welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب

نام کتاب : الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء*
نویسنده :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الخمس في الشريعة الإسلامية الغرّاء


(295)

عوض الخلع والمهر

إنّ في صدق الغنم والفائدة عليهما غموضاً، بل هو أشبه بتبديل شيء بشيء، فالمهر في مقابل البضع والتسلّط عليها بأنواعه، وهي وإن كانت تفوز بمال لكن في مقابل ماتبذل من رأس مالها، واللّه العالم إنّها نفعت أو خسرت. ويقابله الخلع فالرجل يرفع سلطانه على المرأة وتمتعه بها في مقابل عوض الخلع فأشبه بمعاوضة شيء بشيء، أضف إلى ذلك أنّه لو وجب الخمس فيهما لبان لكثرة الابتلاء بهما.

تعلّق الخمس بأُجرة الحجّ

إذا آجر نفسه للحجّ عن الغير وتملّك الأُجرة فلا شكّ أنّه لا يتعلّق الخمس قبل القيام بالحجّ، إنّما الكلام إذا صرف الأُجرة في الحج وفضل منها شيء فلا وجه لعدم تعلّقه به بعد صدق كونه من مصاديق ما يفوز به الإنسان ويستفيد.

نعم يظهر من صحيح محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب عن علي بن مهزيار عدم تعلّقه به مطلقاً. قال : كتبت إليه: يا سيّدي رجل دُفع إليه مال يحجّ به، هل عليه في ذلك المال ـ حين يصير إليه ـ الخمس، أو على ما فضل في يده بعد الحجّ؟ فكتب ـ عليه السَّلام ـ : «ليس عليه الخمس».(1) وبما أنّ التخصيص بعيد، لابدّ من تأويل الرواية بالحمل على الصورة الأُولى، وإن كان على خلاف الظاهر.

إكمال

إذا آجر نفسه أكثر من سنة واحدة وأخذ تمام الأُجرة، فيقع الكلام في


1 . الوسائل: ج6،الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1.


(296)

وجوب تخميس تمام ما أخذ، أو إتمام ما بقي إذا صرف شيئاً منه في مؤنة سنته، أو لا يتعلّق إلاّ بما يقابل عمل السنة الأُولى، وأمّا ما يقابل عمل السنة الثانية فلا يتعلّق به الخمس إلاّ بعد انقضاء السنة الثانية.

ومثله ما إذا آجر نفسه للحجّ في السنة القادمة وأخذ الأُجرة بتمامها، فهل يتعلّق الخمس بما أخذ، أو بما بقي منه في السنة الأُولى قبل أن يحجّ أو لا يتعلّق، إلاّ إذا انقضت السنة الثانية وفضلت الأُجرة بتمامها أو ببعضها عن مؤنة سنتها؟

الظاهر هو الثاني لأنّ ما يتعلّق بغير السنة الأُولى لا يوصف بالغنم والفائدة، بل هو مدين في مقابل الأُجرة الباقية نظير ما إذا استدان ولم يصرفه إلى نهاية السنة والمتبادر من موثقة سماعة «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير»(1) ما إذا خلص الباقي، ولم يتعلّق بذمة المكلّف في مقابله دفع مثله أو عمل، وهذا في الوضوح بمكان.

إتمام الكلام ما إذا آجر داره سنتين وأخذ تمام الأُجرة بتمام أنّه لا يعدّ ديناً بل خلص له الأُجرة في السنة التي آجر الدار وإن كانت الأُجرة مقسطة على الانتفاع من الدار سنتين، فلا يبعد تعلّق الخمس به باستثناء الخسارات التي تتوجه إلى الدار طيلة الاستفادة منها فلا يصدق على تمام الأُجرة أنّه فائدة وغنيمة بل قسم منه ما يتدارك به خسارة الدار.

وربّما يقال باستثناء ما يوجب نقصاً في مالية العين ضرورة أنّ الدار المسلوبة المنفعة تسوى بأقل منها لو لم تكن مسلوبة، فكانت تقوم الدار بألف ومع السلب بثمانمائة فلو أجر الدار سنتين بأربعمائة دينار، وصرف مائة دينار في مؤنة السنة الأُولى، وبقي له ثلاثمائة دينار، فلا يتعلّق الخمس إلاّ بمائة دينار، لأنّ المائتين منها يجبر به النقص الوارد على الدار الناشئ من كونها مسلوبة المنفعة سنتين.(2)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8، من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
2 . مستند العروة الوثقى: 220ـ 221 بتلخيص، كتاب الخمس.


(297)

المسألة 50: إذا علم أنّ مورّثه لم يؤدّ خمس ما تركه وجب إخراجه سواء كانت العين الّتي تعلّق بها الخمس موجودة فيها، أو كان الموجود عوضها، بل لو علم باشتغال ذمّته بالخمس وجب إخراجه من تركته مثل سائر الديون.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

يلاحظ عليه: أنّ انخفاص القيمة عند إجارة الدار أمر مؤقت ولذا لو انقضت مدة الإجارة تقوم بألف أيضاً أو أزيد فلا يعد مثل هذا خسارة إلاّ إذا باعها في نهاية السنة الأُولى بثمانمائة لا ما إذا أبقاها حتى انتهت الإجارة وصارت يعامل عليها بنفس القيمة الأُولى.واللّه العالم.

(*) لا يخفى، أنّه لو كان الخمس ديناً في ذمّة الميت يجب إخراجه مثل سائر الديون لقوله سبحانه: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَو دين».(1)

إنّما الكلام إذا كانت العين موجودة أو تبدل إلى عين أُخرى، فإن كان المورِّث ممّن لا يعتقد بوجوب الخمس فسيوافيك تحليله من جانب الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، وأمّا إذا كان معتقداً فتساهل في دفعه فلا وجه للسقوط بالموت، فيتعلّق الخمس بالعين أو بدلها.

ولكن الكلام في صحّة المعاملة الواقعة عليها فيختلف حكمها حسب اختلاف المباني في كيفية تعلّق الخمس. ويظهر من قول المصنف: «بل كان الموجود عوضها» صحّة المعاملة مطلقاً، ولكنّها ليست على إطلاقها.

فنقول هنا صور:

1. إذا قلنا بتعلّقه بالعين على نحو الإشاعة أو الكلي في المعيّن، فلو كانت


1 . النساء:12.


(298)

المسألة 51: لا خمس فيما ملك بالخمس أو الزكاة أو الصدقة المندوبة وإن زاد عن مؤنة السنة، نعم لو نمت في ملكه ففي نمائها يجب كسائر النماءات.(*)

ـــــــــــــــــــــــــ

المعاملة في أثناء السنة فتصح، لأنّ له الولاية في تبديلها إلى جنس آخر أو إلى نقد.

2. إذا كانت المعاملة بعدها، وأمضاها الحاكم صحّت وانتقل الحقّ إلى العوض.

3. تلك الصورة ولكن لم يمضه فتبطل المعاملة بمقدار الخمس فله الرجوع إلى كلّ من البائع والمشتري لتوارد أيديهما عليها ، وبذلك يظهر أنّ قول الماتن قدَّس سرَّه : «لو كان الموجود عوضها» ممّا لا حاصل له على هذا المبنى، بل العوض مشترك بين البائع والمشتري وسهم أصحاب الخمس منحصر في المبيع.

4. إذا قلنا بتعلّقه عليه كتعلّق الحقّ، كحقّ المرتهن على العين المرهونة فالمعاملة بعد السنة فضوليّة، وإنّما تتنجّز بعد فكِّها عن حقّ أصحاب الخمس بأدائه من دون حاجة إلى إذن الحاكم، وأمّا إذا لم يؤدّ فالصحة موقوفة على إذن الحاكم حتى ينتقل الحقّ إلى العوض.

5. إذا قلنا بأنّ متعلّق الخمس هو المالية الكلية السيالة بين العين وعوضه وليست نفس المال بشخصه متعلّقة له ،فيصحّ البيع ويستقرّ حقّ أصحابه على العوض، وسيوافيك توضيحه.

(*) هذا على القول بجواز الإعطاء بما يزيد على سنة، وإلاّ فلا تتصور الزيادة ولا يملكها، نعم لو قتّر على نفسه أو أهدي إليه شيء في أثناء سنته يزيد ما أخذ على مؤنة سنته.


