز للإمام ـ عليه السَّلام ـ وخليفته إذا دخل دار الحرب أن يجعل الجعائل على ما فيه مصلحة المسلمين، فيقول: من دلّنا على قلعة كذا فله كذا، وكذلك على طريق غامض فله كذا، وما أشبه ذلك، ثمّ لا يخلو إمّا أن يجعله من ماله أو مال أهل الحرب، فإن جعله من ماله لم يصح حتى يكون معلوماً موصوفاً في الذمّة أو مشاهداً معيناً، لأنّه عقد في ملكه فلا يصحّ أن يكون مجهولاً، وإن كان من مال المشركين جاز مجهولاً ومعلوماً، فيقول: من دلّنا على القلعة الفلانية فله جارية منها أو جارية فلان.(1)

وجهه، أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، بنصّ الكتاب، فهو عندئذ أولى بالتصرّف في أموالهم الشخصية حسب المصالح، فكيف الغنائم، أضف إلى ذلك أنّ الجعل إذا كان قبل التسلّط على الغنائم يمتنع دخوله تحت عنوان الغنائم ولا تعمه أدلّته من رأس، وأمّا إذا كان بعد التسلّط وبعد كون المجعول مصداقاً للغنائم ومتعلّقاً لحكمها فالإمام ـ عليه السَّلام ـ بما له الولاية على أموال مستحق الخمس والمقاتلين، يصحّ له أن يهدي من أموالهم إلى من شاء، إذا كان فيه مصلحة، وليس على الآخذ شيء، إلاّ إذا قلنا بوجوب الخمس في الهدية، وعندئذ يخرج عن الغنيمة بالمعنى الأخص ويدخل تحت الغنيمة بالمعنى الأعم، ويجب إخراج الخمس إذا حال الحول.

وتدل على ذلك صحيحة زرارة قال: الإمام ـ عليه السَّلام ـ يجري و ينفل ويعطي ما يشاء قبل أن تقع السهام، وقد قاتل رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوم لم يجعل لهم في الفيء


1 . المبسوط: 2/27.


(39)

نصيباً، وإن شاء قسّم ذلك بينهم.(1)

ومثله ما في مرسلة حمّاد(2) :«له أن يسدّبذلك المال جميع ما ينوبه»(3) من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك ممّا ينوبه، فإن بقي بعد ذلك شيء أخرج الخمس منه فقسّمه في أهله وقسم الباقي على من ولي ذلك، وإن لم يبق بعد سدِّ النوائب شيء فلا شيء لهم.

ولا يجب على المجعول له شيء من باب الغنيمة، فإنّه غنيمة الحرب بالنسبة إلى المقاتلين، لا بالنسبة إلى المجعول له، بل هو من الجوائز والمِـنَح، نعم يتعلّق به الخمس من باب الأرباح والفوائد ويخمس بعد المؤنة.

3. صفايا الغنائم

قال الشيخ في النهاية في باب الأنفال: وله أيضاً من الغنائم قبل أن تقسم، الجارية الحسناء، والفرس الفاره، والثوب المرتفع، وما أشبه ذلك ممّا لا نظير له من رقيق أو متاع.(4)

وقال الشيخ في كتاب الفيء وقسمة الغنائم من كتاب الخلاف: المسألة السادسة: ما كان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الصفايا قبل القسمة، فهو لمن قام مقامه، وقال جميع الفقهاء: إنّ ذلك يبطل بموته.(5)

وقال في المبسوط: وكان للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الصفايا، وهو ما اختاره من الغنيمة قبل القسمة من عبد أو ثوب أو دابة فيأخذ من ذلك ما يختاره ولم يقسم عليه بلا خلاف، وهو عندنا لمن قام مقامه من الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .(6)


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2و4.
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 2و4.
3 . أي يصيبه: والنائبة هي المصيبة.
4 . النهاية: 199.
5 . الخلاف:2/184، كتاب الفيء، المسألة 6.
6 . المبسوط: 2/65، كتاب قسمة الفيء.


(40)

والظاهر من العبارة كون المسألة إجماعية بين المسلمين.

وقال العلاّمة في المنتهى: ومن الأنفال ما يصطفيه من الغنيمة في الحرب مثل: الفرس الجواد، والثوب المرتفع، والجارية الحسناء، والسيف القاطع، وما أشبه ذلك، ما لم يجحف بالغانمين; وذهب إليه علماؤنا أجمع. روى الجمهور :أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان يصطفي من الغنائم الجارية والفرس.(1)

وتدل على ذلك، صحيحة ربعي بن عبد اللّه بن الجارود، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «كان رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إذا أتاه المغنم أخذ صفوة وكان ذلك له، ثمّ يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه، ثمّ يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه ـ إلى أن قال : ـوكذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ».(2) و مرسلة حمّاد: و للإمام صفو المال أن يأخذ من هذه الأموال، صفوها الجارية الفارهة والدابة الفارهة والثوب والمتاع ممّا يحبّ أو يشتهي فذلك له قبل القسمة وقبل إخراج الخمس.(3)

ثمّ إنّ اختصاص صفايا الأموال للإمام ـ عليه السَّلام ـ تقطع النزاع بين المقاتلين، لزيادة الاشتياق من الناس إلى الصفايا.

وهل المراد من الصفو كلّ ما ينتخبه الإمام ويصفيه كما هو الظاهر ممّا رواه في الوسائل عن المقنعة: عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: «ولنا صفو المال» يعني يصفوها ما أحبّ الإمام من الغنائم واصطفاه لنفسه قبل القسمة.(4) أو المراد ما يكون صفواً ونقياً في نفسه وقد جاء في خبر أبي بصير:«الجارية الروقة والمركب الفاره والسيف القاطع والدرع ـ ثمّ قال: ـ فهذا صفو المال»؟(5) الظاهر هو الثاني، وما رواه في المقنعة محمول على الغالب، لأنّه لا يحب إلاّ صفو المال.


1 . منتهى المطلب:1/553.
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 3.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال ،الحديث 4، 21.
4 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال ،الحديث 4، 21.
5 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 15.


