welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری صوت گالری تصویر گالری فیلم اخبار ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(327)

المسألة 60: مبدأ السنة الّتي يكون الخمس بعد خروج مؤنتها حال الشروع في الاكتساب فيمن شغله التكسّب، وأمّا من لم يكن مكتسباً وحصل له فائدة اتّفاقاً فمن حين حصول الفائدة.(*)

ــــــــــــــــــــــــــ

(*) لما كان الخمس متعلّقاً بما زاد على مؤنة السنة، وقع الكلام في مبدئها، والأقوال أربعة:

1. الشروع بالاكتساب.

2. ظهور الربح وحصوله.

3. الفرق بين الاكتساب، والفائدة الاتفاقية، فالمبدأ في الأوّل، هو الشروع في الاكتساب; وفي الثاني حصول الربح، من غير فرق بين الاكتساب المقارن لحصول الربح من أوّل يومه، أو عدمه، أعني: ما لا يربح إلاّ بعد فترة.

4. الفرق بين التجارة والصناعة، فالمبدأ هو حال الشروع بهما وبين الزراعة والغرس وتربية الأنعام، فالمبدأ هو حصول الربح.

هذه هي الوجوه المحتملة.

وعلى هذا فلو شرع في الكسب في محرّم الحرام، وربح في شهر رجب، فعلى القول بكون المبدأ هو الشروع تُسْتثنى مؤنةُ بين الشهرين من ذاك الربح وتتم سنة الربح في آخر ذي الحجة، ولكن على القول بكون المبدأ هو حصول الربح لا تستثنى وتتم سنة الربح في آخر جمادى الآخرة وتستثنى مؤنة النصف الأخير منه.

أمّا الأوّل: فهو خيرة الدروس والحدائق والشيخ الأعظم.

قال في الدروس(1) كما قال في الحدائق: ولا يعتبر الحول في كلّ تكسّب، بل


1 . الدروس: 1/259، كتاب الخمس.


(328)

مبدأ الحول من حين الشروع في التكسب بأنواعه، فإذا تمّ الحول، خمّس ما بقي عنده.(1)

وقال الشيخ الأعظم:ومبدأ السنة من حين ظهور الربح ـ كما صرّح ـ أو التكسّب(2).

وجهه أنّ المتعارف بين العقلاء في عام الربح والمؤنة المستثناة هو عام الشروع في العمل كما هو الحال قطعاً في الصنائع المبنيّ ربحُها على التجدّد يوماً فيوماً، أو ساعة بعد أُخرى، تنزيلاً لها باعتبار إحرازها قوّة، منزلة الربح الواحد الحاصل في أوّل السنة.(3)

يلاحظ عليه: أنّه يتم في مثل ما يتجدّد ربحه يوماً فيوماً لا في مطلق الاكتساب، فلا وجه لاحتساب المؤنة السابقة على حصول الربح، مع فرض تأخّر حصوله عن أوّل زمان التكسّب، إذ هو حينئذ كالزمان السابق على التكسّب.(4) ولذلك فصّل الماتن بينه وبين ما لا يحصل بالاكتساب من الفوائد، فانّ مبدأ عامه زمان حصوله، لأنّ نسبته إلى الأزمنة السابقة سواء، وبذلك يظهر وجه القول الثالث الذي هو خيرة الماتن قدَّس سرَّه .

وأمّا الثاني: فهو خيرة المسالك والروضة والمدارك والكفاية والجواهر، قال في المسالك: يجب في الأرباح فيما علم زيادتُها عن المؤنة المعتادة من حين ظهور الربح، ولكن الوجوب موسّع طول الحول من حين ظهور الربح، احتياطاً للمكلّف باحتمال زيادة مؤنته بتجدّد ولد ومملوك وزوجة وضيف غير معتاد وغرامة لا يعلمها وخسارة في تجارة، ونحو ذلك.(5)


1 . الحدائق:12/354.
2 . رسالة الخمس:201.
3 . الجواهر:16/81.
4 . الجواهر:16/81.
5 . المسالك:1/468.


(329)

وقال في الروضة:والمراد بالمؤنة هنا مؤنة السنة ومبدؤها ظهور الربح.(1)

وقال في المدارك : ولو قيل باعتبار الحول من حين ظهور شيء من الربح ثمّ احتساب الأرباح الحاصلة بعد ذلك إلى تمام الحول وإخراج الخمس من الفاضل عن مؤنة ذلك الحول كان حسناً(2) .

وعلّله في الجواهر: بأنّ المنساق من النصوص والفتاوى احتساب مؤنة السنة من أوّل حصول الربح، إذ ذلك وقت الخطاب بالخمس.

وما ذكره في الجواهر من كون الخطاب بالخمس بعد ظهور الربح هو المعتمد، فما لم يربح لا موضوع للأمر بالتخميس، ولا لقوله ـ عليه السَّلام ـ :«الخمس بعد المؤنة» وإنّما يتوجّه الخطاب بالتخميس، وبعده الخطاب بأنّه يتعلّق بالفاضل عن المؤنة إذا ربح لا قبله، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من إخراج مؤنة السنة هو عام حصول الربح وظهوره لا من عام الشروع.

وإن شئت قلت: إنّ الخمس يتعلّق بمال المغتنم، لا الشارع بالكسب ولا من جعل نفسه في مهبِّ الغنم وإن لم يصل إليه، فلا معنى لتعلّقه بمن لم يغنم كما هو لازم قول القائل: بأنّ المراد عام الاكتساب. فإنّ تجويز استثناء المؤنة التي صرفها في الفصول التي لم يربح فيها من الربح الحاصل في الفصول الأُخرى فرع توجّه الخطاب بالتخميس في عام الشروع حتّى يصحّ خطاب الاستثناء، مع أنّ المفروض تأخّر الخطاب إلى زمان ظهور الربح وهذان لا يجتمعان.

وأمّا إخراج المؤن المصروفة لحصول الربح وإن كانت قبله فلأجل عدم صدقه لو لم يتفاضل الربح عليها، فلو كان الربح مساوياً لها أو كان أقلّ لا يصدق عليه أنّه اغتنم، وقد مرّ توضيحه.


1 . الروضة البهيّة:1/182.
2 . المدارك:5/391.


(330)

وربّما يؤيد المختار بوجهين:

1. إنّ عدم بيان مبدأ السنة مع كون المتكلّم في مقام البيان يقتضي الحمل على عام حصول الربح، لأنّ تعيّن زمان ظهور الربح يصلح لأن يكون قرينة على تعيّن المبدأ وليس ما يصلح لتعيينه سواه، فيتعين أن يكون الاعتماد عليه.(1)

2. لزوم التفكيك في مبدأ العام بين الفوائد، إذ لا ريب أنّ مبدأ العام بالنسبة إلى الفوائد غير الحاصلة بالكسب أوّل زمان حصول الفائدة والخطاب لا يقبل التفكيك.

يلاحظ على الأوّل: أنّه لا وجه لكون مقتضى الإطلاق المقامي ما ذكره مع قطع النظر عمّا ذكر صاحب الجواهر، من توجّه الخطاب بعد حصول الربح، فليس هو دليلاً بحياله بدونه.

يلاحظ على الثاني:بأنّ القول بالتفصيل ليس تفكيكاً في مفهوم عام الربح، وإنّما هو تفكيك في مصداقه، ولا مانع منه، فعام ربح كلّ شيء بحسبه، فعام ربح التجارة والصناعة ممّا يحصل الربح فيه متدرجاً غالباً، هو عام الشروع، وعام ربح الزراعة أو ما يحصل من طريق الاكتساب من الجوائز والميراث غير المحتسب هوعام ظهور الربح.

وبما ذكرنا علم أنّ الشارع تلقى أرباح السنة غنيمة واستثنى منه ما يصرف في تحصيل الربح أو في حوائج الإنسان، وبكلمة جامعة ما يجلب به الربح، أو يُدفع به الضرّ.