(299)

فيقع الكلام في تعلّق الخمس عليه، أو لا، لا شكّ في تعلّقه على نمائه كسائر النماءات كما إذا زادت الأنعام بالتوالد والتناسل، أو أثمرت الشجرة فزادت عن مؤنة سنته، فإنّ النماءات فوائد وعوائد لا تقصر عن سائر الفوائد والعوائد.

إنّما الكلام في تعلّقه بنفس ما أخذه خمساً وزاد عن مؤنة سنته، وقد استدل على عدم التعلّق بوجوه:

1. إنّه ملك للسادة والفقراء، فكأنّه يدفع إليهم ما يطلبونه فيشكل صدق الفائدة.

يلاحظ عليه: أنّه لامنافاة بين كونه ملكاً ومطلوباً لهم وبين تعلّق الخمس إذا زاد عن المؤنة كأُجرة الأجير وثمن المبيع فالكلّ ملك للأجير والبائع، ومطلوب لهم، مع أنّه يتعلّق بهما الخمس إذا زاد عن المؤنة.

2. ما رواه سهل بن زياد ـ و الأمر فيه سهل ـ عن محمّد بن عيسى (وليس المراد منه والد أحمد بن محمّد بن عيسى القمي، بل المراد منه هو ابن عبيد بقرينة نقل سهل عنه الذي اعتمد عليه النجاشي (1) وإن ضعّفه ابن الوليد استاذ الصدوق وقال: ما تفرّد به محمّد بن عيسى من كتب يونس وحديثه، لا يعتمد عليه) عن علي بن الحسين بن عبد ربّه الذي كان وكيلاً للإمام الهادي ـ عليه السَّلام ـ وكفى في الاعتماد عليه، قال: سرح الرضا ـ عليه السَّلام ـ بصلة إلى أبي فكتب إليه أبي، هل عليّ فيما سرحت إليّ خمس؟ فكتب: «لا خمس عليك فيما سرح به صاحب الخ(2)مس». أي فيما سهّل به صاحب الخمس.

لا شكّ أنّ المال المعطى لم يكن من ماله الشخصي، وإلاّ لم يقل فيما سرح به صاحب الخمس، فالتعليق يدل على أنّ المال كان من الخمس، إنّما الكلام هل


1 . رجال النجاشي: ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى برقم 940.
2 . الوسائل: ج6، الباب 11 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2.


(300)

كان عمله من باب تطبيق الكلي على الفرد، والعنوان على المعنون، وأنّ الآخذ كان من أصحاب الخمس فعند ذلك يدلّ على الحكم المطلوب وأنّ المال إذا ملكه شخص من باب الخمس فلا خمس فيه إذا زاد عن مؤنته؟

أو كان المال من أموال الخمس لكن الإمام أعطى له هديّة تسهيلاً وعندئذ لا يدل على الحكم المطلوب وإنّما يدلّ على أنّ الهدية من أصحاب الخمس لا خمس فيه. لا كلّ مملوك من باب الخمس لا خمس فيه؟

وبعبارة أُخرى: هل الإمام بعطائه حاول تطبيق آية الخمس على موردها، أو أنّه حاول تسريح وكلائه بالخمس فأهداه شيئاً من مال الخمس ولاية؟ فعلى الأوّل يدل على المطلوب وأنّ المأخوذ خمساً لا خمس فيه، وعلى الثاني يدلّ على أنّ المملوك من مال الخمس هديّة لا خمس فيه.

نعم لا يدل على عدم الخمس إذا أهداه من أموالهم الشخصية، والرواية ظاهرة في الصورة الثانية.

3. قوله ـ عليه السَّلام ـ في مرسلة حمّاد: «وليس في مال الخمس زكاة».(1) وذلك بتنقيح المناط فلا خمس في مال الخمس.

يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه أشبه بالقياس ـ أنّ الاستدلال بالحديث ناش من الغفلة عمّا في ذيله فهو يوضح المراد من الجملة، وحاصله أنّ عدم تعلّق الزكاة بمال الخمس لأجل كفاية الزكاة لرفع حاجة الفقراء، فلا فقير بعد الزكاة حتّى تتعلّق الزكاة بمال الخمس، ولذلك لم يكن على مال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والولي ـ عليه السَّلام ـ زكاة، لأنّه لم يبق فقير محتاج كما أنّ الخمس أغنى أقرباء رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلم يبق فقير منهم ببركة الخمس فالخمس أغناهم عن كلّ شيء سواه.

وأين هذا من الدلالة على عدم تعلّق الخمس بالمأخوذ خمساً إذا زاد عن


1 . الوسائل: ج6 ، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.


(301)

المسألة 52: إذا اشترى شيئاً ثمّ علم أنّ البائع لم يؤدّ خمسه كان البيع بالنسبة إلى مقدار الخمس فضوليّاً فإن أمضاه الحاكم رجع عليه بالثمن ويرجع هو على البائع إذا أدّاه، و إن لم يمض فله أن يأخذ مقدار الخمس من المبيع، وكذا إذا انتقل إليه بغير البيع من المعاوضات، وإن انتقل إليه بلا عوض يبقى مقدار خمسه على ملك أهله.(*)

ــــــــــــــــــــــــ

المؤنة؟ وعلى الجملة فلم نجد دليلاً صالحاً على عدم تعلّق الخمس بالمال المأخوذ خمساً، إلاّ إذا كان المأخوذ عطاء من صاحب الخمس منه وهدية من صاحب الولاية، والمتعارف عند الدول أخذ الضرائب عن الموظفين الذين يعيشون بالضرائب التي يدفعها الناس إلى الدولة وهي تحرسهم بها.

وعلى كلّ تقدير فقول الماتن:« أو الصدقة المندوبة » فالتقييد بالمندوبة خال عن الوجه، بل الواجبة كالكفّارات و المندوبة سواء، والتشكيك في صدق الفائدة بالنسبة إلى الخمس والزكاة والنماءات غير المقصودة، كما ترى.

(*) ما ذكره مبني على القول بالشركة سواء كان بنحو الإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، فإن أمضاه يتخيّر في الرجوع، فله أن يرجع إلى البائع كما أنّ له أن يرجع إلى المشتري، فلا يتعيّن الرجوع إلى الثاني كما هو ظاهر المتن لترتب أيديهما على المبيع، وإجازة البيع ليس بمعنى رفع الضمان، كما أنّه مع عدم الإمضاء إنّما يرجع إلى المشتري إذا كانت العين باقية، فأمّا إذا تلفت فله أن يرجع إلى أحدهما بالبدل مثليّاً كان أو قيميّاً لجريان أيديهما عليه.

هذا كلّه على القول بالشركة أو الكلي في المعيّن، وأمّا على القول بأنّ تعلّق الخمس عليه كتعلّق حقّ المرتهن على العين المرهونة فهنا صور:


(302)

المسألة 53: إذا كان عنده من الأعيان الّتي لم يتعلّق بها الخمس أو تعلّق بها لكنّه أدّاه فنمت و زادت زيادة متّصلة أو منفصلة وجب الخمس في ذلك النماء. وأمّا لو ارتفعت قيمتها السوقيّة من غير زيادة عينيّة لم يجب خمس تلك الزيادة لعدم صدق التكسّب، ولا صدق حصول الفائدة. نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن، هذا إذا لم تكن تلك العين من مال التجارة و رأس مالها كما إذا كان المقصود من شرائها أو إبقائها في ملكه الانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها، وأمّا إذا كان المقصود الاتّجار بها ، فالظاهر وجوب خمس ارتفاع قيمتها بعد تمام السنة إذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. إذا أدّى الخمس يتنجّز البيع، فيكون من مصاديق من باع ثمّ ملكه، أي تسلّط على البيع الصحيح كما في المقام بلا حاجة إلى إذن الحاكم.

2. إذا لم يؤدِّ وأمضاه الحاكم مطلقاً، فلا تكون العينُ ولا العوض متعلّقاً للحقّ.

3. تلك الصورة لكن أمضاه مشروطاً بأداء الخمس تكون العين متعلّقاً للحقّ لدى المشتري.

4. إذا لم يؤدّ ولم يمضه، يكون حكمه حكم الثالثة، وأمّا على القول بأنّ المشاع هو المالية الكلية فتصح المعاملة ويكون العوض متعلّقاً للخمس على النحو المفروض.