(41)

4. صفايا الملوك

صفايا الملوك، بل كلّ شيء يعدّ من مختصاتهم، قال الشيخ في النهاية في باب الأنفال: الأنفال كانت لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خاصة في حياته وهي لمن قام مقامه بعده في أُمور المسلمين، وهي: كلّ أرض خربة ـ إلى أن قال: ـ وصوافي الملوك وقطائعهم ممّا كان في أيديهم من غير وجه الغصب.

وقال العلاّمة في المنتهى: و من الأنفال صفايا الملوك وقطائعهم ممّا كان في أيديهم من غير جهة الغصب، ممّا كان يختصّ بملكهم فهو للإمام ـ عليه السَّلام ـ إذا لم يكن غصباً من مسلم أو معاهد.

وتدل على ذلك مرسلة حمّاد: وله صوافي الملوك ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود.(1)

والظاهر من مرسلة حمّاد أنّ للإمام صوافي الملوك، مع أنّ الظاهر من موثق سماعة كلّ شيء يكون للملوك فهو خالص للإمام.(2)

5. القطائع

المراد الأراضي التي أقطعها لنفسه فهي أيضاً للإمام، ويدل عليه ما رواه داود بن فرقد قال، قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قطائع الملوك كلّها للإمام وليس للناس فيها شيء.(3)

وكان على الماتن أن يذكر الرضائخ، وهو العطاء اليسير للنساء والعبيد، فيخرج من المال قبل التقسيم ولا يؤخذ خمسه، ففي مرسلة حمّاد: «وله أن يسدّ بذلك جميع ما ينوبه من مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك ممّا ينوبه».


1 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4 ولاحظ 8و31 من هذا الباب.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 8 ولاحظ الحديث 31.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 6 و30و32.


(42)

وأمّا إذا كان الغزو بغير إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ،فإن كان في زمان الحضور و إمكان الاستئذان منه فالغنيمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وإن كان في زمن الغيبة فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة، خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الأحوط، و إن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) في المسألة قولان:

الأوّل: شرطية الإذن، فلولاه لصار المجموع للإمام، اختاره الشيخ في النهاية و الخلاف، والقاضي ابن البرّاج في المهذّب، وابن إدريس في السرائر، والكيدري في إصباح الشيعة، والمحقّق في الشرائع، وابن سعيد في الجامع للشرائع، والعلاّمة في التذكرة والإرشاد، والشهيد الثاني في المسالك.

الثاني: عدم شرطية الإذن، وهو الظاهر من المحقّق في النافع، والعلاّمة في المنتهى، والأردبيلي في مجمع الفائدة، والسيد السند في المدارك، وهذان القولان على طرفي النقيض.

وهناك تفاصيل أُخرى نأتي بها عند الفراغ من استعراض القولين ودليلهما، وإليك نصوص الأصحاب في المقام، ولنقدم كلام القائلين بالشرطية:

1. قال الشيخ في النهاية: وإذا قاتل قوم أهل حرب من غير أمر الإمام فغنموا كانت غنيمتهم للإمام ـ عليه السَّلام ـ خاصة دون غيره.(1)

2. وقال في كتاب الفيء من كتاب الخلاف في المسألة السادسة عشرة: إذا


1 . النهاية : 200، باب الأنفال.


(43)

دخل قوم دار الحرب وقاتلوا بغير إذن الإمام فغنموا كان ذلك للإمام خاصة، وخالف جميع الفقهاء ذلك. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

3. وقال في كتاب السير (الجهاد) في المسألة الثالثة: إذا غزت طائفة بغير إذن الإمام ـ عليه السَّلام ـ ، فالإمام مخيّر إن شاء أخذه منهم، و إن شاء تركه عليهم، و به قال الأوزاعي والحسن البصري، وقال الشافعي يخمس عليهم، وقال أبو حنيفة : لا يخمس (أي ملك للمقاتلين). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(2)

4. وقال القاضي في المهذّب في باب ذكر الأنفال: وكلّ غنيمة غنمها قوم قاتلوا أهل الحرب بغير إذن الإمام أو ممّن نصبه ـ إلى أن قال: ـ و جميع الأنفال كانت لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حياته وهي للإمام القائم مقامه.(3)

5. وقال ابن إدريس: إذا قاتل قوم أهل حرب بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة خاصة للإمام دون غيره.(4)

6. وقال الكيدري: وما غُنم من أهل الحرب بغير إذن الإمام كان كلّ هذا للإمام القائم مقام الرسول.(5)

7. وقال المحقّق في باب الأنفال: وما يغنمه المقاتلون بغير إذنه فهو له.(6)

8. وقال ابن سعيد الحلي في بيان الأنفال: وكلّ غنيمة قوتل عليها أهلها: الحربيون من غير إذن الإمام.(7)


1 . الخلاف: 4/190، كتاب الفيء، المسألة 16.
2 . الخلاف: 5/518، كتاب السير، المسألة 3.
3 . المهذّب: 1/186.
4 . السرائر: 1/ 497، باب ذكر الأنفال.
5 . إصباح الشيعة: 128.
6 . الشرائع: 1/183.
7 . الجامع للشرائع: 150.


(44)

9. وقال العلاّمة في التذكرة: وما تأخذه سرية بغير إذن الإمام فهو للإمام خاصة عندنا.(1)

10. وقال الشهيد الثاني في المسالك عند شرح قول المحقّق «فهو للإمام»:هذا هو المشهور بين الأصحاب، وبه رواية مرسلة منجبرة بعمل الأصحاب.(2)

هذه النصوص هي لمشاهير القائلين بالقول الأوّل، وإليك نصوص القائلين بعدم الشرطية:

1.قال المحقّق في المختصر النافع: وقيل إذا غزا قوم بغير إذنه فغنيمتهم له(الإمام)و الرواية مقطوعة.(3)

2.وقال العلاّمة: وإذا قاتل قوم من غير إذن الإمام ففتحوا كانت الغنيمة للإمام ـ عليه السَّلام ـ . ذهب إليه الشيخان والسيد المرتضى رحمه اللّه وأتباعهم.

وقال الشافعي: حكمُها حكم الغنيمة مع إذن الإمام لكنّه مكروه.

