welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی عربی
صفحه اصلی مقالات دروس خارج مجله کلام اسلامی گالری تصویر استفتائات اخبار قاموس المعارف ریحانة الأدب
مقالات برگزیده
دسترسی سریع به مقاله
شبهات وردود حول ثلاثة أحاديث
شبهات وردودحول ثلاثة أحاديث///

شبهات وردود
حول ثلاثة أحاديث
جعفر السبحاني
قرأنا في أحد المواقع إشكالات حول ثلاثة أحاديث مروية عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
وهذا المقال يتكفل ببيان المقصود منها، حتى يظهر ضعف الإشكال وعدم وروده عليها.
وإليك الكلام فيها تباعاً:
1. مسائل الحجّ وسبب كثرتها
روى بكير بن أعين عن أخيه زرارة، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلني الله فداك! أسألك في الحجّ منذ أربعين عاماً فتفتيني؟ فقال: «يا زرارة بيت يُحج قبل آدم(عليه السلام) بألفي عام تُريد أن تُفنى مسائله في أربعين عاماً».1 والرواية كالصحيح حسب مصطلح أصحابنا في تقسيم الروايات.
ومحاور الإشكال كالتالي:
أوّلاً: كيف يقول زرارة: أسألك في الحجّ أربعين عاماً، مع أنّ إمامة أبي عبد الله(عليه السلام) لم تتجاوز34 عاماً، لأنّه تولّى الإمامة بعد وفاة أبيه الإمام الباقر(عليه السلام) في عام 114هـ ، وتوفّي هو عام 148هـ ؟
ثانياً: أنّ الإمام يجيب بأنّ البيت يحجّ قبل آدم بألفي عام، وهذا لا يكون جواباً على سؤال السائل، أعني ما هو السبب لكثرة الأسئلة في الحجّ؟
والجواب عن الأمر الأوّل بوجهين، أمّا أوّلاً فإنّ التعبير بأربعين عاماً ربّما يكون كناية عن كثرة الأعوام وإن لم تكن بالدقّة، أربعون عاماً وهذا أمر رائج، فإنّ الإنسان إذا عاش مع آخر أعواماً كثيرة ربّما يعبر عن مدة حياته معه بأربعين عاماً وإن كان بالدقّة أقل، ولا يوصف بالكذب.
وثانياً: فإنّ الإمام الصادق(عليه السلام) وإن كان تولّى أمر الإمامة بعد وفاة أبيه، ولكنّه كان مورد اهتمام
لأبيه فربما كان يُرجع الناس إليه ليسألوه. ويشهد على ذلك أنّ عبد الملك بن مروان بعث إلى عامله
في المدينة أن وجِّه إليّ محمد بن علي بن الحسين ولا تهيّجه ولا تروعه، واقض له حوائجه، وقد
كان ورد على عبد الملك رجل من القدرية2 فحضر جميع من كان بالشام فأعياهم جميعاً، فقال
ما لهذا إلاّ محمّد بن علي، فكتب إلى صاحب المدينة أن يحمل محمّد بن علي إليه، فأتاه
صاحب المدينة بكتابه فقال له أبو جعفر(عليه السلام): إنّي شيخ كبير، لا أقوى على الخروج وهذا جعفر ابني يقوم مقامي، فوجّهه إليه فلمّا قدم على الأموي ازدراه3 لصغره وكبره أن يجمع بينه وبين
القدري مخافة أن يغلبه، وتسامع الناس بالشام بقدوم جعفر لمخاصمة القدرية، فلمّا كان من الغد اجتمع الناس بخصومتها فقال الأموي لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّه قد أعيانا أمر هذا القدري وإنّما كتبت
إليك لأجمع بينك وبينه فإنّه لم يدَعْ عندنا أحداً إلاّ خصمه، فقال: إنّ الله يكفينا قال: فلمّا اجتمعوا قال القدري لأبي عبد الله(عليه السلام): سل عمّا شئت، فقال له: اقرأ سورة الحمد قال: فقرئها وقال الأموي ـ وأنا معه ـ : ما في سورة الحمد علينا! (إنّا لله وإنّا إليه راجعون)! قال: فجعل القدري يقرأ سورة الحمد حتى بلغ قول الله تبارك وتعالى: (إيّاكَ نَعبدُ وَإيّاكَ نستَعين)فقال له جعفر(عليه السلام): قف من تستعين؟ وما حاجتك إلى المعونة؟ إنّ الأمر إليك، فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الكافرين.4 فالحديث يكشف أنّ الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) كان مرجعاً للأسئلة في حياة أبيه، ومن الممكن انّ زرارة سأله بعض ما يرجع إلى الحجّ من الأسئلة أيام حياة أبيه.