وهل يجب عليه، أن يجعل مبدأها، مبدأ السنة القمرية أو الشّمسية، أو له الخيار في اتخاذ أيّ شهر مبدأً إلى أن يمضي عليه اثنا عشر شهراً؟ الظاهر هو الثاني.والميزان طبيعة السنة، لا السنة المعيّنة.


1 . المستمسك:9/536.


(331)

المسألة 61: المراد بالمؤنة مضافاً إلى ما يصرف في تحصيل الربح ما يحتاج إليه لنفسه وعياله في معاشه بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة من المأكل والملبس والمسكن و ما يحتاج إليه لصدقاته و زياراته و هداياه و جوائزه وأضيافه و الحقوق اللازمة له بنذر أو كفّارة أو أداء دين أو أرش جناية أو غرامة ما أتلفه عمداً أو خطأ، وكذا ما يحتاج إليه من دابّة أو جارية أو عبد أو أسباب أو ظرف أو فرش أو كتب، بل ما يحتاج إليه لتزويج أولاده أو ختانهم، و نحو ذلك مثل ما يحتاج إليه في المرض و في موت أولاده أو عياله إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه في معاشه، و لو زاد على ما يليق بحاله ممّا يعدّ سفهاً و سرفاً بالنسبة إليه لا يحسب منها.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

كما أنّه لا فرق بين السنة القمرية أو الشمسية الهجريّة أو الميلاديّة كما هو مقتضى الإطلاق، على أنّ الضياع والغلاّت الواردة في صحيحة ابن مهزيار، تناسب الشهور الشمسية، فظهور الربح فيها إنّما هو بانتهاء الصيف الذي يحصد الزرع، يصفّى الحبّة ويباع وينضاض الربح.

(*) قد تطلق المؤنة ويراد منها ما يبذل في طريق تحصيل الربح كأُجرة السيارة والدكان وحقوق الموظفين والدلال وغيرهما ممّا يتوقف عليه تحصيل الربح، ولا كلام في عدم تعلّقه به لعدم صدق الاسترباح إذا كان ما صرفه في سبيل تحصيله مساوياً لما استفاده، بل يعدّ في العرف خاسراً ومضيّعاً للوقت ورأس المال.

وقد تطلق ويراد منها ما يصرف في معاش نفسه وعائلته سواء كانت واجبة النفقة أم لا، وقيده الماتنرحمه اللّه بقوله:«بحسب شأنه اللائق بحاله في العادة» وجه التقييد انصرافها إلى المتعارف بحسب شؤونه وخصوصيات حياته، فلو كان الميزان هذا فهو، وإلاّ لوجب البيان، كما هو كذلك في الإنفاق على الزوجة وكلّ من وجب


(332)

الإنفاق عليه، فالكل مكلّف بما يليق بشأنه، والإسراف والتوسع والتقتير يلاحظ بحسب حاله وهو يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد ومنزلتهم وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: «وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطها كُلّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً» (1) وقال تعالى: «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يسرفُوا وَلَمْ يقْتروا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قواماً)(2) غير أنّ القوام ونحوه يختلف حسب اختلاف مكانة الأفراد إذ رُبّ فعل يعدّ بالنسبة إلى أحد تقتيراً ولا يعدّ بالنسبة إلى فرد آخر كذلك، قال سبحانه: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرينَ كانُوا إِخْوان الشَّياطين» (3) وقال سبحانه: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفين» (4) وقال: «وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللّهُ الدّار الآخرَة وَلا تَنْس نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللّه إِلَيْك وَلا تَبْغ الْفَساد فِي الأَرْض إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِين».(5)

هذه الآيات تهدف إلى أنّ الاقتصاد في الحياة هو الأصل، وفي الروايات الإسلامية تصريحات بذلك، فلنكتف بهذا المقدار وهذا التفصيل حاكم على جميع الأُمور من المستحبّات الشرعية والأفعال القربيّة.

نعم استشكل فيه صاحب مستند العروة، وقال: الظاهر عدم صحّة التفصيل وأنّه لا معنى للتفكيك بجعله مناسباً لشأن مسلم دون آخر فلو صرف أحد جميع وارداته بعد إعاشة نفسه وعائلته في سبيل اللّه ذخراً لآخرته لينتفع به بعد موته كان ذلك من الصرف في المؤنة لاحتياج الكل إلى الجنّة ولا يعدّ ذلك من الإسراف والتبذير بوجه بعد أمر الشارع المقدس بذلك.(6)


1 . الإسراء:29.
2 . الفرقان:67.
3 . الإسراء:26ـ27.
4 . الأعراف:31.
5 . القصص:77.
6 . مستند العروة:250 ، كتاب الخمس.


(333)

المسألة 62: في كون رأس المال للتجارة مع الحاجة إليه من المؤنة إشكال، فالأحوط كما مرّ إخراج خمسه أوّلاً، و كذا في الآلات المحتاج إليها في كسبه، مثل آلات النجارة للنجّار و آلات النساجة للنسّاج وآلات الزراعة للزرّاع و هكذا، فالأحوط إخراج خمسها أيضاً أوّلاً.(*)

المسألة 63: لا فرق في المؤنة بين ما يصرف عينه فتتلف مثل المأكول والمشروب ونحوهما وبين ما ينتفع به مع بقاء عينه مثل الظروف والفروش ونحوها، فإذا احتاج إليها في سنة الربح يجوز شراؤها من ربحها و إن بقيت للسنين الآتية أيضاً. (**)

ـــــــــــــــــــــــ

ولكن ظاهر الآية يصادمه حيث يقيد الانفاق الذي هو أمر مستحب بالقوام وينهى عن الإسراف في الإنفاق والتقتير، والظاهر من الآيات والروايات أنّ الاقتصاد في العبادات والمعاملات هو المرضيّ.

(*) قد مضى الكلام في هذه المسألة ولا وجه لإعادته إلاّبيان حكم الآلات المحتاج إليها في الكسب وقد قلنا بعدم تعلّقه بها، ولو قلنا بكونه من المؤنة فالقول بعدم تعلّقه بالآلات أولى منه، لأنّ صرف الربح في سبيل تهيئة تلك الآلات والأدوات واستعمالها في تحصيل الربح نوع صرف له، فإنّ صرف كلّ شيء بحسبه ولا فرق بينها و بين الظروف والفرش.

(**) إنّ المؤنة على قسمين، تارة لا تبقى عينه مع الصرف كالمأكول، وأُخرى تبقى معه كالظروف والفُرش، فلا يجب الخمس بعد مضيّ السنة، وهذا القسم على قسمين، تارة تبقى عينه مع بقاء الحاجة إليها كما في المثالين وأُخرى مع انتفائها عنها كحليّ النساء وسيجيئ من الماتن التعرّض للقسم الثاني منه، أمّا الأوّل فلأنّه


(334)

المسألة 64: يجوز إخراج المؤنة من الربح و إن كان عنده مال لا خمس فيه بأن لم يتعلّق به أو تعلّق و أخرجه فلا يجب إخراجها من ذلك بتمامها ولا التوزيع وإن كان الأحوط التوزيع، و الأحوط منه إخراجها بتمامها من المال الّذي لا خمس فيه و لو كان عنده عبد أو جارية أو دار أو نحو ذلك ممّا لو لم يكن عنده كان من المؤنة لا يجوز احتساب قيمتها من المؤنة، و أخذ مقدارها، بل يكون حاله حال من لم يحتج إليها أصلاً.(*)

ــــــــــــــــــــــ

بعد ما صرف الربح في شراء الظروف واستمرّت الحاجة إليها يعدُّ من المؤنة، ورفع الحاجة عنهما بالإيجار مع كونه على خلاف المتعارف، فيه نوع حرج وعسر، فهو بهذه الصورة داخل في المستثنى.