وقال أبو حنيفة:وهي لهم ولا خمس.

ولأحمد ثلاثة أقوال، كقول الشافعي، وأبي حنيفة، وثالثها :لا شيء لهم فيه(أي للإمام).

احتجّ الأصحاب بما رواه عباس الوراق، عن رجل سمّـاه، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ، قال:« إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام، وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام الخمس».


1 . التذكرة: 1/426، كتاب الجهاد.
2 . المسالك: 1/474.
3 . المختصر النافع : 126.


(45)

احتجّ الشافعي بعموم قوله تعالى: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء» الآية، وهو يتناول المأذون فيه وغيره.

واحتجّ أبو حنيفة بأنّه اكتساب مباح من غير جهاد، فكان كالاحتطاب والاحتشاش.

واحتجّ أحمد على ثالث أقواله بأنّهم عصاة بالفعل فلا يكون ذريعة الفائدة التملّك الشرعي، إلى أن قال: و إن كان قول الشافعي فيه قوياً.(1)

3. وقال المحقّق الأردبيلي، بعد نقل رواية الورّاق ونقد سندها: والجبر بالعمل غير مسموع لعدم الدليل، وما يدل على ملكية المال المأخوذ ممّن لا حرمة لماله من الإجماع وغيره يدل على عدمه.(2)

4. وقال السيّد السند في المدارك بعد تضعيف رواية الورّاق:وقوى العلاّمة في المنتهى مساواة ما يغنم بغير إذن الإمام لما يغنم بإذنه. وهو جيد لإطلاق الآية الشريفة، وخصوص حسنة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : في الرجل من أصحابنايكون في لوائهم فيكون معهم فيصيب غنيمة فقال: «يؤدّي خمسنا ويطيب له».(3)

هذه هي نصوص فقهائنا، وقد وقفت على أقوال العامة في عبارة المنتهى، وذكرها أيضاً ابن قدامة في كتابه.(4)

واللازم دراسة القولين (الشرطية وعدمها) ثمّ دراسة التفاصيل.


1 . المنتهى:1/ 553ـ554 ، كتاب الخمس وقد نقلناه بطوله لما فيه من الوقوف على أقوال أهل السنّة ودلائلهم.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 4/343.
3 . مدارك الأحكام:5/417ـ418.
4 . لاحظ المغني: 1/294.


(46)

أدلّة القائلين بالاشتراط

استدل القائلون بالاشتراط بحديثين:

أحدهما ضعيف سنداً تام دلالة، والآخر على العكس، وإليك بيانهما:

1. مرسلة عباس الوراق، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قال: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام فغنموا كانت الغنيمة كلّها للإمام ـ عليه السَّلام ـ ، وإذا غزوا بأمر الإمام ـ عليه السَّلام ـ فغنموا كان للإمام الخمس».(1)

لا غبار في الدلالة، وإنّما الإشكال في السند، إذ فيه: الحسن بن أحمد بن يسار (بشّار) وهو مجهول لم يعنونه أصحاب الرجال ; كالمامقاني في تنقيحه، والتستري في قاموسه، نعم ذكره السيّد الخوئي في معجمه ولم يذكر في حقّه شيئاً يذكر.

وهو يروي عن «يعقوب» المشترك بين تسعة عشر رجلاً وإن كان بعضهم خارجاً عن دائرة الاحتمال، وهو يروي عن العباس الورّاق، وهو عباس بن موسى الثقة، عن رجل سمّاه عن أبي عبد اللّه، فهي رواية مقطوعة.

2. صحيحة معاوية بن وهب: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : السرية يبعثها الإمام فيصيبون غنائم كيف يقسّم؟ قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمامعليهم، أُخرج منها الخمس للّه وللرسول وقسِّم بينهم ثلاثة أخماس، وإن لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلّ ما غنموا للإمام ـ عليه السَّلام ـ يجعله حيث أحبّ».(2)


1 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 16.
2 . الوسائل: 6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3 ورواه في كتاب الجهاد.


(47)

ولكن ظهوره البدائي يعرب عن أنّ الإمام بصدد التفصيل بين أمير أمّره الإمام، وأمير لم يأمره الإمام، لكن الذيل يدلّ على أنّه كان بصدد التفصيل بين الأخذ عن قتال والأخذ بغير قتال مع كون الأمير في كلتا الصورتين مبعوثاً عن طرف الإمام، فما أخذوا بالقتال يخمس، وما أخذوا بالغيلة والسرقة فهو للإمام، وأين هو من التفصيل بين الأخذ بالإذن وعدمه؟

مضافاً إلى أنّ السائل فرض كون السرية مبعوثة من جانب الإمام، حيث قال: السرية يبعثها الإمام، وعندئذ يكون كلا الشقين الواردين في كلام الإمام ـ عليه السَّلام ـ واردين على ذاك المفروض لا غير.

أمّا الشقّ الأوّل، أعني قوله: إن قاتلوا مع أمير أمّره الإمام عليهم فهو ظاهر; وأمّا الشق الثاني، أعني قوله: وإن لم يكونوا...، فهوبمعنى إن لم تكن السرية بعثها الإمام قاتلوا عليها المشركين وإنّما أخذوه من غير طريق القتال فهو للإمام. فالبعث من جانب الإمام مفروض في كلا الشقين في جانب الموضوع، وإنّما التفصيل بين القتال وعدمه لا بين البعث وعدمه.

دليل القول بعدم اشتراط الإذن

واستدل بعدم شرطية الإذن بوجوه:

1. إطلاق الآية من دون تقييد بالإذن ولا يرفع عنه إلاّ بدليل قاطع، ويكفيك في تمامية إطلاق الكتاب أنّ المحقق لم يجوّز تقييد الكتاب وعمومه بالخبر الواحد، وقد عرفت ضعف مرسلة الوراق، ولم يثبت استناد الأصحاب إليها في مقام الإفتاء وإن أفتوا بمضمونه، وهذا هو المهمّ.


(48)

وأمّا صحيحة معاوية بن وهب، فقد عرفت أنّه ظاهر في التفصيل بين القتال وغيره كالخدعة والسرقة والصلح مع كون البعث من جانب الإمام في كلا الشقين، وأمّا القتال بغير إذنه فليس مورداً للسؤال والجواب.

2. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ في الرجل من أصحابنا يكون في لوائهم ويكون معهم فيصيب غنيمة قال: «يؤدّي خمساً ويطيب له»(1) مع كون القتال لم يكن عن إذنهم ـ عليهم السَّلام ـ .

وأجاب صاحب الجواهر عن الاستدلال بوجهين:

الأوّل: حمله على الإذن منه ـ عليه السَّلام ـ له في تلك الغزوة، إذ الغالب عدم صدور أصحابهم إلاّ بإذنهم خصوصاً في مثل ذهاب الأنفس.

الثاني: حمله بسبب ما تقدّم على التحليل منه ـ عليه السَّلام ـ لذلك الشخص.(2)

ويردّ الأوّل: أنّ محور البحث هو كون البعث والقتال عن إذنه لا كون فرد مأذوناً منه والإذن لفرد واحد غير كاف في تحقّق الشرط، كيف وقد قال في صحيحة معاوية بن وهب: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ـ عليه السَّلام ـ ».

ويردّ الثاني: أنّ الظاهر كون المال ملكاً لرجل لأجل الاغتنام لا لأجل التحليل، وإلاّ كان المناسب أن يقول أحللت له الباقي.

والأولى في الاستدلال على القول الثاني أن يقال بعدم التعارض بين المرسلة والصحيحة، وذلك بوجهين:


1 . الوسائل ج6، أبواب ما يجب فيه الخمس، الباب 2، الحديث 8.رواه الشيخ عن سعد، والمراد به سعد بن عبد اللّه بشهادة روايته عن علي بن إسماعيل بن عيسى الثقة، والرواية صحيحة رجالها كلّهم ثقات، وسند الشيخ إلى سعد بن عبد اللّه صحيح في المشيخة والفهرست.
2 . الجواهر:16/127.


(49)

1. إنّ المتبادر من الإمام في المرسلة هو الإمام المعصوم، ولكن الصحيحة حاكمة عليها ومفسرة لها وتكشف عن أنّ المقصود هو مطلق الحاكم الإسلامي، ولذلك قال ـ عليه السَّلام ـ : «يؤدّي خمساً ويطيب له»وعلى ذلك فالحروب التي خاضها الأمويون والعباسيون في طريق نشر الدعوة الإسلامية، كانت من مصاديق المرسلة.

ويؤيد ذلك أنّ الإمام في المرسلة بصدد إعطاء الضابطة لما يجري في عصره أو جرى قبل عصره، ولو كان المراد منه الإمام المعصوم لاختص الحكم بعصر الرسول والوصي، وصارت الأعصار اللاحقة، مصداقاً للشق الأوّل.

ومنه يظهر حال صحيحة معاوية بن وهب على القول بدلالتها حيث قال: «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام...» فلو أُريد منها المعصوم يلزم إرجاع كلام الإمام إلى ما لا يكون له موضوع في زمانه إلى يومنا هذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد منه فيها هو الأعمّ من المعصوم والعادل و الفاسق، يكون الحكم الصادر ناظراً إلى الحروب الموجودة وأنّها على قسمين.

2. إنّ الموضوع هو الإمام المعصوم أو من نصّبه تنصيباً خاصاً أو عاماً ، ولكنّهم ـ عليهم السَّلام ـ أمضوا ما كان يجري في أعصارهم من الحروب والغزوات وبعث السرايا للدعوة إلى الإسلام وقد صدروا في إمضائهم عن علمهم بمصالح الدين والعباد حيث إنّهم ـ عليهم السَّلام ـ «عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع و رواية، فإنّ رواة العلم كثير ورعاته قليل».(1)

وعلى ضوء ذلك، يرتفع النزاع، فتكون النتيجة أنّ الغزو إذا كان بأمر حاكم إسلامي، فهو من الغنائم، وإلاّ فيكون الكلّ للإمام، وكلّ ذلك لدفع الهرج


1 . نهج البلاغة، الخطبة 234، والكلمة في حقّ أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ .


(50)

والفوضى.

والفرق بين الوجهين واضح لمن كان له ذوق سليم.

3. صحيحة علي بن مهزيار، قال: كتب إليه أبوجعفر ـ عليه السَّلام ـ ـ وفيه ـ : «والميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن، ومثل عدو يصطلم فيؤخذ ماله».(1)

وتوهم أنّ الإمام ـ عليه السَّلام ـ لم يكن إلاّ في مقام بيان أصل الخمس لا شرائطه كما ترى.

4. مرسلة حمّاد بن عيسى، عن العبد الصالح في حديث:« كلّ أرض فتحت أيّام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، إلى آخر الأبد، وما كان افتتاحاً بدعوة أهل الجور و أهل العدل، لأنّ ذمّة رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الأوّلين والآخرين ذمّة واحدة».(2)

نجد فيها أنّه عطف الأراضي المفتوحة بيد أهل الجور، على ما فتحت أيّام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وعدّ الجميع من الأراضي الخراجية، فيستأنس منها كفاية إذن الجائر في الأراضي وغيرها.

5. ما ورد في باب تحليل الخمس والفيء والأنفال لشيعتهم ليطيب مولدهم، والمتبادر من الروايات هو السبايا ، وهي تحكي عن عدم اشتراط الإذن في تعلّقه بالغنائم وإلاّ كان الجميع لهم، لأنّ هذه الغنائم في عصر الخلفاء الأمويين والعباسيين كانت مأخوذة بغير إذنهم.(3)


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5. والمراد من الاصطلام وهو الاستيصال .
2 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 4.
3 . لاحظ الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 1، 19، 20.