وأمّا الجواب عن السؤال الثاني فكلام الإمام يتضمّن أمرين:
أمّا الأوّل: فقوله: «بيت يحج قبل آدم بألفي عام»، فليس الإمام منفرداً في نقله فقد أخرجه
الشافعي في مسنده5 عن ابن أبي لبيد عن محمد بن كعب القرظي أو غيره، قال:«حجّ آدم(عليه السلام)فلقيته الملائكة، فقالوا: بَرَّ نُسككَ آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام».6
وأخرجه البيهقي أيضاً في سننه7 وفي «شعب الإيمان» عن أنس بن مالك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: كان موضع البيت في زمن آدم(عليه السلام) شبراً أو أكثر عَلَماً فكانت الملائكة تحجّ إليه قبل آدم، ثم حجّ آدم فاستقبلته الملائكة، فقالوا: يا آدم من أين جئت؟ قال: حججت البيت، فقالوا قد حجته الملائكة من قبلك.8
وأمّا الثاني: أي كيف أجاب الإمام عن سبب كثرة الأسئلة حول الحجّ بقوله: «بيت يُحجّ قبل آدم بألفي عام، فتظهر حاله بالتدبّر فيما ورد من غير من واحدة من الروايات وهو أنّ الله تعالى أدخل بعض سنن أنبيائه في مناسك الحجّ عبر قرون وفرضها على العباد وهذا صار سبباً لوجود الأسئلة الكثيرة في أمر الحجّ، فلذلك جعل الإمام أبو جعفر(عليه السلام)سبب كثرة الأسئلة كون البيت يحج بألفي عام حيث تواردت الأحكام من قبل سائر الشرائع على الحجّ عبر قرون فصار ذلك سبباً لوجود كثره الاسئلة فيه ويدل على ذلك ما يلي:
1. ما أخرجه أبو داود وغيره عن يزيد بن شيبان، قال: أتانا ابن مُربع الأنصاري ونحن بعرفة في مكان يباعده عمرو عن الإمام فقال:«أمّا إنّي رسول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إليكم يقول لكم: «قفوا على مشاعركم، فإنّكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم». رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وصحّحه الألباني.9
2. ما رواه البخاري، في وجه سعي الناس بين الصفا والمروة وقال راوياً عن ابن عباس في قصة
وضع إبراهيم(عليه السلام)زوجته هاجر وابنه إسماعيل عند البيت، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«فذلك سعي الناس بينهما» رواه البخاري.10
ما يدلّ على أنّ طبيعة الحجّ طبيعة متميّزة، فكلما مرّ عليها الزمان، يواجه الحجاج مسائل جديدة لم تكن مطروحة في العصور السابقة، كما هو الواضح في زماننا هذا، حيث طرحت مسائل لا يوجد لها عنوان في الكتب الفقهية، فليس من الغريب أن يقول الإمام الصادق(عليه السلام):«بيت يحج قبل آدم بألفي عام، تريد أن تفنى مسائله في أربعين عاماً».