وهناك بيان آخر لبعض المحقّقين، وهو: أنّ موضوع الخمس هو الفائدة، ولا يطلق بعد مضيّ السنة أنّه استفاد مع بقاء الحاجة، بل مع الاستغناء عنها كالحلي للنساء، أو بعض الكتب لأهل العلم، فليس هناك إفادة جديدة وفائدة حادثة.

كما سيوافيك عند تعرّض الماتن لحكم القسم الثاني: أعني: ما إذا صرف الربح في مورد الحاجة، لكن استغنى عنه بعد.

(*) لا شكّ في جواز صرف الربح في المؤنة إذا لم يملك شيئاً سواه، كما أنّه لا شكّ في جواز إخراج المؤنة ممّا يملك سوى الربح، إنّما الكلام إذا كان له مال آخر لا يحتاج إليه وادّخره لهدف آخر، فهل يجوز صرف الربح في المؤنة مع وجود مال زائد له أو لا؟

الأقوال ثلاثة: قد أشار إليه في المتن، من عدم جواز إخراجها منه، وجواز إخراجها، والتوزيع. ثمّ إنّ المال الآخر إمّا أن يكون محتاجاً إليه من كسبه وتجارته كرأس المال أو لا، وعلى الثاني، إمّا أن يكون ممّا جرت العادة على صرف الزائد في


(335)

المؤنة كالأقوات والثمار الباقية من السنة الماضية أو لا، كالضياع والعقار والزائد من رأس المال.

وعلى كلّ تقدير ، فالكلام تارة في إخراج المؤنة من الربح وصرفه فيها حتى لا يتعلّق بمقدارها مع كونه مالكاً لمال لا خمس فيه، وأُخرى في احتساب مايجده من المؤنة حتى يضع قيمتَه من الربح.

والكلام في المقام في القسم الأوّل، أعني: جواز إخراج المؤنة من الربح حتى لا يتعلّق بمقدارها الخمس، أو عدمه بحيث لو أخرج يتعلّق به الخمس ، أو التوزيع.

وأمّا الكلام في القسم الثاني، أعني: احتساب ما يجده من المؤنة لغاية وضع قيمته من الربح فسيأتي التعرّض له في كلام المصنف، أعني قوله: «ولو كان عنده عبد أو جارية» إذا عرفت ذلك فنقول:

قد استدل للقول بعدم جواز الإخراج من الربح بما ذكره الشهيد الثاني بقوله: ولو كان له مال آخر لا خمس فيه إمّا لكونه مخمساً أو لانتقاله إليه بسبب لا يوجب الخمس به كالميراث، والهبة،والهدية والمهر، وعوض الخلع فالمؤنة مأخوذة منه في وجه وعن الأرباح في آخر، والأوّل أحوط، والأعدل احتسابها منهما بالنسبة، فلو كانت المؤنة مائة، والأرباح مائتين، والمال الآخر ثلاثمائة مثلاً بسطت المؤنة عليهما أخماساً، فيسقط من الأرباح خمسها، ويخمّس الباقي وهو مائة وستون وهكذا.(1)

وقال المحقّق الأردبيلي: لو كان عنده ما يموّن به من الأموال التي تصرف في المؤنة عادة (فالظاهر عدم اعتبارها ممّا فيه الخمس)(2) بل يجب الخمس من الكلّ


1 . المسالك: 1/465.
2 . ما بين القوسين مجمل، فتأمّل.


(336)

لأنّه : 1. أحوط، 2. ولعموم أدلّة الخمس، 3. وعدم وضوح صحّة دليل المؤنة،وثبوت اعتبار المؤنة على تقدير الاحتياج بالإجماع ، 4. ونفي الضرر، وحمل الأخبار عليه وتبادر الاحتياج من بعد المؤنة «الواقع في الخبر»، 5. ولأنّه يؤول إلى عدم الخمس في أموال كثيرة مع عدم الاحتياج إلى صرفها أصلاً، مثل أرباح تجارات السلاطين وزراعاتهم والأكابر من التجّار والزرّاع، وهو مناف لحكمة تشريع الخمس في الجملة، ويحتمل التقسيط، ولكنّه غير مفهوم من الأخبار، إلاّ أنّه أحوط بالنسبة إلى إخراجها من الأرباح بالكلّية.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا وجه للتمسّك بالاحتياط بعد وجود الدليل على أحد القولين.

وثانياً: أنّ القول بعدم صحّة دليل (خروج) المؤنة غير تام وقد عرفت وجود روايات صحيحة وبذلك يظهر عدم تمامية ما فرّع عليه من ثبوت خروج المؤنة بالإجماع.

وثالثاً: أنّ نفي الضرر من جانب أصحاب الخمس معارض بنفيه عن المكتسب.

والمهم في المقام أنّ المقام من مصاديق التمسّك بإطلاق المخصص، أعني: الخمس بعد المؤنة الذي يشمل ما لو كان له مال، وليس من مصاديق التمسّك بإطلاق العام أعني آية الخمس وغيرها.

ورابعاً: أنّ ما ذكره من أنّ لازمه عدم تعلّق الخمس على أرباح التجارة، غير تام، لأنّ مؤنتهم وإن كانت كبيرة إلاّ أنّ أرباحهم غالباً أكثر من مؤنتهم.

وبذلك يظهر وجه القول الثالث وهوإطلاق أدلّة المخصص، وادعاء انصرافه إلى صورة الحاجة صحيحة لو أُريدت الحاجة النوعية، وهو حاصل، وإن


1 . مجمع الفائدة:4/318.


(337)

أُريدت الحاجة الشخصية إلى صرف الربح وإن لا يملك الإنسان سواه فلا وجه له.

وبذلك تبيّن وجه القول الثاني وهو جواز إخراج المؤنة من الربح أخذاً بإطلاق الصحيحة.

هذا كلّه إذا كان الربح غير مخلوط مع سائر الأموال، وأمّا إذا كان مخلوطاً كما هو الغالب، فالحكم كذلك أيضاً، لأنّ سيرة العقلاء خلط الأموال بعضها مع بعض.

وقوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» وارد في هذه الظروف، فتكون النتيجة وضع ما صرفه في المؤنة عمّا استحصله ربحاً ثمّ إخراج الخمس من الربح الباقي. هذا كلّه حول القسم الأوّل، أعني: جواز الإخراج من الربح مع كونه مالكاً لما يمكن صرفه في المؤنة.

وأمّا الكلام في احتساب ما يملكه من المؤنة لغاية وضع قيمته من الربح، وهذا هو الذي أشار إليه في آخر كلامه، فالظاهر عدم صحّة الاحتساب، لأنّ الظاهر أنّ المراد من المؤنة في الصحيحة هو المؤنة الفعلية لا التقديرية بحيث لو لم يكن واجداً كان من المؤنة.

وإن شئت قلت: المراد نفس المؤنة، أي ما يصرف وينفق في سبيل الحياة لا مقدارها، فالخمس بعد نفس المؤنة المصروفة لا مقدارها حتى يصحّ له وضع قيمة الشيء عن الربح. نعم يجوز له صرف الربح في تحصيل ما يجده ثانياً كاستخدام خادم ثان إذا لم يعدّ إسرافاً وتبذيراً.

وبذلك يعلم أنّ الحقّ هو التفصيل في جميع صور المسألة، وهو أنّه يجوز صرف الربح في اشتراء مثل ما يجده في البيت من الأثاث والأقوات بل وحتى الدار وإن كان واجداً لها ميراثاً إذا كان مناسباً لشأنه ولا يجوز احتساب قيمة ما يجده من المؤنة ووضعها من الربح.