(51)

ولا يخفى قوّة أدلّة هذا القول في نفسه، وكلّ ما ذكرنا يصلح لأن يكون قرينة على أنّ المراد من الإمام في مرسلة الوراق، هو مطلق القائد والآخذ بزمام الأُمور باسم الحاكم، وقد عرفت أنّه هو الظاهر من صحيحة معاوية بن وهب، إذ لم يكنلأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ ولا للأئمّة من قبله أي إمكان لإرسال السريّة، بل الإمكانيات كلّها كانت بيد الخلفاء والعاملين من قبلهم وهم الذين كانوا يبعثون السرايا إلى القتال، وعلى ذلك فالروايتان ناظرتان إلى التفصيل بين القتال بأمر الخلفاء أو بغير إذنهم، فيخمس في الأُولى دون الثانية، بل يكون الجميع للإمام.ولو كان ذلك الاستظهار صحيحاً لارتفع الخلاف بين الطائفتين من الروايات.

تفاصيل في المسألة

قد تعرفت على القولين وأدلّتهما، فهلمّ معي ندرس التفاصيل الموجودة في حكم المسألة وهي ثلاثة:

الأوّل: المأخوذ على وجه الجهاد والتكليف بالإسلام للإمام، قال الشهيد في الدروس: ويجب في سبعة: الأوّل: ما غنم في دور الحرب على الإطلاق.

1. إلاّ ما غنم بغير إذن الإمام فله 2. أو سرق أو أخذ غيلة فلآخذه.(1)

وأورد عليه في الحدائق بأنّ الظاهر من الأخبار، أنّ الذي يكون للإمام ـ عليه السَّلام ـ ـ متى كان بغير إذنه ـ إنّما هو ما يؤخذ على وجه الجهاد والتكليف بالإسلام كما يقع من خلفاء الجور لا ما أُخذ جهراً، وغلبة وغصباً ونحو ذلك من ما لم يكن سرقة ولا غيلة فانّه يكون غنيمة بغير إذنه ويكون له، فإنّه لا دليل عليه ولا قائل به في ما


1 . الدروس: 1/258.


(52)

أعلم.(1)

والحاصل: أنّ القدر المتيقن من الأدلّة ما إذا كان للغزو صبغة إسلامية وهي الغزو لغاية الدعوة الإسلامية، لا ما إذا كان لأغراض دنيوية وإلاّ فهي للغزاة مطلقاً.

وجه التفصيل هو أنّ الرسول هو الأُسوة، والآيات النازلة منه بالموضوع فيها هي في الغزو الذي له صبغة إسلامية وأهداف معنوية وأمّا الغزو للأهداف المالية والمناصب الدنيوية فهو خارج عن مفاد الآيات والروايات.

وأمّا غزوة «بدر» فقد كان الهدف معنوياً، لأنّ حركة الرسول من المدينة قد كانت إلهية ليلقي القبض على أبي سفيان والأموال التي كان يحملها إلى مكّة، ليكسر بذلك شوكة الكفر، ويعبِّد الطريق، لدخول الإسلام، فلمّـا أفلت هو وما معه من الأموال استشار أصحابه لحرب أبي جهل ومن معه من قادة الشرك لتحطيم الوثنيّة في الجزيرة وإعلاء كلمة الحقّ، فلبّوه خصوصاً الأنصار، فأمرهم بالرحيل إلى وادي بدر، فأيّ غزوة أولى من غزوة بدر التي أُرغمت فيها أنوف المشركين على وجه أعلنوا الحداد إلى سنة في مكة المكرّمة.

الثاني: الفرق بين زمان الحضور والغيبة، فلو كانت الحرب في زمان الحضور بغير إذن الإمام مع إمكان الاستئذان منه، فالغنيمة للإمام، وإن كان في زمان الغيبة، فالأحوط إخراج خمسها من حيث الغنيمة خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، فما يأخذه السلاطين في هذه الأزمنة من الكفّار بالمقاتلة معهم من المنقول وغيره يجب فيه الخمس على الأحوط وإن كان قصدهم زيادة الملك لا الدعاء إلى الإسلام; هذا خيرة السيّد الطباطبائي.


1 . الحدائق: 12/322.


(53)

وهو مخدوش في كلا شقيه:

أمّا زمان الحضور فلما عرفت من إمضائهم ـ عليهم السَّلام ـ لما يقوم به الخلفاء من قتال الكفّار، وعلى ذلك يدور كون المأخوذ غنيمة أو لا مدار إذن الحاكم الإسلامي وعدمه، لا إذن الإمام المعصوم وعدمه.

وأمّا زمان الغيبة فالمأخوذ غنيمة إمّا لعدم اشتراط الإذن كما عليه الماتن، أو لكفاية إذن الحاكم الإسلامي، كما قوّيناه فلا تظهر للاختلاف ثمرة.

نعم، يبقى الكلام معه في تعميمه حيث قال: خصوصاً إذا كان للدعاء إلى الإسلام، بل هو المتيقن في كون المأخوذ غنيمة، وأمّا غيره فليست بغنائم بل هي من الفوائد سواء أُخذ بإذن حاكم إسلامي أو لا.

الثالث: ما ذهب إليه السيد الحكيم من التفصيل بين الجهاد والدفاع، فيعتبر الإذن في الأوّل، وإلاّ فالغنيمة كلّها للإمام دون الثاني فيخمس مطلقاً، وسيوافيك حكم الدفاع.

والذي يمكن أن يقال بعد كفاية كون الحرب بإذن حاكم إسلامي، إنّ هنا صورتين:

الصورة الأُولى: إذا كانت الحرب بإذن حاكم إسلامي ولنشر الدعوة الإسلامية فيخمس تخميس الغنائم.

الصورة الثانية: أن لا يكون للحرب صبغة إسلامية، بل كانت حرباً شخصية وأغراض توسعية، فهذا يخمس تخميس الفوائد، فانّ الظاهر ممّا ورد حول الغنائم هو أن تكون الحرب لغاية مقدسة ،فإذا خرجت عن ذلك الإطار فهي غنيمة بالمعنى الأعم لا بالمعنى الأخص، ولكلّ حكم فيستثنى مؤنة السنة فلا يتعلّق بها الخمس في الفوائد والأرباح، فانّ الخمس يتعلّق بها بعد إخراجها دون الغنائم.