إنّ للإمام جعفر الصادق(عليه السلام) مقاماً رفيعاً بين الفقهاء منذ شبابه في بيان مسائل الحجّ، وقد روى مسلم في صحيحه حديثاً مفصلاً عن الإمام (عليه السلام) يصف فيه أكثر مناسك الحجّ، وكأنّ هذا الحديث هو العمدة عند الفقهاء في مناسك بيان الحجّ، قال: الزيعلي في «نصيب الراية» ما هذا نصّه: ولنذكره برمّته فإن عمدة في مناسك الحجّ أخرجه مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه، ثم ذكر الحديث إلى آخره.11
ويدلّ غير واحد من الروايات والأخبار على دور الإمام الصادق(عليه السلام) في تعليم مناسك الحجّ وأحكامه وآدابه، وانّ المسلمين بجميع طوائفهم كانوا يصدرون عن فتاواه وآرائه، نذكر هنا ما
يلي:
1. روى الصدوق(رحمه الله) عن أبي حنيفة، أنّه قال: لولا جعفر بن محمد، ما علم الناس مناسك حجّهم.12
2. روى الشيخ في «التهذيب» عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: جاء رجل يلبّي
حتّى دخل المسجد وهو يلبّي وعليه قميص، فوثب إليه أُناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شقّ قميصك وأخرجه من رجليك، فإنّ عليك بدنة وعليك الحجّ من قابل وحجّك فاسد، فطلع أبو عبد الله(عليه السلام) فقال على باب المسجد فكبّر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد الله(عليه السلام) وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال أبو عبد الله(عليه السلام):«اسكن يا عبد الله» فلمّا كلّمه وكان الرجل أعجميّاً، فقال أبو عبد الله(عليه السلام):«ما تقول؟» قال: كنت رجلاً أعمل بيدي، فاجتمع لي نفقة فجئت أحجّ لم أسأل أحداً عن شيء، فأفتوني هؤلاء أن أشق قميصي وأنزعه من قبل رجلي وانّ حجّي فاسد وإنّ علي بدنة، فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل؟» قال: قبل أن أُلبّي. قال:«فأخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة، وليس عليك الحجّ من قابل، أي رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه، طف بالبيت سبعاً، وصلّ ركعتين عند مقام إبراهيم(عليه السلام)، واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهّل بالحجّ، واصنع كما يصنع الناس».13
3. روى الشيخ في «التهذيب» عن معاوية بن عمّار قال: إنّ امرأة هلكت فأوصت بثلثها يتصدّق به عنها ويحجّ عنها ويعتق عنها فلم يسع المال ذلك فسألت أبا حنيفة وسفيان الثوري، فقال كلّ واحد منهما: انظر إلى رجل قد حجّ فقطع به فيقوّى، ورجل قد سعى في فكاك رقبته فيبقى عليه شيء فيعتق، ويتصدّق بالبقية، فأعجبني هذا القول وقلت للقوم ـ يعني أهل المرأة ـ: إنّي قد سألت لكم فتزيدون أن أسأل لكم من هو أوثق من هؤلاء؟ قالوا: نعم، فسألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن ذلك فقال: «ابدأ بالحجّ فانّ الحجّ فريضة» فما بقي فضعه في النوافل» قال: فأتيت أبا حنيفة فقلت: إنّي قد سألت فلاناً فقال لي كذا وكذا، قال: فقال: هذا والله الحق، وأخذ به وألقى هذه المسألة على أصحابه، وقعدت لحاجة لي بعد انصرافه فسمعتهم يتطارحونها، فقال بعضهم بقول أبي حنيفة الأوّل، فخطّأه من كان سمع هذا وقال: سمعت هذا من أبي حنيفة منذ عشرين سنة.14
***
2. إيضاح معنى قوله تعالى:(مِيثاقاً غَليظاً)
إنّ لصاحب الموقع إشكالاً في حديث آخر وهو ما رواه بُريد العجلي، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن قول الله عزّ وجلّ:(وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)15 قال: «الميثاق هي الكلمة التي عقد بها النكاح، وأمّا قوله: (غَليظاً) فهو ماء الرجل يفضيه إلى امرأته».16
وحاصل إشكاله: إنّ قوله تعالى: (غَليظاً) وصف للميثاق، فكيف يمكن تفسير (غَليظاً) بما أنّه وصف للميثاق، بماء الرجل يفضيه إليها».
والجواب: إنّ كلمة (غَليظاً) ليست كلمة غريبة حتى يقوم الإمام(عليه السلام) بتفسيرها، وبريد العجلي كان عربياً صميماً عارفاً بمعنى (غَليظاً)فلم يكن له أي حاجة عن السؤال عن معناها، فعلى هذا فالإمام ليس بصدد تفسير الكلمة من حيث اللغة، بل بصدد بيان كيف صار الميثاق بين الرجل والمرأة ميثاقاً غليظاً شديداً من بين سائر المواثيق، وحاصل كلامه(عليه السلام) انّ في المورد ميثاقاً، وفيه ما يوجب وصفه بالغلظة، أمّا الأوّل فهو ما أشار إليه الإمام بقوله: الكلمة التي عُقد بها النكاح.