(338)

المسألة 65: المناط في المؤنة ما يصرف فعلاً لا مقدارها، فلو قتر على نفسه لم يحسب له، كما أنّه لو تبرّع بها متبرّع لا يستثنى له مقدارها على الأحوط، بل لا يخلو عن قوّة.(*)

المسألة 66: إذا استقرض من ابتداء سنته لمؤنته أو صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح يجوز له وضع مقداره من الربح.(**)

ــــــــــــــــــــــــ

(*) يجب الخمس فيما قتر على نفسه وبقي زائداً على المؤنة، وذلك لما ذكرنا من أنّ المراد من المؤنة الفعلية لا التقديرية، أي لو لم يكن مقتراً لصرفه وأنفقه. وبعبارة أُخرى: المراد ما يصرف لا مقدار ما يصرف.

ولكن ظاهر عبارة العلاّمة في التذكرة، أنّه لو قتر يحسب له قال: بعد إخراج مؤنة السنة له ولعياله على الاقتصاد من غير إسراف ولا تقتير ، ولعلّ وجهه حمل المؤنة على مقدارها سواء أسرف أم قتر.

ووافقه الشهيد في المسالك قال: فإن أسرف حسب عليه ما زاد وإن قتر حسب له ما نقص.(1)

(**) المسألة مبنية على ما سبق في المسألة(60)، وهو انّ مبدأ السنة هل هو مبدأ الشروع في الاكتساب أو مبدأ حصول الفائدة؟ فلو قلنا بالأوّل، صحّ وضع مقداره من الربح; وأمّا إذا قلنا بالثاني، فلا وجه لوضع ما صرفه من رأس المال في مؤنته إذ لا يعدّ المصروف من مؤنة سنة الربح، وهذا فيما إذا صرف بعض رأس المال فيها قبل حصول الربح وأمّا إذا استدان فالكلام فيه كالكلام في الدين السابق على عام الربح، وقد فصّل الماتن الكلام فيه في المسألة (71) وقال بأنّه إذا


1 . المسالك: 1/464.


(339)

المسألة 67: لو زاد ما اشتراه و ادّخره للمؤنة من مثل الحنطة و الشعير والفحم و نحوها ممّا يصرف عينه فيها يجب إخراج خمسه عند تمام الحول، وأمّا ما كان مبناه على بقاء عينه والانتفاع به ـ مثل الفرش والأواني والألبسة والعبد والفرس والكتب ونحوها ـ فالأقوى عدم الخمس فيها، نعم لو فرض الاستغناء عنها فالأحوط إخراج الخمس منها و كذا في حليّ النسوان إذا جاز وقت لبسهنّ لها.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

لم يتمكّن من أدائه يُعدّ الأداء والإخراج من مؤنة ذاك العام.

ولكن التحقيق أنّ أداء الدين المطالب يعدّ من مؤنة السنة التي أدّى فيها دينه وإن كان السبب سابقاً من استدانة أو إتلاف أو قتل، لكن المسبب، أعني: لزوم إخراج ذمّته منه، متحقّق بالفعل كلزوم إطعام نفسه وعياله.

(*) أمّا الأوّل ، أعني: ما لو زاد ما اشتراه وادّخره للمؤنة وليس من شأنه البقاء فلأجل تبيّن الخلاف، وانكشاف أنّه لم يكن مؤنة وإنّما تخيّل حاجته إليه ولا وجه للاستصحاب موضوعياً كان أو حكمياً بعد انكشاف الخلاف فيشمله الإطلاق.

وأمّا الثاني: إذا بقي ما كان مؤنة من السنة السابقة إلى اللاحقة كالأواني والألبسة والفرش، فهل يجب فيها الخمس، أو لا؟ وجهان مبنيان على استظهارين من قوله ـ عليه السَّلام ـ :«الخمس بعد المؤنة» فإن قلنا بأنّ المتبادر منه هو أنّ وصف الشيء بالمؤنة في فترة من الفترات كاف في عدم تعلّقه به، وإن خرج عن المؤنة في أثناء السنة أو بعد انتهائها كما لو احتاج إلى شراء بعض الأعيان في بعض الشهور واستغنى عنه بقية السنة، فلا يتعلّق بها الخمس بعد انتهاء السنة.

وإن قلنا بأنّ الخارج ما يعدّ من مؤنة السنة مادام كونه من مؤنتها، فلو خرجت السنة وبقيت عينها لم يصدق عليها أنّها من مؤنة السنة التي ربح فيها،


(340)

بل هو بعد خروج السنة يعدّ غنماً وفائدة.

أقول: الظاهر عدم وجوب الخمس، لأنّ ما هو المؤنة في سنة الربح في مثل الدور والثياب والألبسة عبارة عمّا لا تفنى بانتهاء السنة، بل المؤنة في سنة الربح في مثل تلك الأشياء هي الأعيان التي تبقى سنين ولا تفنى بانتهائها، فهذه اللوازم بهذه الخصوصية تعدّ مؤنة لسنة الربح، وقد خرج عن تحت العام، وبقاؤها بعد انتهاء سنة الربح لا يخرجها عن كونها مؤنة لسنة الربح، فهذه الأشياء بهذه الخصوصية مؤنة السنة، وهي لا تنقلب عمّا هي عليها.

وبالجملة: كون الشيء مؤنة لسنة الربح على قسمين: قسم يكون مؤنة بوجوده المؤقّت كالأقوات، وقسم يكون مؤنة لها ومن شأنه البقاء مدّة تزيد على السنة فهو بهذا الوصف خرج عن تحت العام فلا معنى لتعلّقه به بعد انتهاء السنة.

وإن شئت قلت: إذا أحسّ الإنسان بحاجة إلى اللباس والفرش في سنة من السنين لا يقوم بابتياع ما يسدّ حاجته في تلك السنة خاصة، بل يقوم بابتياع ما من شأنه أن يسدّ حاجته سنين متمادية هذا هو طبيعة الإنسان وخاصة تلك اللوازم فإذا خوطب هذا الإنسان بقوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» يحكم على تلك اللوازم بالخروج عن تحت أدلّة الخمس إلى الأبد .قائلاً: بأنّـها من مصاديق مؤنة سنة الربح. ولا يلتفت إلى أنّها خرجت عن كونها مؤنة السنة بانتهاء السنة وبقاء تلك اللوازم، لما عرفت أنّ هذه الأُمور بتلك الخصوصية عُدّت من مؤنة سنة الربح لا بخصوصية كونها مؤقتة بالسنة.

وعلى ذلك فالمرجع هو عموم أو إطلاق الخمس بعد المؤنة من دون حاجة إلى استصحاب حكم المخصص .

هذا إذا خرجنا بهذه النتيجة، وإن شككنا بين النظرين فالاستصحاب


(341)

بعدم تعلّقه بها هو المحكّم، وذلك لأنّه كما يحتمل أن يكون الحكم دائراً مدار كونه مؤنة السنة، كذلك يحتمل أن يكون دائراً مدار صدق المؤنة في فترة من الفترات وإن خرجت عن كونها مؤنة بعدها.

وبعبارة أُخرى: يحتمل أن يكون الموضوع هو صدق المؤنة حدوثاً وبقاءً في الحكم، كما يحتمل أن يكون الموضوع صدقة حدوثاً لا بقاء، وهذا الاحتمال كاف في استصحاب عدم تعلّق الخمس به، نظير ذلك«الماء المتغير الذي زال تغيّره بنفسه» ومنشأ الشكّ هو احتمال أن يكون الحكم دائراً مدار التغير حدوثاً وبقاءً أو يكون الحكم دائراً مدار حدوثها آناً ما، و يكفي حدوثه كذلك في بقائها إلى الأبد، ومع هذا التردّد يصحّ استصحاب الحكم الشرعي لكون الترديد بين الأمرين موجباً لحدوث الشكّ في البقاء.