(54)

و من الغنائم الّتي يجب فيها الخمس الفداء الّذي يؤخذ من أهل الحرب بل الجزية المبذولة لتلك السريّة، بخلاف سائر أفراد الجزية، و منها أيضاً ما صولحوا عليه، وكذا ما يؤخذ منهم عند الدفاع معهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم ولو في زمن الغيبة فيجب إخراج الخمس من جميع ذلك قليلاً كان أو كثيراً من غير ملاحظة خروج مؤنة السنة على ما يأتي في أرباح المكاسب و سائر الفوائد.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) ذكر المصنف في المقام أُموراً نتناولها بالبحث واحداً تلو الآخر:

1. الفداء الذي يؤخذ من أهل الحرب.

2. الجزية المبذولة لتلك السرية.

3. ما صولحوا عليه.

4. ما يؤخذ منهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم.

فلا شكّ في وجوب الخمس في الفداء، لأنّه بدل عن المغنم ـ أي الأسير ـ الذي أخذه المسلمون فيعامل بالفداء فيقع موضعه.

إنّما الكلام في أمرين:

1. «الجزية المبذولة » وهو بذل شيء للمقاتلين حسب رؤوسهم، وهي غير الجزية التي تؤخذ من أهل الكتاب إذا عاشوا في ظلّ الدولة الإسلامية بالشروط المقرّرة لأهل الجزية، والهدف من الجزية المبذولة في المقام للسرايا إمّا إيقاف الحرب و الإعلان بالهدنة أو عدم شروعها.

2. «ماصولحوا عليه» والمراد عقد الصلح سواء كان قبل الحرب أو بعدها. وتعلّق الخمس بهما يختلف حسب اختلاف المباني:


(55)

1. الخمس يتعلّق بالغنائم التي يصيبها المسلمون بعد الحرب والغلبة، والمراد من الغلبة هو حصول الانتصار النهائي للمسلمين والهزيمة للعدو كما كان الحال كذلك في غزوة «بدر».

2. كفاية القتال واشتعال نار الحرب وإن لم تكن هناك غلبة وانتصار وكان كلّ من الطرفين مستقراً في مكانه.

3. كفاية التهيّؤ و الاستعداد في دخول كلّ ما يحويه العسكر، تحت عنوان الغنائم.

4. المراد هو التسلّط على مال الكافر بأيّ وسيلة تحقّق ولو كان المتسلِّط فرداً كما هو الحال في حليّة مال الناصب.

لا شكّ في عدم اعتبار الأوّل أي الانتصار النهائي للإسلام والهزيمة للعدو وكفاية اشتعال نار الحرب و إن لم يكن انتصار إذ لا شكّ أنّه لو امتد القتال ولم يحصل هناك انتصار، يطلق على ما حصله المسلمون اسم الغنائم كما كان الأمر كذلك في محاصرة الطائف حيث حاصرها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولم يحصل الانتصار ورجع إلى المدينة بعد الوقوف هناك حوالي شهر .(1) ويكفي في ذلك إطلاق الآية وخبر أبي بصير: «كلّ شيء قوتل عليه على شهادة أن لا إله إلاّ اللّه»(2) وصحيحة معاوية بن وهب «إن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الإمام ـ عليه السَّلام ـ عليهم أُخرج منها الخمس».(3)

ومرسل الوراق: «إذا غزا قوم بغير إذن الإمام ... وإذا غزوا بأمر الإمام فغنموا كان للإمام ـ عليه السَّلام ـ الخمس».(4)

وبذلك يظهر أنّ الأقوى هو المبنى الثاني دون الثالث، فيجب التفصيل بين


1 . مغازي، الواقدي: 3/937 ;سيرة ابن هشام:4/125.
2 . الوسائل : ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
3 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3و16.
4 . الوسائل: ج6، الباب 1 من أبواب الأنفال، الحديث 3و16.


(56)

ما إذا تحقق هناك قتال واستعدّ الخصم وبدفع مبلغ بعنوان الجزية للسرية أو عقد الصلح، دونما إذا لم يكن هناك أي قتال وإنّما استعدّ لدفعه لئلاّ تشتعل نار الحرب، فتكون النتيجة قوة الاحتمال الثاني لا الثالث.

وأمّا المنقول عن تفسير النعماني قال: والخمس يخرج من أربعة وجوه، من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين. حيث إنّ الظاهر إصابة المسلمين بوصف الاجتماع سواء كان هناك قتال أو لا، فغير واضح، لأنّه ليس في مقام البيان، حتى يؤخذ بإطلاقه.

فظهر أنّ الميزان طروء القتال، وصراحة بعضها في مورد الغزو يصدّنا عن التعميم، فيكون الملاك كل غنيمة استولى عليها المسلمون من خلال الحرب والقتال فهو موضوع للخمس دون ما إذا لم يكن هناك قتال بل الخوف من شوكة المسلمين ألجأهم إلى الجزية للسرية أو الصلح فهو من الفوائد المكتسبة.

وأمّا المبنى الرابع، فهو ساقط في المقام وجوازه لا يدل على دخوله في الغنائم المصطلحة.

وتظهر الثمرة: في إخراج مؤنة السنة وجواز تأخيره إلى حيلولة السنة، فعلى فرض كونها من الغنائم بالمعنى الأعم يدفع الخمس بعد إخراج مؤنة السنة ويجوز تأخيرها إلى نهايتها. ولكن الظاهر انتفاء الثمرة لما سيوافيك من أنّ إخراج مؤنة السنة مختصّة بأرباح المكاسب، وأنّ ما وراءها يخمس بلا إخراج المؤنة وإطلاق الدليل يقتضي تعلّقه به مطلقاً من دون حاجة إلى حيلولة الحول، نعم خرجت الأرباح والروايات الواردة مختصّة بها.

بقي الكلام فيما يؤخذ منهم إذا هجموا على المسلمين في أمكنتهم كما كان هو الحال في غزوة «أُحد»، فالظاهر صدق الغنيمة مع عدم اشتراط الإذن في الدفاع مطلقاً أمكن أم لم يمكن.