ثمّ إنّ الظاهر من النص الوارد في باب الزكاة صحّة المعاملة إذا باع العين الزكوية بلا أداء زكاتها.(1)


1 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1.


(303)

أمكن بيعها وأخذ قيمتها.(*)

ـــــــــــــــــــــــ

(*) الزيادة إمّا أن تكون عينيّة أوحكميّة راجعة إلى زيادة قيمتها السوقيّة من دون زيادة في العين.

ثمّ الزيادة العينيّة، تارة تكون متصلة كالنموّ في الأشجار، والسمن في الحيوان، والصوف في الغنم; أو منفصلة كالفواكه واللبن، وعلى ذلك يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: في الزيادة العينية المنفصلة.

الثانـي: في الزيادة العينيّة المتصلة.

الثالث: في الزيادة الحكمية لأجل ارتفاع القيمة السوقية.

الأوّل: الزيادة العينية المنفصلة

لا شكّ في تعلّق الخمس بالزيادة العينية المنفصلة عند حلول السَّنة، لأنّها غنيمة وفائدة فلو قلنا بكفاية ظهور الربح في تعلّق الوجوب، فيتعلّق عنده وإلاّ فعند الانضاض.

الثاني: الزيادة العينية المتصلّة

إنّ في الزيادة العينية المتصلة كالسمن في الغنم والنمو في الشجر، وجوهاً واحتمالات:

1. ما حكم به الماتن من تعلّقِ الخمس بها من غير تفصيل، وجهه: صدق حصول الفائدة حيث كان فاقداً لها، حيث كان الشجر فسيلاً فصار شجراً كبيراً،


(304)

وكان الحيوان سِخالاً، فصار غنماً.

2. ماأفاده السيّد الاصفهاني في تعاليقه على المتن من التفصيل، بين ما إذا كان المقصود من إبقائها الانتفاع والتكسب بعينها كالأشجار غير المثمرة التي يُنتفع بخشبها وما يقطع من أغصانها وكالأغنام الذكور التي تبقى لتُسمن فينتفع بلحمها، فيجب الخمس في نمائها المتصل، وأمّا ما كان المقصود، الانتفاع والتكسب بنمائها المنفصل كالأشجار المثمرة والأغنام الاناث التي ينتفع بنتاجها ولبنها فإنّما يتعلّق الخمس بنمائها المنفصل دون المتصل.

3. عن الماتن في المسألة 55 تفصيل آخر، وحاصله، التفصيل بين من عمّر البستان للانتفاع بثمرها وتمرها، لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان، فالظاهر وجوب الخمس في نموّ أشجاره ونخيله والفرق بين التفصيلين واضح، فالأوّل يعتمد على التفصيل بين كون نفس النمو مقصوداً بالذات فيتعلّق بالنمو، وبين كون النمو مقصوداً بالتبع وكان الثمر والنتاج مقصوداً بالذات فلا يتعلّق بالنمو، والثاني يعتمد على التفصيل بين كون تأسيس البستان للتجارة بأصله وبيعه ومبادلته بشيء آخر، فيتعلّق بنموِّه، وبين إبقائه والانتفاع بثمره فلا يتعلّق بنموّه.

والظاهر عدم تعلّق الخمس بها في جميع الصور مطلقاً، إلاّ إذا حال وقت الانتفاع.

توضيحه: إنّ الميزان صدق الفائدة والعائدة لما عرفت من عدم اعتبار التكسب في لزوم تعلّق الخمس، فالكبرى مسلّمة، وإنّما البحث في الصغرى، وصدقها على الزيادة المتصلة مطلقاًحتى وإن لم يصل أوان الانتفاع، فالظاهر أنّه لا يعدّ النموّ في الأشجار فائدة إذا لم يصل وقت الاستفادة، ومثله السمن فلا يعدّ من الفوائد إلاّ إذا حان وقت القطع وبيع الحيوان ولأجل ذلك جرت السيرة على


(305)

عدم محاسبة النمو والسِمَن في كلّ سنة من غير فرق بين كون الهدف هو الانتفاع بنموها أو بثمرها من غير فرق بين كون الغاية من التأسيس هو الاتّجار بأصلها أو الانتفاع بثمرها فلا يعدّ النمو من المنافع إذا لم يَحِن وقت الانتفاع به كقطع الشجر للبيع والحيوان للبيع.

والحاصل: أنّ النمو والسمن وكلّ زيادة متصلة لا يعدّ من العوائد السنوية إلاّ إذا حان وقت الانتفاع منهما على ما عرفت وذلك فيما ساعدت الظروف لبيع نفس الشجر والحيوان لاما إذا اقتضى بقاءهما على حالهما.

وأمّا التفصيلان فلا يرجعان إلى محصل فانّه إذا حان وقت الاستفادة من الزيادة المتصلة، عُدّت من العوائد والغنائم سواء كان النمو هو المقصود أو غيره وسواء كان التأسيس بنيّة الاتّجار بأصله أو الانتفاع بثمره، إذ الأثر مترتب على صدق عنوان الغُنْم والفائدة ولا يتحقّقان إلاّ إذا حان وقت الانتفاع وإنّما ذهبوا إلى هذا التفصيل بتصوّر أنّه يجب دفع الخمس في كلّ سنة سواء حان وقت الانتفاع أم لا.

هذا من غير فرق بين تملك الأصل عن طريق الميراث أو الإحياء أو لأجل الصداق أو عوض الخلع أو عن طريق الشراء فلا شكّ أنّه يصدق على الزيادة العينية أنّـها فائدة مطلقاً أو إذا حان وقت الانتفاع بها، على ما مرّ، وعلى ما ذكرنا في تعلّق الخمس عند وقت الانتفاع، لا فرق بين القول باختصاص الخمس بالتكسب أو عموميته له ولغيره، وذلك لصدق العنوان المزبور، عند بيع الأشجار والأغنام التي كبرت أو سمنت.

ولا ينافي ذلك ما سيوافيك من أنّ وقت تعلّق الوجوب هو ظهور الربح، لا وجوده أي انضاضه. وذلك لأنّ الشيء إذا كان ممّا لا يباع إلاّ بعد مضيّ سنين، ففي مثله لا يصدق ظهور الربح عرفاً (وإن كان يصدق عقلاً) إلاّ إذا حان وقت


(306)

بيعهما على وجه يصير المطلوب حفظ المالية لا بصورته الشخصية ولأجل ذلك اقتصرنا بما إذا حان وقت بيعه. فتلخّص أنّه يخمس كلّ زيادة متصلة إذا حان وقت البيع، من غير فرق بين كون المطلوب هو النمو، أو الثمرة.

الثالث: في الزيادة الحكمية

إذا أدّى خمسَ الأصل أو ملك وكان ممّا لا يتعلّق به الخمس كما إذا ورث ثمّ عالت القيمة السوقية من غير زيادة في العين، فقد قسّمه الماتن إلى قسمين:

الأوّل: فيما إذا كان المقصود هو صيانة ماليته وخصوصيته والانتفاع بنمائها أو نتاجها أو أُجرتها أو نحو ذلك من منافعها، كما إذا اشترى بستاناً ليتّجر بثمرها، أو سيارة ليوجرها وهذا ما يعبّر عنه بالاقتناء كان الانتفاع لسدّ الحاجة أو لازدياد الثروة فقال الماتن: لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن إذا باعها. فلا يتعلّق بها الخمس إلاّ إذا باعها فيتعلّق الخمس بتلك الزيادة من الثمن.

الثاني: إذا كان المقصود هو التحفظ على ماليّته دون الخصوصية كما إذا كان المقصود الاتّجار بها فيتعلّق الخمس بالزيادة بعد تمام السنة عند بيعها.

الصورة الأُولى: في الانتفاع بنمائها

إذا كان الهدف هو التحفظ على الخصوصية العينية لا إبدالها وبيعُها فارتفاع القيمة ونزولها لا يعدّ نفعاً ولا ضرراً نظير ارتفاع قيمة البيت الذي يسكنه الإنسان و يعدّ من المؤنة فلا يعدّ الارتفاع انتفاعاً ولا النزول ضرراً.