فإن قلت: كيف يتمسك باستصحاب حكم المخصص، مع أنّ الإطلاق الأحوالي للعام (لا الأفرادي لخروج الفرد عن تحته أثناء السنة قطعاً) حاكم على وجوب الخمس؟

قلت: إنّ الإطلاق الأحوالي تابع للإطلاق الأفرادي، فإذا خرج المورد عن تحت العام خروجاً أفرادياً فلا يبقى موضوع للإطلاق الأحوالي حتى يعمّ العام صورة الاستغناء عنه.

وبذلك يظهر حكم الصورة الثالثة، أعني: ما إذا خرج عن كونها مؤنة حتى في السنة اللاحقة كحلي النساء إذاجاز وقت لبسهن، فالحلي الخارج عن تحت الإطلاقات لم يكن إلاّ حليّاً قابلاً للبقاء بعد السنة أو السنين فهي بهذه الخصوصية الذاتية خرجت وعُدَّت من مؤنة سنة الربح فلا يضرّ خروجها عن المؤنة على الإطلاق.

أضف إلى ذلك أنّ العام أعني قوله سبحانه: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ


(342)

المسألة 68: إذا مات المكتسب في أثناء الحول بعد حصول الربح سقط اعتبار المؤنة في باقيه، فلا يوضع من الربح مقدارها على فرض الحياة.(*)

المسألة 69: إذا لم يحصل له ربح في تلك السنة وحصل في السنة اللاحقة لا يخرج مؤنتها من ربح السنة اللاحقة.(**)

ــــــــــــــــــــــــــ

شَيْء» ليس إلاّ عاماً أفرادياً لا زمان فيه، فإذا خرجت منه الألبسة أو الحُليّ في ظرف من الظروف، فالمحكّم هو إطلاق دليل المخصص إن كان، وإلاّ فعلى الاستصحاب إذ لا يعدّ بقاء الحكم في الزمان الثاني تخصيصاً جديداً فلو خرج الفرد سنة أو سنتين أوإلى آخر العمر لم يلزم أكثر من تقييد أو تخصيص واحد.

وهناك وجه آخر لعدم التعلّق وهو عدم صدق الغنم لا في القسم الثاني أعني الظروف والألبسة ولا في القسم الثالث كحليّ النساء لأنّ الغنم تجدد فائدة لم تكن موجودة. لا ما كان موجوداً ومحتاجاً إليه غير أنّه استغنى عنه، وبذلك يظهر عدم تمامية ما أفاده السيد الحكيم من أنّه إذا خرج عن كونه مؤنة قبل آخر السنة بمدة فهو لا ريب في صدق الفائدة عليه حينئذ وليس هو مؤنة، فيجب الخمس فيه.(1)

(*) لأنّ المدار على المؤنة الفعلية لا التقديرية، وأنّه لو كان حيّاً يموّن مقداراً خاصّاً.

وإن شئت قلت: لا موضوع للمؤنة بعد موت الرابح

(**) لانصراف الدليل إلى مؤنة الاكتساب أو الربح لا مطلق السنة، نعم لو


1 . المستمسك:9/544.


(343)

المسألة 70: مصارف الحجّ من مؤنة عام الاستطاعة فإذا استطاع في أثناء حول حصول الربح وتمكّن من المسير ـ بأن صادف سير الرفقة في ذلك العام ـ احتسب مخارجه من ربحه، وأمّا إذا لم يتمكّن حتّى انقضى العام وجب عليه خمس ذلك الربح، فإن بقيت الاستطاعة إلى السنة الآتية وجب وإلاّ فلا، و لو تمكّن و عصى حتّى انقضى الحول فكذلك على الأحوط و لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعدّدة وجب الخمس فيما سبق على عام الاستطاعة ، وأمّا المقدار المتمّم لها في تلك السنة فلا يجب خمسه إذا تمكّن من المسير وإذا لم يتمكّن ـ فكما سبق ـ يجب إخراج خمسه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

استدان لمؤنة تلك السنة وحصل له الربح في السنة اللاحقة جاز أداؤه من ربحها ولا يتعلّق به الخمس، لأنّ أداء الدين المطالب يُعدّ من المؤنة حين الأداء وسيوافيك بيانه في المسألة (71).

(*) قد عرفت أنّ مدار صدق المؤنة هو الصرف والإنفاق، وعلى ذلك فمصارف الحجّ من مؤنة عام الإتيان به فلو لم يأت به قصوراً أو تقصيراً يتعلّق به الخمس، ويعلم من التفصيل الذي ذكره المصنف في المسألة أنّ الميزان عام الإتيان لا عام الاستطاعة.

ثمّ إنّ الصور المستخرجة من المتن أربع:

الأُولى: إذا ربح واستطاع أثناء السنة وتمكّن من العمل وحجّ، يعدّ ما صرفه في ذلك العام من المؤنة بل هو من أوضح مصاديقها مع الإيجاب الشرعي.

الثانية: إذا ربح واستطاع ولم يتمكن من السير عن عذر حتى انقضى العام، وجب عليه خمس ذلك الربح، لأنّ عدم التمكّن كاشف عن عدم الوجوب عليه وأنّه لم يكن هناك موضوع للمؤنة، فحينئذ إن بقيت الاستطاعة إلى السنة


(344)

التالية وجب وإلاّ سقط.

هذا ممّا لا غبار عليه إنّما الكلام فيما إذا سجّل اسمه في إدارة الحجّ ودفع الثمن، ولكنّها تقوم بحمل الحجاج، بالتدريج، فخرج اسمه في غير سنة الربح، فهل يجب عليه خمس ذلك الثمن أو لا؟ الظاهر، لا، ـ خلافاً للمشايخ ـ للفرق بينه و بين الصورة الثانية، إذ المفروض أنّه صرفه وليس بيده شيء حتى يخمس، والتخميس متفرع على فسخ ما عقده مع إدارة شؤون الحجّاج واسترجاع الثمن ولا دليل على لزومه، والحكم ـ لزوم التخميس ـ لا يثبت موضوعه أي استرجاع ما دفعه، وتملّكه، و المقام نظير ما يشتري الإنسان أشياء لتجهيز بنته، والجامع هو أنّ الصرف يجعله من المؤنة.

الثالثة: تلك الصورة ولكنّه تمكّن وعصى وانقضى الحول، فيجب أداء خمسه، لعدم صرفه في أداء الواجب، فلا يكون مصداقاً للمؤنة، وهذا نظير ما إذا قتّر على نفسه ولم ينفق، فقد مضى تعلّقه به وأنّه لا يحسب له كما بيّنه في المسألة الخامسة والستين ـ و مع ذلك ـ فقد أفتى بعدم الاحتساب فيها، ولكنّه احتاط هنا، وذلك لتصوّر أنّ الأمر الشرعي بالإنفاق في المقام وإن لم ينفق ربّما يدخله تحت المؤنة، بخلاف ما إذا قتّر إذ ليس هناك أمر به، ولكنّه ضعيف، لما عرفت من أنّ المدار في صدقها هو الصرف والإنفاق والمفروض عدمه فيهما.

وأمّا وجوب الحجّ في العام القابل فلا شكّ في وجوبه إذا بقي على الاستطاعة مع أداء الخمس، وأمّا إذا خرج عنها بأداء الخمس فيجب عليه الحجّ متسكّعاً لسقوط شرطية القدرة الشرعية لأجل العصيان وكفاية القدرة العقلية.

الرابعة: لو حصلت الاستطاعة من أرباح سنين متعددة وجب الخمس فيما سبق عام الاستطاعة لعدم صدقها عليه، وإنّما الكلام في المقدار المتمم لها في تلك السنة فيجري فيه أحكام الصور الثلاث أيضاً.


(345)

المسألة 71: أداء الدين من المؤنة إذا كان في عام حصول الربح أو كان سابقاً و لكن لم يتمكّن من أدائه إلى عام حصول الربح، وإذا لم يؤدّ دينه حتّى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً، و أداء الدين ممّا بقي و كذا الكلام في النذور و الكفّارات.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ. إذا تمكّن من المسير وسار فلا يتعلّق به لكونه من أظهر مصاديق المؤنة.