(57)

المسألة 1: إذا غار المسلمون على الكفّار فأخذوا أموالهم فالأحوط بل الأقوى إخراج خمسها من حيث كونها غنيمة ولو في زمن الغيبة، فلا يلاحظ فيها مؤنة السنة، وكذا إذا أخذوا بالسرقة والغيلة، نعم لو أخذوا منهم بالرباء أو بالدعوى الباطلة فالأقوى إلحاقه بالفوائد المكتسبة فيعتبر فيه الزيادة عن مؤنة السنة، وإن كان الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) فرّق المصنف بين الإغارة والسرقة والغيلة وبين الربا والمأخوذ بالدعوى الباطلة، فألحق الثلاثة بالغنيمة بالمعنى الأخص دون الأخيرين.

وفصّل بعضهم بين الثلاثة الأُوَل ، بإلحاق الإغارة بالغنائم دون المأخوذ عن سرقة وغيلة، كما عليه السيّد الحكيم في مستمسكه.

وألحق بعضهم الكلّ بالفوائد المكتسبة، وتظهر الثمرة في إخراج مؤنة السنة وعدمه وجواز الانتظار إلى حيلولة السنة وعدمه، وعلى كلّ تقدير فالمأخوذ بالإغارة إنّما يحتمل عدّها من الغنائم بالمعنى الأخص إذا كانت الغاية هو تضعيف العدوّ لينقاد إلى دولة الإسلام ،وإلاّ فهو من الغنيمة بالمعنى الأعم قطعاً كما هو الحال في المأخوذ سرقة وغيلة إذا كان فرديّاً، وإنّما الكلام إذا كان بصورة جماعية بحيث عدّ العمل عملاً عسكرياً، وعلى ذلك فالحقّ فيه في السرقة والغيلة هو التفصيل بين ما كان هناك قتال وحرب وقام العسكر في بعض النواحي بالسرقة والغيلة بحيث يعدّ ما فازوا به من نتائج القتال فيلحق بالغنائم بالمعنى الأخص، فإذا لم يكن هناك قتال وحرب بل كان استعداداً فيلحق بالغنائم بالمعنى الأعم، وأمّا المأخوذ، بالمعاملة الربوية أو الدعوى الباطلة، فلا شكّ أنّه من الفوائد المكتسبة سواء قلنا بجواز المعاملة الربويّة أم لا.

وممّا يؤيد ذلك أنّ المراد من الغنائم هو ما يستولي عليها المسلمون خلال الحرب والقتال، ما ورد في مكاتبة علي بن مهزيار: «ومثل عدو يُصْطلم فيُؤخذ


(58)

المسألة 2: يجوز أخذ مال النصّاب أينما وجد لكن الأحوط إخراج خمسه مطلقاً.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماله»(1) والمراد من العدو هو العدو من حيث العقيدة، فلو كان مطلق التسلّط على مال العدو كافياً في دخوله في الغنائم بالمعنى الأخص لما صحّ جعله في المكاتبة من الفوائد المكتسبة.

(*) يقع الكلام في مقامات:

1. معنى الناصب.

2. ما هو حكم ماله؟

3. وعلى فرض جواز أخذ ماله، فهل هو من الغنيمة بالمعنى الأخص، أو من قبيل الفوائد المكتسبة؟ فالذي يدل على الحكم، حديثان:

1. صحيحة ابن أبي عمير، عن حفص البختري (الثقة)، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس».(2)ورواه ابن إدريس في آخر السرائر عن كتاب «نوادر المصنف» لمحمد بن علي بن محبوب الأشعري الجوهري القمي بنفس السند، وكان الكتاب بخط شيخنا الطوسي فنقله ابن إدريس من خطّه.

2. صحيحة ابن أبي عمير، عن سيف بن عميرة، عن أبي الحضرمي، عن المعلى بن خنيس، قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا الخمس».(3) ورواه في السرائر عن سيف، عن المعلى بلا توسيط أبي


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.
2 . الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و7 وقد سقط لفظ «المعلّى» قبل لفظة «مثله» في نسخ الوسائل من الطبعة الحديثة، لاحظ السرائر: 3/607.
3 . الوسائل: ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6و7 وقد سقط لفظ «المعلّى» قبل لفظة «مثله» في نسخ الوسائل من الطبعة الحديثة، لاحظ السرائر: 3/607.


(59)

الحضرمي.

فرواه ابن أبي عمير عن الإمام تارة بواسطة واحدة، وأُخرى بثلاث وسائط، وبما أنّ الراوي عن الإمام مختلف، فتارة رواها عنه ـ عليه السَّلام ـ حفص البختري، وأُخرى المعلى بن خنيس، تحسب روايتين وإن اتحدا لفظاً.

ثمّ إنّ سيف بن عميرة في سند الرواية الثانية كوفي ثقة، وأمّا أبو بكر الحضرمي فهو عبد اللّه بن محمد وقد يطلق على محمد بن شريح المجهول، والأقوى وثاقة الأوّل وإن لم يرد فيه توثيق في الأُصول الرجالية.

3. عن فضالة، عن سيف، عن أبي بكر، عن معلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «خذ مال الناصب حيثما وجدته وادفع إلينا خمسه».(1)

والروايتان متحدتان لانتهائهما إلى المعلّى في كلتيهما.

فتلخص أنّ الوارد في المقام حديثان ينتهي أحدهما إلى «حفص بن البختري» والآخر ، إلى «معلّى بن خنيس».

4.ويؤيّده خبر إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «مال الناصب وكلّ شيء يملكه حلال إلاّ امرأته فانّ نكاح أهل الشرك جائز، و ذلك أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: لا تسبّوا أهل الشرك فانّ لكلّ قوم نكاحاً، ولولا أنّا نخاف عليكم أن يقتل رجل منكم برجل منهم، ورجل منكم خير من ألف رجل منهم، لأمرناكم بالقتل لهم، ولكن ذلك إلى الإمام».(2)

5. روى في الفقيه: قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «صنفان من أُمّتي لا نصيب لهم في


1 . التهذيب: ج9، المكاسب، الحديث 1150; ونقله في الوسائل ج6، الباب 2 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 7. ولاحظ السرائر: 3/606.
2 . الوسائل: الجزء 11، الباب 26 من أبواب جهاد العدو ، الحديث 2.