هذا إذا كان الأصل ممّا لم يتعلّق به الخمس أو تعلّق به ولكنّه أدّاه، وإلاّ فلا كلام في وجوب خمس هذه الزيادة لوضوح أنّ تمام العين متعلّق للخمس بنحو من الأنحاء وإذا ارتفعت قيمة أربعة أخماسها ارتفعت قيمة خمسها، فيجب الخروج


(307)

عن عهدة التكليف بأداء خمس قيمتها الفعلية.

يلاحظ عليه: أنّه بإطلاقه غير تامّ ، وذلك لأنّ الادّخار قد يفرض في المال الذي ملكه من غير معاوضة كالمنتقل إليه بالإرث أو الإحياء أو بالنكاح كالمهر فربّما يصحّ أن يقال لم يربح شيئاً إذ لم يشتر شيئاً حتى يربح أو يخسر فقد كان مالكاً للبستان قبل عشرين سنة والآن أيضاً ملكه، زادت قيمته أو نقصت، وذلك لأنّه لا يتعلّق الخمس بالإرث مطلقاً وإن بقيت التركة وزادت قيمته، وعلى ضوء ذلك لا وجه للإطلاق، نعم لو باعها لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة من الثمن هذا، ويتعيّن ما علّقه السيد البروجردي عليه بقوله، لكن الأقوى عدمه إذا كان المقصود ما ذكرناه من الصورة .

وقد يفرض فيما إذا ملك بالمعاوضة أو بالثمن والظاهر أنّه محط نظره لقوله: «لم يبعد وجوب خمس تلك الزيادة في الثمن» ففي مثله الأقوى تعلّق الخمس لصدق الفائدة بالتبديل، وعلى ذلك لا يصحّ ما ذكر السيد البروجردي في المقام.

وإلى ما ذكرنا يرجع ما أفاده السيد الحكيم من التفصيل بين ما إذا ملكها بغير معاوضة فباعها كما لو ورثها فباعها أو وهبت له فباعها فلا يتعلّق الخمس بالزيادة، وبين ما إذا كان ملكها بالمعاوضة للاقتناء فزادت قيمتها فباعها بأكثر من الثمن وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة.(1)

وعلى ذلك فيدخل فيه ما إذا ملكها من طريق الإحياء أو كانت صداقاً أو عوض الخلع فلا يتعلّق بالزيادة خمس وإن تحقّق البيع.

والتفصيل مبني على ما ذكرنا من أنّه إذا ملكها بالمعاوضة يصير ما دفعه من العوض مأخذاً للحكم بالغنم والخسران، دون ما إذا ملكه بغير هذا الطريق فليس هنا أساس للحكم بأحدهما، وليس البيع عندئذ إلاّ تبديل مال الإرث بغيره، ولا


1 . المستمسك: 9/527.


(308)

يطلق على مثله الفائدة، فلو باع العين بأعلى الثمن لا يصدق عليه أنّه استفاد شيئاً، بل بدّل عيناً مكان عين أُخرى لا أنّه ربح وغنم.

اللهمّ إلاّ أن يقال إنّه إذا كان الميزان في صدق الغنم والفائدة هو قيمة العين يوم ورث أو وهب، فإذا زادت بعد سنين، فلماذا لا يعدّ الزيادة غنماً وفائدة عند البيع؟ ولولا اتّفاقهم على عدم الخمس في الميراث والأرض المحياة عند ارتفاع القيمة لكان للتأمّل في هذه الصورة مجال.

وربّما يفصّل في صورة الادّخار بين ما إذا باعها بجنس الثمن الذي اشترى به كما إذا اشترى الغنم بخمسين ديناراً لينتفع من ألبانها وأصوافها ثمّ باعه بمائة، فيتعلّق الخمس بالخمسين، وما إذا باعها بغيره كما إذا باعه بالبقر فلا يتعلّق به الخمس في الصورة الثانية، لعدم صدق الزيادة.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ الميزان هو المالية فلا فرق فيما إذا ملك من طريق الاشتراء بين بيعها بالثمن الذي اشتراه أو بغير ذاك الثمن من النقود أو بالعروض فالميزان ارتفاع ماليته ولا نظر إلى الخصوصية من الريال والدولار أو اللّيرة أو العروض.

فما عن السيد الحكيم من التفصيل ـ بين ما إذا اشتراها للاقتناء فباعها بغير الثمن، كما إذا اشترى فرساً بدينار فباعها ببقرة أو بدراهم مع زيادة قيمتها فلا خمس عليه لعدم الزيادة المالية، وبين ما إذا باعها بأكثر من الثمن الذي اشترى به وجب الخمس في الزيادة حينئذ لصدق الفائدة(2) ـ غير تام.

الصورة الثانية: في الاتجار بنمائها

إذا كان المقصود الاتجار بنمائها فيتعلّق الخمس إذا باعها وأخذ قيمتها.


1 . المستمسك:9/527.
2 . المستمسك:9/527.


(309)

المسألة 54: إذا اشترى عيناً للتكسّب بها فزادت قيمتها السوقيّة و لم يبعها غفلة أو طلباً للزيادة ثمّ رجعت قيمتها إلى رأس مالها أو أقلّ قبل تمام السنة لم يضمن خمس تلك الزيادة، لعدم تحقّقها في الخارج، نعم لو لم يبعها عمداً بعد تمام السنة واستقرار وجوب الخمس ضمنه.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) وحاصله، التفصيل بين النزول بعد الارتفاع في أثناء السنة أو بعد السنة فلا يضمن في الأوّل، لعدم تحقّق الزيادة في الخارج دون الثاني.

ويرد على تعليل عدم الضمان في الصورة الأُولى «لعدم تحقّقها في الخارج» بأنّها كيف لم تتحقق مع أنّ المفروض ارتفاع قيمة العين أثناء السنة وإن نزلت قبل انتهائها؟ والأولى، التعليل بكونه مأذوناً في الإبقاء وعدم البيع إلى آخر السنة والإذن فيه آية عدم الضمان.

وإن شئت قلت: إنّ الفائدة تحقّقت لكن لم تستقر إذ الاستقرار عبارة عن بقاء العين على تلك الحالة إلى أن تتم السنة.

ثمّ إنّ الضمان في الصورة الثانية، أي نزول القيمة بعد السنة لابدّ له من وجه، وليس هو إلاّ قاعدة الإتلاف بصوره المختلفة:

1. إتلاف ذات العين.

2. إتلاف منافعها كجنس الدابة المعدة للإكراء.

3. إتلاف صفاتها الصحية أو الكمالية على ما قوّيناه من ضمان الصفات مطلقاً.

4. إتلاف ماليّته، كغصب الثلج في الصيف وأداء مثله في الشتاء، أو ردّ النقود عند سقوطها عن الرواج، والكل غير متحقق في المقام، وإنّما المتحقّق هوحبسها عند وجود الرغبة الأكيدة ودفعها عند قلّتها، فليس ذلك من مواردها


(310)

حتى في الغصب، فكيف في المقام؟ فلو غصب الدابة عند ارتفاع قيمتها ودفعها بعد نزول قيمتها صحيحة فلا يكون ضامناً للزيادة.

ثمّ إنّ القول بالضمان على الوجه الثالث (تعلّقه بالذمة وكون العين كالرهن) مبني على تعلّق وجوب الخمس بظهور الربح، وهو أمر غير مسلّم عندهم.

1. قال صاحب الحدائق: وهل يكفي ظهور الربح في أمتعة التجارة أم يحتاج إلى البيع والانضاض؟ وجهان ولعلّ الثاني هو الأقرب.(1)

2. وقال المحقّق الهمداني: ولا عبرة بزيادة القيمة السوقية، لأنّها أمر اعتباري لا يعدّ ربحاً بالفعل، ولذا يقال عرفاً: إنّه لو باعه بتلك القيمة كان يربح فمتى باعه بأكثر من رأس ماله دخلت حينئذ في الأرباح.(2)ولكن صريح الشيخ الأعظم خلاف ذلك، فقال: ثمّ إنّ الظاهر تعلّق الوجوب بمجرّد ظهور الربح من غير حاجة إلى الانضاض فتصدق الاستفادة بمجرّد ذلك.(3)

وهو الظاهر من صاحب الجواهر قال: ثمّ لا فرق في الربح بين النماء والتولد وارتفاع القيمة ولو للسوق كما صرّح به في الروضة وغيرها لصدق الربح والفائدة، لكن في المنتهى ـ واستجوده في الحدائق ـ: «لو زرع غرساً فزادت قيمته لزيادة نمائه وجب عليه الخمس في الزيادة، أمّا لو زادت قيمته السوقية من غير زيادة فيه ولم يبعه لم يجب عليه».(4)

ويظهر من تعاليق السيد المحقق البروجردي عدم تعلّق الوجوب إلاّ


1 . الحدائق:12/354.
2 . مصباح الفقيه:14/124.
3 . الخمس: 195.
4 . الجواهر:16/57.