ب. إذا تمكّن ولم يسر عصياناً وجب إخراج الخمس في المقدار المتمم حسب ما مرّ فيما إذا استطاع في عام واحد ويجب الحجّ متسكعاً لوخرج عن الاستطاعة بأدائه.

ج. إذا لم يتمكّن وجب إخراج الخمس دون الحجّ لكشف عدم التمكن، عن عدم وجوبه.

(*) حاصل ما أفاده أنّ الدَيْن إذا كان دين عام الربح فهو من المؤنة وإذا كان للعام السابق على عام الربح فليس منها إلاّ إذا كان غير متمكن من أدائه إلى عام الربح.

وبما أنّ الخارج من تحت العموم هو المؤنة، فالبحث مركّز على أنّ الدين هل هو من المؤنة أو لا؟ مع العلم بأنّه لا خصوصية للدين والملاك صدقها، وعلى ضوء ذلك فنقول: الدين إمّا أن يكون لعام الربح، أو للعام السابق عليه، أو للعام اللاحق ولا شق رابع له، فيبحث عن أحكام الشقوق الثلاثة.

أ. دين عام الربح

إنّ لدين عام الربح صوراً:

1. إذا استدان لمؤنة سنة الربح من المأكل والملبس والمسكن لتأمين مصارف


(346)

الكسب من أُجرة العمّـال والدلال فالكلّ من المؤنة، وسيوافيك عند البحث عن قول الماتن في تلك المسألة«وإذا لم يؤد دينه حتى انقضى العام...» أنّ مقدار الدين هنا مؤنة سواء وفى تلك السنة أم لم يف، لانطباق الضابطة، أعني: الحاجة والصرف حيث صرفه مشروطاً بردّ العوض، فصرف الدين كصرف عوضه، وعلى هذا فالمؤنة هنا هو مقدار الدين لا وفاؤه وأداؤه، مضافاً إلى أنّ الرائج هو تأمين المؤنة بوجوه مختلفة، تارة برأس المال، وأُخرى بالأرباح وثالثة بسائر الأموال ورابعة بالاستدانة حسَب الظروف المختلفة للمكتسب.

2. إذا حصل الدين بإتلاف أو جناية، فلا شكّ أنّه من مؤنة سنة الربح إذا أدّاه، وأمّا إذا لم يؤدِّه فالظاهر أنّه من مؤنة سنة الأداء، والفرق بين القسمين أنّ العرف لا يصف ما استحصله بالغُنْم ما لم يضع مؤنة الحياة ومؤنة نفس الكسب عنه، ولأجل ذلك كان مقدار الدين هنا من المؤنة بخلاف ما إذا جنى أو أتلف، فبما أنّه أمر منفصل عن نفس الكسب فلو أدّاه يحسب من المؤنة ويوضع من الربح بخلاف ما إذا لم يؤده.

3. إذا استدان لشراء ضيعة أو مسكن أو فرش من دون حاجة إليها مع بقاء عينها إلى آخر السنة فلا يحسب من المؤنة لعدم الحاجة إليها، فهو من قبيل تكثير المال ورفع الثروة ولو وضعه من الربح ينتقل الخمس إلى بدله، أعني: الأعيان المشتراة، فليس مثل ذلك الدين من مؤنة سنة الربح ولا من مؤنة سنة الأداء.

نعم إنّ أداء الدين من


(347)

الأغراض العقلائية لكنّه لا يوجب إلاّ جواز صرف الربح في أدائه لا وضع ما صرف فيه، خصوصاً بعد صدق الغنيمة على الأعيان المشتراة من غير فرق بين وجود مال آخر وراء الربح يصلح لأداء الدين منه أولا.

4. تلك الصورة، لكن مع تلف الأعيان المشتراة في أثناء السنة وكان الاشتراء للاقتناء لا للتجارة وإلاّ فلها أحكام خاصّة، فلا شكّ أنّ أداء الدين من الأغراض العقلائية ويحسب من المؤنة بشرطين:1. أن لا يكون له مال آخر، 2. أن يصرف الربح في أداء الدين فليس نفس الدين في المقام من المؤنة بل أداؤه مع الشرط.(1)

وهذا نظير أرش الجناية وقيمة الإتلاف فإنّما يحسب من المؤنة إذا قام بالأداء وإلاّ فلا يعدّ من المؤنة وقد عرفت حكم العرف بالفرق بين الاستدانة للملبس والمأكل وبين سائر الموارد، ففي الأوّل لا تصدق الغنيمة إلاّ بوضع ما استدان في ذلك السبيل بخلاف ما إذا صار مديوناً بأسباب اختيارية كشراء أعيان ـ وإن تلفت لا باختيار ـ أو أسباب قهرية فالمؤنة هناك هو الأداء لا التقدير.

والحاصل ، أنّه فرق بين الاستدانة للمؤنة في عام الربح وبين صيرورته مديوناً ، للجناية والإتلاف في ذاك العام، ففي الأوّل نفس الدين من المؤنة بخلاف القسم الآخر، فالمؤنة فيه هو الأداء والوفاء ولو لم يتحقق لا يكون مؤنة.

نعم أقصى ما يمكن أن يقال في القسم الأوّل، إنّ الدين من المؤنة ولكن مشروطاً بعدم الإبراء فلو أبرأ كشف عن عدم كونه مؤنة.

ب. الدين السابق على عام الربح

أمّا الدين السابق على عام الربح فله صور:

1. إذا استدان في عام سابق عليه وكانت الغاية صرفه في مؤنة عام الربح وصرفه فيه فيكون من مؤنته .

2. إذا استدان لابتياع مسكن أو ملبس يسكنه أو يلبسه في كلا العامين فهو


1 . ولا ينافي ذلك ما يأتي في المسألة الثالثة والسبعين من أنّ تلف غير رأس المال لا يجبر بالربح، للفرق الواضح بينه و بين المقام، لأنّ التالف في المقام دين مطالب وليس له مال آخر بخلاف تلف متاع البيت الذي لا يعدّ من رأس المال.


(348)

من مؤنة عام الربح، لأنّه محتاج إليه في كلّ عام من غير فرق بين قدرته على أدائه أم لا.

3. إذا استدان لابتياع بضاعة وبقيت إلى العام اللاحق ولم يكن مورد الحاجة وبما أنّ الغاية هو الاقتناء وتكثير الثروة فلا يعدّ من المؤنة مطلقاً أدّاه من ربح العام اللاحق أم لم يؤدّه، ولو أدّاه من الربح ينتقل الخمس إلى مقابله كما هو الحال في تصرّف التاجر في الأرباح فيتصرّف فيها بالبيع والشراء طول السنة مرّات فيستقرّ الخمس في البدل المقابل.

4. هذه الصورة مع عدم بقاء العين، فهل يعدُّ الأداء من المؤنة، أو يفصّل بين كونه متمكّناً منه في السابق وعدمه، أو بين تمكّنه من مال آخر يمكن أداء الدين به وعدمه، الحقّ هو الأخير، وأمّا التفصيل بين تمكّنه حين الاشتراء وعدمه فليس له أيّ دخل في عدّه من مؤنة عام الربح، لأنّ العام الذي اشترى فيه مضى وانتهى وقد تلفت العين فتمكّنه منه في ذاك الوقت لا يؤثر في عدّه من المؤنة في العام اللاحق وإنّما المؤثّر تمكّنه في العام اللاحق من أدائه من مال آخر أو لا، فعلى الأوّل ، فالأداء وإن كان من الأغراض العقلائيّة لكنّه ليس متعيّناً أداؤه من الربح، إذ نسبة الدين إلى الربح والأموال الأُخر سواسية والمفروض أنّ الدين سبق على عام الربح فلا يتبادر من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة» كون أداء الدين منها مطلقاً إلاّ إذا كان غير متمكن من الأداء فيعدّ حفظ العِرْض من المؤنة، ولو كان السبب سابقاً.