(60)

الإسلام: الناصب لأهل بيتي حرباً، وغال في الدين مارق منه».(1)

إذا وقفت على ما ذكرناه، فلنبحث في المقامات المتقدمة:

المقام الأوّل:

الظاهر أنّ المتبادر من الناصب هو من ينصب العداء لأهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، ويؤيّده كثير من الأحاديث الواردة حول الناصب في الأبواب المختلفة.

ففي باب الأسآر، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «كره سؤر ولد الزنا...وكان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب».(2)

وفي باب النجاسات عن خالد القلانسي، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : ألقى الذمِّي فيصافحني... قلت: فالناصب؟ قال:«اغسلها».(3) إلى غير ذلك ممّا ورد في أبواب الحمام والأطعمة والأشربة.

وفسره ابن إدريس بمن ينصبون الحرب للمسلمين، وإلاّ فلا يحلّ أخذ مال مسلم ولا ذمي بوجه من الوجوه.(4)

وأورد عليه في الحدائق بوجهين:

1. إنّ إطلاق الناصب على أهل الحرب خلاف المعروف لغة وعرفاً وشرعاً، فانّ الناصب لغة هو: المبغض لعلي ـ عليه السَّلام ـ ، كما نصّ عليه في القاموس، وإن كان أصل معنى النصب، العداوة إلاّ أنّه صار مختصاً بالمبغض له.

2. إنّ إطلاق المسلم على الناصب وأنّه لا يجوز أخذ ماله من حيث الإسلام


1 . الوافي: 2/229، الباب 23، الحديث 1.
2 . الوسائل: ج1، الباب 3 من أبواب الأسآر ، الحديث 2.
3 . الوسائل: ج2، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
4 . السرائر: 3/607.


(61)

خلاف ما عليه الطائفة المحقّة سلفاً وخلفاً من الحكم بكفر الناصب ونجاسته وجواز أخذ ماله بل قتله.(1)

أقول: إنّ ما فسر به ابن إدريس الناصب(ممّن نصب حرباً للمسلمين) وإن كان بعيداً، لكن يمكن أن يقال: إنّ المراد في خصوص المقام ـ بمناسبة تحليل ماله ـ هو من نصب حرباً لأهل بيت النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وشيعته لا مطلق الناصب، ويشهد له ما نقلناه عن الفقيه فينطبق على البغاة ،وسيوافيك أنّ الحلال ما حواه العسكر فقط، فلاحظ.

المقام الثاني:

أمّا حكم مال الناصب، فلو صحّ ما فسّر به في الفقيه، وإلاّ فالاعتماد على تلك الروايات مشكل لوجوه:

1. إنّ الأصل في الأموال هو الحرمة، وعليه سيرة العقلاء، ويؤيّده المرسل النبوي: «الناس مسلّطون على أموالهم»، وما روي عن الناحية المقدّسة أنّه لا يجوز لأحد أن يتصرّف في مال الغير إلاّ بإذنه، والخروج عن هذه القاعدة القطعية يتوقف على دليل يفيد الاطمئنان بالصدور والدلالة.

2. لم يثبت عمل المشهور بالروايات، ولم يتعرّض للمسألة من القدماء إلاّ ابن إدريس، وقد فسّره بما علمت. نعم استدل صاحب المدارك على جواز أخذ مال الكافر غيلة وسرقة بالحديثين أخذاً بالمناط وإلغاء الخصوصية، وأورد عليه صاحب الحدائق بأنّه أشبه بالقياس.(2)

3. انتحال الناصب بالإسلام صان ماله كالمرتد، فقد اعتصم ماله بإسلامه


1 . الحدائق: 12/323.
2 . الحدائق: 12/323.


(62)

و كذا الأحوط إخراج الخمس ممّا حواه العسكر من مال البغاة إذا كانوا من النصّاب و دخلوا في عنوانهم وإلاّ فيشكل حلّيّة مالهم.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل الارتداد.

4. إنّ القيام بذلك، يضرّ بسمعة التشيع في هذه الأعصار ،والأحوط الترك وإرجاع الأمر في ذلك كلّه إلى وليّ الأمر كما أشير إليه في خبر إسحاق بن عمّار.

المقام الثالث:

لو قلنا بجواز أخذ ماله، فهل هو داخل في الغنيمة بالمعنى الأخص، أو داخل في الغنيمة بالمعنى الأعم؟ فإطلاق الدليل يقتضي الأوّل، فيجب إخراج خمسه من دون انتظار حيلولة السنة وإخراج المؤنة، كما عرفت أنّ الحال كذلك في عامة الغنائم لقصور في المخصص، أعني قولهم:«إنّ الخمس بعد المؤنة» فانّه مختص بأرباح المكاسب والصناعات والتجارات والحرف، وأمّا الموارد الأُخر فالمستثنى من الخمس هو مؤنة نفس العمل كإخراج الكنز وتصفية المعدن لا مؤنة سنة الإنسان، وسوف يوافيك بيانه.

(*) قال الشيخ في الخلاف: الباغي: من خرج على إمام عادل، وقاتله ومنع تسليم الحقّ إليه، وهو اسم ذمّ، وفي أصحابنا من يقول: إنّه كافر، ووافقنا على أنّه اسم ذم جماعة من العلماء بأسرهم ويسمّونهم فسّاقاً، وكذلك جماعة من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وقال أبو حنيفة: هم فسّاق على وجه التديّن، وقال أصحاب الشافعي: ليس باسم ذمّ عند الشافعي بل هو اسم من اجتهد فاخطأ بمنزلة من خالف من الفقهاء في بعض مسائل الاجتهاد. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاًقوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» صريح بذلك، لأنّ المعاداة من اللّه لا تكون إلاّ للكفار دون المؤمنين.(1)

وما ذكره أصحاب الشافعي ناش من رأي مسبّق لهم من تنزيه الناكثين والقاسطين، ولأجل ذلك صاروا ينحتون أعذاراً مفتعلة لتبرير أعمالهم كمسألة الاجتهاد والخطأ فيه، وليت شعري هل يصحّ الاجتهاد تجاه النصوص المتضافرة وبيعة الأُمّة من المهاجرين والأنصار للإمام علي ـ عليه السَّلام ـ ؟!ويقع البحث في مقامين:


1 . الخلاف: 5/335، كتاب الباغي، المسألة 1.
Website Security Test