(311)

المسألة 55: إذا عمّر بستاناً وغرس فيه أشجاراً و نخيلاً للانتفاع بثمرها و تمرها لم يجب الخمس في نموّ تلك الأشجار والنخيل، وأمّا إن كان من قصده الاكتساب بأصل البستان فالظاهر وجوب الخمس في زيادة قيمته و في نموّ أشجاره و نخيله.(*)

ــــــــــــــــــــــــ

بالبيع.

والحقّ أنّ المسألة مبنية على كيفية تعلّق الخمس بالعين، ويتفاوت الحكم بالضمان مع تفاوت المباني، فلو قلنا: بأنّ الخمس يتعلّق على العين بالإشاعة أو بنحو الكلي في المعيّن، وأنّ السادة شركاء في العين، فلا وجه للضمان، لبقاء العين، وليس ارتفاع القيمة إلاّ زيادة اعتبارية تتصف بها العين اعتباراً بارتفاعها ونزولها.

ولو قلنا: بتعلّقه بالذمّة المحضة، أو بها مع كون العين متعلّقة له كتعلّق حقّ المرتهن بها، فللضمان وجه، لأنّه استقر خمس القيمة المرتفعة على الذمّة حسب الفرض عند انتهاء السنة.

ولو قلنا: بأنّ متعلّقه هو خمس مالية العين بلا تعلّقه بالذمّة، ولا يتجدّد إلاّ بتبديل العين إلى القيمة والمفروض عدمه، فلا وجه أيضاً للضمان كما لا يخفى، لبقاء ماليّة خمس العين.

(*) لا يخفى أنّ ما أفاده في المقام من التفصيل بين كون قصده من تعمير البستان الاقتناء والتحفظ بالأعيان والانتفاع بالثمر، وبين كون قصده هو الاكتساب بأصل البستان، ينافي ما تقدّم منه في المسألة (53) من الحكم بالخمس في الزيادة المتصلة من غير تفصيل موجود هناك.


(312)

المسألة 56: إذا كان له أنواع من الاكتساب والاستفادة كأن يكون له رأس مال يتّجر به، وخان يؤجره، وأرض يزرعها ، وعمل يد مثل الكتابة أو الخياطة أو النجارة أو نحو ذلك يلاحظ في آخر السنة ما استفاده من المجموع من حيث المجموع فيجب عليه خمس ما حصل منها بعد خروج مؤنته.(*)

ــــــــــــــــــــــ

ثمّ إنّ البستان الذي ينتفع من ثمره مع التحفظ على عينه، تارة يعدّ من المؤنة، كما إذا انتفع هو وعائلته من ثمار البستان واستغنوا بذلك عن اشترائها من السوق، وأُخرى يكون معدّاً للاتجار كبيع ثمارها في السوق فيتجر بمنافعه دون أعيانه كالسائق الذي يكتسب بأُجرة السيارة، فالظاهر تعلّق الخمس في كلا القسمين بالزيادة العينية إذا حان وقت قطع الشجر، وكون الثمرة مؤنة لا يكون سبباً لعدم تعلّقه بالأصل إذا عدّت فائدة، كما إذا أراد قطع أشجار البستان وتبديلها إلى أرض زراعية.

(*) كان المناسب أن يذكر المصنف هذه المسألة والمسألة الرابعة والسبعين معاً، لأنّ روح المسألتين واحدة، وإنّما الاختلاف في جهة البحث فإنّها في المقام عبارة عن كيفية محاسبة المؤنة، وفي المسألة الثانية جبران الخسران. وعلى أيّ حال يمتاز خمسُ الأرباح عن سائر ما يتعلّق به الخمس بتعلّقه على ما زاد عن مؤنة الشخص في السنة بخلاف غيره فلا تستثنى منه مؤنة الشخص، وإنّما يتعلّق بنفس الخارج عن المعدن وغيره بعد وضع مؤنة الإخراج والتحصيل، وسيوافيك أنّ اعتبار الحول هنا ليس بمعنى توقف الوجوب على مضيّ الحول، بل بمعنى جواز تأخير إخراجه احتياطاً له، لجواز زيادة النفقة بسبب عارض أو نقصها.


(313)

وعندئذ فلو كان للكاسب نوع واحد من الكسب، فلا شكّ في أنّ الفاضل من المؤنة يتعلّق به الخمس، وأمّا إذا كان له أنواع من الاكتساب وأصناف من الأرباح المختلفة من حيث الزمان، فهل يضم بعضها إلى بعض ويحسب المجموع ربحاً واحداً لسنة واحدة وتستثنى المؤنة من مجموع تلك الأرباح أو أنّ كلّ ربح يلاحظ بحياله ولكل سنةٌ مستقلة؟

وعلى ذلك فلو ربح في النصف الأوّل من العام مبلغاً من التجارة وتوقف أمره، وربح من الزراعة في النصف الثاني من السنة، فلو قلنا بملاحظة كلّ ربح مستقلاً فالمؤنة المصروفة بين الربحين تستثنى من الربح الأوّل فقط ولو كان غير واف بها فلا يجبر من الثاني، والمؤنة المصروفة في النصف الثاني إلى آخر السنة تستثنى من كلا الربحين كما أنّ المؤنة المصروفة في النصف الأوّل من السنة الثانية تختص بالربح الثاني.

وهذا بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام فللمجموع سنة واحدة تنتهي بانتهاء السنة الأُولى أو بدخول الشهر الثاني عشر على الخلاف الآتي، فالمؤنة تُستثنى من مجموع الربحين ومؤنة السنة الثانية تستثنى من الأرباح الحاصلة فيها; وممن اختار القول الأوّل هو الشهيد في الروضة حيث قال: ولو حصل الربح في الحول تدريجاً اعتبر كلّ خارج عام بانفراده، نعم تُوزَّع المؤنة في المدّة المشتركة بينه و بين ما سبق عليها ويختص الربح المتجدّد بالباقي.(1)

وعلى ذلك فلو ربح في كلّ شهر مقداراً قليلاً صرفه في مؤنته، ولكنّه ربح في الشهر الآخر أضعافاً مضاعفة لا يتعلّق الخمس إلاّ بعد مضي أحد عشر شهراً عليه، بخلاف ما إذا قلنا بالانضمام، فإنّه يتعلّق به وتتم السنة بانتهاء ذلك الشهر.


1 . الروضة البهية: 1/182، كتاب الخمس.


(314)

وعلى كلّ تقدير فالانضمام هو الأظهر .و ربّما يستدل عليه بقوله ـ عليه السَّلام ـ في صحيحة علي بن مهزيار : «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام» حيث يستظهر منه أنّ مجموع الغنائم تلاحظ غنيمة واحدة والأرباح ربحاً واحداً، وعند ذلك تخرج المؤنة من المجموع.

يلاحظ عليه: الفقرة المزبورة ليست في مقام بيان انضمام الفوائد بعضها إلى بعض أو لحاظها مستقلاً، بل هو بشهادة السياق في مقام بيان أنّه ـ عليه السَّلام ـ لم يسقط خمس الغنائم والفوائد بل أوجبه في كلّ عام بخلاف غيره فقد خفف فيه الأمر بل أسقط خمس البعض واكتفى في بعضها الآخر بنصف السدس، وأمّا كيفية ملاحظة العام في الفوائد فليست بصدد بيانها.

والأولى أن يقال: إنّ المستثنى من الخمس إذا كان هو مؤنة السنة بصورة وحدانية لا «مؤنات» فهو ملازم عرفاً كون المستثنى منه أيضاً هو ربح السنة بهذه الصورة، ولازم ذلك انضمام الأرباح بعضها إلى بعض وإخراج المؤنة عن الجميع، ويوافقه الاعتبار العرفي، فالضرائب الموضوعة على أرباح الكسبة والتجرة عند الدول في كلّ سنة على أساس ضمّ الأرباح بعضها إلى بعض ووضع المؤنة من الكل لا محاسبة كلّ ربح مستقلاً وتتبعه المؤنة.