5. إذا استدان للصرف في مؤنة السنة السابقة ولم يربح فيها إلاّ أنّه ربح في السنة اللاحقة فنفس الدين وإن لم يكن مؤنة لذاك العام إلاّ أنّ أداءه من المؤنة لأنّه من أعلى الأغراض العقلائية.

والكلام فيه كالكلام في الشق الرابع، وحاصله أنّ نفس دين العام السابق


(349)

المسألة 72: متى حصل الربح و كان زائداً على مؤنة السنة تعلّق به الخمس، وإن جاز له التأخير في الأداء إلى آخر السنة فليس تمام الحول شرطاً في وجوبه، وإنّما هو إرفاق بالمالك لاحتمال تجدّد مؤنة أُخرى زائداً على ما ظنّه فلو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس، وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــ

لا يعدّ مؤنة بالنسبة إلى عام الربح بخلاف دين نفس عام الربح فإنّ نفسه تعدّ مؤنة لما عرفت من جريان السيرة على رفع الحاجة من الربح ورأس المال والدين ثمّ الحكم بأنّه مغتنم أو لا، ولأجل ذلك لا يعدّ من المؤنة إلاّ إذا أدّاه.

وبذلك يعلم حال قول الماتن:«وإذا لم يؤدّ فيه حتى انقضى العام فالأحوط إخراج الخمس أوّلاً وأداء الدين ممّا بقي» فإنّ ذلك إنّما يصحّ في غير ما يعدّنفس الدين مؤنة وأمّا فيه فنفس الدين مؤنة أدّى أو لا، غاية الأمر مشروط بعدم الإبراء.

وأمّا قوله:«وكذا الكلام في النذور والكفّارات».

فما يبرّ به نذره ويقوم بواجب الكفارة إنّما يعدّمؤنة إذا قام بصرفه وأدّى لا في غيره فهو من مؤنة سنة الوفاء بالنذر وإنجاز الكفّارات لا سنة الربح.

ج: الدين اللاحق لعام الربح

إذا استدان، لمؤنة العام اللاحق فلا يوضع من ربح العام السابق لتعلّق الخمس بالربح كلّه ولا صلة للاستدانة للعام اللاحق بهذا الربح.

*الكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في تعيين زمان الحكم الوضعي، أعني: تعلّق الخمس.

الثاني: في زمان تعيين الحكم التكليفي، أعني: وجوب الأداء.


(350)

مبدأ تعلّق الخمس (الحكم الوضعي)

هل الخمس يتعلّق بظهور الربح ولا يشترط بانقضاء الحول كما عليه المشهور من عصر المحقّق إلى زماننا هذا، أو يتوقّف وجوبه على انقضاء الحول فلا وجوب قبله؟

قال في الحدائق:واعتبار الحول هنا ليس في الوجوب بمعنى توقّف الوجوب عليه، خلافاً لابن إدريس كما نقله عنه في الدروس، بل بمعنى تقدير الاكتفاء، فلو علم الاكتفاء في أوّل الحول، وجب الخمس ولكنّه يجوز تأخيره احتياطاً له وللمستحق، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أونقصها، كما صرّح به شيخنا الشهيد في البيان.(1)

وقال في الجواهر: وكذا لا اعتبار للحول في الأرباح أيضاً على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً، بل لا أجد فيه خلافاً، إلاّ ما يحكى عن السرائر اعتباره مع أنّ عبارتها ليست بتلك الصراحة، بل ولا ذلك الظهور كما اعترف به بعضهم، بل قد وقع لمثل العلاّمة في المنتهى ـ ممّن علم أنّ مذهبه عدم اعتبار ذلك ـ بعض العبارات الظاهرة في بادئ النظر في عدم الوجوب إلاّ بعد الحول المراد منها بعد التروّي، التضييق كعبارة السرائر.(2)

وعلى أيّ حال فقد اتّفقت كلمتهم على عدم اعتبار الحول، ولكن يؤخر احتياطاً للمكتسب وإرفاقاً به.

وفي الروايات إشعارات بذلك وربّما تصل إلى حدّ الدلالة.

1. ما في رواية حكيم مؤذن بني عيس في تفسير الآية: «هي واللّه الإفادة يوماً


1 . الحدائق: 12/353.
2 . الجواهر:16/79.


(351)

فيوم إلاّ أنّ أبي جعل شيعتنا من ذلك في حلّ ليزكُوا».(1) فالإفادة فيها تفسير للغنيمة الواجب فيها الخمس و«يوماً» ظرف للإفادة.

2. ما في رواية عبد اللّه بن سنان: «حتى الخيّاط يخيط قميصاً بخمسة دوانيق فلنا منه دانق».(2)فالمتبادر منه وجوبه يوم الحصول غير أنّه تخرج منه المؤنة فقط، وهو ليس موقوفاً على مضي السنة.

3. قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية علي بن مهزيار: «ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته و من كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته».(3) فجعل الملاك كفاية الضيعة المؤنة وعدم كفايتها لا مضيّ الحول، لأنّ الكفاية لا تتوقف على الحول.

ومثله قوله ـ عليه السَّلام ـ في رواية شجاع النيشابوري:«الخمس ممّا يفضل من مؤنته».(4) فالملاك فضل الربح من المؤنة.

4. وفي الروايات ما يشمل على لفظ«بعد المؤنة» و هو يحتمل وجهين الأوّل: المراد منه، «البعد» الرُتبيّ والمراد من «المؤنة» المؤنة التقديرية لا الخارجية ونظير قوله سبحانه: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَين» .(5)

إذ المراد أنّ الورّاث يرثون السهام بعد وضع الوصية والدين، فالوراثة محققة وإن لم يفرز في الخارج، ويحتمل أن يكون المراد هو «البعد» الزماني و المؤنة الخارجية، وإن كان الأوّل أظهر، ولأجل ذلك تعدّ دلالة هذا الصنف أضعف من السابق.


1 . الوسائل: 6، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 8.
2 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
3 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
4 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 8و5و2.
5 . النساء:11.


(352)

الاستدلال على القول الآخر

يمكن الاستدلال على القول الآخر وهو أنّ ظرف التعلّق هو نهاية العام بوجهين:

1. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار :«فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».(1)

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من العبارة هو وجوب الخمس فيهما في كلّ عام بخلاف غيرهما فإنّه إنّما يجب في سنة خاصّة أو لا يجب أبداً حيث قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام، ولا أوجب عليهم إلاّ الزكاة التي فرضها اللّه عليهم وإنّما أوجبت عليهم الخمس في سنتي هذه في الذهب والفضة التي حال عليهما الحول ولم أوجب ذلك عليهم في متاع ولا آنية ولا دواب ولا ربح ربحه في تجارة ولا ضيعة إلاّ في ضيعة سأفسر لك تخفيفاً منّي عن موالي ومنّاً منّي عليهم لما يغتال السلطان من أموالهم ولما ينوبهم في ذاتهم فأمّا الغنائم والفوائد، الخ»، ترى أنّ العناية في العبارة على أُمور ثلاثة:

أ. ما لا يجب مطلقاً كما في الأمتعة ونحوها.

ب. أو يجب مرّة واحدة في السنة كما في الذهب والفضّة.

ج. أو يجب في كلّ عام كما في الغنائم. فالحديث في بيان الإيجاب مرّة واحدة طول إمامته أو في كلّ عام وليس بصدد بيان شرطية انقضاء الحول في تعلّق الوجوب.

2. التمسك بأصل البراءة من الوجوب قبل انقضاء الحول أو عدم إمكان العلم بمقدار المؤنة.


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5.


(353)

يلاحظ عليه : أنّ الأصل مندفع بالأدلّة الاجتهادية وعدم العلم بمقدار المؤنة لا يوجب الضرر على واحد منها لجواز تأخير إخراج مقدار من الخمس للمؤن المحتملة كما سيوافيك.