وأمّا الثاني ـ أي كون الميثاق موصوفاً بالغلظة ـ فهو ما أُشير إليه في الآية بقوله:(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض) وهذا التعبير في الوحي الإلهي تعبير مهذّب عن حالة الوقاع بين الرجل والمرأة الذي يوجب دخول ماء الرجل فرج المرأة الذي يكون منه الولد الناشئ من المائين، وبهذا يصير الميثاق اللفظي الاعتباري، ميثاقاً مؤكَّداً بالعمل التكويني. فقول الإمام(عليه السلام):«وأمّا قوله:«غليظاً» فهذا ماء الرجل يفضيه إلى امرأته» ليس تفسيراً لمعنى «غليظاً» بل إشارة إلى الأمر الذي صار سبباً لكون الميثاق غليظاً.
فالإشكال نابع عن تصور المستشكل أنّ الإمام بصدد تفسير لفظ الغليظ، وغفل عن أنّه (عليه السلام)بصدد بيان ما هو السبب لكون الميثاق موصوفاً بالغلظة.
وبعبارة أُخرى: الاتفاق شيء والعمل به شيء آخر، فالاتفاق هو العقد، وأمّا المسّ فهو عمل بالاتفاق، فالثاني يؤكد الأوّل ويلزمه، وإلى هذا يشير الإمام(عليه السلام) بقوله:«هو ماء الرجل يفضيه إلى امرأته» فإنّه تجسيد للاتفاق القولي.
ولو أنّه رجع إلى كلمات علمائنا وكان منصفاً في القضاء، لأحجم عن الإشكال، قال العلاّمة المجلسى: إنّ غلظة هذا الميثاق باعتبار أنّه يحصل منه الولد، والمساهلة في ذلك يوجب اختلاط الأنساب .17
وقال العلاّمة الشيخ أسد الله التستري: إنّ اتباع العقد بالدخول والانزال، أوجب غلظة أمره وعظمه.18 إلى غير ذلك من الكلمات الواردة حول الرواية:
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ).
***
3. كلام في تحديد إرث الزوجة
آثار صاحب الموقع إشكالاً ثالثاً حول حرمان الزوجة عند الشيعة الإمامية من بعض التركة يقول:«لا يوجد تفصيل في إرث الزوجة بينما عند الشيعة الإمامية، الزوجة ترث الأموال المنقولة فقط وأمّا الأرض والأموال غير المنقولة فالزوجة لا ترث وهذا مخالف لظاهر آيات الإرث لأنّ ظاهرها أنّ الإرث لكلّ التركة سواء كان ربعاً أو ثمناً.
والجواب: أنّ حرمان الزوجة من بعض التركة على وجه الإجمال أمر متفق عليه عند الإمامية إلاّ من شذّ، ولكنّهم اختلفوا في موضعين:
الأوّل: في تعيين الزوجة المحرومة من الإرث
فمنهم من خصّها بغير ذات الولد وعليه الصدوق.19 وعليه بعض مراجع العصر، والأكثر تعميم
الحكم لذات الولد وغيرها.
الثاني: تحديد ما لا ترثه الزوجة
ففيه أقوال ثلاثة:
أ. أنّها تحرم من عين الرباع لا من قيمتها وأنّ الرباع وإن تسلم إلى الزوجات ولكن قيمتها محسوبة.20
ب. حرمانها من أراضي الدور والمساكن الخاصة عيناً وقيمة، دون سائر الأراضي من المزارع والبساتين، وهذا القول هو المعروف قبل الشيخ الطوسي، هو الظاهر من المفيد.21
ج. حرمانها من مطلق الأراضي، من غير فرق بين أرض عليها بناء وغيرها من المزارع والحدائق والأراضي البائرة، وهذا القول هو المعروف بعد الشيخ الطوسي.
وبما ذكرنا يعلم انّ المستشكل مرّ على المسألة مروراً عابراً ولم يشر إلى واقع الاختلاف في الموضعين.
ثمّ إنّ فقهاء الإمامية استندوا في حرمان الزوجة على وجه الإجمال على روايات تناهز العشرين بين صحيحة وموثقة وحسنة، ومن المعلوم أنّ ظاهر الآيات وإن كانت مطلقة أو عامة لكن المطلق يقيّد والعموم يخصّص لا بالخبر الواحد فإنّ القرآن الكريم أعلى وأجل من أن يخصّص بالخبر الواحد، وإنّما يخصّص بالروايات المتواترة أو المتضافرة، والروايات في هذا المورد إمّا متواترة أو متضافرة.