وربما يستدل على القول الآخر بموثقة سماعة قال : سألت أبا الحسن عن الخمس؟ قال ـ عليه السَّلام ـ : «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير».(1)حيث إنّ المستفاد انحلال الحكم، فكلّ فرد من أفراد الربح والفائدة موضوع مستقل لوجوب التخميس، كما هو الحال في المعادن والكنوز(2).

يلاحظ عليه: بأنّه بصدد بيان أنّه لا فرق في متعلّق الخمس بين القليل والكثير، وأنّه يتعلّق بكلّ شيء لا أنّ كلّ ربح في أثناء السنة موضوع مستقل.


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6.
2 . مستند العروة الوثقى: 241، كتاب الخمس.


(315)

المسألة 57: يشترط في وجوب خمس الربح أو الفائدة استقراره فلو اشترى شيئاً فيه ربح و كان للبائع الخيار لا يجب خمسه إلاّ بعد لزوم البيع ومضيّ زمن خيار البائع.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

أضف إلى ذلك أنّ لحاظ المؤنة بالإضافة إلى كلّ ربح يوجب العسر فيمن يربح وقتاً دون وقت وربّما يتخلل الفصل الطويل وأُخرى الفصل القصير وإن لم يكن كذلك فيمن يربح كلّ يوم تقريباً أو في فترات يسيرة، فإنّ أقصى ما يلزم في هاتين الصورتين أداؤه قبل انتهاء السنة وهو أمر جائز، وإنّما يسوغ التأخير إلى نهاية السنة احتياطاً للمكتسب لاحتمال تجدد مؤنة غير مترقبة عند ظهور الربح.

(*) الرائج في البيع الخياري هو بيع العين بأقلّ من القيمة العادية، لأنّ تزلزل العقد يوجب عدم الرغبة إلى شرائها بقيمتها الواقعية ، و مع ذلك لا يصدق الربح ولا يقال إنّ المشتري ربح في حال كون العقد في معرض الزوال والتزلزل.

لكنّ هنا أُموراً يجب التنبيه عليها:

1. هل المراد الاستقرار الشرعي بانقضاء الخيار أو بإسقاطه في ضمن عقد لازم، أو يكفي الاستقرار العرفي؟ كما إذا علم المشتري بعدم قدرة البايع على ردّ مثل الثمن أو انتقاله إلى بلد ناء لا ينتفع بالخيار معه، ولا يبعد كفاية الاستقرار العرفي، إذ يصدق في العرف أنّه ربح وغنم.

2. أنّ ما ذكره من التزلزل إنّما يجري في أصل العين المشتراة ونمائها المتصلة وارتفاع القيمة، وأمّا المنافع المستوفاة فإنّما يتعلّق بها الخمس لو زاد على المؤنة، لكونها ملكاً للمشتري مطلقاً، لازماً كان العقد أو جائزاً، لكون العين ملكاً للمشتري وإن كان متزلزلاً ومنافعها المستوفاة له، خلافاً للشيخ حيث قال: يتوقف


(316)

المسألة 58: لو اشترى ما فيه ربح ببيع الخيار فصار البيع لازماً فاستقاله البائع فأقاله لم يسقط الخمس إلاّ إذا كان من شأنه أن يقيله كما في غالب موارد بيع شرط الخيار إذا ردّ مثل الثمن.(*)

ـــــــــــــــــــــــــــ

ملكية العين ومنافعها على انقضاء زمان الخيار.

3. هذا كلّه إذا لم يتصرّف في العين، ولو باعها المشتري ـ بناء على جوازه ـ وإن كان الخيار للبائع لكونه ملكاً له فربح يتعلّق به الخمس، ولو فسخ البائع الأوّل فلا ينفسخ العقد الثاني، بل يجب على المشتري ضمانه بردّ مثله أو قيمته كما هو مقرّر في محلّه.

4. إذا كان العقد في السنة الأُولى في عام تجارته وصار مستقراً في السنة الثانية، فهل الربح من أرباح السنة الأُولى فيقسط مؤنتها عليه، أو من أرباح السنة الثانية فلا تقسط مؤنة السنة الأُولى عليه بل تستثنى منه مؤنة الأخير؟ وجهان، من وقوع العقد في السنة الأُولى والاستقرار أخذ بنحو الشرط المتأخر وقد حصل فيكشف عن إيجابه في الأُولى، ومن عدم صدقه إلاّ بالاستقرار وهو حصل في السنة الثانية، ولعلّ الثاني هو الأوفق بالاعتبارالعرفي وللسيد المحقّق الخوئي في المقام تفصيل آخر فلاحظ.

(*) حاصله أنّه إذا كانت الإقالة في أثناء السنة وكانت موافقة لشأن المقيل، فيعدّ الإعراض عن الربح بمنزلة الأُمور التي لا تعدّ إسرافاً وتبذيراً كالعطاء والهبة، وأمّا إذا لم يوافقه أحد الأمرين كما إذا كانت بعد تمامية الحول، أو كانت الاستقالة غير موافقة بشأنه فلا يسقط، لاستقرار الخمس في ذمّته في الأوّل، وكون الاستقالة إسرافاً وتبذيراً وخارجاً عن المؤنة المستثناة في الثاني.

ولكن الظاهر جواز الاستقالة في أثناء السنة مطلقاً للأمر بقبول الإقالة.


(317)

المسألة 59: الأحوط إخراج خمس رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد مقداراً وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة و يتّجر به يجب إخراج خمسه على الأحوط ثمّ الاتّجار به.(*)

ــــــــــــــــــــــــــــ

(*) قد تضافرت الروايات والفتاوى على عدم تعلّق الخمس بالمؤنة، والكلام في المقام في تحديدها وأنّ رأس المال هل هو من المؤنة أو لا؟ وتحقيق المطلب فيه وفي نظائره يتوقف على البحث في أُمور:

1. المؤنة في اللغة

قد ورد لفظ «المؤنة» في غير واحد من الروايات كما ستوافيك، وهل هو أجوف واوي كما يظهر من ابن فارس حيث قال: «مؤن» الميم والواو والنون وهي المُؤن التي تمون عيالك، أي تقوم بكفايتهم وتتحمل مؤنتهم، والأصل موُنة بغير همزة.(1) وعلى ذلك فالفعل «مان يمون مؤنة».

أو مهموز العين كما يظهر من القاموس حيث قال: «مأن» بالهمزة وقال: مأن القوم: احتمل مؤنتهم، أي قوتهم، وقد لا يهمز «فالفعل مانهم».

وقال من ذاك الباب أيضاً: التموّن، كثرة النفقة على العيال ومأنه: قام بكفايته فهو مموِّن.(2)

وجعله في «اللسان» من كلا البابين وقال: مأن القوم ومأنهم، قام عليهم، ورجّح كونها في الأصل مهموزة.(3)


1 . المقاييس:5/286.
2 . القاموس المحيط:4/269 و 273 مادة «المأنة» و «التموّن».
3 . لسان العرب:13/369; مادة «مأن».


(318)

2. المؤنة في الروايات

قد ورد في غير واحد من الروايات عدم تعلّق الخمس بالمؤنة، وهي تطلق ويراد منها تارة مؤنة تحصيل الربح مثل ما يصرفه الإنسان في استخراج المعدن والكنز والغوص وما يبذله في طريق التجارة من النفقات، وأُخرى مؤنة سنة الإنسان وعياله ونفقاته ممّا به قوام حياته ومعاشه.

أمّا الأوّل فهو أمر واضح ولا إجمال فيه ولا يصدق الربح بدون استثنائها، وأمّا الثاني فهو أيضاً مسلم إجماعاً ونصّاً، إنّما الكلام في تحديدها، ولنذكر بعض الروايات:

1. عن علي بن محمد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ ما يُزَكّي، فأخذ منه العُشر عَشرة أكرار، وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستون كرّاً، ما الذي يجب لك من ذلك؟و هل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقع ـ عليه السَّلام ـ : «لي منه الخمس ممّا يفضل عن مؤنته».(1)

والضمير في قوله: «لي منه» يرجع إلى قوله: «ستّون كرّاً» والمراد مؤنة سنته، والرواية دالة على أنّ ما يصرف في عمارة الضيعة ولو لأجل تحصيل الربح في غير سنة الربح، مستثنى من الخمس، حيث إنّ ما صرفه في عمارة الضيعة يرجع إلى غير سنة الربح.