هذا كلّه في تعيين زمان التعلّق وبيان زمان الحكم الوضعي، وإليك الكلام في مبدأ التكليف بالأداء.

مبدأ التكليف بالأداء

إنّ في المقام احتمالات ووجوهاً نشير إليها:

الأوّل: أن يكون واجباً في زمان ظهور الربح لكن موسعاً إلى انقضاء السنة فيكون مضيّقاً بمعنى وجوبه فوراً ففوراً.

الثاني: أن يكون مشروطاً بحلول الحول، وعلى ذلك فلو افترضنا القطع بعدم الصرف في المؤنة إلى نهاية السنة لم يجب الأداء فعلاً فيجوز التأخير لعدم تحقّق الشرط.

الثالث: أن يكون مشروطاً بعدم الصرف في المؤنة بنحو الشرط المتأخّر استظهاراً من قوله ـ عليه السَّلام ـ : «الخمس بعد المؤنة».

والمراد من الشرط المتأخّر كفاية العلم بالزيادة على المؤنة، فتكون النتيجة هو الوجوب عند حصول العلم وإن لم يحلّ الحول ويتردّد بين الوجوب الموسَّع فيتّحد مع القول الأوّل، أو المضيق.

والظاهر هو القول الأوّل ويدلّ عليه:

1. السيرة المستمرّة ، ولزوم الحرج في إخراج خمس كلّ ربح برأسه دون الصبر إلى انقضاء السنة، خصوصاً في المكاسب التي لا تنفك عن الربح التدريجي.


(354)

المسألة 73: لو تلف بعض أمواله ـ ممّا ليس من مال التجارة ـ أو سرق أو نحو ذلك لم يجبر بالربح و إن كان في عامه إذ ليس محسوباً من المؤنة.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــــ

2. قوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام » فإنّها ظاهرة في وجوب الخمس فيها في كلّ عام مرّة واحدة لا مرّات ولا في كلّ يوم.

ويترتّب على ذلك جواز التصرّف في الأرباح والمعاملة عليها لما عرفت من أنّ التفكيك مستلزم للحرج وموجب لاختلال نظام المعاملات كما لا يخفى.

كما يترتّب عليه ما ذكره الماتن، من أنّه: لو أسرف أو أتلف ماله في أثناء الحول لم يسقط الخمس وكذا لو وهبه أو اشترى بغبن حيلة في أثنائه.

(*) بين هذه المسألة وما يأتي بعدها صلة واضحة، وذلك لأنّ الخسارة تارة تكون متوجهة إلى الأمر الخارج عن دائرة التجارة كما إذا كانت له أنعام فتلفت بالسيل، أو بيت فانهدم بالزلزلة، وأُخرى إلى الأمر الداخل في دائرتها، والبحث في هذه المسألة مختص بتلف ما هو خارج عن دائرة التجارة كالأشياء المقتنية، والثانية مختصة بتلف ما هو داخل فيها.

أمّا الأقوال في المسألة: فهي بين القول بعدم الجبر مطلقاً، أو الجبر كذلك، أو التفريق بين القول باختصاص الخمس بأرباح المكاسب، أو التعميم لمطلق الفائدة من وصية أو لقطة أو هبة أو وقف، ونحو ذلك ممّا هو خارج عن الكسب فلا يجبر بربح الاكتساب، الخسران الواقع في غيره على الأوّل ويجبر بربح الاكتساب مطلق الخسران سواء كان في الاكتساب أو في غيره، على الثاني.


(355)

أمّا الأوّل: فهو خيرة الشيخ الأنصاري في كتاب الخمس، قال:وأمّا التالف من المال فلا يجبر بالربح قطعاً، لأنّ التلف لا يمنع صدق الاستفادة على الربح، وجبر التالف ليس من المؤنة.(1) وتبعه المصنف حيث علّل الحكم بأنّه ليس محسوباً من المؤنة.

أقول: إنّ للتالف حالات ثلاث:

1. أن يكون التالف ممّا يعدّ من المؤنة كالمسكن إذا خرب أو الملبس إذا سرق وكان الإنسان في حاجة إليهما فلا شكّ أنّه يجبر إذا صرف الربح فيهما في أثناء السنة، لكنّه خارج عن محطّ البحث واستثناؤه عنه أشبه بالاستثناء المنقطع.

2. تلك الصورة لكنّه لم يصرف فيكون حاله حال المقتر على نفسه، وقد عرفت أنّه يشترط في صدق المؤنة الحاجة والصرف، والأوّل موجود والثاني ليس بموجود، ولا يقاس بالدين الحاصل في عام الربح لأجل المؤنة، فانّ نفس الدين قائم مقام صرف العوض فكأنّ العوض أيضاً قد صرف.

3. إذا كان التالف ممّا لا يحتاج إليه في المعيشة، فلا شكّ أنّ موضوع الخمس وهي الغنيمة حاصل غير أنّ الصرف في المؤنة موجب لانعدامه وهو مفروض الارتفاع فلا معنى لعدم تعلّقه.

وأمّا القول الثاني:(2) فهو مبنيّ على المنع من صدق الاستفادة عرفاً مع تلفه.(3)


1 . كتاب الخمس: 213.
2 . وما ذكرناه من التعليل أولى من تعليل الماتن، من قوله: «إذ ليس محسوباً من المؤنة» أي ليس الجبر محسوباً منه، لأنّ عدم كونه محسوباً منها مآله إلى عدم المانع، ولكنّه لا يدل على وجود المقتضي، ولأجل ذلك يجب إكمال التعليل بما ذكرناه.
3 . وهو خيرة السيّد الحكيم في المستمسك لاحظ :9/552.


(356)

يلاحظ عليه: أنّه كيف لا تصدق الاستفادة، مع أنّه ربح في التجارة؟ وتوجّه الخسران إليه من جانب آخر لا صلة له بالتجارة لا يوجب سلبه، نعم لو لوحظ التالف مع الربح ووضع عنه لما يصدق عليه أنّه ربح وهو أوّل الكلام.

وأمّا الثالث: أعني: التفصيل ، فمبني على القول بعموم وجوب الخمس لكلّ الفوائد، فإذن يكون الجميع ملحوظاً بلحاظ واحد ويكون موضوعاً فالجبر يكون في محلّه، وهذا بخلاف ما إذا قلنا باختصاصه بالاكتساب، فلا يجبر بربحه الخسران الواقع في غير الاكتساب.

وربّما يقال: إنّ كلامنا في الجبر لا فيما يجب فيه الخمس، فمتعلّق الوجوب أيّاً ما كان حتى العنوان الخاص أو العام لا تنجبر به الخسارة الخارجية إذ لا علاقة بينهما ولا ارتباط حسبما عرفت، وتلك الخسارة كما لا توجب زوال الربح لا توجب زوال الفائدة بمناط واحد.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الاختلاف في متعلّق وجوب الخمس مؤثر في المقام، لأنّ القول بالاختصاص يقطع الصلة بين التالف ومورد الخمس فلا يبقى وجه للجبر، والقول بالعموم يدخل التالف تحت الفوائد، فيكون الجميع محكوماً بحكم واحد، فيجبر التالف بربح الآخر.

وهناك تفصيل رابع، يظهر من كثير من المعلّقين، من الفرق بين ما يحتاج إليه في المعيشة وما لا يحتاج.

يلاحظ عليه: أنّه خارج عن محطّ البحث وكون التالف من لوازم المعيشة إنّما يستلزم القول بجواز الجبر إذا صرف الربح في أثناء السنة في تهيئته،وأمّا إذا لم يصرف فلا، وعلى ذلك فالأحوط لو لم يكن الأقوى هو عدم الجبر.


1 . مستند العروة:276، كتاب الخمس.

Website Security Test