نعم لو كانت الرواية مخالفة للكتاب على وجه التباين يضرب بها الجدار، لا ما إذا كانت
النسبة هي العموم والخصوص، وهذه مسألة لم يشك فيها أي فقيه . والروايات المروية عن أئمّة
أهل البيت(عليهم السلام) حجّة حسب الخبر المتواتر:«إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل
بيتي».
وأمّا وجه خفاء الحكم في مورد إرث الزوجة إلى عصر الإمام الباقر والصادق(عليهما السلام) فلأنّ
الظروف الحرجة التي مرّ بها أهل البيت وشيعتهم في العصر الأموي صارت سبباً لتأخير بيان
قسم من الأحكام. ولولا خوف الإطالة لذكرنا شيئاً عن الظروف الضاغطة على الأئمّة وشيعتهم
في ذلك العصر.
ثمّ إنّ خفاء هذا الحكم ليس أمراً بديعاً، وكم له من نظير ووجه ذلك انّه لم يدون من الحديث النبوي حول الشريعة والأحكام العملية إلاّ قرابة خمسمئة حديث تمدّها موقوفات لم تثبت نسبتها إلى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).22 ومن المعلوم أنّ هذه الكمية القليلة من الأحاديث لا تسدّ حاجة المجتمع الإسلامي إلى يوم القيامة، فلا محيص عن القول بخفاء قسم من الأحكام التي بينها الرسول، فليكن حرمان الزوجة عن بعض التركة في العصور الأُولى من هذا القبيل، غير أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الذين هم اعدال الكتاب وقرناؤه بيّنوه ـ بعد ما صفى الجوّ لهم نسبيّاً كأكثر الأحكام التي لم يصل فيها حديث من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي نهاية المطاف أقول: إنّ المستشكل ينكر تخصيص الكتاب بالأخبار المتضافرة مع أنّ نحلته وقومه رفضوا صريح القرآن بالخبر الواحد، في موضعين:
1. حرموا أزواج النبي من ميراث زوجهن بخبر ينقضه القرآن الكريم، وهو ما رواه أبو بكر عن النبي أنّه قال:«نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» وهذا الخبر يعارض تماماً مع قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيَْمانُ دَاوُدَ)23، وقوله تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)24.
ثمّ إنّهم خصصوا عموم قوله تعالى في مورد الأزواج: (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ
فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الُّثمُنُ)25 بحرمان أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من إرثه.
2. حرموا سيدة نساء العالمين ميراثها من أبيها مع تصريح القرآن بذلك، يقول سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)26، وهم بعملهم هذا جعلوا الصديقة الطاهرة(عليها السلام) في مرتبة القاتلة الممنوعة من ميراث والدها لجرمها، وفي مرتبة الذميّة الممنوعة من الميراث لكفرها، فما أعظم الفرية على الله عزّ وجلّ وردّ كتابه، ولم تقشعر لذلك جلودهم ولا أبته نفوسهم، فلما ورد الخبر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق عترته الصادقين الأبرار بمنع الزوجات ملك الرباع من ذلك قيمة الطوب والآلات والبناء جعلوا ذلك خلافاً للقرآن مع أنّ موقف الأخبار المروية عن أهل البيت(عليهم السلام)موقف المخصّص إلى العام .
ولنا في هذا الصدد اقتراح نقدمه للمستشكل، وهو أنّه كان من اللازم عليه أن يقوم ـ خضوعاً لما قيل «الدار ثم الجار» ـ بنقد رواياتهم قبل نقد روايات الآخرين، ولذا فليبين لنا مفاد الروايات التالية التي وردت في الصحيحين نذكرها بلا توضيح لانّ عوارها واضح للجميع:
1. ما أخرجه البخاري عن عمرو بن ميمون، قال:«رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردةٌ، قد زنت، فرجموها، فرجمتها معهم».27
الرواية وإن لم تكن مروية على لسان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكن بما أنّها في كتاب مناقب الأنصار فهي تشير إلى قيمة ومكانة هذا الصحيح.
2. ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة:«جاء ملك الموت إلى موسى(عليه السلام) فقال له: أجب ربّك، قال: فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني».28
3. أخرج البخاري في صحيحه عن محمد عن أبي هريرة، قال:«إنّ نبي الله سليمان(عليه السلام) كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفنّ الليلة على نسائي فلتحملن كلّ امرأة ولتلدن فارساً يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدت منهن إلاّ امرأة ولدت شِقَّ غلام».29
4. أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لم يكذب إبراهيم(عليه السلام) إلاّ ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله عزّ وجلّ: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إنّ هاهنا رجلاً معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فاسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أُختي... . أقرأ ـ إنْ شئت ـ بقية الرواية في مصدرها،30 فإنّ فيها ما يندى له الجبين، ويخجل القلم من تسطيره لمنافاته للغَيرة والحميّة الّتي يحسّ بها الإنسان السويّ، بلْهَ النبيّ (عليه السلام).
5. أخرج البخاري عن أبي هريرة، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإنّ في إحدى جناحيه داء والأُخرى شفاء».31
وكم في الصحيحين 32 وغيرهما من أحاديث تناقض الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الحصيف، وإنّما قدمنا نماذج ليدرسها، فلو أراد التفصيل فليراجع كتابنا:«الحديث النبوي بين الرواية والدراية».

1 . من لا يحضره الفقيه:2/519.
2. القدري في الأخبار يطلق على الجبري وعلى التفويضي، والمراد في هذا الخبر هو الثاني وقد أحال كلّ من الفريقين ما ورد في ذلك على الآخر وقد ورد في ذمهم أحاديث كثيرة في كتب الفريقين مثل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن الله القدرية على لسان سبعين نبياً». وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «القدرية مجوس أُمّتي».
3 . استخفّ به.
4 . تفسير العياشي:1/23ـ 24; بحارالأنوار:5/55.
5 . مسند الشافعي، ترتيب سنجر، ج2، ص 170.
6 . سنن البيهقي:5/288.
7 . سنن البيهقي:5/288.
8 . شعب الإيمان للبيهقي:5/449 وفي سننه الكبرى:5/288.
9 . سنن أبي داود، باب موضع الوقوف بعرفة:2/189 وبهامشه تحقيق الألباني وحكمه بالصحّة والترمذي باب ما جاء في الوقوف بعرفات:3/221 و سنن النسائي:5/255 وسنن ابن ماجة:4/215. واللفظ لأبي داود أمّا لفظ الترمذي وغيره فكما يلي: كونوا على مشاعركم فإنّكم على إرث من إرث إبراهيم».
10 . صحيح البخاري، ج4، ص 142، الحديث 3364.
11 . صحيح مسلم:4/39ـ 43، باب حجّة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); سنن أبي داود:2/...، برقم 1905; شرح صحيح مسلم للنووري:7ـ8، باب حجة النبي برقم 2941.
12 . الفقيه:2/519، كتاب الحجّ، باب نوادر الحجّ، برقم 3113.
13 . تهذيب الأحكام:5/72ـ 73، باب إذا لبس الإنسان قميصاً... .
14 . تهذيب الأحكام:5/407، الحديث 63.
15 . النساء:21.
16 . الكافي:5/560ـ561، برقم 19.
17 . مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول:20/413.
18 . مقابس الأنوار:268.
19 . لاحظ: الفقيه: باب نوادر الميراث:4/252، الحديث8.
20 . لاحظ: الانتصار:31.
21 . لاحظ: المقنعة:687.
22 . لاحظ: الوحي المحمدي:187.
23 . النمل:16.
24 . مريم:5ـ6.
25 . النساء:12.
26 . النساء:11.
27 . صحيح البخاري:5/44، وبرقم 3849، طبعة دار الفكر، كتاب مناقب الأنصار.
28 . صحيح مسلم:7/99ـ 100، باب من فضائل موسى.
29 . صحيح البخاري: 9/138، باب قول الله: «إنّما قولنا لشيء» من كتاب التوحيد.
30 . صحيح البخاري:4/112، كتاب بدء الخلق، وبرقم 3358، طبعة دار الفكر.
31 . صحيح البخاري:809، برقم 3320، طبعة دار الفكر.
32 . انظر: على سبيل المثال: صحيح البخاري: الأحاديث: 3286، 3404، 3019، 3303، 3305 .

Website Security Test