2. عن علي بن مهزيار قال، قال لي أبو علي بن راشد (الثقة) قلت له: ...ففي أيّ شيء؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: إذا أمكنهم بعد مؤنتهم.(2) و المراد به بقرينة ضمير الجمع مؤنة


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 و 3.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2 و 3.


(319)

الرجل والعيال.

3. وفي مكاتبة الهمداني التي قرأها علي بن مهزيار الواردة في حاصل الضيعة وأنّ عليه الخمس بعد مؤنته ومؤنة عياله وخراج السلطان.(1)

4. وفي مكاتبة علي بن مهزيار إلى أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : « ...فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته، ومن كانت ضيعته لا تقوم بمؤنته فليس عليه نصف السدس ولا غير ذلك».(2)

نعم ورد في مكاتبة البزنطي إلى أبي جعفر ـ عليه السَّلام ـ : الخمس أخرجه قبل المؤنة أو بعد المؤنة؟ فكتب:« بعد المؤنة».(3) كما ورد في توقعيات الرضا ـ عليه السَّلام ـ إلى إبراهيم ابن محمّد الهمداني أنّ الخمس بعد المؤنة، وهي مردّدة بين مؤنة التحصيل ومؤنة السنة.(4) ولعلّ ما حكاه محمّد بن الحسن الأشعري من كتابه لبعض أصحابنا، إلى أبي جعفر، وقد جاء فيه: الخمس بعد المؤنة، هو نفس رواية البزنطي، والاحتجاج بهما أو بها فرع وجود الإطلاق في لفظ المؤنة وعدم انصرافها في ذلك العصر إلى ما ينفق في تحصيل الربح.

3. المراد مؤنة السنة

المتبادر من المؤنة هو مؤنة السنة، وهو صريح كلمات الفقهاء، قال الشيخ: يجب الخمس في جميع المستفاد من أرباح التجارات والغلاّت والثمار على اختلاف أجناسها بعد إخراج حقوقها ومؤنها وإخراج مؤنة الرجل لنفسه ومؤنة عياله سنة.(5)


1 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 و 5.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 4 و 5.
3 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
4 . الوسائل: ج6، الباب 12 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 1و2.
5 . الخلاف:2/118، كتاب الزكاة، المسألة 139.


(320)

وقال ابن إدريس:ويجب إخراج الخمس من المعادن والكنوز على الفور بعد أخذها، ولا يعتبر مؤن السنة بل يعتبر بعد إخراج مؤنها ونفقاتها إن كانت تحتاج إلى ذلك.(1)

أقول: وقع لفظ السنة والعام في رواية علي بن مهزيار، قال: «ولم أوجب عليهم ذلك في كلّ عام ولا أوجب عليهم إلاّالزكاة التي فرضها اللّه عليهم، وإنّما أوجب عليهم الخمس في سنتي هذه من الذهب والفضة التي قد حال عليهما الحول».

وقال: «فأمّا الغنائم والفوائد فهي واجبة عليهم في كلّ عام».

وقال: «فأمّا الذي أوجب من الضياع والغلاّت في كلّ عام فهو نصف السدس ممّن كانت ضيعته تقوم بمؤنته».(2)

وقد قارن المؤنة بخراج السلطان الذي يؤخذ كلّ سنة في رواية إبراهيم الهمداني.(3)

ولأجل هذه التعابير حمل الفقهاء، المؤنة على مؤنة السنة ولو أُريد ذلك فهو، وإلاّ فإرادة غيرها تحتاج إلى قرينة.

4. الآراء في تحديد المؤنة

ما هو المراد من المؤنة المستثناة؟ وقد عرفت أنّ القاموس فسرها، القوت، ومن المعلوم أنّه تفسير بأظهر الأفراد، فالمستثنى لا يختص بما يأكل بل يعمّ الملبس والمسكن ، ولذلك عمّمها في ذيل كلامه بـ «ما قام بكفايته» وبما أنّ الفرّاء فسره بالتعب والشدّة، والمازني بما ثقل على الإنسان ـ كما في اللسان ـ يكون المقصود: ما


1 . السرائر: 1/489، كتاب الخمس.
2 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5و4.
3 . الوسائل: الجزء 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 5و4.


(321)

ينفقه الإنسان في سبيل حياته ويُحصِّله بتعب وشدّة، ثمّ أطلق على كلّ ما ينفقه في هذا الطريق من دون اعتبار تعب والقدر المتيقن ما ينفقه في مأكل نفسه وعياله، وملبسهم ومسكنهم وما يتوقف عليه قوام نظام معاده ومعاشه. فيدخل في الأوّل ما ينفقه في طريق واجباته، كما يدخل في الثاني، ما ينفقه في مأكله وملبسه ومسكنه وما يُنفقه في طريق الفرائض العرفية هذا هو القدر المتيقن.

ولكن الظاهر من الشيخ الأعظم هو كون النفقة أوسع من ذلك، قال الشيخ الأعظم في تفسيرها: ما يحتاج إليه الشخص في إقامة نظام معاده ومعاشه، ولو على وجه التكميل، غير الخارج عن المتعارف بالنسبة إلى مثله من حيث الغنى والشرف، فمثل الضيافات والهبات ممّا يتعلّق بالدنيا ومثل الزيارات والصدقات والإحسانات داخل في المؤنة بشرط عدم خروج ذلك من متعارف أمثاله.(1)

والأوّل أحوط والثاني أقوى.

ويدخل في ذلك ما لا يصرف ويبقى طيلة سنين، كالسجاجيد والظروف وما شابههما.

إنّما الكلام في إخراج رأس المال إذا كان من أرباح مكاسبه، فإذا لم يكن له مال من أوّل الأمر فاكتسب أو استفاد وأراد أن يجعله رأس المال للتجارة ويتّجر به، فهل يجب إخراج خمسه ثمّ الاتّجار به أو لا؟ فيه وجوه:

1. تعلّقه مطلقاً.

2. عدم تعلّقه به كذلك.

3. التفصيل بين ما كان في نفسه محتاجاً إليه بحيث لولاه عاد فقيراً أو شاغلاً بشغل يعدّ نقصاً له فلا يتعلّق به.


1 . كتاب الخمس: 92.


(322)

وما إذا لم يكن كذلك، كما إذا كان قادراً على الإعاشة من طرق أُخرى مناسبة لشأنه كالتعليم والخياطة والطبابة، فيتعلّق به.

4. التفصيل بين رأس مال يعادل مؤنة سنته وبين الزائد عليه، فلا خمس في خصوص الأوّل.

وجه الأوّل: واضح لأنّ المتفاهم من «المؤنة» ما يصرف و ينفق في ضروريات الحياة أو كمالاته، وأمّا رأس المال فهو وسيلة لتحصيل المؤنة وما يصرف، فلا تشمله الأدلّة، وقد عرفت من أصحاب المعاجم أنّه إذا كان من باب «مأن، يمون» يكون بمعنى «صرف يصرف» أو «أنفق ينفق» وقال في القاموس: التموّن عبارة عن كثرة النفقة على العيال، فكأنّه أخذ في مفهومه، الخرج والصرف ورأس المال ليس كذلك.

وبعبارة أُخرى: أنّ رأس المال إنّما يكون محتاجاً إليه في السنة اللاحقة، وأمّا سنة الربح فهو حاصل لديه غير محتاج إلى رأس مال آخر.

وجه الثاني: أنّ تخصيص المؤنة بما يصرف ينافي عدّ الأواني والفرش والشجرة المثمرة والبقرة إذا احتاج إلى ثمرتها ولبنها، من المؤنة. وعلى ذلك فكلّ ما يكون قواماً للحياة سواء كان ممّا يصرف أو سبباً لتحصيله، فهو من المؤنة.

ولا يخفى وجود الفرق بين المقام والأمثلة المعدودة منها، فإنّ صرف كلّ شيء بحسبه، فصرف الأواني والفرش باستعمالهما حتى تندرس، ولمّا كان الثمر و اللبن معددوين من أجزاء الشجرة والبقرة فالاستفادة منهما نوع إهلاك لهما تدريجاً بمرور الزمن، وهذا بخلاف المقام إذ الاسترباح بالاتجار مع حفظ رأس المال لا يعدُّ صرفاً له ونوع إهلاك له.

وجه الثالث: وهو خيرة أكثر الأعاظم، هو أنّه إذا كان محتاجاً إلى رأس المال بحيث لولاه لوجب الاشتغال بشغل لا يناسب شأنه أو تأمين حياته بالصدقات


(323)

والمبرّات، فيصير عندئذ كحُليّ المرأة والفرش والأواني المحتاج إليها.

والحاصل ، وجود الفرق بين ما إذا كان الاحتياج إليه لتحصيل المؤنة فقط مع تمكّنه من تحصيلها بطرق أُخرى ملائمة لشأنه، وبين انحصار الطريق بالاتجار برأس المال بحيث لولاه لعاد فقيراً أو شاغلاً بشغل لا يلائم، نعم لو كان أداء الخمس غير مخلّ بالاتجار بالباقي، يجب عليه الخمس بلا كلام.

وجه الرابع: إذا استفاد الرجل في أوّل السنة مقدار 360 ديناراً وفرضنا أنّ مؤنته كلّ يوم دينار واحد ولكن صرفه في المؤنة كما يمكن بصرفه كلّ يوم ديناراً، يمكن باشترائه سيارة ليعيش بأُجرته كلّ يوم ديناراً، وعلى ذلك فهو محتاج إلى صرف ذلك المبلغ بأحد الوجهين فلا موجب لتعين الأوّل، والخمس يتعلّق بمازاد على الحاجة.(1)

يلاحظ عليه : أنّه إنّما يتم إذا حصل مثل ذلك الربح في بدايات السنة، فيقال: إنّ المحتاج إليه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، فهو مخير بين أحد الأمرين ولا موجب لتعين الأوّل. وأمّا إذا حصل في أواخر السنة، فلا يتم، بل يتعلّق الخمس بما بقي من مثل ذلك الربح.

والنزاع في التعلّق وعدمه يدور حول تفسير المؤنة المستثناة، وهل هي تختص بما يصرف وينفق أو يعمّه؟ وما يتوقّف عليه تحصيل ما يصرف وينفق فعلى الأوّل يتعلّق به دون الثاني، ويمكن استظهار الوجه الثاني بوجوه:

1. ما رواه علي بن محمّد بن شجاع النيسابوري أنّه سأل أبا الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ عن رجل أصاب من ضيعته من الحنطة مائة كرّ، ما يزكّي، فأخذ منه العُشر، عشرة أكرار وذهب منه بسبب عمارة الضيعة ثلاثون كرّاً وبقي في يده ستّون كرّاً ما


1 . مستند العروة الوثقى: 246، كتاب الخمس.


(324)

الذي يجب لك من ذلك؟ وهل يجب لأصحابه من ذلك عليه شيء؟ فوقّع ـ عليه السَّلام ـ : «لي منه الخمس ممّا يفضل من مؤنته».(1)

فقد فرض الراوي عدم تعلّقه على ما صرفه في عمارة الضيعة، والظاهر من الجواب بحكم السكوت عدم تعلّقه به حيث لم يردّ عليه، وأجاب بأنّه يتعلّق على الستين كرّاً بعد استثناء مؤنة الرجل، وليس الصرف في عمارة الضيعة ممّا ينفق بل ممّا يتوقف عليه تحصيله.

وبعبارة أُخرى: هذا المقدار ليس نفس المؤنة، بل ممّا يتوقف عليه تحصيلها.

2. ما في صحيحة أبي علي بن راشد، قلت:والتاجر عليه والصانع بيده، فقال:« إذا أمكنهم بعد مؤنتهم».(2) حيث إنّ الإمام لم يتعرّض لخمس ما يتّجر به، وخمس أدوات الصناعة بل سكت عنه.

3. الاستئناس بما يصرفه في الملبس والمسكن والظروف والحلي لزوجته والخاتم لنفسه، فإنّ الجميع من باب واحد، وهو أنّه ليس فيه إتلاف العين وصرف المال، بل إبقاؤه إمّا بنفسه كما في رأس المال، أو إبقاؤه بصورة أُخرى ويجمع الكل توقف الإعاشة عليه من غير فرق بين أن يقدر على شغل آخر، لا يتوقف على وجود رأس المال وما لا يقدر، لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين الاكتساب برأس المال، أو الاشتغال بشغل غير موقوف عليه، وتعيين الثاني يتوقف على دليل.

نعم لو كان له مال آخر يصلح لأن يتّجر به، فلا وجه لإخراج رأس مال آخر عن تحت أدلّة الخمس.

فقد ظهر ممّا ذكر عدم اختصاص المؤنة بما يصرف و ينفق بل يعمّ ما يتوقف


1 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2و 3.
2 . الوسائل: ج6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 2و 3.


(325)

عليه تحصيل ما يُنْفَق، كرأس المال، وأدوات الإنتاج. وبالجملة ما يتوقف عليه نظام معاشه ويكون محتاجاً إليه بالفعل، ويعدُّ وسيلة لتحصيل ما ينفقه، فهو مؤنة. وبالجملة «رأس المال» برزخ بين صرف الربح وإفنائه، وبين حفظه وإيداعه في البنك خوفاً من الضياع، فهو لا من قبيل الأوّل ولا من الثاني، ولكنّه وسيلة ومقدمة لتحصيل ما ينفقه فهو في نظر العرف مؤنة.

ولو استطاع تحصيل ما ينفق من عمل آخر كالخياطة والكتابة، يكون المحتاج إليه هو الجامع بين العمل، والاتجار برأس المال فلا دليل على تعيّن الأوّل بل هو مخير بين العملين.

وأولى منه إذا كان محتاجاً في إعاشة سنته أوحفظ مقامه إلى تجارة متقومة بمجموعه بحيث إذا أخرج خمسه لزم التنزل إلى كسب لا يفي بمؤنته أو لا يليق بمقامه وشأنه.

نعم لو كان المخصص مجملاً وشكّ الفقيه في صدقه على مثل رأس المال، فالمرجع عموم العام، لعدم سراية إجمال المخصص المنفصل إلى العام، كما حقق في محلّه.

5. ما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية

هل تعمّ المؤنة لما يصرف للانتفاع به في السنين الآتية، كصرف الربح في غرس الأشجار، وتسطيح الأرض وإصلاحه ليستغلّه في السنين الآتية ويعيش على فوائده ومنافعه، أو لا لعدم الحاجة إليه بالفعل؟

الظاهر من الشيخ هو التعميم، قال:والظاهر أنّه لا يشترط التمكّن من تحصيل الربح منه بالفعل، فيجوز صرف شيء من الربح في غرس الأشجار لينتفع


(326)

بثمرها ولو بعد سنين، وكذلك اقتناء إناث أولاد الأنعام لذلك.(1)

ويمكن الاستشهاد عليه برواية ابن شجاع النيسابوري كما مرّ.

6. ادّخار الربح لشراء الدار بعد سنين

إذا لم تكن له دار واحتاج إلى شراء دار، ولا يتمكّن من شرائها بالربح الحاصل في سنة واحدة، بل يتوقف على جمع أرباح سنين، فهل تحسب من المؤنة أو لا؟الظاهر هو الثاني وإنّما يحسب من المؤنة إذا أمكن رفع الحاجة بأحد الأمرين: صرف العين أو صرف المنافع، والمفروض عدم وفاء ربح السنة الأُولى لشراء المسكن بل لا محيص عن صرف العين بالإيجار إلى سنتين أو سنين، وهذا بخلاف رأس المال، بأنّ المحتاج إليه فيه هو الجامع بين صرف العين وصرف المنافع، ولاموجب لتعيّن الأوّل.

7. بيع داره التي اشتراها في السنين السابقة

لو باع داره التي اشتراها في السنين السابقة وقبض ثمنها فلا يخلو عن صورتين:

إمّا أن يشتري بثمنه داراً، أو لا.

أمّا الصورة الأُولى، فلا يتعلّق به الخمس، وذلك لأنّ المحتاج إليه هو الجامع بين شراء دار أو إيجارها، ولا وجه لتعين الثاني، بل هو مخير، فلو صرف في الأوّل، وإلاّ يخمس، ومنه يعلم حكم الصورة الثانية.


1 . كتاب الخمس: 201.

Website Security Test